حمل مباشرة من السهم النازل المصدر نداء الإيمان

الجامع لمؤلفات الشيخ الألباني /.الجنى الداني من دوحة الألباني /الـذاكـر /القرآن الكريم مع الترجمة /القرآن الكريم مع التفسير/القرآن الكريم مع التلاوة /المكتبة اللغوية الإلكترونية /الموسوعة الحديثية المصغرة ./برنامج الأسطوانة الوهمية /برنامج المنتخب فى تفسير القرآن الكريم /برنامج الموسوعة الفقهية الكويتية /برنامج الموسوعة القرآنية المتخصصة /برنامج حقائق الإسلام في مواجهة المشككين /برنامج فتاوى دار الإفتاء في مائة عام ولجنة الفتوى بالأزهر /برنامج مكتبة السنة /برنامج موسوعة المفاهيم الإسلامية /اللإمام اللكنوى /خلفيات إسلامية رائعة /مجموع فتاوى ابن تيمية /مكتبة الإمام ابن الجوزي /مكتبة الإمام ابن حجر العسقلاني /مكتبة الإمام ابن حجر الهيتمي /مكتبة الإمام ابن حزم الأندلسي /مكتبة الإمام ابن رجب الحنبلي /مكتبة الإمام ابن كثير /مكتبة الإمام الذهبي /مكتبة الإمام السيوطي /مكتبة الإمام محمد بن علي الشوكاني /مكتبة الشيخ تقي الدين الهلالي /مكتبة الشيخ حافظ بن أحمد حكمي /موسوعة أصول الفقه /.موسوعة التاريخ الإسلامي /موسوعة الحديث النبوي الشريف /موسوعة السيرة النبوية /موسوعة المؤلفات العلمية لأئمة الدعوة النجدية /موسوعة توحيد رب العبيد /موسوعة رواة الحديث /موسوعة شروح الحديث /موسوعة علوم الحديث /موسوعة علوم القرآن /موسوعة علوم اللغة /موسوعة مؤلفات الإمام ابن القـم /موسوعة مؤلفات الإمام ابن تيمية /موسوعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب

الخميس، 3 مايو 2018

16. السيرة النبوية لابن هشام من (5/ 35) الي (5/ 123)



*3*حسان بن ثابت يبكي شهداء مؤتة
@ قال ابن إسحاق : وكان مما بكى به أصحاب مؤتة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قول حسان بن ثابت
تأوبني ليل بيثرب أعسر * وهم إذا ما نوم الناس مسهر
لذكرى حبيب هيجت لي عبرة * سفوحا وأسباب البكاء التذكر (5/ 35)
بلى إن فقدان الحبيب بلية * وكم من كريم يبتلى ثم يصبر
رأيت خيار المؤمنين تواردوا * شعوب وخلفا بعدهم يتأخر
فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا * بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر
وزيد وعبدالله حين تتابعوا * جميعاً وأسباب المنية تخطر
غداة مضوا بالمؤمنين يقودهم * إلى الموت ميمون النقيبة أزهر
أغر كضوء البدر من آل هاشم * أبي إذا سيم الظلامة مجسر
فطاعن حتى مال غير موسد * لمعترك فيه قنا متكسر
فصار مع المستشهدين ثوابه * جنان وملتف الحدائق أخضر
وكنا نرى في جعفر من محمد * وفاء وأمراً حازماً حين يأمر
فما زال في الإسلام من آل هاشم * دعائم عز لا يزلن ومفخر
هم جبل الإسلام والناس حولهم * رضام إلى طود يروق ويقهر
بها ليل منهم جعفر وابن أمه * علي ومنهم أحمد المتخير
وحمزة والعباس منهم ومنهم * عقيل وماء العود من حيث يعصر
بهم تفرج اللأواء في كل مأزق * عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر
هم أولياء الله أنزل حكمه * عليهم ، وفيهم ذا الكتاب المطهر (5/ 36)
*3*شعر كعب بن مالك في غزوة مؤتة :
@ وقال كعب بن مالك :
نام العيون ودمع عينك يهمل * سحاً وكف الطباب المخضل
في ليلة وردت علي همومها * طورا أحن وتارة أتململ
واعتادني حزن فبت كأنني * ببنات نعش والسماك موكل
وكأنما بين الجوانح والحشى * مما تأوبني شهاب مدخل
وجدا على النفر الذين تتابعوا * يوما بمؤتة أسندوا لم ينقلوا
صلى ا لإله عليهم من فتية * وسقى عظامهم الغمام المسبل (5/ 37)
صبروا بمؤتة للإله نفوسهم * حذر الردى ومخافة أن ينكلوا
فمضوا أمام المسلمين كأنهم * فنق عليهن الحديد المرفل
إذ يهتدون بجعفر ولوائه * قدام أولهم فنعم الأول
حتى تفرجت الصفوف وجعفر * حيث التقى وعث الصفوف مجدل
فتغير القمر المنير لفقده * والشمس قد كسفت وكادت تأفل
قرم علا بنيانه من هاشم * فرعا أشم وسؤدداً ما ينقل
قوم بهم عصم الإله عباده * وعليهم نزل الكتاب المنزل
فضلوا المعاشر عزة وتكرما * وتغمدت أحلامهم من يجهل (5/ 38)
لا يطلقون إلى السفاه حباهم * ويرى خطيبهم بحق يفصل
بيض الوجوه ترى بطون أكفهم * تندى إذا اعتذر الزمان الممحل
يهديهم رضي الإله لخلقه * وبجدهم نصر النبي المرسل
*3*حسان يبكي جعفراً بعد غزوة مؤتة :
@ وقال حسان بن ثابت يبكي جعفر بن أبي طالب رضى الله عنه :
ولقد بكيت وعز مهلك جعفر * حب النبي على البرية كلها
ولقد جزعت وقلت حين نعيت لي * من للجلاد لدى العقاب وظلها
بالبيض حين تسل من أغمادها * ضربا وإنهال الرماح وعلها
بعد ابن فاطمة المبارك جعفر * خير البرية كلها وأجلها
رزءاً وأكرمها جميعاً محتداً * وأعزها متظلما وأذلها
للحق حين ينوب غير تنحل * كذباً ، وأنداها يداً وأقلها (5/ 39)
فحشا ، وأكثرها إذا ما يجتدى * فضلاً ، وأبذلها ندى وأبلها
بالعرف غير محمد لا مثله * حي من أحياء البرية كلها
*3*حسان يبكي زيد بن حارثة وعبدالله بن رواحة بعد مؤتة :
@ وقال حسان بن ثابت في يوم مؤتة يبكي زيد بن حارثة وعبدالله بن رواحة :
عين جودي بدمعك المنزور * واذكري في الرخاء أهل القبور (5/ 40)
واذكري مؤتة وما كان فيها * يوم راحوا في وقعة التغوير
حين راحوا وغادروا ثم زيداً * نعم مأوى الضريك والمأسور
حب خير الأنام طرا جميعا * سيد الناس حبه في الصدور
ذاكم أحمد الذي لا سواه * ذاك حزني له معا وسروري
إن زيدا قد كان منا بأمر * ليس أمر المكذب المغرور
ثم جودي للخزرجي بدمع * سيداً كان ثم غير نزور
قد أتانا من قتلهم ما كفانا * فبحزن نبيت غير سرور
قول أحد الشعراء بعد رجوعه من مؤتة :
*3*وقال شاعر من المسلمين ممن رجع من غزوة مؤتة (5/ 41)
@ كفى حزنا أني رجعت وجعفر * وزيد وعبدالله في رمس أقبر
قضوا نحبهم لما مضوا لسبيلهم * وخلفت للبلوى مع المتغبر
ثلاثة رهط قدموا فتقدموا * إلى ورد مكروه من الموت أحمر
*3*تسمية شهداء مؤتة :
@ وهذه تسمية من استشهد يوم مؤتة .
*3*من بني هاشم :
@ من قريش ، ثم من بني هاشم : جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ، وزيد بن حارثة رضي الله عنه .
*3*من بني عدي :
@ ومن بني عدي بن كعب : مسعود بن الأسود بن حارثة بن نضلة .
*3*من بني مالك :
@ ومن بني مالك بن حسل : وهب بن سعد بن أبي سرح .
*3*من الأنصار :
@ ومن الأنصار ثم من بني الحارث بن الخزرج : عبدالله بن رواحة ، وعباد بن قيس .
ومن بني غنم بن مالك بن النجار : الحارث بن النعمان بن أساف بن نضلة ابن عبد بن عوف بن غنم . (5/ 42)
ومن بني مازن بن النجار : سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء .
*3*من ذكرهم ابن هشام :
@ قال ابن هشام : وممن استشهد يوم مؤتة ، فيما ذكر ابن شهاب :
من بني مازن بن النجار : أبو كليب وجابر ، ابنا عمرو بن زيد بن عوف ابن مبذول وهما لأب وأم .
ومن بني مالك بن أفصى : عمرو وعامر ، ابنا سعد بن الحارث بن عباد ابن سعد بن عامر بن ثعلبة بن مالك بن أفصى .
قال ابن هشام : ويقال : أبو كلاب وجابر ، ابنا عمرو .
*2*ذكر الأسباب الموجبة للسير إلى مكة وذكر فتح مكة في شهر رمضان سنة ثمان
*3*القتال بين بكر وخزاعة :
@ قال ابن إسحاق : ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد بعثه إلى مؤتة جمادى الآخرة ورجبا .
ثم إن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خزاعة ، وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له : الوتير ، وكان الذي هاج ما بين بني بكر وخزاعة أن رجلاً من بني الحضرمي ، واسمه مالك بن عباد - وحلف الحضرمي يومئذ إلى الأسود بن رزن - (5/ 43) خرج تاجراً ، فلما توسط أرض خزاعة ، عدوا عليه فقتلوه ، وأخذوا ماله .
فعدت بنو بكر على رجل من بني خزاعة فقتلوه ، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بني الأسود بن رزان الديلي - وهم منخر بني كنانة وأشرافهم - سلمى وكلثوم وذؤيب - فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم .
قال ابن إسحاق : وحدثني رجل من بني الديل ، قال : كان بنو الأسود بن رزن يودون في الجاهلية ديتين ديتين ، ونودي دية دية ، لفضلهم فينا .
قال ابن إسحاق : فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك حجز بينهم الإسلام ، وتشاغل الناس به . فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش ، كان فيما شرطوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وشرط لهم .
كما حدثني الزهري ، عن عروة بن الزبير ، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم ، وغيرهم من علمائنا : أنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده فليدخل فيه ، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه ، فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم ، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده .
قال ابن إسحاق : فلما كانت الهدنة اغتنمها بنو الديل من بني بكر من خزاعة ، وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأراً بأولئك النفر الذين أصابوا منهم ببني الأسود بن رزن ، فخرج نوفل بن معاوية الديلي في بني الديل ، وهو يومئذ قائدهم ، وليس كل بني بكر تابعه حتى بيت خزاعة وهم على (5/ 44) الوتير ، ماء لهم ، فأصابوا منهم رجلاً ، وتحاوزوا واقتتلوا .
ورفدت بني بكر قريش بالسلاح ، وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفياً ، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم ، فلما انتهوا إليه ، قالت بنو بكر : يا نوفل إنا قد دخلنا الحرم ، إلهك إلهك ، فقال : كلمة عظيمة ، لا إله له اليوم ، يا بني بكر أصيبوا ثأركم ، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم ، أفلا تصيبون ثأركم فيه ؛ وقد أصابوا منهم ليلة بيتوهم بالوتير رجلاً ، يقال له : منبه .
وكان منبه رجلاً مفؤداً خرج هو ورجل من قومه يقال له : تميم بن أسد ، وقال له منبه : يا تميم انج بنفسك ، فأما أنا فوالله إني لميت ، قتلوني أو تركوني ، لقد أنبت فؤادي ، وانطلق تميم فأفلت ، وأدركوا منبها فقتلوه ، فلما دخلت خزاعة مكة ، لجئوا إلى دار بديل بن ورقاء ، ودار مولى لهم يقال له : رافع فقال تميم بن أسد يعتذر من فراره من منبه :
*3*شعر تميم يعتذر من فراره عن منبه :
@ لما رأيت بني نفاثة أقبلوا * يغشون كل وتيرة وحجاب
صخراً ورزناً لا عريب سواهم * يزجون كل مقلص خناب
وذكرت ذحلاً عندنا متقادما * فيما مضى من سالف الأحقاب (5/ 45)
ونشيت ريح الموت من تلقائهم * ورهبت وقع مهند قضاب
وعرفت أن من يثقفوه يتركوا * لحما لمجرية وشلو غراب
قومت رجلا لا أخاف عثارها * وطرحت بالمتن العراء ثيابي
ونجوت لا ينجو نجائي أحقب * علج أقب مشمر الأقراب
تلحى ولو شهدت لكان نكيرها * بولاً يبل مشافر القبقاب
القوم أعلم ما تركت منبها * عن طيب نفس فاسألي أصحابي
قال ابن هشام : وتروى لحبيب بن عبدالله الأعلم الهذلي . وبيته : وذكرت ذحلا عندنا متقادما ، عن أبي عبيدة ، وقوله : خناب ، وعلج أقب مشمر الأقراب عنه أيضاً .
شعر الأخزر فيما وقع بين خزاعة وبكر
قال ابن إسحاق : وقال الأخزر بن لعط الديلي ، فيما كان بين كنانة وخزاعة في تلك الحرب :
ألا هل أتى قصوى الأحابيش أننا * رددنا بني كعب بأفوق ناصل
حبسناهم في دارة العبد رافع * وعند بديل محبسا غير طائل (5/ 46)
بدار الذليل الأخذ الضيم بعدما * شفينا النفوس منهم بالمناصل
حبسناهم حتى إذا طال يومهم * نفحنا لهم من كل شعب بوابل
نذبحهم ذبح التيوس كأننا * أسود تبارى فيهم بالقواصل
هم ظلمونا واعتدوا في مسيرهم * وكانوا لدى الأنصاب أول قاتل
كأنهم بالجزع إذ يطردونهم * بفا ثور حفان النعام الجوافل (5/ 47)
*3*بديل بن عبد مناة يرد على الأخزر:
@ فأجابه بديل بن عبد مناة بن سلمة بن عمرو بن الأجب ، وكان يقال له : بديل بن أم أصرم ، فقال :
تفاقد قوم يفخرون ولم ندع * لهم سيداً يندوهم غير نافل
أمن حنيفة القوم الألى تزدريهم * تجيز الوتير خائفا غير آئل
وفي كل يوم نحن نحبو حباءنا * لعقل ولا يحبى لنا في المعاقل
ونحن صبحنا بالتلاعة داركم * بأسيافنا يسبقن لوم العواذل
ونحن منعنا بين بيض وعتود * إلى خيف رضوى من مجر القنابل
ويوم الغميم قد تكفت ساعيا * عبيس فجعناه بجلد حلاحل
أإن أجمرت في بيتها أم بعضكم * بجعموسها تنزون أن لم نقاتل
كذبتم وبيت الله ما إن قتلتم * ولكن تركنا أمركم في بلابل (5/ 48)
قال ابن هشام : قوله : غير نافل ، وقوله : إلى خيف رضوى ، عن غير ابن إسحاق .
*3*شعر حسان في الحرب بين كنانة وخزاعة :
@ قال ابن هشام : وقال حسان بن ثابت في ذلك :
لحا الله قوما لم ندع من سراتهم * لهم أحدا يندوهم غير ناقب
أخصيي حمار مات بالأمس نوفلاً * متى كنت مفلاحاً عدو الحقائب
*3*خزاعة تستنجد بالرسول :
@ قال ابن إسحاق : فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة ، وأصابوا منهم ما أصابوا ، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق بما استحلوا من خزاعة ، وكانوا في عقده وعهده ، خرج عمرو بن سالم الخزاعى ، ثم أحد بني كعب ، حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، وكان ذلك مما هاج فتح مكة ، فوقف عليه وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس ، فقال :
يا رب إني ناشد محمدا * حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولدا وكنا والدا * ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا اعتدا * وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجردا * إن سيم خسفا وجهه تربدا
في فيلق كالبحر يجري مزبدا * إن قريشا أخلفوك الموعدا (5/ 49)
ونقضوا ميثاقك الموكدا * وجعلوا لي في كداء رصدا
وزعموا أن لست أدعوا أحدا * وهم أذل وأقل عددا
هم بيتونا بالوتير هجدا * وقتلونا ركعا سجدا
يقول : قتلنا وقد أسلمنا .
قال ابن هشام : ويروى أيضاً :
فانصر هداك الله نصرا أيدا *
قال ابن هشام : ويروى أيضاً :
نحن ولدناك فكنت ولدا *
قال ابن إسحاق : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نصرت يا عمرو بن سالم . ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء ، فقال : إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب .
*3*ذهاب ابن ورقاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم شاكياً وتعرف أبي سفيان أمره :
@ ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فأخبروه بما أصيب منهم ، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم ، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس : كأنكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشد العقد ، ويزيد في المدة .
ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه حتى لقوا (5/ 50) أبا سفيان بن حرب بعسفان ، قد بعثته قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليشد العقد ، ويزيد في المدة ، وقد رهبوا الذين صنعوا .
فلما لقي أبو سفيان بديل بن ورقاء ، قال : من أين أقبلت يا بديل ؟ وظن أنه قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال : تسيرت في خزاعة في هذا الساحل ، وفي بطن هذا الوادي ؛ قال : أو ما جئت محمداً ؟ قال : لا ؛ فلما راح بديل إلى مكة ، قال أبو سفيان : لئن جاء بديل المدينة لقد علف بها النوى ، فأتى مبرك راحلته ، فأخذ من بعرها ففته ، فرأى فيه النوى ، فقال : أحلف بالله لقد جاء بديل محمداً .
*3*خروج أبي إلى المدينة سفيان للصلح وإخفاقة :
@ ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ، فدخل على ابنته أم حبيبة بنت أبي سفيان ؛ فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه ؛ فقال : يا بنية ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عني ؟
قالت : بل هو فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنت رجل مشرك نجس ، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال : والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر .
ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه ، فلم يرد عليه شيئاً ، ثم ذهب إلى أبي بكر ، فكلمه أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ما أنا بفاعل ، ثم أتى عمر بن الخطاب فكلمه ، فقال : أأنا أشفع لكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فوالله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم به .
ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ، وعنده فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنها ، وعندها حسن بن علي ، غلام يدب بين يديها ، فقال : (5/ 51) يا علي إنك أمس القوم بي رحماً ، وإني قد جئت في حاجة ، فلا أرجعن كما جئت خائباً ، فاشفع لي إلى رسول الله ؛ فقال : ويحك يا أبا سفيان ! والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه .
فالتفت إلى فاطمة ، فقال : يا ابنة محمد ، هل لك أن تأمري بنيك هذا فيجير بين الناس ، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر ؟
قالت : والله ما بلغ بني ذلك أن يجير بين الناس ، وما يجير أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : يا أبا الحسن ، إني أرى الأمور قد اشتدت علي ، فانصحني ؛ قال : والله ما أعلم لك شيئاً يغني عنك شيئاً ، ولكنك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ، ثم الحق بأرضك ؛ قال : أو ترى ذلك مغنياً عني شيئاً ؟
قال : لا والله ، ما أظنه ، ولكني لا أجد لك غير ذلك . فقام أبو سفيان في المسجد ، فقال : أيها الناس إني أجرت بين الناس . ثم ركب بعيره فانطلق ، فلما قدم على قريش ، قالوا : ما وراءك ؟
قال : جئت محمداً فكلمته ، فوالله ما رد علي شيئاً ، ثم جئت ابن أبي قحافة ، فلم أجد فيه خيراً ، ثم جئت ابن الخطاب فوجدته أدنى العدو . (5/ 52)
قال ابن هشام : أعدى العدو .
قال ابن إسحاق : ثم جئت علياً فوجدته ألين القوم ، وقد أشار علي بشيء صنعته ، فوالله ما أدري هل يغني ذلك شيئاً أم لا ؟ قالوا : وبم أمرك ؟ قال : أمرني أن أجير بين الناس ، ففعلت ؛ قالوا : فهل أجاز لك محمد ؟ قال : لا ، قالوا : ويلك ! والله إن زاد الرجل على أن لعب بك ، فما يغني عنك ما قلت . قال : لا والله ، ما وجدت غير ذلك .
*3*الاستعداد لفتح مكة :
@ وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجهاز ، وأمر أهله أن يجهزوه ، فدخل أبو بكر على ابنته عائشة رضي الله عنها ، وهي تحرك بعض جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال : أي بنية : أأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تجهزوه ؟
قالت : نعم فتجهز ، قال : فأين ترينه يريد ؟ قالت : لا والله ما أدري . ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة ، وأمرهم بالجد والتهيؤ ، وقال : اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها . فتجهز الناس .
*3*حسان يحث الناس على فتح مكة :
@ فقال حسان بن ثابت يحرض الناس ، ويذكر مصاب رجال خزاعة :
عناني ولم أشهد ببطحاء مكة * رجال بني كعب تحز رقابها
بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم * وقتلى كثير لم تجن ثيابها
ألا ليت شعري هل تنالن نصرتي * سهيل بن عمرو وخزها وعقابها
وصفوان عود حن من شفراسته * فهذا أوان الحرب شد عصابها
فلا تأمننا يا بن أم مجالد * إذا احتلبت صرفا وأعصل نابها
ولا تجزعوا منا فإن سيوفنا * لها وقعة بالموت يفتح بابها (5/ 53)
قال ابن هشام : قول حسان : بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم ، يعني : قريشاً ؛ وابن أم مجالد ، يعني : عكرمة بن أبي جهل .
*3*كتاب حاطب يحذر أهل مكة :
@ قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا ، قالوا : لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة ، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأمر في السير إليهم .
ثم أعطاه امرأة زعم محمد بن جعفر أنها من مزينة ، وزعم لي غيره أنها سارة ، مولاة لبعض بني عبدالمطلب وجعل لها جعلاً على أن تبلغه قريشاً ، فجعلته في رأسها ، ثم فتلت عليه قرونها ، ثم خرجت به .
*3*الخبر من السماء بما فعل حاطب :
@ وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب ، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام رضي الله عنهما ، فقال : أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبي بلتعة بكتاب إلى قريش ، يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم فخرجا حتى أدركاها بالخليقة ، خليقة بني أبي أحمد ، فاستنزلاها ، فالتمسا في رحلها ، فلم يجدا شيئاً .
فقال لها علي بن أبي طالب : إني أحلف بالله ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاكذبنا ، ولتخرجن لنا هذا الكتاب أو لنكشفنك ، فلما (5/ 54) رأت الجد منه ، قالت : أعرض فأعرض فحلت قرون رأسها ، فاستخرجت الكتاب منها ، فدفعته إليه .
فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطباً ، فقال : يا حاطب ما حملك على هذا ؟ فقال : يا رسول الله ، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ، ما غيرت ولا بدلت ، ولكني كنت امرأ ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة ، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل ، فصانعتهم عليهم .
فقال عمر بن الخطاب : يا رسول الله ، دعني فلأضرب عنقه ، فإن الرجل قد نافق ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وما يدريك يا عمر ، لعل الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم ، فقد غفرت لكم .
فأنزل الله تعالى في حاطب : (( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة )) إلى قوله : (( لقد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه ، إذ قالوا لقومهم إنا براء (5/ 55) منكم ومما تعبدون من دون الله ، كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده )) . . . إلى آخر القصة .
*3*خروج الرسول إلى مكة :
@ قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود ، عن عبدالله بن عباس ، قال : ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره ، واستخلف على المدينة أبا رهم ، كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفاري ، وخرج لعشر مضين من رمضان ، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصام الناس معه ، حتى إذا كان بالكديد ، بين عسفان وأمج أفطر .
*3*تلمس قريش أخباره عليه السلام :
@ قال ابن إسحاق : ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين ، فسبعت سليم ، وبعضهم يقول ألفت سليم ، وألفت مزينة ، وفي كل القبائل عدد وإسلام ، وأوعب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المهاجرون والأنصار ، فلم يتخلف عنه منهم أحد .
فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران ، وقد عميت الأخبار عن قريش ، فلم يأتهم خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولايدرون ما (5/ 56) هو فاعل .
وخرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب ، وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء ، يتحسسون الأخبار ، وينظرون هل يجدون خبراً أو يسمعون به ، وقد كان العباس بن عبدالمطلب لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق .
*3*هجرة العباس :
@ قال ابن هشام : لقيه بالجحفة مهاجراً بعياله ، وقد كان قبل ذلك مقيماً بمكة على سقايته ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عنه راض ، فيما ذكر ابن شهاب الزهري .
*3*إسلام أبي سفيان بن الحارث وعبدالله بن أبي أمية :
@ قال ابن إسحاق : وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب وعبدالله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً بنيق العقاب ، فيما بين مكة والمدينة ، فالتمسا الدخول عليه ، فكلمته أم سلمة فيهما ، فقالت : يا رسول الله ، ابن عمك وابن عمتك وصهرك ؛ قال : لا حاجة لي بهما ، أما ابن عمي فهتك عرضي ، وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال .
قال : فلما خرج الخبر إليهما بذلك ، ومع أبي سفيان بني له . فقال : والله ليأذنن لي أو لأخذن بيدي بني هذا ، ثم لنذهبن في (5/ 57) الأرض حتى نموت عطشاً وجوعاً ؛ فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما ، ثم أذن لهما ، فدخلا عليه ، فأسلما .
*3*ما أنشده أبو سفيان في إسلامه :
@ وأنشد أبو سفيان بن الحارث قوله في إسلامه ، واعتذر إليه مما كان مضى منه ، فقال :
لعمرك إني يوم أحمل راية * لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله * فهذا أواني حين أهدي وأهتدي
هداني هاد غير نفسي ونالني * مع الله من طردت كل مطرد
أصد وأنأى جاهداً عن محمد * وأدعى وإن لم أنتسب من محمد
هم ما هم من لم يقل بهواهم * وإن كان ذا رأي يلم ويفند
أريد لأرضيهم ولست بلائط * مع القوم ما لم أهد في كل مقعد
فقل لثقيف لا أريد قتالها * وقل لثقيف تلك : غيري أوعدي
فما كنت في الجيش الذي نال عامراً * وما كان عن جرا لساني ولا يدي (5/ 58)
قبائل جاءت من بلاد بعيدة * نزائع جاءت من سهام وسردد
قال ابن هشام : ويروى : ودلني على الحق من طردت كل مطرد .
قال ابن إسحاق : فزعموا أنه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله : ونالني مع الله من طردت كل مطرد ، ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدره ، وقال : أنت طردتني كل مطرد .
*3*إسلام أبي سفيان على يدي العباس بن عبدالمطلب :
@ فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران ، قال العباس بن عبدالمطلب : فقلت : واصباح قريش ، والله لئن دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه ، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر .
قال : فجلست على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء ، فخرجت عليها . قال : حتى جئت الأراك ، فقلت : لعلي أجد بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة يأتي مكة ، فيخبرهم بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة .
قال : فوالله إني لأسير عليها ، وألتمس ما خرجت له ، إذ سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء ، وهما يتراجعان ، وأبو سفيان يقول : ما رأيت كالليلة نيراناً قط ولا عسكراً ، قال : يقول بديل : هذه والله خزاعة حمشتها الحرب . قال : يقول أبو سفيان : خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها . (5/ 59)
قال : فعرفت صوته ، فقلت : يا أبا حنظلة ، فعرف صوتي ، فقال : أبو الفضل ؟ قال : قلت : نعم ، قال : ما لك ؟ فداك أبي وأمي ، قال : قلت : ويحك يا أبا سفيان ، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس ، واصباح قريش والله ، قال : فما الحيلة ؟ فداك أبي وأمي ، قال : قلت : والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك ، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأمنه لك ؛ قال : فركب خلفي ورجع صاحباه .
قال : فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين ، قالوا : من هذا ؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عليها ، قالوا : عم رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته .
حتى مررت بنار عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فقال : من هذا ؟ وقام إلي ؛ فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة ، قال : أبا سفيان عدو الله ! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد ، ثم خرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وركضت البغلة ، فسبقته بما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء .
قال : فاقتحمت عن البغلة ، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ودخل عليه عمر ، فقال : يا رسول الله ، هذا أبو سفيان أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد ، فدعني فلأضرب عنقه .
قال : قلت : يا رسول الله ، إني قد أجرته ، ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذت برأسه ، فقلت : والله لا يناجيه الليلة دوني رجل ؛ فلما أكثر عمر في شأنه ، قال : قلت : مهلاً يا عمر ، فوالله أن لو كان من بني عدي بن كعب ما قلت هذا ، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف ؛ فقال : مهلا يا عباس ، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب لو أسلم ، وما بي إلا أني قد عرفت أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب لو أسلم . (5/ 60)
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتني به ؛ قال : فذهبت به إلى رحلي ، فبات عندي ، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله ؟
قال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ! والله قد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئاً بعد ، قال : ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله ؟ قال : بأبي أنت وأ مي ، ما أحملك وأكرمك وأوصلك ! أما هذه والله فإن في النفس منها حتى الآن شيئاً .
فقال له العباس : ويحك ! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قبل أن تضرب عنقك . قال : فشهد شهادة الحق ، فأسلم .
قال العباس : قلت : يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر ، فاجعل له شيئاً ، قال : نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فلما ذهب لينصرف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عباس ، أحبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل ، حتى تمر به جنود الله فيراها .
قال : فخرجت حتى حبسته بمضيق الوادي ، حيث أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحبسه . (5/ 61)
*3*عرض الجيش على أبي سفيان :
@ قال : ومرت القبائل على راياتها ، كلما مرت قبيلة قال : يا عباس من هذه ؟ فأقول : سليم ، فيقول : ما لي ولسليم ، ثم تمر القبيلة فيقول : يا عباس ، من هؤلاء ؟ فأقول : مزينة ، فيقول : ما لي ولمزينة ، حتى نفذت القبائل ، ما تمر به قبيلة إلا يسألني عنها ، فإذا أخبرته بهم ، قال : ما لي ولبني فلان ، حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته الخضراء .
*3*كتيبته صلى الله عليه وسلم في فتح مكة :
@ قال ابن هشام : وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها .
قال الحارث بن حلزة اليشكري :
ثم حجرا أعنى ابن أم قطام * وله فارسية خضراء
يعنى : الكتيبة ، وهذا البيت في قصيدة له ، وقال حسان بن ثابت الأنصاري :
لما رأى بدراً تسيل جلاهه * بكتيبة خضراء من بلخزرج
وهذا البيت في أبيات له قد كتبناها في أشعار يوم بدر .
قال ابن إسحاق : فيها المهاجرون والأنصار ، رضي الله عنهم ، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد ، فقال : سبحان الله : يا عباس من هؤلاء ؟ قال : قلت : هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار قال : ما لأحد بهؤلاء قبل ولا طاقة ؛ والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك (5/ 62) الغداة عظيماً ، قال : قلت : يا أبا سفيان ، إنها النبوة ، قال : فنعم إذن .
*3*أبو سفيان يحذر أهل مكة :
@ قال : قلت : النجاء إلى قومك ، حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا محمد جاءكم فيما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، فقامت إليه هند بنت عتبة ، فأخذت بشاربه ، فقالت : اقتلوا الحميت الدسم الأحمس ، قبح من طليعة قوم ! .
قال : ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم فإنه قد جاءكم ما لا قبل لكم به ، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن ؛ قالوا : قاتلك الله ! وما تغنى عنا دارك ؛ قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد . (5/ 63)
*3*وصوله عليه السلام إلى ذي طوى :
@ قال ابن إسحاق : فحدثني عبدالله بن أبي بكر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتهى إلى ذي طوى وقف على راحلته معتجراً بشقة برد حبرة حمراء ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضع رأسه تواضعاً لله حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح ، حتى إن عثنونه ليكاد يمس واسطة الرحل .
*3*إسلام أبي قحافة :
@ قال ابن إسحاق : وحدثني يحيى بن عباد بن عبدالله بن الزبير ، عن أبيه ، عن جدته أسماء بنت أبي بكر ، قالت : لما وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي طوى قال أبو قحافة لابنه من أصغر ولده : أي بنية ، اظهري بي على أبي قبيس ؛ قالت : وقد كف بصره ؛ قالت : فأشرفت به عليه ، فقال : أي بنية ، ماذا ترين ؟
قالت : أرى سواداً مجتمعاً ، قال : تلك الخيل ؛ قالت : وأرى رجلاً يسعى بين يدي ذلك مقبلاً ومدبراً ، قال : أي بنية ، ذلك الوازع ، يعني : الذي يأمر الخيل ويتقدم إليها ؛ ثم قالت : قد والله انتشر السواد .
قالت : فقال : قد والله إذن دفعت الخيل ، فأسرعي بي إلى بيتي ، فانحطت به ، وتلقاه الخيل قبل أن يصل إلى بيته ، قالت : وفي عنق الجارية طوق من ورق ، فتلقاها رجل فيقتطعه من عنقها .
قالت : فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، ودخل المسجد ، أتى أبو بكر بأبيه يقوده ، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هلا تركت الشيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه ؟
قال أبو بكر : يا رسول الله ، هو أحق أن يمشي (5/ 64) إليك من أن تمشي إليه أنت ؛ قال : قالت : فأجلسه بين يديه ، ثم مسح صدره ، ثم قال له : أسلم ، فأسلم ؛ قال : فدخل به أبو بكر وكأن رأسه ثغامة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : غيروا هذا من شعره . (5/ 65)
ثم قام أبو بكر فأخذ بيد أخته ، وقال : أنشد الله والإسلام طوق أختي ، فلم يجبه أحد ؛ قالت : فقال : أي أخيه ، احتسبي طوقك ، فوالله إن الأمانة في الناس اليوم لقليل .
*3*دخول مكة :
@ قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي نجيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرق جيشه من ذي طوى ، أمر الزبير بن العوام أن يدخل في بعض الناس من كدى ، وكان الزبير على المجنبة اليسرى ، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء .
*3*المهاجرون يخشون من شدة سعد بن عبادة على قريش :
@ قال ابن إسحاق : فزعم بعض أهل العلم أن سعداً حين وجه داخلاً ، قال : اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ؛ فسمعها رجل من (5/ 66) المهاجرين - قال ابن هشام : هو عمر بن الخطاب - فقال : يا رسول الله : اسمع ما قال سعد بن عبادة ، ما نأمن أن يكون له في قريش صولة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب : أدركه ، فخذ الراية منه فكن أنت الذي تدخل بها .
*3*طريق الفتح :
@ قال ابن إسحاق : وقد حدثني عبدالله بن أبي نجيح في حديثه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خالد بن الوليد ، فدخل من الليط ، أسفل مكة في بعض الناس ، وكان خالد على المجنبة اليمنى ، وفيها أسلم وسليم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب .
وأقبل أبو عبيدة بن الجراح يالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذاخر ، حتى نزل بأعلى مكة ، ضربت له هنالك قبته .
*3*من تعرض للمسلمين من أهل مكة :
@ قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي نجيح وعبدالله بن أبي بكر : أن صفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل وسهيل بن عمرو كانوا قد جمعوا ناساً بالخندمة (5/ 67) ليقاتلوا ، وقد كان حماس بن قيس بن خالد ، أخو بني بكر ، يعد سلاحاً قبل دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويصلح منه ؛ قالت له امرأته : لماذا تعد ما أرى ؟ قال : لمحمد وأصحابه ؛ قالت : والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء ؛ قال : والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم ، ثم قال :
إن يقبلوا اليوم فما لي علة * هذا سلاح كامل وأله
وذو غرارين سريع السلة *
ثم شهد الخندمة مع صفوان وسهيل وعكرمة ؛ فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد ، ناوشوهم شيئاً من قتال ، فقتل كرز بن جابر ، أحد بني محارب بن فهر ، وخنيس بن خالد بن ربيعة بن أصرم ، حليف بني منقذ ، وكانا في خيل خالد بن الوليد فشذا عنه فسلكا طريقاً غير طريقه فقتلا جميعاً ، قتل خنيس بن خالد قبل كرز بن جابر فجعله كرز بن جابر بين رجليه ، ثم قاتل عنه حتى قتل ، وهو يرتجز ويقول :
قد علمت صفراء من بني فهر * نقية الوجه نقية الصدر
لأضربن اليوم عن أبي صخر* (5/ 68)
قال هشام : وكان خنيس يكنى أبا صخر ، فقال ابن هشام : خنيس بن خالد من خزاعة .
*3*ما قاله حماس من الشعر يوم الفتح :
@ قال ابن إسحاق : حدثني عبدالله بن أبي نجيح وعبدالله بن أبي بكر ، قالا : وأصيب من جهينة سلمة بن الميلاء ، من خيل خالد بن الوليد ؛ وأصيب من المشركين ناس قريب من أثني عشر رجلاً ، أو ثلاثة عشر رجلاً ، ثم انهزموا فخرج حماس منهزما حتى دخل بيته ، ثم قال لامرأته : أغلقي علي بابي ؛ قالت : فأين ما كنت تقول ؟ فقال :
إنك لو شهدت يوم الخندمة * إذ فر صفوان وفر عكرمة
وأبو يزيد قائم كالموتمة * واستقبلهم بالسيوف المسلمة
يقطعن كل ساعد وجمجمة * ضرباً فلا يسمع إلا غمغمة
لهم نهيت خلفنا وهمهمة * لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة (5/ 69)
قال ابن هشام : أنشدني بعض أهل العلم بالشعر قوله : كالموتمه ، وتروى للرعاش الهذلي .
*3*شعار المسلمين يوم فتح مكة :
@ وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة و حنين والطائف ، شعار المهاجرين : يا بني عبدالرحمن ، وشعار الخزرج : يا بني عبدالله ، وشعار الأوس : يا بني عبيد الله .
*3*من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم :
@ قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين ، حين أمرهم أن يدخلوا مكة ، أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم ، إلا أنه قد عهد في نفر سماهم أمر بقتلهم وإن وجدوا تحت أستار الكعبة ، منهم عبدالله بن سعد ، أخو بني عامر بن لؤي .
*3*سبب أمر الرسول بقتل سعد وشفاعة عثمان فيه :
@ وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله لأنه قد كان أسلم ، وكان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي ، فارتد مشركاً راجعاً إلى قريش ، ففر إلى عثمان بن عفان ، وكان أخاه للرضاعة ، فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن اطمأن الناس وأهل مكة . فاستأمن له فزعموا أن رسول الله صمت طويلاً ، ثم قال : نعم ، فلما انصرف عنه عثمان ، قال رسول الله : لمن (5/ 70) حوله من أصحابه : لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه . فقال رجل من الأنصار : فهلا أومأت إلي يا رسول الله ؟ قال : إن النبي لا يقتل بالإشارة .
قال ابن هشام : ثم أسلم بعد ، فولاه عمر بن الخطاب بعض أعماله ، ثم ولاه عثمان بن عفان بعد عمر .
قال ابن إسحاق : وعبدالله بن خطل ، رجل من بني تيم بن غالب : إنما أمر بقتله أنه كان مسلماً ، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقاً ، وبعث معه رجلاً من الأنصار ، وكان معه مولى له يخدمه ، وكان مسلماً ، فنزل منزلاً ، وأمر المولى أن يذبح له تيساً ، فيصنع له طعاماً ، فنام ، فاستيقظ ولم يصنع له شيئاً ، فعدا عليه فقتله ، ثم ارتد مشركاً .
*3*أسماء من أمر الرسول بقتلهم وسبب ذلك :
@ وكانت له قينتان : فرتنى وصاحبتها ، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتلهما معه .
والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي ، وكان ممن يؤذيه بمكة . (5/ 71)
قال ابن هشام : وكان العباس بن عبدالمطلب حمل فاطمة وأم كلثوم ، ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يريد بهما المدينة ، فنخس بهما الحويرث بن نقيذ ، فرمى بهما إلى الأرض .
قال ابن إسحاق ومقيس بن حبابة : وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بقتله لقتل الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ ، ورجوعه إلى قريش مشركاً .
وسارة ، مولاة لبعض بني عبدالمطلب . وعكرمة بن أبي جهل .
وكانت سارة ممن يؤذيه بمكة ؛ فأما عكرمة فهرب إلى اليمن ، وأسلمت امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام ، فاستأمنت له من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمنه ، فخرجت في طلبه إلى اليمن ، حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأسلم .
وأما عبدالله بن خطل ، فقتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي ، اشتركا في دمه .
وأما مقيس بن حبابة فقتله نميلة بن عبدالله ، رجل من قومه ، فقالت أخت مقيس في قتله :
لعمري لقد أخزى نميلة رهطه * وفجع أضياف الشتاء بمقيس
فلله عينا من رأى مثل مقيس * إذا النفساء أصبحت لم تخرس
وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحداهما ، وهربت الأخرى ، حتى استؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ، فأمنها . (5/ 72)
وأما سارة فاستؤمن لها فأمنها ، ثم بقيت حتى أوطأها رجل من الناس فرساً في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها .
وأما الحويرث بن نقيذ فقتله علي بن أبي طالب .
*3*قصة الرجلين اللذين أمنتهما أم هانئ وصلاة الفتح في بيتها :
@ قال ابن إسحاق : وحدثني سعيد بن أبي هند ، عن أبي مرة ، مولى عقيل ابن أبي طالب ، أن أم هانئ بنت أبي طالب قالت : لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأعلى مكة ، فر إلي رجلان من أحمائي ، من بني مخزوم ، وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزومي .
قالت : فدخل علي علي بن أبي طالب أخي ، فقال : والله لأقتلنهما ، فأغلقت عليهما باب بيتي ، ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بأعلى مكة ، فوجدته يغتسل جفنة إن فيها لأثر العجين ، وفاطمة ابنته تستره بثوبه ، فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به ، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى ثم انصرف إلي .
فقال : مرحباً وأهلاً يا أم هانئ ، ما جاء بك ؟ فأخبرته خبر الرجلين وخبر علي ؛ فقال : قد أجرنا من أجرت ، وأمنا من أمنت ، فلا يقتلهما . (5/ 73)
قال ابن هشام : هما الحارث بن هشام ، وزهير بن أبي أمية بن المغيرة .
*3*الرسول يدخل البيت الحرام :
@ قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عبيد الله بن عبدالله بن أبي ثور ، عن صفية بنت شيبة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل مكة ، واطمأن الناس ، خرج حتى جاء البيت ، فطاف به سبعاً على راحلته ، يستلم الركن بمحجم في يده ؛ فلما قضى طوافه ، دعا عثمان بن طلح ، فأخذ منه مفتاح الكعبة ، ففتحت له ، فدخلها ، فوجد فيها حمامة من عيدان ، فكسرها بيده ثم طرحها ، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف له الناس في المسجد .
*3*ما قاله عليه السلام على باب الكعبة :
@ قال ابن إسحاق : فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة ، فقال : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى فهو تحت قدمي هاتين إلا سانة البيت وسقاية الحاج ، ألا وقتيل الخطأ شبه العمد بالسوط والعصا ، ففيه الدية مغلظة ، مائة من الإبل ، أربعون منها في بطونها أولادها .
يا معشر قريش ، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية ، وتعظمها (5/ 74) بالآباء ، الناس من آدم ، وآدم من تراب ، ثم تلا هذه الآية : (( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا ، إن أكرمكم عند الله أتقاكم )) ... الآية كلها .
ثم قال : يا معشر قريش ، ما ترون أني فاعل فيكم ؟ قالوا : خيراً أخ كريم ، وابن أخ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء .
*3*إقرار أمر السدانة لعثمان بن طلحة :
@ ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد ، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده ، فقال : يا رسول الله ، اجمع لنا الحجابة مع السقاية صلى الله عليك ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أين عثمان بن طلحة ؟ فدعي له ، فقال : هاك مفتاحك يا عثمان ، اليوم يوم بر ووفاء .
قال ابن هشام : وذكر سفيان بن عيينة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي : إنما أعطيكم ما ترزءون لا ما ترزءون . (5/ 75)
*3*طمسه صلى الله عليه وسلم ما كان في الكعبة من الصور :
@ قال ابن هشام : وحدثني بعض أهل العلم ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل البيت يوم الفتح ، فرأى فيه صور الملائكة وغيرهم ، فرأى إبراهيم عليه السلام مصورا في يده الأزلام يستقسم بها ، فقال : قاتلهم الله ، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام ، ما شأن إبراهيم والأزلام ! (( ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنفياً مسلماً ، وما كان من المشركين )) . ثم أمر بتلك الصور كلها فطمست .
*3*مكان صلاته عليه السلام من البيت :
@ قال ابن هشام : وحدثني : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة ومعه بلال ، ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخلف بلال ، فدخل عبدالله بن عمر على بلال ، فسأله : أين صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ولم يسأله كم صلى ؛ فكان ابن عمر إذا دخل البيت مشى قبل وجهه ، وجعل الباب قبل ظهره ، حتى يكون بينه وبين الجدار قدر ثلاث أذرع ، ثم يصلي ، يتوخى بذلك الموضع الذي قال له بلال .
*3*إسلام عتاب والحارث بن هشام وسببه :
@ قال ابن هشام : وحدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال ، فأمره أن يؤذن ، وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام (5/ 76) جلوس بفناء الكعبة ، فقال عتاب بن أسيد : لقد أكرم الله أسيداً ألا يكون سمع هذا ، فيسمع منه ما يغيظه . فقال الحارث بن هشام : أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته ، فقال أبو سفيان : لا أقول شيئاً ، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى ، فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : قد علمت الذي قلتم ، ثم ذكر ذلك لهم ؛ فقال الحارث وعتاب : نشهد أنك رسول الله ، والله ما اطلع على هذا أحد كان معنا ، فنقول أخبرك .
*3*خراش يقتل ابن الأثوع :
@ قال ابن إسحاق : حدثني سعيد بن أبي سندر الأسلمي ، عن رجل من قومه ، قال : كان معنا رجل يقال له أحمر بأسا ، وكان رجلاً شجاعاً ، وكان إذا نام غط غطيطاً منكراً لا يخفى مكانه ، فكان إذا بات في حيه بات معتنزاً فإذا بيت الحي صرخوا يا أحمر ، فيثور مثل الأسد ، لا يقوم لسبيله شيء .
فأقبل غزي من هذيل يريدون حاضره ، حتى إذا دنوا من الحاضر ، قال ابن الأثوع (5/ 77) الهذلي : لا تعجلوا علي حتى أنظر ، فإن كان في الحاضر أحمر فلا سبيل إليهم ، فإن له غطيطاً لا يخفى ، قال : فاستمع فلما سمع غطيطه مشى إليه حتى وضع السيف في صدره ، ثم تحامل عليه حتى قتله ، ثم أغاروا على الحاضر ، فصرخوا يا أحمر ولا أحمر لهم .
فلما كان عام الفتح ، وكان الغد من يوم الفتح ، أتي ابن الأثوع الهذلي حتى دخل مكة ينظر ويسأل عن أمر الناس ، وهو على شركه ، فرأته خزاعة ، فعرفوه ، فأحطوا به وهو إلى جنب جدار من جدر مكة ، يقولون : أأنت قاتل أحمر ؟ قال : نعم ، أنا قاتل أحمر فمه ؟ قال : إذ أقبل خراش بن أمية مشتملاً على السيف ، فقال : هكذا عن الرجل ، ووالله ما نظن إلا أنه يريد أن يفرج الناس عنه .
فلما انفرجنا عنه حمل عليه فطعنه بالسيف في بطنه ، فوالله لكأني أنظر إليه وحشوته تسيل من بطنه ، وإن عينيه لترنقان في رأسه ، وهو : يقول أقد فعلتموها يا معشر خزاعة ؟ حتى انجعف فوقع .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا معشر خزاعة ، ارفعوا أيديكم عن القتل ، فقد كثر القتل إن نفع ، لقد قتلتم قتيلاً لأدينه .
قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالرحمن بن حرملة الأسلمي ، عن سعيد بن المسيب ، قال : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صنع خراش بن أمية ، قال : إن خراشاً لقتال ؛ يعيبه بذلك .
*3*أبو شريح يذكر عمرو بن الزبير بحرمة مكة :
@ قال ابن إسحاق : وحدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي شريح الخزاعي ، (5/ 78) قال : لما قدم عمرو بن الزبير مكة لقتال أخيه عبدالله بن الزبير ، جئته ، فقلت له : يا هذا ، إنا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين افتتح مكة ، فلما كان الغد من يوم الفتح عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك .
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فينا خطيباً ، فقال : يا أيها الناس ، إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام من حرام إلى يوم القيامة ، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر ، أن يسفك فيها دماً ، ولا يعضد فيها شجراً ، لم تحلل لأحد كان قبلي ، ولا تحل لأحد يكون بعدي ، ولم تحلل لي إلا هذه الساعة ، غضبا على أهلها . ألا ، ثم قد رجعت كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب .
فمن قال لكم : إن رسول الله قد قاتل فيها ، فقولوا : إن الله قد أحلها لرسوله ، ولم يحللها لكم ، يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل ، فلقد كثر القتل إن نفع ، لقد قتلتم قتيلاً لأدينه ، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله بخير النظرين : إن شاءوا فدم قاتله ؛ وإن شاءوا فعقله .
ثم ودى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي قتلته خزاعة ؛ (5/ 79) فقال عمرو لأبي شريح : انصرف أيها الشيخ ، فنحن أعلم بحرمتها منك ، إنها لا تمنع سافك دم ، ولا خالع طاعة ، ولا مانع جزية ، فقال أبو شريح : إني كنت شاهداً وكنت غائباً ، لقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلغ شاهدنا غائبنا ، وقد أبلغتك ، فأنت وشأنك .
*3*أول قتيل وداه عليه السلام يوم الفتح :
@ قال ابن هشام : وبلغني أن أول قتيل وداه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح جنيدب بن الأكوع ، قتلته بنو كعب ، فوداه بمائة ناقة .
*3*تخوف الأنصار من بقاء الرسول بمكة :
@ قال ابن هشام : وبلغني عن يحيى بن سعيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح مكة ودخلها ، قام (5/ 80) على الصفا يدعو الله ، وقد أحدقت به الأنصار ، فقالوا فيما بينهم : أترون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها ؟
فلما فرغ من دعائه قال : ماذا قلتم ؟ قالوا : لا شيء يا رسول الله ؛ فلما يزل بهم حتى أخبروه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : معاذ الله ! المحيا محياكم ، والممات مماتكم .
*3*كسر الأصنام :
@ قال ابن هشام : وحدثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له ، عن ابن شهاب الزهري ، عن عبيد الله بن عبدالله ، عن ابن عباس ، قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح على راحلته ، فطاف عليها وحول البيت أصنام مشدودة بالرصاص ، فجعل النبي صلى الله عيه وسلم يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول : (( جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً )) فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه ، ولا أشار إلى قفاه ، إلا وقع لوجهه ، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع ؛ فقال تميم بن أسد الخزاعي في ذلك :
وفي الأصنام معتبر وعلم * لمن يرجوا الثواب أو العقابا
*3*إسلام فضالة :
@ قال ابن هشام : وحدثني أن فضالة بن عمير بن الملوح الليثي أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت عام الفتح ؛ فلما دنا منه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أفضالة ؟ قال : نعم فضالة يا رسول الله ؛ قال : ماذا كنت تحدث به نفسك ؟
قال : لا شيء ، كنت أذكر الله ؛ قال : فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : استغفر الله ، ثم وضع يده على صدره ، فسكن قلبه ؛ فكان فضالة يقول : والله ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحب إلي منه .
قال فضالة : فرجعت إلى أهلي ، فمررت بامرأة كنت أتحدث إليها ، فقالت : هلم إلي الحديث ، فقلت : لا ، وانبعث فضالة يقول :
قالت هلم إلى الحديث فقلت لا * يأبى عليك الله والإسلام (5/ 81)
لوما رأيت محمداً وقبيله * بالفتح يوم تكسر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بينا * والشرك يغشى وجهه الإظلام
*3*الأمان لصفوان بن أمية :
@ قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن جعفر ، عن عروة بن الزبير ، قال : خرج صفوان بن أمية يريد جدة ليركب منها إلى اليمن ، فقال عمير بن وهب : يا نبي الله إن صفوان بن أمية سيد قومه ، وقد خرج هارباً منك ، ليقذف نفسه في البحر ، فأمنه ، صلى الله عليك ؛ قال : هو آمن ؛ قال : يا رسول الله ، فأعطني آية يعرف بها أمانك .
فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمامته التي دخل فيها مكة ، فخرج بها عمير حتى أدركه ، وهو يريد أن يركب في البحر ، فقال : يا صفوان ، فداك أبي وأمي ، الله الله في نفسك أن تهلكها ، فهذا أمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم قد جئتك به ؛ قال : ويحك ! أغرب عني فلا تكلمني .
قال : أي صفوان ، فداك أبي وأمي ، أفضل الناس ، وأبر الناس ، وأحلم الناس ، وخير الناس ، ابن عمك ، عزه عزك ، وشرفه شرفك ، وملكه ملكك ، قال : إني أخافه على نفسي ، قال : هو أحلم من ذاك وأكرم . فرجع معه حتى وقف به على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال صفوان : إن هذا يزعم أنك قد أمنتنى ، قال : صدق ؛ قال : فاجعلني فيه بالخيار شهرين ؛ قال : أنت بالخيار فيه أربعة أشهر .
قال ابن هشام : وحدثني رجل من قريش من أهل العلم أن صفوان قال لعمير : ويحك ! اغرب عني ، فلا تكلمني ، فإنك كذاب ، لما كان صنع به ، وقد ذكرناه في آخر حديث يوم بدر .
*3*إسلام عكرمة وصفوان :
@ قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري : أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام ، وفاختة بنت الوليد - وكانت (5/ 82) فاختة عند صفوان بن أمية ، وأم حكيم عند عكرمة بن أبي جهل - أسلمتا ؛ فأما أم حكيم فاستأمنت رسول الله صلى الله عليه وسلم لعكرمة ، فأمنه ، فلحقت به باليمن ، فجاءت به ؛ فلما أسلم عكرمة وصفوان أقرهما رسول الله صلى الله عليه سلم عندهما على النكاح الأول .
قال ابن إسحاق : وحدثني سعيد بن عبدالرحمن بن حسان بن ثابت : قال : رمى حسان ابن الزبعرى وهو بنجران ببيت واحد ما زاده عليه :
لا تعدمن رجلاً أحلك بغضه * نجران في عيش أحذ لئيم
فلما بلغ ذلك ابن الزبعرى خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم ، فقال : حين أسلم :
يا رسول المليك إذ لساني * راتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أباري الشيطان في سنن الغي * ومن مال ميله مثبور (5/ 83)
آمن اللحم والعظام لربي * ثم قلبي الشهيد أنت النذير
إنني عنك زاجر ثم حيا * من لؤي وكلهم مغرور
قال ابن إسحاق : وقال عبدالله بن الزبعري أيضاً حين أسلم :
منع الرقاد بلابل وهموم * والليل معتلج الرواق بهيم
مما أتاني أن أحمد لامني * فيه فبت كأنني محموم
يا خير من حملت على أوصالها * عيرانة سرح اليدين غشوم
إني لمعتذر إليك من الذي * أسديت إذ أنا في الضلال أهيم
أيام تأمرني بأغوى خطة * سهم وتأمرني بها مخزوم
وأمد أسباب الردى ويقودني * أمر الغواة وأمرهم مشئوم
فاليوم آمن بالنبي محمد * قلبي ومخطئ هذه محروم
مضت العداوة وانقضت أسبابها * ودعت أواصر بيننا وحلوم
فاغفر فدى لك والداي كلاهما * زللي فانك راحم مرحوم
وعليك من علم المليك علامة * نور أغر وخاتم مختوم
أعطاك بعد محبة برهانه * شرفا وبرهان الإله عظيم
ولقد شهدت بأن دينك صادق * حق وأنك في العباد جسيم
والله يشهد أن أحمد مصطفى * مستقبل في الصالحين كريم
قرم علا بنيانه من هاشم * فرع تمكن في الذرا وأروم (5/ 84)
قال ابن هشام : وبعض أهل العلم بالشعر ينكرها له .
*3*هبيرة يبقى على كفره وما قاله من الشعر في إسلام زوجته :
@ قال ابن إسحاق : وأما هبيرة بن أبي وهب المخزومي فأقام بها حتى مات كافراً ، كانت عنده أم هانئ بنت أبي طالب ، واسمها هند ، وقد قال حين بلغه إسلام أم هانئ :
أشاقتك هند أم أتاك سؤالها * كذاك النوى أسبابها وانفتالها
وقد أرقت في رأس حصن ممنع * بنجران يسري بعد ليل خيالها
وعاذلة هبت بليل تلومني * وتعذلني بالليل ضلالها
وتزعم أني إن أطعت عشيرتي * سأردى وهل يردين إلا زيالها
فإني لمن قوم إذا جد جدهم * على أي حال أصبح اليوم حالها
وإني لحام من وراء عشيرتي * إذا كان من تحت العوالي مجالها
وصارت بأيديها السيوف كأنها * مخاريق ولدان ومنها ظلالها
وإني لأقلي الحاسدين وفعلهم * على الله رزقي نفسها وعيالها
وإن كلام المرء في غير كنهه * لكالنبل تهوى ليس فيها نصالها
فإن كنت قد تابعت دين محمد * وعطفت الأرحام منك حبالها
فكوني على أعلى سحيق بهضبة * ململمة غبراء يبس بلالها (5/ 85)
قال ابن إسحاق : ويروى : وقطعت الأرحام منك حبالها .
*3*عدة من فتح مكة :
@ قال ابن إسحاق : وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف . من بني سليم سبع مائة . ويقول بعضهم : ألف ؛ ومن بني غفار : أربع مائة ، ومن أسلم : أربع مائة ، ومن مزينة : ألف وثلاثة نفر ، وسائرهم من قريش والأنصار وحلفائهم ، وطوائف العرب من تميم وقيس وأسد .
*3*شعر حسان في فتح مكة :
@ وكان مما قيل من الشعر في يوم الفتح قول حسان بن ثابت الأنصاري :
عفت ذات الأصابع فالجواء * إلى عذراء منزلها خلاء
ديار من بني الحسحاس قفر * تعفيها الروامس والسماء
وكانت لا يزال بها أنيس * خلال مروجها نعم وشاء (5/ 86)
فدع هذا ، ولكن من لطيف * يؤرقنى إذا ذهب العشاء
لشعثاء التي قد تيمته * فليس لقلبه منها شفاء
كأن خبيئة من بيت رأس * يكون مزاجها عسل وماء
إذا ما الأشربات ذكرن يوماً * فهن لطيب الراح الفداء
نوليها الملامة إن ألمنا * إذا ما كان مغث أو لحاء
ونشربها فتتركنا ملوكا * وأسداً ما ينهنهنا اللقاء
عدمنا خيلنا إن لم تروها * تثير النقع موعدها كداء
ينازعن الأعنة مصغيات * على أكتافها الأصل الظماء
تظل جيادنا متمطرات * يلطمهن بالخمر النساء
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا * وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم * يعين الله فيه من يشاء
وجبريل رسول الله فينا * وروح القدس ليس له كفاء (5/ 87)
وقال الله قد أرسلت عبداً * يقول الحق إن نفع البلاء
شهدت به فقوموا صدقوه * فقلتهم لا نقوم ولا نشاء
وقال الله قد سيرت جنداً * هم الأنصار عرضتها اللقاء
لنا في كل يوم من معد * سباب أو قتال أو هجاء
فنحكم بالقوافي من هجانا * ونضرب حين تختلط الدماء
ألا أبلغ أبا سفيان عني * مغلغلة فقد برح الخفاء
بأن سيوفنا تركتك عبداً * وعبدالدار سادتها الإماء
هجوت محمداً وأجبت عنه * وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء * فشركما لخيركما الفداء
هجوت مباركا براً حنيفاً * أمين الله شيعته الوفاء
أمن يهجو رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء ؟
فإن أبي ووالده وعرضي * لعرض محمد منكم وقاء
لساني صارم لا عيب فيه * وبحري لا تكدره الدلاء (5/ 88)
قال ابن هشام : قالها حسان يوم الفتح . ويروي : لساني صارم لا عتب فيه .
وبلغني عن الزهري أنه قال : لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النساء يلطمن الخيل بالخمر تبسم إلى أبي بكر الصديق رضى الله عنه .
*3*أنس بن زنيم يعتذر مما قاله ابن سالم :
@ قال ابن إسحاق : وقال أنس بن زنيم الديلي يعتذر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما كان قال فيهم عمرو بن سالم الخزاعي :
أأنت الذي تهدى معد بأمره * بل الله يهديهم وقال لك اشهد
وما حملت من ناقة فوق رحلها * أبر وأوفي ذمة من محمد
أحث على خير وأسبغ نائلا * إذا راح كالسيف الصقيل المهند
وأكسى لبرد الخال قبل ابتذاله * وأعطى لرأس السابق المتجرد
تعلم رسول الله أنك مدركي * وأن وعيداً منك كالأخذ باليد
تعلم رسول الله أنك قادر * على كل صرم متهمين ومنجد (5/ 89)
تعلم بأن الركب ركب عويمر * هم الكاذبون المخلفو كل موعد
ونبوا رسول الله أني هجوته * فلا حملت سوطي إلي إذن يدي
سوى أنني قد قلت ويل أم فتية * أصيبوا بنحس لا بطلق وأسعد
أصابهم من لم يكن لدمائهم * كفاء فعزت عبرتي وتبلدي
فإنك قد أخفرت إن كنت ساعيا * بعبد بن عبدالله وابنة مهود
ذويب وكلثوم وسلمى تتابعوا * جميعا فإلا تدمع العين أكمد وسلمى وسلمى ليس حي كمثله * وأخوته وهل ملوك كأعبد ؟
@ فإني لا دينا فتقت ولا دما * هرقت تبين عالم الحق واقصد
*3*ما قاله بديل في الرد على ابن زنيم :
@ فأجابه بديل بن عبد مناف ابن أم أصرم ، فقال :
بكى أنس رزنا فأعوله البكا * فألا عدياً إذ تطل وتبعد
بكيت أبا عبس لقرب دمائها * فتعذر إذ لا يوقد الحرب موقد
أصابهم يوم الخنادم فتية * كرام فسل ، منهم نضيل ومعبد
هنالك إن تسفح دموعك لا تلم * عليهم وإن لم تدمع العين فاكمدوا
قال ابن هشام : وهذه الأبيات في قصيدة له .
*3*شعر بجير بن زهير في يوم الفتح :
@ قال ابن إسحاق : وقال بجير بن زهير بن أبي سلمى في يوم الفتح : (5/ 90)
نفى أهل الحبلق كل فج * مزينة غدوة وبنو خفاف
ضربناهم بمكة يوم فتح النبي * الخير بالبيض الخفاف
صبحناهم بسبع من سليم * وألف من بنى عثمان واف
نطا أكتافهم ضربا وطعنا * ورشقا بالمريشة اللطاف
ترى بين الصفوف لها حفيفا * كما انصاع الفواق من الرصاف
فرحنا والجياد تجول فيهم * بأرماح مقومة الثقاف
فأبنا غانمين بما اشتهينا * وآبوا نادمين على الخلاف
وأعطينا رسول الله منا * مواثقنا على حسن التصافي
وقد سمعوا مقالتنا فهموا * غداة الروع منا بانصراف (5/ 91)
*3*شعر عباس بن مرداس في فتح مكة :
@ قال ابن هشام : وقال عباس بن مرداس السلمي في فتح مكة :
منا بمكة يوم فتح محمد * ألف تسيل به البطاح مسوم
نصروا الرسول وشاهدوا أيامه * وشعارهم يوم اللقاء مقدم
في منزل ثبتت به أقدامهم * ضنك كأن الهام فيه الحنتم
جرت سنابكها بنجد قبلها * حتى استقاد لها الحجاز الأدهم
الله مكنه له وأذله * حكم السيوف لنا وجد مزحم
عود الرياسة شامخ عرنينه * متطلع ثغر المكارم خضرم
*2*إسلام عباس بن مرداس
*3*سبب إسلام ابن مرداس :
@ قال ابن هشام : وكان إسلام عباس بن مرداس ، فيما حدثني بعض أهل العلم بالشعر ، وحديثه أنه كان لأبيه مرداس وثن يعبده ، وهو حجر كان يقال له ضمار ، فلما حضر مرداس قال لعباس : أي بني ، اعبد ضمار فإنه ينفعك ويضرك ، فبينا عباس يوماً (5/ 92) عند ضمار ، إذ سمع من جوف ضمار منادياً يقول :
قل للقبائل من سليم كلها * أودى ضمار وعاش أهل المسجد
إن الذي ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتدى
أودى ضمار وكان يعبد مرة * قبل الكتاب إلى النبي محمد
فحرق عباس ضمار ، ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم فأسلم .
*3*شعر جعدة في يوم الفتح :
@ قال ابن هشام : وقال جعدة بن عبدالله الخزاعي يوم فتح مكة :
أكعب بن عمرو دعوة غير باطل * لحين له يوم الحديد متاح
أتيحت له من أرضه وسمائه * لتقتله ليلا بغير سلاح (5/ 93)
ونحن الألى سدت غزال خيولنا * ولفتا سددناه وفج طلاح
خطرنا وراء المسلمين بجحفل * ذوي عضد من خيلنا ورماح
وهذه الأبيات في أبيات له .
*3*شعر بجيد في فتح مكة :
@ وقال بجيد بن عمران الخزاعي :
وقد أنشأ الله السحاب بنصرنا * ركام صحاب الهيدب المتراكب
وهجرتنا في أرضنا عندنا بها * كتاب أتى من خير ممل وكاتب
ومن أجلنا حلت بمكة حرمة * لندرك ثأراً بالسيوف القواضب
*2*مسير خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جذيمة من كنانة ومسير علي لتلافي خطأ خالد
*3*وصاة الرسول له وما كان منه :
@ قال ابن إسحاق : وقد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما حول مكة السرايا تدعو إلى الله عز وجل ، ولم يأمرهم بقتال ، وكان ممن بعث خالد بن (5/ 94) الوليد ، وأمره أن يسير بأسفل تهامة داعياً ، ولم يبعثه مقاتلاً ، فوطئ بني جذيمة ، فأصاب منهم .
قال ابن هشام : وقال عباس بن مرداس السلمي في ذلك :
فإن تك أمرت في القوم خالدا * وقدمته فإنه قد تقدما
بجند هداه الله أنت أميره * نصيب به في الحق من كان أظلما
قال ابن هشام : وهذان البيتان في قصيدة له في حديث يوم حنين ، سأذكرها إن شاء الله في موضعها .
قال ابن إسحاق : فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد حين افتتح مكة داعياً ، ولم يبعثه مقاتلاً ، ومعه قبائل من العرب : سليم بن منصور ، ومدلج بن مرة ، فوطئوا بني جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة ، فلما رآه القوم أخذوا السلاح ، فقال خالد : ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا .
قال ابن إسحاق : فحدثني بعض أصحابنا من أهل العلم من بني جذيمة : قال : لما أمرنا خالد أن نضع السلاح قال رجل منا يقال له جحدم : ويلكم يا بني جذيمة ! إنه خالد والله ! ما بعد وضع السلاح إلا الإسار ، وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق ، والله لا أضع سلاحي أبداً .
قال : فأخذه رجال من قومه ، فقالوا : يا جحدم ، أتريد أن تسفك دماءنا ؟ إن الناس أسلموا ووضعوا السلاح ، ووضعت الحرب ، وأمن (5/ 95) الناس . فلم يزالوا به حتى نزعوا سلاحه ، ووضع القوم السلاح لقول خالد .
قال ابن إسحاق : فحدثني حكيم بن حكيم ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، قال : فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك ، فكتفوا ، ثم عرضهم على السيف ، فقتل من قتل منهم ؛ فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، رفع يديه إلى السماء ، ثم قال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد .
*3*الرسول يتبرأ من فعل خالد :
@ قال ابن هشام :حدثني بعض أهل العلم ، أنه حدث عن إبراهيم بن جعفر المحمودي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : رأيت كأني لقمت لقمة من حيس فالتذذت طعمها ، فاعترض في حلقي منها شيء حين ابتلعتها ، فأدخل علي يده فنزعه .
فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه : يا رسول الله ، هذه سرية من سراياك تبعثها ، فيأتيك منها بعض ما تحب ، ويكون في بعضها اعتراض ، فتبعث علياً فيسهله .
قال ابن هشام : وحدثني أنه انفلت رجل من القوم فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخبره الخبر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل أنكر عليه أحد ؟ فقال : نعم ، قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة ، فنهمه خالد ، فسكت عنه ، وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب ، فراجعه ، فاشتدت مراجعتهما ، فقال عمر بن الخطاب : أما الأول يا رسول الله فابني عبدالله ، وأما الآخر فسالم ، مولى أبي حذيفة . (5/ 96)
*3*إرساله صلى الله عليه وسلم علياً بدية بني جذيمة :
@ قال ابن إسحاق : فحدثني حكيم بن حكيم ، عن أبي جعفر محمد بن علي قال : ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ، فقال : يا علي ، اخرج إلى هؤلاء القوم ، فانظر في أمرهم ، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك .
فخرج علي حتى جاءهم ومعه مال قد بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فودى لهم الدماء وما أصيب لهم من الأموال ، حتى أنه ليدي لهم ميلغة الكلب ، حتى إذا لم يبق شيء من دم ولا مال إلا وداه ، بقيت معه بقية من المال ، فقال لهم علي رضوان الله عليه حين فرغ منهم : هل بقي لكم بقية من دم أو مال لم يود لكم ؟
قالوا : لا ، قال : فإني أعطيكم هذه البقية من هذا المال ، احتياطاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، مما يعلم ولا تعلمون ، ففعل ، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر : فقال : أصبت وأحسنت ! قال : ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبل القبلة قائماً شاهراً يديه ، حتى إنه ليرى مما تحت منكبيه ، يقول : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد بن الوليد ، ثلاث مرات .
*3*معذرة خالد في قتال القوم :
@ قال ابن إسحاق : وقد قال بعض من يعذر خالداً : إنه قال : ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبدالله بن حذافة السهمي ، وقال : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم من الإسلام .
قال ابن هشام : قال أبو عمرو المدني : لما أتاهم خالد ، قالوا : صبأنا صبأنا . (5/ 97)
*3*ما وقع بين عبدالرحمن بن عوف وخالد بن الوليد :
@ قال ابن إسحاق : وقد كان جحدم قال لهم حين وضعوا السلاح ورأى ما يصنع خالد ببني جذيمة : يا بني جذيمة ، ضاع الضرب ، قد كنت حذرتكم ما وقعتم فيه .
قد كان بين خالد وبين عبدالرحمن بن عوف ، فيما بلغني ، كلام في ذلك ، فقال له عبدالرحمن بن عوف : عملت بأمر الجاهلية في الإسلام . فقال : إنما ثأرت بأبيك .
فقال عبدالرحمن : كذبت ، قد قتلت قاتل أبي ، ولكنك ثأرت بعمك الفاكه بن المغيرة ، حتى كان بينهما شر . فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : مهلاً يا خالد ، دع عنك أصحابي ، فوالله لو كان لك أحد ذهباً ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته .
*3*ما كان بين قريش وبني جذيمة في الجاهلية :
@ وكان الفاكه بن المغيرة بن عبدالله بن عمر بن مخزوم ، وعوف بن عبد مناف بن عبدالحارث بن زهرة ، وعفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس قد خرجوا تجاراً إلى اليمن ، ومع عفان ابنه عثمان ، ومع عوف ابنه عبدالرحمن .
فلما أقبلوا حملوا مال رجل من بني جذيمة بن عامر ، كان هلك باليمن ، إلى ورثته ، فادعاه رجل منهم يقال له خالد بن هشام ، ولقيهم بأرض بني جذيمة قبل أن يصلوا إلى أهل الميت ، فأبوا عليه ، فقاتلهم بمن معه من قومه على المال ليأخذوه ، وقاتلوه ، فقتل عوف بن عبد عوف ، والفاكه بن (5/ 98) المغيرة ، ونجا عفان أبي العاص وابنه عثمان ، وأصابوا مال الفاكه بن المغيرة ، ومال عوف بن عبد عوف ، فانطلقوا به .
وقتل عبدالرحمن بن عوف خالد بن هشام قاتل أبيه ، فهمت قريش بغزو بني جذيمة ، فقالت بنو جذيمة : ما كان مصاب أصحابكم عن ملأ منا ، إنما عدا عليهم قوم بجهالة ، فأصابوهم ولم نعلم ، فنحن نعقل لكم ما كان قبلنا من دم أو مال ، فقبلت قريش ذلك ، ووضعوا الحرب .
*3*ما قيل من الشعر فيما كان بين خالد وجذيمة :
@ وقد قال قائل من بني جذيمة ، ويعضهم يقول : امرأة يقال لها سلمى :
ولولا مقال القوم للقوم أسلموا * للاقت سليم يوم ذلك ناطحا
لما صعهم بسر وأصحاب جحدم * ومرة حتى يتركوا البرك ضابحا
فكائن ترى يوم الغمصياء من فتى * أصيب ولم يجرح وقد كان جارحا
ألظت بخطاب الأيامى وطلقت * غداتئذ منهن من كان ناكحا (5/ 99)
قال ابن هشام : قوله : بسر ، وألظت بخطاب ، عن غير ابن إسحاق .
*3*ما قاله عباس بن مرداس في الرد على ما قيل :
@ قال ابن إسحاق : فأجابه عباس بن مرداس ، ويقال بل الجحاف بن حكيم السلمي :
دعي عنك تقوال الضلال كفى بنا * لكبش الوغى في اليوم والأمس ناطحا
فخالد أولى بالتعذر منكم * غداة علا نهجا من الأمر واضحا
معانا بأمر الله يزجي إليكم * سوانح لا تكبو له وبوارحا
نعوا مالكا بالسهل لما هبطنه * عوابس في كأبي الغبار كوالحا
فإن نك أثكلناك سلمى فمالك * تركتم عليه نائحات ونائحا
*3*ما قاله الجحاف رداً على ما قيل أيضاً :
@ قال الجحاف بن حكيم السلمي :
شهدن مع النبي مسومات * حنينا وهي دامية الكلام
وغزوة خالد شهدت وجرت * سنابكهن بالبلد الحرام
نعرض للطعان إذا التقينا * وجوها لا تعرض للطام (5/ 100)
ولست بخالع عني ثيابي * إذا هز الكماة ولا أرامي
ولكني يجول المهر تحتي * إلى العلوات بالعضب الحسام
*3*خبر ابن أبي حدرد مع بني جذيمة :
@ قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس ، عن الزهري ، عن ابن أبي حدرد الأسلمي ، قال : كنت يومئذ في خيل خالد بن الوليد ، فقال لي : فتى من بني جذيمة ، وهو في سني ، وقد جمعت يداه إلى عنقه برمة ، ونسوة مجتمعات غير بعيد منه ، يا فتى ؛ فقلت : ما تشاء ؟
قال : هل أنت آخذ بهذه الرمة ، فقائدي إلى هؤلاء النسوة حتى أقضى إليهن حاجة ، ثم تردني بعد ، فتصنعوا بي ما بدا لكم ؟ قال : قلت : والله ليسير ما طلبت . فأخذت برمته فقدته بها ، حتى وقف عليهن ، فقال : اسمي حبيش على نفد من العيش :
أريتك إذ طالبتكم فوجدتكم * بحلية أو ألفيتكم بالخوانق
ألم يك أهلاً أن ينول عاشق * تكلف إدلاج السرى والودائق
فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معا * أثيبي بود قبل إحدى الصفائق
أثيبي بود قبل أن تشحط النوى * وينأى الأمير بالحبيب المفارق
فإني لا ضيعت سر أمانة * ولا راق عيني عنك بعدك رائق (5/ 101)
سوى أن ما نال العشيرة شاغل * عن الود إلا أن يكون التوامق
قال ابن هشام : وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر البيتين الأخيرين منها له .
قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس ، عن الزهري عن ابن أبي حدرد الأسلمي ، قال : قلت : وأنت فحييت سبعاً وعشراً ، وتراً وثمانياً تترى . قال : ثم انصرفت به فضربت عنقه .
قال ابن إسحاق : فحدثني أبو فراس بن أبي سنبلة الأسلمي ، عن أشياخ منهم ، عمن كان حضرها منهم ، قالوا : فقامت إليه حين ضربت عنقه ، فأكبت عليه ، فما زالت حتى ماتت عنده .
*3*شعر رجل من بني جذيمة :
@ قال ابن إسحاق : وقال رجل من بني جذيمة :
جزى الله عنا مدلجا حيث أصبحت * جزاءة بؤسى حيث سارت وحلت
أقاموا على أقضاضنا يقسمونها * وقد نهلت فينا الرماح وعلت
فوالله لولا دين آل محمد * لقد هربت منهم خيول فشلت
وما ضرهم أن لا يعينوا كتيبة * كرجل جراد أرسلت فاشمعلت
فإما ينيبوا أو يثوبوا لأمرهم * فلا نحن نجزيهم بما قد أضلت (5/ 102)
*3*ما أجابه به وهب الليثي :
@ فأجابه وهب رجل من بني ليث فقال :
دعونا إلى الإسلام والحق عامراً * فما ذنبنا في عامر إذ تولت
وما ذنبنا في عامر لا أبا لهم * لأن سفهت أحلامهم ثم ضلت
*3*شعر رجل من بني جذيمة :
@ وقال رجل من بني جذيمة :
ليهنئ بني كعب مقدم خالد * وأصحابه إذ صبحتنا الكتائب
فلاترة يسعى بها ابن خويلد * وقد كنت مكفيا لو أنك غائب
فلا قومنا ينهون عنا غواتهم * ولا الداء من يوم الغميصاء ذاهب
*3*شعر غلام جذمى هارب أمام خالد :
@ وقال غلام من بني جذيمة ، وهو يسوق بأمه وأختين له وهو هارب بهن من جيش خالد :
رخين أذيال المروط واربعن * مشي حييات كأن لم يفزعن
إن تمنع اليوم نساء تمنعن *
*3*ما ارتجز به غلمة من جذيمة :
@ وقال غلمة من بني جذيمة ، يقال لهم : بنو مساحق ، يرتجزون حين سمعوا بخالد ، فقال أحدهم :
قد علمت صفراء بيضاء الإطل * يحوزها ذو ثلة وذو إبل
لأغنين اليوم ما أغنى رجل *
وقال الآخر :
قد علمت صفراء تلبي العرسا * لا تملأ الحيزوم منها نهسا (5/ 103)
لأضربن اليوم ضربا وعسا * ضرب المجلين مخاضا قعسا
وقال الآخر :
أقسمت ما إن خادر ذو لبده * شثن البنان في غداة برده
جهم المحيا ذو سبال ورده * يرزم بين أيكة وجحده
ضار بتأكال الرجال وحده * بأصدق الغداة مني نجده
*2*مسير خالد بن الوليد لهدم العزى
*3*خالد يهدم العزى
@ ثم بعث رسول الله صلى اله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزى ، وكانت بنخلة ، وكانت بيتا يعظمه هذا الحي من قريش وكنانة ومضر كلها ، وكانت سدنتها وحجابها بني شيبان من بني سليم حلفاء بني هاشم ، فلما سمع صاحبها السلمي بمسير خالد إليها ، علق عليها سيفه ، وأسند في الجبل الذي هي فيه وهو يقول :
أيا عز شدي لا شوى لها * على خالد ألقى القناع وشمري
يا عز إن لم تقتلي المرء خالداً * فبوئي بإثم عاجل أو تنصري
فلما انتهى إليها خالد هدمها ، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق : وحدثني ابن شهاب الزهري ، عن عبيد الله بن عبدالله (5/ 104) ابن عتبة بن مسعود ، قال : أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة .
قال ابن إسحاق : وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان .
*2*غزوة حنين في سنة ثمان بعد الفتح
*3*اجتماع هوازن :
@ قال ابن إسحاق : ولما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة ، جمعها مالك بن عوف النصري ، فاجتمع إليه مع هوازن ثقيف كلها ، واجتمعت نصر وجشم كلها ، وسعد بن بكر ، وناس من بني هلال ، وهم قليل ، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء ، وغاب عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب ، ولم يشهدها منهم أحد له اسم .
وفي بني جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب ، وكان شيخاً مجرباً ، وفي ثقيف سيدان لهم ، في الأحلاف قارب بن الأسود بن مسعود بن معتب ، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث بن مالك ، وأخوه أحمر بن الحارث ، (5/ 105) وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصري .
فلما أجمع السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم ، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس ، وفيهم دريد بن الصمة في شجار له يقاد به .
*3*ما أشار به دريد بن الصمة :
@ فلما نزل قال : بأي واد أنتم ؟ قالوا : بأوطاس ، قال : نعم مجال الخيل ! لا حزن ضرس ، ولا سهل دهس ، ما لي أسمع رغاء البعير ، ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير ، ويعار الشاء ؟
قالوا : ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم . قال : أين مالك ؟ قيل : هذا مالك ودعي له ، فقال : يا مالك ، إنك قد أصبحت رئيس قومك ، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام ، ما لي أسمع رغاء البعير ، ونهاق الحمير ، وبكاء الصغير ، ويعار الشاء ؟
قال : سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم ، قال : ولم ذاك ؟ قال : أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله ، ليقاتل عنهم ، (5/ 106) قال : فأنقض به ، ثم قال : راعي ضأن والله ! وهل يرد المنهزم شيء ؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه ، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك .
ثم قال : ما فعلت كعب وكلاب ؟ قالوا : لم يشهدها منهم أحد ، قال : غاب الحد والجد ، ولو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب ولا كلاب ، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب ، فمن شهدها منكم ؟ قالوا : عمرو بن عامر ، وعوف بن عامر، قال : ذانك الجذعان من عامر ، لا ينفعان ولا يضران ؛ يا مالك ، إنك لم تصنع بتقديم البيضة بيضة هوازن إلى نحور الخيل شيئاً ، ارفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم ، ثم الق الصباء على متون الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك ، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك .
قال : والله لا أفعل ذلك ، إنك قد كبرت وكبر عقلك . والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري . وكره أن يكون لدريد بن الصمة فيها ذكر أو رأي ؛ فقالوا : أطعناك ؛ فقال دريد بن الصمة : هذا يوم لم أشهده ولم يفتني : (5/ 107)
ياليتني فيها جذع * أخب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع * وكأنها شاة صدع
قال ابن هشام : أنشدني غير واحد من أهل العلم بالشعر قوله :
يا ليتني فيها جذع *
*3*الملائكة وعيون مالك بن عوف :
@ قال ابن إسحاق : ثم قال : مالك للناس : إذا رأيتموهم فاكسروا جفون سيوفكم ، ثم شدوا شدة رجل واحد .
قال : وحدثني أمية بن عبدالله بن عمرو بن عثمان أنه حدث : أن مالك بن عوف بعث عيوناً من رجاله ، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم ، فقال : ويلكم ! ما شأنكم ؟ فقالوا : رأينا رجالاً بيضاً على خيل بلق ، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى ، فوالله ما رده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد .
*3*بعث عبدالله بن أبي حدرد عيناً على خزاعة :
@ قال ابن إسحاق : ولما سمع بهم نبي الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبدالله بن أبي حدرد الأسلمي ، وأمره أن يدخل في الناس ، فيقيم فيهم حتى يعلم علمهم ، ثم يأتيه بخبرهم .
فانطلق ابن أبي حدرد ، فدخل فيهم ، فأقام فيهم ، حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسمع من مالك وأمر هوازن ما هم عليه ، ثم أقبل حتى أتى رسول (5/ 108) الله صلى الله عليه وسلم فأخبره الخبر ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب ، فأخبره الخبر فقال عمر : كذب ابن أبي حدرد ، فقال ابن أبي حدرد : إن كذبتني فربما كذبت بالحق يا عمر ، فقد كذبت من هو خير مني .
فقال عمر : يا رسول الله ، ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد كنت ضالاً ، فهداك الله يا عمر .
*3*استعارة الرسول أدراع صفوان :
@ فلما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ليلقاهم ، ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعاً له وسلاحاً ، فأرسل إليه وهو يومئذ مشرك .
فقال : يا أبا أمية ، أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غداً ، فقال صفوان : أغصبا يا محمد ؟ قال : بل عارية ومضمونة حتى نؤديها إليك ؛ قال : ليس بهذا بأس فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح ، فزعموا أن رسول الله صلى اله عليه وسلم سأله أن يكفيهم حملها ، ففعل .
*3*من أمره عليه السلام على مكة :
@ قال : ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معه ألفان من أهل مكة مع عشرة آلاف من أصحابه الذين خرجوا معه ، ففتح الله بهم مكة ، فكانوا اثني عشر ألفاً ، واستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس على مكة ، أميراً على من تخلف عنه من الناس ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه يريد لقاء هوازن .
*3*قصيدة ابن مرداس :
@ فقال عباس بن مرداس السلمي :
أصابت العام رعلاً غول قومهم * وسط البيوت ولون الغول ألوان (5/ 109)
يا لهف أم كلاب إذ تبيتهم * خيل ابن هوذة لا تنهى وإنسان
لا تلفظوها وشدوا عقد ذمتكم * أن ابن عمكم سعد ودهمان
لن ترجعوها وإن كانت مجللة * ما دام في النعم المأخوذ ألبان
شنعاء جلل من سوآتها حضن * وسال ذو شوغر منها وسلوان
ليست بأطيب مما يشتوي حذف * إذ قال :كل شواء العير جوفان
وفي هوازن قوم غير أن بهم * داء اليماني فإن لم يغدروا خانوا
فيهم أخ لو وفوا أو بر عهدهم * ولو نهكناهم بالطعن قد لانوا
أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها * مني رسالة نصح فيه تبيان
أني أظن رسول الله صابحكم * جيشا له في فضاء الأرض أركان
فيهم أخوكم سليم غير تارككم * والمسلمون عباد الله غسان
وفي عضادته اليمنى بنو أسد * والأجربان بنو عبس وذبيان
تكاد ترجف منه الأرض رهبته * وفي مقدمه أوس وعثمان (5/ 110)
قال ابن إسحاق : أوس وعثمان : قبيلا مزينة .
قال ابن هشام : من قوله : أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها ، إلى آخرها في هذا اليوم ، وما قبل ذلك في غير هذا اليوم ، وهما مفصولتان ، ولكن ابن إسحاق جعلهما واحدة .
*3*قصة ذات أنواط :
@ قال ابن إسحاق : وحدثني ابن شهاب الزهري ، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي ، عن أبي واقد الليثي ، أن الحارث بن مالك ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية ، قال : فسرنا معه إلى حنين ، قال : وكانت كفار قريش ومن سواهم من العرب لهم شجرة عظيمة خضراء ، يقال لها : ذات أنواط ، يأتونها كل سنة فيعلقون أسلحتهم عليها ، ويذبحون عندها ، ويعكفون عليها يوماً .
قال : فرأينا ونحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سدرة خضراء عظيمة ، قال : فتنادينا من جنبات الطريق : يا رسول الله ، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله أكبر ، قلتم ، والذي نفس محمد بيده ، كما قال قوم موسى لموسى : (( اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ، قال إنكم قوم تجهلون )) . إنها السنن ، لتركبن سنن من كان قبلكم .
*3*ثبات الرسول وبعض الصحابة في لقاء هوازن :
@ قال ابن إسحاق : فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبدالرحمن بن جابر ، عن أبيه جابر بن عبدالله ، قال : لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط ، إنما ننحدر فيه انحداراً ، قال : وفي عماية الصبح ، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي ، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه ، وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا ، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدوا علينا شدة رجل واحد ، وانشمر الناس راجعين ، لا يلوي أحد على أحد . (5/ 111)
وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمن ، ثم قال : أين أيها الناس ؟ هلموا إلي ، أنا رسول الله ، أنا محمد بن عبدالله .
قال : فلا شيء ، حملت الإبل بعضها على بعض ، فانطلق الناس ، إلا أنه قد بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته .
*3*من ثبت معه صلى الله عليه وسلم :
@ وفيمن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر وعمر ، ومن أهل بيته علي بن أبي طالب والعباس بن عبدالمطلب ، وأبو سفيان بن الحارث ، وابنه ، والفضل بن العباس ، وربيعة بن الحارث ، وأسامة بن زيد ، وأيمن بن عبيد ، قتل يومئذ .
قال ابن هشام :اسم ابن أبي سفيان بن الحارث جعفر ، واسم أبي سفيان المغيرة ؛ وبعض الناس يعد فيهم قثم بن العباس ، ولا يعد ابن أبي سفيان .
قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبدالرحمن بن جابر ، عن أبيه جابر بن عبدالله ، قال : ورجل من هوزان على جمل له أحمر ، بيده راية سوداء في رأس رمح له طويل ، أمام هوازن ، وهوازن خلفه ، إذا أدرك طعن برمحه ، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه . (5/ 112)
*3*أبو سفيان بن حرب وبعض الناس يشمت بالمسلمين :
@ قال ابن إسحاق : فلما انهزم الناس ، ورأى من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة ، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن ، فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، وإن الأزلام لمعه في كنانته .
وصرخ جبلة بن الحنبل - قال ابن هشام : كلدة بن الحنبل - وهو مع أخيه صفوان بن أمية مشرك في المدة التي جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا بطل السحر اليوم ! فقال له صفوان : اسكت فض الله فاك ، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلى من أن يربني رجل من هوازن .
*3*حسان يهجو كلدة :
@ قال ابن هشام : وقال حسان بن ثابت يهجو كلدة :
رأيت سواداً من بعيد فراعني * أبو حنبل ينزو على أم حنبل
كأن الذي ينزو به فوق بطنها * ذراع قلوص من نتاج ابن عزهل
أنشدنا أبو زيد هذين البيتين ، وذكر لنا أنه هجا بهما صفوان بن أمية ، وكان أخا كلدة لأمه .
*3*شيبة بن طلحة يحاول قتل الرسول صلى الله عليه وسلم :
@ قال ابن إسحاق : وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة ، أخو بني عبدالدار ، قلت : اليوم أدرك ثأري من محمد ، وكان أبوه قتل يوم أحد ، اليوم أقتل محمداً ، قال : فأدرت برسول الله لأقتله ، فأقبل شيء حتى تغشى فؤداي ، فلم أطق ذاك ، وعلمت أنه ممنوع مني . (5/ 113)
قال ابن إسحاق : وحدثني بعض أهل مكة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين فصل من مكة إلى حنين ، ورأى كثرة من معه من جنود الله : لن نغلب اليوم من قلة .
قال ابن إسحاق : وزعم بعض الناس أن رجلاً من بني بكر قالها .
*3*النصر للمسلمين :
@ قال ابن إسحاق : وحدثني الزهري ، عن كثير بن العباس ، عن أبيه العباس بن عبدالمطلب ، قال : إني لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها ، قال : وكنت امرأ جسيماً شديد الصوت .
قال : ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين رأى ما رأى من الناس : أين أيها الناس ؟ فلم أر الناس يلوون على شيء ، فقال : يا عباس ، اصرخ يا معشر الأنصار : يا معشر أصحاب السمرة ، قال : فأجابوا : لبيك لبيك ! قال : فيذهب الرجل ليثني بعيره ، فلا يقدر على ، ذلك فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ؛ ويأخذ سيفه ترسه ، ويقتحم عن بعيره ، ويخلي سبيله ، فيؤم الصوت ، حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة ، استقبلوا الناس ، فاقتتلوا ، وكانت الدعوى أول ما كانت : يا للأنصار . ثم خلصت أخيراً : يا للخزرج .
وكانوا صبراً عند الحرب ، فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركائبه . فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون ، فقال : الآن حمي الوطيس .
*3*قتل علي صاحب راية هوازن :
@ قال ابن إسحاق : وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبدالرحمن بن جابر ، عن أبيه جابر بن عبدالله ، (5/ 114) قال : بينا ذلك الرجل من هوزان صاحب الراية على جمله يصنع ما يصنع ، إذ هوى له علي بن أبي طالب رضوان الله عليه ورجل من الأنصار يريدانه ، قال : فيأتيه علي بن أبي طالب من خلفه ، فضرب عرقوبي الجمل ، فوقع على عجزه ، ووثب الأنصاري على الرجل ، فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه ، فانجعف عن رحله ، قال : واجتلد الناس ، فوالله مارجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأسارى مكتفين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال : والتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب ، وكان ممن صبر يومئذ مع رسول اله صلى الله عليه وسلم ، وكان حسن الإسلام حين أسلم ، وهو أخذ بثفر بغلته ، فقال : من هذا ؟ قال : أنا ابن أمك يا رسول الله .
*3*أم سليم في المعركة :
@ قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي بكر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم التفت فرأى أم سليم بنت ملحان : وكانت مع زوجها أبي طلحة وهي حازمة وسطها ببرد لها ، وإنها لحامل بعبدالله بن أبي طلحة ، ومعها جمل أبي طلحة ، وقد خشيت أن يعزها الجمل ، فأدنت رأسه منها ، فأدخلت يدها في حزامته مع الخطام ، (5/ 115) فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : أم سليم ؟
قالت : نعم بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك ، فإنهم لذلك أهل ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أو يكفي الله يا أم سليم ؟ قال : ومعها خنجر ، فقال لها أبو طلحة : ما هذا الخنجر معك يا أم سليم ؟ قالت : خنجر أخذته إن دنا مني أحد من المشركين بعجته به قال : يقول أبو طلحة : ألا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم الرميصاء .
*3*شعر مالك بن عوف يوم حنين :
@ قال ابن إسحاق : وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حين وجه إلى حنين ، قد ضم بني سليم الضحاك بن سفيان الكلابي ، فكانوا إليه ومعه ، ولما انهزم الناس قال مالك بن عوف يرتجز بفرسه :
أقدم محاج إنه يوم نكر * مثلي على مثلك يحمى ويكر
إذا أضيع الصف يوما والدبر * ثم احزألت زمر بعد زمر
كتائب يكل فيهن البصر * قد أطعن الطعنة تقذى بالسبر
حين يذم المستكين المنجحر * وأطعن النجلاء تعوي وتهر
لها من الجوف رشاش منهمر * تفهق تارات وحينا تنفجر
وثعلب العامل فيها منكسر * يا زيد يا بن همهم أين تفر
قد نفد الضرس وقد طال العمر * قد علم البيض الطويلات الخمر (5/ 116)
أني في أمثالها غير غمر * إذ تخرج الحاصن من تحت الستر
وقال مالك بن عوف أيضاً :
أقدم محاج إنها الأساوره ولا تغرنك رجل نادره *
قال ابن هشام : وهذان البيتان لغير مالك بن عوف في غير هذا اليوم .
*3*من قتل قتيلاً فله سلبه :
@ قال ابن إسحاق : وحدثني عبدالله بن أبي بكر ، أنه حدث عن أبي قتادة الأنصاري قال : وحدثني من لا أتهم من أصحابنا عن نافع مولى بني غفار أبي محمد عن أبي قتادة ، قالا : قال أبو قتادة : رأيت يوم حنين رجلين يقتتلان : مسلماً ومشركاً ، قال : وإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم .
قال : فأتيته ، فضربت يده ، فقطعتها ، واعتنقني بيده الأخرى ، فوالله ما أرسلني حتى وجدت ريح الدم - ويروى : ريح الموت ، فيما قال ابن هشام - وكاد يقتلني ، فلولا أن الدم نزفه لقتلني ، فسقط ، فضربته فقتلته ، وأجهضني عنه القتال ، ومر به رجل من أهل مكة فسلبه .
فلما وضعت الحرب أوزارها وفرغنا من القوم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلاً فله سلبه ، فقلت : يا رسول الله ، والله لقد قتلت قتيلاً ذا سلب ، فأجهضني عنه القتال ، فما أدري من استلبه ؟ فقال رجل من أهل (5/ 117) مكة : صدق يا رسول الله ، وسلب ذلك القتيل عندي ، فأرضه عني من سلبه ،
فقال أبو بكر الصديق رضى الله عنه : لا والله ، لا يرضيه منه ، تعمد إلى أسد من أسد الله ، يقاتل عن دين الله ، تقاسمه سلبه ! اردد عليه سلب قتيله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : صدق اردد عليه سلبه . فقال أبو قتادة : فأخذته منه ، فبعته ، فاشتريت بثمنه مخرفاً ، فإنه لأول مال اعتقدته .
قال ابن إسحاق : وحدثني من لا أتهم ، عن أبي سلمة ، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك ، قال : لقد استلب أبو طلحة يوم حنين وحده عشرين رجلاً .
*3*الملائكة تحضر القتال :
@ قال ابن إسحاق : وحدثني أبي إسحاق بن يسار ، أنه حدث عن جبير بن مطعم ، قال : رأيت قبل (5/ 118) هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود ، أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم ، فنظرت ، فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي ، لم أشك أنها الملائكة ، ثم لم يكن إلا هزيمة القوم .
*3*هزيمة هوازن :
@ قال ابن إسحاق : ولما هزم الله المشركين من أهل حنين ، وأمكن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم ، قالت امرأة من المسلمين :
قد غلبت خيل الله خيل اللات * والله أحق بالثبات
قال ابن هشام : أنشدني بعض أهل العلم بالرواية للشعر :
غلبت خيل الله خيل اللات * وخيله أحق بالثبات
قال ابن إسحاق : فلما انهزمت هوازن استحر القتل من ثقيف في بني مالك ، فقتل منهم سبعون رجلاً تحت رايتهم ، فيهم عثمان بن عبدالله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب ، وكانت رايتهم مع ذي الخمار ، فلما قتل أخذها عثمان بن عبدالله ، فقاتل بها حتى قتل .
قال ابن إسحاق : وأخبرني عامر بن وهب بن الأسود ، قال : لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله ، قال : أبعده الله ! فإنه كان يبغض قريشاً . (5/ 119)
قال ابن إسحاق : وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس : أنه قتل مع عثمان بن عبدالله غلام له نصراني أغرل ، قال : فبينا رجل من الأنصار يسلب قتلى ثقيف ، إذ كشف العبد يسلبه ، فوجده أغرل . قال : فصاح بأعلى صوته : يا معشر العرب : يعلم الله أن ثقيفا غرل .
قال المغيرة بن شعبة : فأخذت بيده ، وخشيت أن تذهب عنا في العرب ، فقلت : لا تقل ذاك ، فداك أبي وأمي ، إنما هو غلام لنا نصراني . قال : ثم جعلت أكشف له عن القتلى ، وأقول له : ألا تراهم مختنين كما ترى !
*3*هروب قارب بن الأسود مع قومه يوم حنين :
@ قال ابن إسحاق : وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود ، فلما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة ، وهرب هو وبنو عمه وقومه من الأحلاف ، فلم يقتل من الأحلاف غير رجلين : رجل من غيرة ، يقال له : وهب ، وآخر من بني كبة ، يقال له : الجلاح ؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتل الجلاح : قتل اليوم سيد شباب ثقيف ، إلا ما كان من ابن هنيدة ، يعني بابن هنيدة الحارث بن أويس .
*3*شعر عباس بن مرداس في هجاء قارب وقومه :
@ فقال عباس ابن مرداس السلمي يذكر قارب بن الأسود وفراره من بني أبيه ، وذا الخمار وحبسه قومه للموت :
ألا من مبلغ غيلان عني * وسوف - إخال - يأتيه الخبير (5/ 120)
وعروة إنما أهدى جوابا * وقولاً غير قولكما يسير
بأن محمداً عبد رسول * لرب لا يضل ولا يجور
وجدناه نبياً مثل موسى * فكل فتى يخايره مخير
وبئس الأمر أمر بني قسي * بوج إذ تقسمت الأمور
أضاعوا أمرهم ولكل قوم * أمير والدوائر قد تدور
فجئنا أسد غابات إليهم * جنود الله ضاحية تسير
يؤم الجمع جمع بني قسي * على حنق نكاد له نطير
وأقسم لو هم مكثوا لسرنا * إليهم بالجنود ولم يغوروا
فكنا أسد لية ثم حتى * أبحناها وأسلمت النصور
ويوم كان قبل لدى حنين * فأقلع والدماء به تمور
من الأيام لم تسمع كيوم * ولم يسمع به قوم ذكور
قتلنا في الغبار بني حطيط * على راياتها والخيل زور
ولم يك ذو الخمار رئيس قوم * لهم عقل يعاقب أو مكير
أقام بهم على سنن المنايا * وقد بانت لمبصرها الأمور (5/ 121)
فأفلتمن نجا منهم جريضاً * وقتل منهم بشر كثير
ولا يغني الأمور أخو التواني * ولا الغلق الصريرة الحصور
أحانهم وحان وملكوه * أمورهم وأفلتت الصقور
بنو عوف تميح بهم جياد * أهين لها الفصافص والشعير
فلولا قارب وبنو أبيه * تقسمت المزارع والقصور
ولكن الرياسة عمموها * على يمن أشار به المشير
أطاعوا قاربا ولهم جدود * وأحلام إلى عز تصير
فإن يهدوا إلى الإسلام يلفوا * أنوف الناس ما سمر السمير
وإن لم يسلموا فهم أذان * بحرب الله ليس لهم نصير
كما حكت بني سعد وحرب * برهط بني غزية عنقفير
كأن بني معاوية بن بكر * إلى الإسلام ضائنة تخور
فقلنا أسلموا إنا أخوكم * وقد برأت من الإحن الصدور
كأن القوم إذ جاءوا إلينا * من البغضاء بعد السلم عور (5/ 122)
قال ابن هشام : غيلان : غيلان بن سلمة الثقفي ، وعروة : عروة بن مسعود الثقفي .
*3*مقتل دريد :
@ قال ابن إسحاق : ولما انهزم المشركون ، أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف ، وعسكر بعضهم بأوطاس ، وتوجه بعضهم نحو نخلة ، ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف ، وتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك في نخلة من الناس ، ولم تتبع من سلك الثنايا .
فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يربوع بن سمال ابن عوف بن امرؤ القيس ، وكان يقال له : ابن الدغنة وهي أمه ، فغلبت على اسمه ، ويقال : ابن لذعة فيما قال ابن هشام : - دريد بن الصمة ، فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة ، وذلك أنه في شجار له ، فإذا برجل ، فأناح به ، فإذا شيخ كبير ، وإذا هو دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام !
فقال له دريد : ماذا تريد بي ؟ قال : أقتلك ، قال : ومن أنت ؟ قال : أنا ربيعة بن رفيع السلمي ، ثم ضربه بسيفه ، فلم يغن شيئاً ، فقال : بئس ما سلحتك أمك ! خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل ، وكان الرحل في الشجار ، ثم أضرب به ، وارفع عن العظام ، وأخفض عن الدماغ ، فإني كنت كذلك أضرب الرجال ، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة ، فرب والله يوم قد منعت فيه نساءك .
فزعم بنو سليم أن ربيعة لما ضربه فوقع تكشف ، فإذا عجانه وبطون فخذيه ، مثل القرطاس من ركوب الخيل أعراء ؛ فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه ، فقالت : أما والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثاً . (5/ 123)
*3*شعر عمرة بنت دريد في مقتل أبيها :



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق