Translate ***

الخميس، 5 أبريل 2018

2.علة الإختصار النقلي .

2.علة الإختصار النقلي۲ .
       علم علل الحديث واشهر مصنفاته في القديم والحديث : د/ماهر الفحل
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد :اليك اخي ******

  :علم علل الحديث :والمصنفات التي كتبة في ذلك منها ماهو مخطوط ومطبوع :والله اسئل ان يبارك فيمن كتب ذلك وجزه الله خير ا علي ماقدم لهذ االعلم الشريف الدكتور / ماهر الفحل
"والله المستعان 
:تعريف علم العلل


هو عِلم برأسه ، وهو أَجَلُّ أنواع علم الحديث وأدَقُّها ، وأما أصحابه فهم جهابذة الفن في الحفظ والإتقان ، وأما أدواته فهي قواعد تُكشف بها الأسباب الخفية القادحة . وهو صاحب القول الفصل في قبول الحديث ورفضه ، حتى إنَّه لا يسلم كبار الحفاظ من نقده ، ولا يتكلم فيه إلا المتقنون لسائر علوم الحديث ، وأساسه التمرس والتجربة العملية الطويلة .
أهمية علم العلل:
إذا كان كل علم يشرف بمدى نفعه ، فإنَّ علم علل الحديث يعد من أشرف العلوم ؛ لأنَّه من أكثرها نفعاً ، فهو نوع من أَجَلِّ أنواع علم الحديث ، وفن من أهم فنونه ، قال الخطيب : (( معرفة العلل أَجَلُّ أنواع علم الحديث )) (1) ، ورحم الله الإمام النووي حيث قال : (( ومن أهم أنواع العلوم تحقيق معرفة الأحاديث النبويات ، أعني : معرفة متونها : صحيحها و حسنها و ضعيفها ، متصلها ومرسلها ومنقطعها ومعضلها ، ومقلوبها ، ومشهورها وغريبها وعزيزها ، ومتواترها وآحادها وأفرادها ، معروفها وشاذها ومنكرها ، ومعللها وموضوعها ومدرجها وناسخها ومنسوخها ... ))(2) .
فعلماء الحديث قد اهتموا بالحديث النبوي الشريف عموماً ؛ لأنَّه المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم ، و قد اهتموا ببيان علل الأحاديث النبوية من حيث الخصوص ؛ لأنَّ بمعرفة العلل يعرف كلام النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من غيره ، وصحيح الحديث من ضعيفه ، وصوابه من خطئه ، قيل لعبد الله بن المبارك(3) : هذه الأحاديث المصنوعة ؟ قال: (( تعيش لها الجهابذة ))(4) .
وقد ذكر الحاكم : (( أنَّ معرفة علل الحديث من أجَلِّ هذه العلوم )) (5) وقال : (( معرفة علل الحديث ، وهو علم برأسه غير الصحيح و السقيم ، والجرح والتعديل ))(6) .
وعلم العلل ممتد من مرحلة النقد الحديثي الذي ابتدأت بواكيره على أيدي كبار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، حيث كان أبو بكر الصديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما يحتاطان(7) في قبول الأخبار ، ويطلبان الشهادة على الحديث أحياناً ؛ من أجل تمييز الخطأ والوهم في الحديث النبوي ، ثم اهتم العلماء به من بعد ؛ لئلا ينسب إلى السنة المطهرة شيء ليس منها خطأ . فعلم العلل له مزية خاصة ، فهو كالميزان لبيان الخطأ من الصواب ، والصحيح من المعوج ، وقد اعتنى به أهل العلم قديماً وحديثاً ، ولا يزال الباحثون يحققون وينشرون تلكم الثروة العظيمة التي دَوَّنَها لنا أولئك الأئمة العظام كعلي ابن المديني ، و أحمد ، و البخاري ، و الترمذي ، و ابن أبي حاتم ، والدارقطني ، وغيرهم(8) .
وما ذلك إلا لأهمية هذا الفن فـ (( التعليل(9) أمر خفي ، لا يقوم به إلا نقاد أئمة الحديث دون الفقهاء الذين لا اطلاع لهم على طرقه وخفاياها ))(10) . ولأهميته أيضاً نجد بعض جهابذة العلماء يصرّح بأنَّ معرفة العلل والبحث عنها ، مقدم على مجرد الرواية دون سبر ولا تمحيص ، يقول عبد الرحمان بن مهدي : (( لأَنْ أعرف علة حديث هو عندي ، أحب إليَّ من أنْ أكتب حديثاً ليس عندي ))(11) .
ويزيد هذا العلم أهمية أنَّه من أشد العلوم غموضاً ، فلا يدركه إلا من رُزِقَ سعة الرواية ، وكان مع ذلك حاد الذهن ، ثاقب الفهم ، دقيق النظر ، واسع المران ، قال الحاكم : (( إنَّ الصحيح لا يعرف بروايته فقط ، وإنَّما يُعرف بالفهم والحفظ وكثرة السماع ، وليس لهذا النوع من العلم عون أكثر من مذاكرة أهل الفهم والمعرفة ، ليظهر ما يخفى من علة الحديث ، فإذا وُجد مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة غير مخرّجة في كتابي الإمامين البخاري ومسلم رضي الله عنهما ، لزم صاحب الحديث التنقير عن علته ، ومذاكرة أهل المعرفة به لتظهر علّته )) (12).
ونقل ابن أبي حاتم عن محمود بن إبراهيم بن سميع ، أنَّه قال : سمعت أحمد بن صالح(13) يقول : (( معرفة الحديث بمنـزلة معرفة الذهب – والشَّبَه ، فإنَّ الجوهري إنما يعرفة أهله ، وليس للبصير فيه حجة إذا قيل له : كيف قلت : إنَّ هذا بائن ؟! – يعني : الجيد أو الرديء ))(14) لذا فإنَّ وجود العارفين في فن العلل بين العلماء عزيز ، قال ابن رجب : (( وقد ذكرنا ... شرف علم العلل و عزته ، وأنَّ أهله المتحققين به أفراد يسيرة من بين الحفاظ وأهل الحديث ، وقد قال أبو عبد الله بن منده الحافظ : إنَّما خص الله بمعرفة هذه الأخبار نفراً يسيراً من كثير ممن يدّعي علم الحديث )) (15) .
وقال الحافظ ابن حجر : (( وهو من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها ، ولا يقوم به إلا من رزقه الله تعالى فهماً ثاقباً ، وحفظاً واسعاً ، ومعرفة تامة بمراتب الرواة ، وملكة قوية بالأسانيد والمتون ؛ ولهذا لم يتكلم فيه إلا قليل من أهل هذا الشأن : كعلي بن المديني ، وأحمد بن حنبل ، والبخاري ، ويعقوب بن شيبة ، وأبي حاتم ، وأبي زرعة ، والدارقطني ... )) (16).
وليس يلزم كشف العلة لأول وهلة ولا لثانيها ولا ولا .. يقول الخطيب : (( فمن الأحاديث ما تخفى علته ، فلا يوقف عليها إلا بعد النظر الشديد ، ومُضِيِّ الزمن البعيد ))(17) . وأسند عن علي بن المديني ، قال : (( ربما(18)أدركت علة حديث بعد أربعين سنة ))(19) .
بل ربما يكشف العالم ما خفي على من هو أعلم منه ، كالدارقطني ، وأبي علي الجياني ، وأبي مسعود الدمشقي ، وأبي الحسن بن القطان ، وابن تيمية ، وابن القيم ، وابن حجر ، وغيرهم من أئمة هذا الشأن ، فقد تعقّبوا البخاري ومسلماً - وهما من هما في الحفظ والإتقان ، بل وعلو الكعب في علم العلل عينه - في كثير من أحاديث صحيحيهما وبينوا عللها(20) ... أو قد يخالف ما قاله هو نفسه ، كما حصل لأبي حاتم الرازي حين سأله ابنه عن حديث ابن صائد أهو عن جابر أم عن ابن مسعود ؟ قال : (( عبد الله أصح ، لو كان عن جابر ، كان متصلاً . قلت : كيف كان ؟ قال : لأنَّ أبا نضرة قد أدرك جابراً ، ولم يدرك ابن مسعود ، وابن مسعود قديم الموت . وسألت أبي مرة أخرى عن هذا الحديث . فقال : يحيى القطان ومعتمر وغيرهما ، يقولون : عن التيمي ، عن أبي نضرة ، عن جابر ، عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وهو أشبه بالصواب ))(21) .
وقد يتوقف الناقد في حديث ما ؛ لخفاء علته ، وفي نفسه حجج للقبول والرد ولكن ليس له حجة ، قال السخاوي : (( يعني : يعبِّر بها غالباً ، وإلا ففي نفسه حجج للقبول وللدفع ))(22) ، وقال ابن حجر : (( وقد تقصر عبارة المعلل منهم ، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح إحدى الروايتين على الأخرى ، كما في نقد الصيرفي سواء ))(23) .
من هذا العرض تتبين أهمية هذا العلم " علل الحديث " ؛ لارتباطه بالحديث النبوي أولاً ؛ ولأنَّه الفيصل بين الصحيح الذي ظاهره وباطنه السلامة وغيره .

موضوعه:
ليس كل الأحاديث ظاهرها السلامة ، ولا كل علة خفية ، فمن الأحاديث علتها ظاهرة جلية ، وهذه الأوصاف بحديث الضعيف ألصق ، وليست من علم العلل في شيء ، ومع ذلك وجدنا بعض العلماء قد أطلق العلة على الخفي منها والجلي ، واستعمال اللفظ بمعناه العام من باب التوسع .
أما الحديث المعل فهو ما اجتمع فيه ركنا العلة ، وهذا لا يكون سوى في أحاديث الثقات ؛ لأنَّ حديث الضعيف خطؤه بَيّن يتصدى له الناقد ، وفق قواعد معلومة ، أما أحاديث الثقات فهي موضوع علم العلل وميدانه بمعناه الدقيق ، ولا يتصدى لها إلا جهابذة النقاد .
وهذا النوع من النقد أوسع من الجرح والتعديل ؛ لأنَّه يواكب الثقة في حله وترحاله ، وأحاديثه عن كل شيخ من شيوخه ، ومتى ضبط ؟ ومتى نسي ؟ وكيف تحمّل ؟ وكيف أدَّى(24) ؟
إذن علم العلل يبحث عن أوهام الرواة الثقات ، ويعمل على تمحيص أحاديثهم وتمييزها ، وكشف ما يعتريها من خطأ ، إذ ليس يسلم من الخطأ أحد .
وهنا سؤال يطرح نفسه ، هل بنا اليوم حاجة إلى علم العلل ؟
لما رأى الناس ضعف المتأخرين والمعاصرين بهذا العلم ، أدركوا أنَّ الحاجة إليه لا زالت قائمة ، لاسيما أنَّ إعلال الأئمة للأحاديث مبنيٌّ على الاجتهاد وغلبة الظن ، وباب الاجتهاد لا يحل لأحد غلقه(25) ، وكذلك فإنَّ من واجب المتأخرين شرح كلام المتقدمين وبيان مرادهم في إعلالات الأحاديث ، والترجيح عند الاختلاف .

ثمرته :
لكل علم إذا استوى على سوقه ثمرة ، وثمرة علم علل الحديث الرئيسة حفظ السنة ، ففي حفظها صيانة لها ، ونصيحة الدين ، وتمييز ما قد يدخل على رواتها من الخطأ والوهم وكشف ما يعتريهم ، وبيان الدخيل فيها ، وبها تقوى الأحاديث السليمة ؛ لبـراءتها من العلل(26) .

تاريخه :
يمكن جعل البداية الحقيقية لهذا العلم من مرحلة النقد الحديثي الذي ابتدأت بواكيره على أيدي
كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعلي(27) ، فهم أول من فتّش عن الرجال في الرواية ، وبحثوا عن النقل في الأخبار .
ثم تلقّى التابعون عن الصحابة نقد الأخبار وتمييز الروايات ، كسعيد بن جبير ، والشعبي ، وابن سيرين ، وفي هذا العصر ازدادت الحاجة إلى النقد ، حيث طرأت أمور دعتهم إلى نقد المرويات وتمييزها ، فقد كثرت الفتن ، وتعددت الفرق ، وظهرت البدع والمحدثات ، كبدعة التشيع والخوارج ، وكثر المشتغلون بعلم الحديث ، واتسعت دائرتهم ، وزادت أعداد حملة الآثار ، ونشطوا للرحلة والطلب .. فدخل في ذلك من يحسن ومن لا يحسن ، واختلفت أغراض الرواة ، وتعددت مشاربهم(28) .
وفي عصر تابعي التابعين زادت الأمور السالفة خطراً ، فانتشرت البدع بشكل متزايد ، وكثر موجودها ، وطالت الأسانيد وكثر رجالها ، ولم يبق الوهم مقتصراً على الحفظ والضبط ، بل دخل في المصنفات والكتب .
وذهب بعض الباحثين إلى أنَّ هذا المنهج تسارع ارتقاؤه ، وتعاظم ازدهاره في فترة زمنية قصيرة ، حصرها بين محمد بن سيرين المتوفى سنة (110هـ ) ويحيى بن معين المتوفى سنة (233هـ ) أي في خلال (120) سنة تقريباً ، زاعماً أنَّ هذه الفترة تضاعفت فيها أعداد الأسانيد حتى وصلت إلى المليون .
ولما دخل عصر التدوين كان هذا العلم أول ما عني به الأئمة .
وهذه المؤلفات تعطي لنا تصوراً مجملاً عن نشأة علم العلل ، وأنَّه بدأ في عصر مبكر جداً مقارنة مع بقية علوم الحديث ، وعلى الرغم من قدمِ نشأته فقد قوبل بقلة الاهتمام وضعف الجانب(29) .

مؤسسوه وأئمته :
أسهم الصحابة والتابعون من بعدهم في بناء صرح علم العلل ، وتوالتِ اللَّبناتُ ترص بعضها بعضاً حتى غدا علماً لا يُستهان بجنابه ، وقد مرّ علينا قبلُ أنَّ علم العلل بدأ بمحمد بن سيرين ؛ لأنَّه أول من اشتهر بالكلام في نقد الحديث ، مروراً بالزهري الذي كان يملي على تلامذته أشياء في نقد الأحاديث وإعلالها . حتى استقر عند شعبة بن الحجاج ، وقد جعل أحد الباحثين شعبة هو المؤسس الحقيقي لهذا العلم ؛ لأنَّ أحداً قبله لم يتكلم بالدقة والشمول اللذينِ تكلم بهما شعبة ؛ ولأنَّ الحديث أصبح صناعة(30) وفناً على يديه ، وهو أول من فتّش عن أمر المحدّثين(31) .
وقد شهد له من جاء بعده ، قال الشافعي : (( لولا شعبة ما عُرف الحديث بالعراق ))(32) وقال ابن رجب : (( وهو أول من وسّع الكلام في الجرح والتعديل ، واتصال الأسانيد وانقطاعها ، ونقّب عن دقائق علم العلل ، وأئمة هذا الشأن بعده تبع له في هذا العلم ))(33) ، وقال السمعاني : (( هو أول من فتّش بالعراق عن أمر المحدّثين ))(34) هذا هو أبو بسطام شعبة بن الحجاج المتوفَّى سنة (160هـ ) وحُقّ لعلم العلل أنْ يكون إناهُ على يديه .
وقد أخذ عن شعبة يحيى بن سعيد القطان ، وهو من أوائل من صنّف كتاباً في العلل كما ذكر ابن رجب(35) ، وأخذ عنه أيضاً عبد الرحمان بن مهدي وهو من رجال هذا الفن ، وعنهما أخذ يحيى بن معين وإليه تناهى علم العلل ، وفيه قال أحمد : (( ها هنا رجل خَلَقه الله لهذا الشأن ))(36) ، وعلي بن المديني شيخ البخاري الذي قال عنه أبو حاتم : (( كان علي بن المديني عَلَماً في الناس في معرفة الحديث والعلل ))(37) ، وأحمد بن حنبل ، ثم جاء بعدهم البخاري طبيب الحديث في علله ، ومسلم الذي أماط اللثام عن علل خفية في أحاديث الثقات في كتابه " التمييز " ، وأبو داود الذي قرر قاعدة عظيمة في هذا الباب مغزاها أنَّه قد يخرّج الحديث المعلول ، ويسكت عن بيان علته بقوله : (( لأنَّه ضرر على العامة أنْ يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب ... ؛ لأنَّ علم العامة يقصر عن مثل هذا ))(38) ، وأبو زرعة الذي لمّ شتات هذا العلم مع أبي حاتم ، وجمع علمهما عبد الرحمان ابن أبي حاتم في مصنّفه ، وتلاهم جماعة منهم النسائي ، والعقيلي ، وابن عدي ، والدارقطني ولم يأتِ بعدهم من برع فيه ، وأخال ابن الجوزي قال قولته فيمن جاء بعدهم : (( قد قَلَّ من يفهم هذا بل عدم ))(39) .

(1) " الجامع لأخلاق الراوي " قبيل (1908) .
(2) مقدمة شرحه لصحيح مسلم 1/6 .
(3) هو عبد الله بن المبارك المروزي ، ثقة ثبت ، فقيه عالم ، جواد مجاهد جمعت فيه صفات الخير . " التقريب " (3570) .
(4) أخرجه : ابن أبي حاتم في " الجرح والتعديل " 1/311 ( المقدمة ) ، وابن عدي في " الكامل " 1/192 ، وذكره ابن الجوزي في مقدمة " الموضوعات " 1/46 ط.الفكر وعقب (22) ط. أضواء السلف .
(5) " معرفة علوم الحديث " : 119 ط.العلمية و عقب (289) ط. ابن حزم .
(6) " معرفة علوم الحديث " : 112 ط.العلمية و قبيل (270) ط.ابن حزم .
(7) في احتياط الصحابة , انظر : " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " لمصطفى السباعي : 75 , وكان علي ابن أبي طالب رضي الله عنه يستحلف الراوي أحياناً , فقد روى الإمام أحمد في مسنده 1/2 عن علي ، قال : (( كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً نفعني الله بما شاء منه ، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته )) ، قال الحافظ ابن حجر في " تهذيب التهذيب " 1/267- 268 : (( هذا حديث جيد الإسناد )).
(8) انظر ماسيأتي من المصنفات فيه .
(9) قال البقاعي في " النكت الوفية " 1/503 بتحقيقي : (( صوابه الإعلال )) .
(10) " نكت ابن حجر " 2/714 و : 488 بتحقيقي .
(11) " علل الحديث " لابن أبي حاتم 1/387 ط. الحميّد (المقدمة ) , وقد نقله الحاكم في " معرفة علوم الحديث " : 112 ط.العلمية و (270) ط. ابن حزم , و ابن رجب في "شرح العلل " 1/199 ط. عتر و 1/470 ط.همام .
(12) " معرفة علوم الحديث " : 59-60 ط.العلمية وعقب ( 103) ط. ابن حزم .
(13) وهو أبو جعفر المعروف بابن الطبري ثقة حافظ . " تهذيب التهذيب " 1/49 ، و " التقريب" (48) .
(14)" الجامع لأخلاق الراوي " (1787) .
(15) " شرح علل الترمذي " 1/33-34 ط. عتر و 1/339-340 ط. همام .
(16) " نزهة النظر " : 72 .
(17) " الجامع لأخلاق الراوي " عقب (1788) .
(18) ربما هي ( رُبّ ) دخلت عليها ( ما ) الزائدة ، فكفتها عن الجر ، وأزالت اختصاصها بالأسماء ، ويكثر دخولها على الجملة الفعلية ، وترد للتكثير كثيراً وللتقليل قليلاً ، فليس معناها التقليل دائماً ، ولا التكثير دائماً . انظر : " مغني اللبيب " 1/118 ، و " معجم الشوارد النحوية " : 312 .
(19) " الجامع لأخلاق الراوي " عقب (1789) .
(20) وفي هذا المعنى قال شيخ الإسلام ابن تيمية في : مجموع الفتاوى " 1/183 : (( ولهذا كان جمهور ما أُنكر على البخاري مما صححه يكون قوله فيه راجحاً على قول من نازعة ، بخلاف مسلم بن الحجاج فإنَّه نُوزِع في عدة أحاديث مما خرجها ، وكان الصواب فيها مع من نازعه .. ) وانظر : " العلة وأجناسها " : 83 .
(21) " علل الحديث " لابن أبي حاتم (2754) .
(22) " فتح المغيث " 1/255 .
(23) " نكت ابن حجر " 2/711 و : 485 بتحقيقي .
(24) انظر : " مقدمة شرح علل الترمذي " 1/28 ط.همام .
(25) انظر : " تحرير علوم الحديث " 2/649 .
(26) انظر : " الخبر الثابت " : 125 ، و " العلة وأجناسها " : 8 .
(27) انظر : " السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي " : 83-84 .
(28) انظر : " العلة وأجناسها " : 26-27 .
(29) انظر : " لمحات موجزة في أصول علل الحديث " :19-20 ، و " قواعد العلل وقرائن الترجيح " : 31-32 ، و " العلة وأجناسها " : 26-29 .
(30) إنَّ هذا المصطلح (( صناعة الحديث )) مصطلح قديم ، وُجد في العصر الذهبي لعلم العلل ، أي في منتصف القرن الثالث ، فقد قال مسلم في كتابه " التمييز " (102) : (( اعلم رحمك الله أنَّ صناعة الحديث ، ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم ، إنَّما هي لأهل الحديث خاصة ؛ لأنَّهم الحّفاظ لروايات الناس ، العارفون لها دون غيرهم ... )) .
قلت : ومن يطالع كتب ابن حبان يجد عشرات الأقوال في استعمال هذا الاصطلاح .
(31) انظر : " اللباب في تهذيب الأنساب " 2/103 ، و " مقدمة شرح علل الترمذي " 1/30 ط.همام ، و " العلة وأجناسها " : 30 .
(32) " الجامع لأخلاق الراوي " (1522) .
(33) " شرح علل الترمذي " 1/172 ط.عتر و 1/448 ط. همام .
(34) " الأنساب " 3/318 ( العتكي ) .
(35) انظر : " شرح علل الترمذي " 2/805 ط.عتر و 2/892 ط.همام ، و " جامع العلوم والحكم " 2/133 ط.العراقية و : 579-580 ط.ابن كثير .
(36) " تاريخ بغداد " 16/268 ط. الغرب .
(37) " تقدمة المعرفة " :264 .
(38) " رسالة أبي داود إلى أهل مكة " : 50 .
(39) " الموضوعات " 1/102 ط.الفكر . أما أئمة هذا العلم فهم في هذا المسرد ، وقد أفدت من كتاب " جهود المحدّثين " للدكتور الصياح وزدتُ على ما جاء به ، وهم :
1- محمد بن سيرين (110هـ ) .
2- الزهري (124هـ ) .
3- أيوب السختياني (131هـ ) .
4- شعبة بن الحجاج (160هـ ) .
5- عبد الرحمان بن مهدي (198هـ ) .
6- يحيى بن سعيد القطان (198هـ ) .
7- سفيان بن عيينة (198هـ ) .
8- الشافعي (204هـ ) .
9- أبو سلمة منصور بن سلمة الخزاعي (210هـ ) .
10- أبو عبيد القاسم بن سلاّم (224هـ ) .
11- يحيى بن معين ( 233هـ ) .
12- علي بن عبد الله المديني (234هـ ) .
13- محمد بن عبد الله بن نمير (234هـ ) .
14- إسحاق بن راهويه (238هـ ) .
15- أحمد بن حنبل (241هـ ) .
16- أبو جعفر محمد بن عبد الله بن عمار البغدادي (242هـ ) .
17- عبد الرحمان بن إبراهيم يعرف بـ ( دُحيم ) (245هـ ) .
18- أحمد بن الحسن بن جُنَيدب ( سنة بضع وأربعين ومئتين ) .
19- أبو زرعة أحمد بن حميد الجرجاني ( لم أقف على سنة وفاته ) .
20- أحمد بن صالح المصري (248هـ ) .
21- عمرو بن علي الفلاس (249هـ ) .
22- أبو جعفر أحمد بن سعيد الدارمي (253هـ ) .
23- الدارمي (255هـ ) .
24- البخاري (256هـ ) .
25- محمد بن يحيى الذهلي (258هـ ) .
26- يحيى بن إبراهيم بن مُزيّن (260هـ ) .
27- مسلم بن الحجاج (261هـ ) .
28- أبو علي المروزي (261هـ ) .
29- يعقوب بن شيبة السدوسي (262هـ ) .
30- أبو زرعة الرازي (264هـ ) .
31- إسماعيل بن عبد الله بن مسعود يعرف بـ ( سَمّويه ) (267هـ ) .
32- أبو بكر الأثرم (273هـ ) .
33- أبو داود (275هـ ) .
34- بقي بن مخلد (276هـ ) .
35- أبو حاتم الرازي (277هـ ) .
36- الترمذي (279هـ ) .
37- ابن أبي خيثمة (279هـ ) .
38- عثمان بن سعيد الدارمي ( 280هـ ) .
39- أبو العباس البرتي (280هـ ) .
40- أبو زرعة الدمشقي (281هـ ) .
41- إبراهيم بن الحسين الهمذاني (281هـ ) .
42- إسماعيل القاضي (282هـ ) .
43- أبو إسحاق الحربي (285هـ ) .
44- ابن أبي عاصم (287هـ ) .
45- محمد بن وضّاح القرطبي (287هـ ) .
46- إبراهيم بن نصر يعرف بـ (ابن أبْرول ) (287هـ ) .
47- عبد الله بن أحمد بن حنبل (290هـ ) .
48- علي بن الحسين بن الجُنيد (291هـ ) .
49- البزار (292هـ ) .
50- أبو عمران موسى بن هارون الحمال (294هـ ) .
51- أبو علي عبد الله بن محمد البلخي (295هـ ) .
52- إبراهيم بن أبي طالب (295هـ ) .
53- أبو عبد الله محمد بن إبراهيم الكناني ( لم أقف على سنة وفاته ) .
54- أبو بكر البرديجي(1) (301هـ ) .
55- أبو بكر الفريابي (301هـ ) .
56- النسائي (303هـ ) .
57- سعيد بن عثمان الأندلسي (305هـ ) .
58- محمد بن إبراهيم بن حَيّون الأندلسي (305هـ ) .
59- زكريا بن يحيى الساجي (307هـ ) .
60- الوليد بن أبان بن بونة الأصبهاني (310 أو 308 هـ ) .
61- الطبري ( 310هـ ) .
62- أبو جعفر التستري (310هـ ) .
63- ابن خزيمة (311هـ ) .
64- أبو بكر الخلاّل (311هـ ) .
65- أبو جعفر الألبيري (312هـ ) .
66- أبو بكر السجستاني (316هـ ) .
67- محمد بن أبي الحسين بن عمار الجارودي (317هـ ) .
68- يحيى بن محمد بن صاعد البغدادي (318هـ ) .
69- عبد الله بن محمد الكلاعي يعرف بـ ( ابن أخي رفيع الصائغ ) (318هـ) .
70- أحمد بن عمير بن يوسف بن موسى بن جوصا(2) (320هـ ) .
71- أبو جعفر العقيلي (322هـ ) .
72- أبو بكر عبد الله بن محمد بن زياد النيسابوري (324هـ ) .
73- أبو حامد أحمد بن محمد الشرقي النيسابوري (325هـ ) .
74- ابن أبي حاتم (327هـ ) .
75- أبو العباس أحمد بن محمد بن عُقدة الكوفي (332هـ ) .
76- محمد بن يعقوب بن الأخرم (344هـ ) .
77- وهب بن مسرة(3) الأندلسي (346هـ ) .
78- عبد الرحمان بن أحمد بن يونس الصدفي (347هـ ) .
79- أبو علي حسين بن علي النيسابوري (349هـ ) .
80- محمد بن أحمد العسّال (349هـ ) .
81- أبو الوليد حسان بن محمد النيسابوري (349هـ ) .
82- أبو القاسم خالد بن سعد الأندلسي (352هـ ) .
83- أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن حمزة الأصبهاني (353هـ ) .
84- أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن (353هـ ) .
85- ابن حبان (354هـ ) .
86- ابن الجِعابي ( 355هـ ) .
87- حمزة بن محمد الكناني (357هـ ) .
88- الطبراني (360هـ ) .
89- أبو إسحاق إبراهيم بن محمد المزكي (362هـ ) .
90- أبو علي الماسَرجِسي (365هـ ) .
91- ابن عدي (365هـ ) .
92- أبو الحسين الحجاجي (368هـ ) .
93- أبو الحكم مخارق بن الحكم الأندلسي (377هـ ) .
94- أبو أحمد الحاكم الكبير (378هـ ) .
95- أبو الحسين محمد بن المظفر البغدادي (379هـ ) .
96- أبو القاسم عبد الرحمان بن عبد الله الجوهري (381هـ ) .
97- الدارقطني (385هـ ) .
98- أبو بكر أحمد بن عبدان الشيرازي (388هـ ) .
99- أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الأندلسي (392هـ ) .
100- أبو علي الحسن بن محمد الزُّجاجي (400هـ ) .
101- أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقي (401هـ ) .
102- أبو المطرف عبد الرحمان بن محمد بن فُطيس القرطبي (402هـ ) .
103- أبو الحسين علي بن محمد المعافري (403هـ ) .
104- الحاكم (405هـ ) .
105- عبد الغني بن سعيد الأزدي (409هـ ) .
106- أبو عبد الله بن الحذّاء (416هـ ) .
107- أبو بكر البرقاني (425هـ ) .
108- حمزة بن يوسف السهمي (427هـ ) .
109- أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم القرّاب (429هـ ) .
110- أبو نعيم الأصبهاني (430هـ ) .
111- أبو ذر عبد بن أحمد الهروي (435هـ ) .
112- الحسن بن محمد البغدادي المعروف بـ ( الخلاّل ) (439هـ ) .
113- الخليلي (446هـ ) .
114- محمد بن إبراهيم المعروف بـ ( ابن شُقَ الليل ) (455هـ ) .
115- ابن حزم الأندلسي (456هـ ) .
116- البيهقي (458هـ ) .
117- أبو جعفر أحمد بن مغيث الأندلسي (459هـ ) .
118- الخطيب البغدادي (463هـ ) .
119- ابن عبد البر (463هـ ) .
120- سليمان بن خلف أبو الوليد الباجي ( 474هـ ) .
121- محمد بن أبي نصر فتوح الحميدي الأندلسي (488هـ ) .
122- أبو محمد عبد الله بن يوسف الجرجاني (489هـ ) .
123- أبو علي الجياني (498هـ ) .
124- أبو بكر الشاطبي (505هـ ) .
125- أبو الفضل ابن القيسراني (507هـ ) .
126- الحسين بن محمد بن فيـرّة (514هـ ) .
127- غالب بن عبد الرحمان بن عطية المحاربي (518هـ ) .
128- عبد الله بن أحمد بن يربوع (522هـ ) .
129- أبو محمد عبد العزيز بن محمد الأطروش الأندلسي (524هـ ) .
130- أبو العباس أحمد بن طاهر الداني الأندلسي (532هـ ) .
131- أبو جعفر أحمد بن عبد الرحمان البِطْرَوْجي الأندلسي (542هـ ) .
132- أبو عبد الله محمد بن عبد الرحمان بن صقالة الغرناطي (544هـ ) .
133- أحمد بن مسعود القيسي (558هـ ) .
134- أبو بكر عبد الله بن محمد النقور (565هـ ) .
135- ابن عساكر (571هـ ) .
136- أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني (581هـ ) .
137- عبد الحق الإشبيلي يعرف بـ ( ابن الخرّاط ) (581هـ ) .
138- عبد الرحمان بن محمد يعرف بـ ( ابن حُبيش ) (584هـ ) .
139- أبو بكر محمد بن موسى الحازمي (584هـ ) .
140- ابن الجوزي (597هـ ) .
141- ابن قدامة (620هـ ) .
142- أبو الحسن علي بن محمد الكتامي يعرف بـ (ابن القطان ) (628هـ ) .
143- أبو عبد الله بن الموّاق (642هـ ) .
144- ابن الصلاح (643هـ ) .
145- الضياء المقدسي (643هـ ) .
146- المنذري (656هـ ) .
147- النووي (676هـ ) .
148- أبو عبد الله أحمد بن محمد الكسار البغدادي (698هـ ) .
149- ابن دقيق العيد (702هـ ) .
150- أبو محمد مسعود بن أحمد الحارثي (711هـ ) .
151- محمد بن عمر بن رُشيد (721هـ ) .
152- عبد الله بن عبد الحليم بن تيمية الدمشقي (727هـ ) .
153- أبو المعالي الزَّملكاني (727هـ ) .
154- ابن تيمية(4) (728هـ ) .
155- ابن سيد الناس (734هـ ) .
156- المزي (742هـ ) .
157- عثمان بن علي الزيلعي (743هـ ) .
158- ابن عبد الهادي (744هـ ) .
159- الذهبي (748هـ ) .
160- ابن قيم الجوزية (751هـ ) .
161- خليل بن كيكلدي العلائي (761هـ ) .
162- جمال الدين أبو محمد عبد الله بن يوسف الزيلعي (762هـ ) صاحب " نصب الراية " .
163- ابن قاضي الجبل (771هـ ) .
164- ابن كثير (774هـ ) .
165- ابن رجب الحنبلي (795هـ ) .
166- ابن الملقن (804هـ ) .
167- العراقي (806هـ ) .
168- أبو البركات محمد بن موسى المراكشي (823هـ ) .
169- المقريزي (845هـ ) .
170- ابن حجر (852هـ ) .
171- العيني (855هـ ) .
172- السيواسي (861هـ ) .
173- المناوي (1031هـ ) .
174- الشوكاني (1250هـ ) .
175- شبيّر الديوبندي (1369هـ ) .
176- المعلمي اليماني (1386هـ ) .

القسم الأول : المصنفات القديمة المخطوطة والمفقودة : وهي ما كتبه العلماء الأوائل المؤسسون لهذا الفن ، ولكن أغلبه لم يصل إلينا بسبب فقدانه أو ما كان في عداد المخطوط ، وهي على النحو التالي :
1 – العلل : عبد الله بن المبارك.
2 – علل الحديث : يحيى بن سعيد القطان .
3 – علل المسند : علي بن المديني .
4 – علل حديث ابن عيينة : علي بن المديني .
5 - العلل المتفرقة : علي بن المديني .
6 – العلل : علي بن المديني.
7 – الأحاديث المعللات : علي بن المديني .
8 – علل الحديث : علي بن المديني .
9 – العلل الكبير : علي بن المديني .
10 – العلل : أحمد بن حنبل .
11 – علل الحديث ومعرفة الشيوخ : محمد بن عبد الله بن عمار أبو جعفر البغدادي نزيل الموصل .
12 – العلل : عمرو بن علي الفلاس.
13 – العلل : البخاري .
14 – علل حديث الزهري : محمد بن يحيى الذهلي .
15 – المستقصية : يحيى بن إبراهيم بن مُزيّن الأندلسي .
16 – العلل : مسلم بن الحجاج .
17- ما استنكر أهل العلم من حديث عمرو بن شعيب : مسلم بن الحجاج. 18المسند المعلل : يعقوب بن شيبة السدوسي ( عدا مسند عمر بن الخطاب فسنذكره في المطبوعات ) .
19 – العلل : عبيد الله بن عبد الكريم أبو زرعة الرازي.
20 – العلل : إسماعيل بن عبد الله بن مسعود ( سَمُّويه ) .
21 – كتاب في علل الحديث : أبو بكر الأثرم .
22 – العلل : أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني .
23 – العلل : ابن ماجه .
24 – العلل : أبو حاتم الرازي .
25 – العلل : أبو زرعة عبد الرحمان بن عمرو النَّصْري الدمشقي .
26 – التاريخ والعلل : أبو إسحاق الحربي .
27 – العلل : ابن أبي عاصم .
28– العلل : عبد الله بن محمد أبو علي البلخي.
29 – مصنف في العلل : إبراهيم بن أبي طالب النيسابوري .
30 – معرفة المتصل من الحديث والمرسل والمقطوع وبيان الطرق الصحيحة : البرديجي .
31– مسند حديث الزهري بعلله والكلام عليه : النسائي .
32– مصنف في علل الحديث : زكريا بن يحيى الساجي .
33– المسند المعلل : أبو العباس الوليد بن أبان بن بُونَة .
34 – العلل : أحمد بن محمد أبو بكر الخلاّل البغدادي.
35 – معرفة الرجال وعلل الحديث : ابن أخي رفيع الصائغ .
36 – مصنف في العلل : أبو جعفر العُقيلي .
37 – مصنف في العلل : حسين بن علي أبو علي النيسابوري .
38 – علل حديث الزهري : ابن حبان .
39 – علل أوهام أصحاب التواريخ : ابن حبان .
40 – علل حديث مالك : ابن حبان .
41 – علل مناقب أبي حنيفة ومثالبه : ابن حبان .
42 – علل ما أسند أبو حنيفة : ابن حبان .
43 – ما خالف الثوريُّ شعبةَ : ابن حبان .
44 – موقوف ما رُفع : ابن حبان .
45 – المسند الكبير المعلل : أبو علي الماسَرْجِسي .
46 – العلل : ابن عدي ( صاحب الكامل ).
47 – الأجوبة : عمر بن علي العتكي .
48 – مصنف كبير في العلل : أبو الحسين الحجاجي .
49 – مصنف في العلل : أبو أحمد الحاكم الكبير.
50 – مصنف في العلل : أبو علي الحسن بن محمد الزُجاجي.
51 – مصنف في العلل : أبو عبد الله الحاكم النيسابوري .
52 – مختصر في علل الحديث : ابن حزم الظاهري.
53 – تمييز المزيد في متصل الأسانيد : الخطيب البغدادي .
54 – مصنف في العلل : سليمان بن خلف الباجي .
55 – تصحيح العلل : ابن القيسراني.
56 – الانتصار لإمامي الأمصار : ابن القيسراني .
57 – جزء فيه تاج الحلية وسراج البغية في تعليل جميع آثار الموطآت : الشنـتريني .
58 – المعتل من الحديث : عبد الحق الإشبيلي.
59 – جزء فيه العقل : أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني.
60 – شفاء الغلل في بيان العلل : ابن حجر .
61 – بيان الفصل لما رجح فيه الإرسال على الوصل : ابن حجر .
62 – تقريب المنهج بترتيب المدرج : ابن حجر .
63- تقويم السناد بمدرج الإسناد : ابن حجر .
64 – الزهر المطلول في الخبر المعلول : ابن حجر .
65 – مزيد النفع بمعرفة ما رجح فيه الوقف على الرفع : ابن حجر .
66 – المقترب في بيان المضطرب : ابن حجر .
67 – نزهة القلوب في معرفة المبدل والمقلوب : ابن حجر.

............................
(1) " شرح علل الترمذي " 1/42 ط. عتر و 1/346 ط. همام .
(2) " جهود المحدّثين " : 182 .
(3) " جهود المحدّثين " : 183 .
(4) " جهود المحدّثين " : 183-184 .
(5) " تعليل العلل لذوي المقل " : 39 .
(6)انظر : " تعليل العلل لذوي المقل " : 39 و 41 و 42 و 43 و 45 و 46 و 47 .
(7) " الرسالة " : 221 (569) إلى (673) بتحقيقي .
(8) " جهود المحدّثين " : 184 .
(9) " جهود المحدّثين " : 181 .
(10) انظر : " معرفة علوم الحديث " : 71 ط.العلمية و (145) ط. ابن حزم .
(11) " شرح علل الترمذي " 2/805 ط. عتر و 1/492 ط.همام .
(12) " جهود المحدّثين " : 181 .
(13) على أنَّ تحقيق الكتاب رديءٌ ، والكتاب به حاجة لأنْ يحقق تحقيقاً علمية رصيناً رضياً ، يضبط من خلاله النص وتناقش تلك الإعلالات بما يليق بها .
(14) انظر : " قواعد العلل وقرائن الترجيح " : 33
(15) انظر : " سير أعلام النبلاء " 11/469 و 14/538 و 17/384 .
__________________القسم الثاني : المصنفات القديمة المطبوعة :
وهي مؤلفات المتقدمين من علماء هذا الفن ، وقد وصلت إلينا متعرضاً بعضها لآفات ، فشمّر لها العلماء شارحين محققين مرتبين ، وإن كان بعضها ما يزال يحتاج لعمل ، وهي على النحو التالي :
1 – التاريخ والعلل : يحيى بن معين ( رواية الدوري ) .
2 – علل الحديث ومعرفة الرجال : علي بن المديني ( رواية ابن البراء ) .
3 – العلل ومعرفة الرجال : أحمد بن حنبل ( روايتا ابنيه عبد الله وصالح وروايتا المروذي والميموني ) .
4 – من سؤالات أبي بكر الأثرم أبا عبد الله أحمد بن حنبل .
5 – التمييز(1) : مسلم بن الحجاج .
6- المسند المعلل : يعقوب بن شيبة ( طبع منه مسند عمر بن الخطاب ) .
7 – العلل الكبير : الترمذي ( ترتيب أبي طالب القاضي ) .
8 – العلل الصغير : الترمذي ( المطبوع مع " الجامع الكبير " ، له(2) ) .
9 – المسند الكبير المعلل ( البحر الزخار(3)) : البزار .
10 – علل الأحاديث في كتاب الصحيح لمسلم بن الحجاج : ابن عمار الشهيد .
11- علل الحديث : ابن أبي حاتم .
12- العلل الواردة في الأحاديث النبوية : الدارقطني .
13 – التتبع : الدارقطني .
14- الأحاديث التي خولف فيها مالك بن أنس : الدارقطني .
15 – الأجوبة عما أشكل الشيخ الدارقطني على صحيح مسلم : أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقي .
16 – الفصل للوصل المدرج في النقل : الخطيب البغدادي .
17- حديث الستة من التابعين وذكر طرقه واختلاف وجوهه : الخطيب البغدادي .
18- علة الحديث المسلسل في يوم العيد : أبو محمد عبد الله بن يوسف الجرجاني .
19- العلل المتناهية في الأحاديث الواهية : ابن الجوزي .
20- بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام : ابن القطان .
21- المنتخب من العلل للخلاّل : ابن قدامة .
22- تعليقة على علل ابن أبي حاتم : ابن عبد الهادي .
23- تلخيص العلل المتناهية في الأحاديث الواهية : الذهبي .
24- تهذيب سنن أبي داود وإيضاح علله ومشكلاته : ابن قيم الجوزية .
25- شرح علل الترمذي : ابن رجب الحنبلي .
................................... .....
(1) كتاب التمييز غاية في الأهمية والنفع ، ويمتاز بالبساطة وجزالة الأسلوب . بخلاف كتب العلل الأخرى ، والكتاب الذي بين أيدينا مختصر للتمييز ، وليس التمييز نفسه بدليل عشرات النقول التي تعزى للكتاب وليست فيه . والذي يطالع الكتاب يجد نصوصاً عديدة تدل على الاختصار ، مع وجود نصوص أخرى تدل جزماً على الاختصار كقول المختصر : " فذكر الحديث " و " بهذا الحديث " وغير ذلك مما يعرفه النبيه عند مطالعته الكتاب . ثم إنَّ المختصر اختصر الكتاب اختصاراً مخلاً ، ولا نعرف ذلك المختصر ، على أنَّه قد ذِكُر أنَّ ابن عبد البر اختصر الكتاب ( ترتيب المدارك 1/74 للقاضي عياض ) لكن نجزم أنَّ الذي بين أيدينا ليس اختصاره لسوء التصرف في كثير من المواضع . وفي خزانتنا نسخة خطية للكتاب بخط مغربي ، وعليها طبعتْ طبعات الكتاب جميعها .
(2) وَسْم هذا الكتاب بالصغير ، ليس من الترمذي ، إنما هو ممن جاء بعده ، من أجل التمييز بين هذا الكتاب والعلل الكبير ، وقد وضعه الترمذي في آخر " الجامع الكبير " ؛ تأدباً مع كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى لا يكون كلامه قبل كلام النبي صلى الله عليه وسلم .
وأخطأ أحد الباحثين حين جعل " العلل الكبير " للترمذي ملحقاً بآخر " الجامع الكبير " . انظر : " تعليل العلل لذوي المقل " : 43 .
(3) للدكتور الصياح تعليقة نفيسة على اسم الكتاب انظرها في " جهود المحدثين " : 100 . المصنفات الحديثة :

وهي ما كتبه المتأخرون والمعاصرون من أهل هذا الفن ، وتختلف ما بين مقال وبحث ورسائل علمية ، وفيها المطوَّل والمقتضَب وفيها بين بين ، وهي على النحو التالي :
1 – العلل في الحديث ( دراسة منهجية في ضوء شرح علل الترمذي لابن رجب ) : همام سعيد .
2- تحقيق ودراسة لمسانيد الخلفاء الأربعة من كتاب العلل للدارقطني : محفوظ الرحمن زين الله .
3 – الحديث المعلول : خليل ملا خاطر .
4 – الوليد بن مسلم الدمشقي وعلل الحديث في الكتب الستة : أمين عمر .
5 – عبد الله بن لهيعة حديثه وعلله في الكتب الستة : محمد عمر .
6 – بقية بن الوليد الحمصي حديثه وعلله دراسة تطبيقية في الكتب الستة : عبد الكريم الوريكات .
7 – عاصم بن أبي النجود حديثه وعلله في مسند الإمام أحمد بن حنبل والكتب الستة : خولة الخطيب .
8 – الكشف والتبيين لعلل حديث (( اللهم إني اسألك بحق السائلين )) والتعقيب على رسالة الانتصار للشيخ إسماعيل الأنصاري : علي حسن علي عبد الحميد الأثري .
9 – محمد بن إسحاق حديثه وعلله دراسة تطبيقية في الكتب الستة : زياد أبو حماد .
10 – حماد بن سلمة حديثه وعلله في زوائد مسند الإمام أحمد بن حنبل على الكتب الستة : عبد الجبار أحمد سعيد .
11 – علم علل الحديث : أيخان تكين .
12 – منهج التعليل عند الإمام الترمذي من خلال كتابه الجامع : أسعد حلمي .
13 – علل النسائي في السنن الصغرى ( المجتبى ) : علي عبد الفتاح أبو شكر .
14 – العلل الواردة في سنن الدارقطني ( جمعاً وتصنيفاً ودراسة – القسم الأول كتاب الطهارة - ) : خالد خليل يوسف علوان .
15 – العلل الواردة في سنن الدارقطني ( جمعاً وتصنيفاً ودراسة – القسم الثاني من أول كتاب الصلاة إلى أول كتاب النكاح - ) : فائز سعود صالح أبو سرحان .
16 - العلل الواردة في سنن الدارقطني ( جمعاً وتصنيفاً ودراسة – القسم الثالث من أول كتاب النكاح إلى آخر كتاب السنن ) : محمود أحمد يعقوب رشيد .
17- علم علل الحديث من خلال كتاب بيان الوهم والإيهام لأبي الحسن ابن القطان : إبراهيم بن الصديق .
18- ألفية علل الحديث المسماة شافية الغلل : محمد الأثيوبي .
19 – مزيل الخلل عن أبيات شافية الغلل ( شرح مختصر للكتاب السابق ) : محمد الأثيوبي .
20 – الاختلاف على الراوي وأثره على الروايات والرواة مع دراسة تطبيقية على مرويات حماد بن سلمة في الكتب الستة : حاكم المطيري .
21 – الأحاديث التي أعلها البخاري في كتابه التاريخ الكبير ( من أول الكتاب إلى نهاية ترجمة سعيد بن عمير الأنصاري – جمعاً ودراسة وتخريجاً - ) : عادل عبد الشكور الزرقي .
22 – الحديث المعلول ( قواعد وضوابط ) : حمزة بن عبد الله المليباري .
23- الموازنة بين المتقدمين والمتأخرين في تصحيح الأحاديث وتعليلها : حمزة بن عبد الله المليباري .
24 – أحاديث معلة ظاهرها الصحة : مقبل الوادعي .
25 – الإمام ابن الجوزي وكتابه العلل المتناهية في الأحاديث الواهية : عثمان سليم مقبل .
26 – ما اختلف في رفعه ووقفه من الأحاديث الواردة في كتاب الطهارة والصلاة من كتب العلل والتخريج ( جمعاً ودراسة ) : عواد بن حميد بن محمد الرويثي .
27 – الأحاديث التي أشار أبو داود في سننه إلى تعارض الوصل والإرسال فيها ( تخريجاً ودراسة ) : تركي الغميز .
28 – مواطن الرواة وأثرها في علل الحديث ( دراسة نظرية تطبيقية من خلال علل حديث معمر بن راشد وإسماعيل بن عياش ) : أحمد يحيى أحمد الكندي .
29 – الأحاديث التي بيّن أبو داود في سننه تعارض الرفع والوقف فيها ( دراسة وتخريجاً ) : محمد الفراج .
30– قرائن الترجيح في المحفوظ والشاذ وزيادة الثقة عند الحافظ ابن حجر في كتابه فتح الباري : نادر العمراني .
31 – منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث : بشير علي عمر .
32 – الإمام عبد الرحمان بن عمرو الأوزاعي حديثه وعلله في الكتب الستة ومسند الإمام أحمد : وديع عبد المعطي .
33– نقد المتن عند الإمام النسائي في السنن الكبرى : محمد مصلح .
34 – الأحاديث التي أعلها النسائي بالاختلاف على الرواة في كتابه المجتبى ( جمعاً ودراسة ) : عمر أبو بكر .
35 – علل حديث أبي قتادة : ( إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين ) : محمد التركي .
36 – ابن رجب الحنبلي ومنهجه في علل الحديث : الحسين محمد حسين .
37 – الحديث المنكر ( دراسة نظرية وتطبيقية في كتاب علل الحديث لابن أبي حاتم ) : عبد السلام أحمد محمد أبو سمحة .
38 – أثر علل الحديث في اختلاف الفقهاء : ماهر ياسين الفحل .
39 – فوائد في كتاب العلل لابن أبي حاتم : المعلمي اليماني .
40 – مرويات الإمام الزهري المعلة في كتاب العلل للدارقطني ( تخريجها ودراسة أسانيدها والحكم عليها ) : عبد الله بن محمد دمفو .
41 – إرشاد الخليل بفوائد من المصطلح والعلل والجرح والتعديل : أبو عبد الله رضا الأقصري .
42 – شرح علل الحديث مع أسئلة وأجوبة في مصطلح الحديث : مصطفى العدوي .
43 – منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها من خلال الجامع الصحيح : أبو بكر الكافي .
44 – ما اختلف في رفعه ووقفه من الأحاديث الواردة في كتاب الزكاة والصيام والحج والبيوع من كتب العلل والتخريج ( جمعاً ودراسة ) : عمر رفود رفيد السفياني .
45 – الاختلاف على الأعمش في كتاب العلل للدارقطني ( تخريج ودراسة ) : خالد عبد الله السبيت .
46 – الخبر الثابت قواعد ثبوته مع أصول في علم الجرح والتعديل وعلل الأحاديث : يوسف بن هاشم بن عابد اللحياني .
47 – أثر اختلاف الأسانيد والمتون في اختلاف الفقهاء : ماهر ياسين الفحل .
48 – لمحات موجزة في أصول علل الحديث : نور الدين عتر .
49 – الإسهام ببيان منهج ابن حزم في تعليل الأخبار من خلال كتابه الأحكام : أبو الفضل بدر العمراني .
50 – تعليل العلل لذوي المقل : عبد السلام علوش .
51 – التعريف بعلم علل الحديث : هشام بن عبد العزيز الحلاف .
52 – الأحاديث التي أعلها إمام الأئمة ابن خزيمة في صحيحه في كتاب الوضوء : عبد العزيز الهليل .
53 – قواعد في العلل وقرائن الترجيح : عادل عبد الشكور الزرقي .
54 – علم علل الحديث ودوره في حفظ السنة النبوية : وصي الله بن محمد عباس .
55 – جهود المحدّثين في بيان علل الأحاديث : علي بن عبد الله الصياح .
56 – المنهج العلمي في دراسة الحديث المعل ( دراسة تأصيلية ) : علي بن عبد الله الصياح .
57 – دراسة أحاديث معلولة : علي بن عبد الله الصياح .
58 – معرفة أصحاب شعبة : محمد التركي .
59 – مفهوم العلة عند المحدّثين : محمد عبد الرحمان طوالبة .
60– العلة وأجناسها عند المحدّثين : أبو سفيان مصطفى باحو .
61- أحاديث ومرويات في الميـزان (1 ، 2 ) : محمد عمرو بن عد اللطيف .
62 – الأحاديث التي أعلها الإمام أحمد ( جمعاً ودراسة ومقارنة ) : عيسى محمد المسملي .
63 – الأحاديث المرفوعة المعلة في كتاب حلية الأولياء : مجموعة من الباحثين .
64– الإمام يحيى بن أبي كثير علله وحديثه في الكتب الستة : بكر طعمة .
65 – نقد المتون في كتب العلل : سلطان الطبيشي .
66 – أحاديث الصحيحين التي أعلها الدارقطني في كتابه العلل مما ليس في التتبع : عبد الله القحطاني .
67 – النكت الجياد المنتخبة من كلام شيخ النقاد ذهبي العصر العلامة عبد الرحمان بن يحيى المعلّمي اليماني : إبراهيم الصبيحي .
68 – منهج المتقدمين في التدليس : ناصر الفهد .
69 – المسائل المتعلقة بالعلة : مقبل الوادعي .
70 – غارة الفصل على المعتدين على كتب العلل : مقبل الوادعي .
71 – العلل الواقعة في أسانيد كتاب مسلم ضمن كتاب تقييد المهمل للجياني : إبراهيم الناصر .
72 – نظرية العلة عند المحدّثين : رضا أحمد صمدي .
73 – الأحاديث التي ذكر الإمام الترمذي فيها اختلافاً وليست في العلل الكبير : مجموعة من الباحثين .
القسم الرابع : مصنفات هي مظان للأحاديث المعلة :
هناك كتب هي مظنة للحديث المعل ، ولكنَّها لم تؤلف في العلل بصورة خاصة ، وهذه الصفة تغلب على كتب القدماء على خلاف المتأخرين والمعاصرين فهم يميلون إلى التخصص نوعاً ما ، ومن هذه المصنفات :
1 – كتب الأحاديث المسندة :
مثل : جامع الترمذي ، وسنن النسائي ، وسنن الدارقطني ، وحلية الأولياء ... .
2 – كتب التخريج :
مثل : تحفة الأشراف ، ونصب الراية ، والمغني عن حمل الأسفار ، والبدر المنير ، وإتحاف المهرة ، والتلخيص الحبير ، والدراية في تخريج أحاديث الهداية ... .
3 – كتب التراجم :
مثل : الضعفاء الكبير ، والكامل ، وميزان الاعتدال ، ولسان الميزان ... .
4 – كتب التواريخ :
مثل : تواريخ البخاري ، والتاريخ الكبير لابن أبي خيثمة ، وتاريخ الطبري ، وأخبار أصبهان ، وتاريخ بغداد ، وتاريخ دمشق ، وتاريخ الإسلام ... .
5 – شروح كتب الحديث :
مثل : التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ، والمنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ، والنفح الشذي شرح جامع الترمذي ، وفتح الباري لابن رجب ، وفتح الباري لابن حجر ، وفيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي ، وسبل السلام شرح بلوغ المرام ، ونيل الأوطار .. .
6 – مصادر فقه المحدّثين :
مثل : الأوسط للمنذري ، وشرح معاني الآثار ، وشرح مشكل الآثار للطحاوي ، والاستذكار لابن عبد البر ، والخلاصة ، والمجموع للنووي ، وتبيين الحقائق شرح كنـز الدقائق في الفقه الحنفي للزيلعي ، والمغني في الفقه الحنبلي لابن قدامة ... .
7 – كتب مصطلح الحديث :
مثل : المحدّث الفاصل للرامهرمزي ، ومعرفة علوم الحديث للحاكم ، ومعرفة أنواع علم الحديث لابن الصلاح وشروحه والنكت عليه ... .
8 – كتب السؤالات :
مثل : سؤالات ابن أبي شيبة لعلي بن المديني ، وسؤالات تلامذة أحمد كابنيه عبد الله وصالح ، وسؤالات أبي داود والمروذي وابن هانئ والأثرم له ، وسؤالات تلامذة الدارقطني له كالبرقاني والسهمي ويحيى بن بكير والحاكم وغيرهم ... .
9 – كتب المراسيل :
مثل : المراسيل لأبي داود ، والمراسيل لابن أبي حاتم ، وجامع التحصيل للعلائي ... .
10 – كتب تدرس مناهج مصادر الرواية :
مثل : هدي الساري ، ومقدمة فتح الملهم بشرح صحيح مسلم لشبيّر أحمد ، والإمام الترمذي والموازنة بين جامعه والصحيحين لنور الدين عتر ... .
11 – كتب الطبقات :
مثل : الطبقات الكبرى لابن سعد ، والطبقات للعصفري ... .
12 – كتب الأفراد :
مثل البحر الزخار ، ومعجمي الطبراني الأوسط والصغير ، والأفراد للدارقطني ، و أطرافه لأبي الفضل ابن طاهر ... .
13 – كتب الأمالي والفوائد والأجزاء الحديثية :
مثل : الفوائد المنتخبة للخطيب البغدادي ، والفوائد لأبي بكر النقور ... .
14 – كتب متفرقة :
مثل كتب الألباني .
هذه أهم العناوين التي أمكننا جمعها ، وهي إما في مكتبتنا – مكتبة دار الحديث حرسها الله - وإما قد ذكرها من قبلنا ، وهناك أبحاث ومقالات أخرى منشورة على شبكة المعلومات الدولية ( نت ) لمجموعة من المشايخ منهم الشيخ عبد الله السعد والشيخ عبد الكريم الخضير وغيرهما .. مميزات كتاب " الجامع في العلل والفوائد "

1- جاء رسم الكتاب " الجامع في العلل والفوائد " لأنه يجمع جميع أنواع العلل ، سواء ما كان منها في السند ، أو في المتن ، أو فيهما كليهما من حيث التنظير الوافي مع حشد عدد كبير من الأحاديث التي تدخل ضمن تلك العلة .
أما الفوائد فتشير إلى أمرين :
أولهما : أن الكتاب أصل في الأحاديث المعلة والغريبة والمنكرة التي نشأت من أوهام الرواة ، فهي ( فوائد ) على اصطلاح أهل العلم .
والآخر : أن الكتاب غني بالفوائد العلمية ، والنكت الوفية ، ودقائق الجرح والتعديل ومناهج المحدثين ، وكذلك الفوائد المتعلقة بالكتب وخصائصها ومناهج مؤلفيها .
فضلاً عن ذلك فإن كلمة ( الجامع ) يستوحى منها من يقوم بجمع أشياء متفرقة سواء أكانت هذه الأشياء متباعدة أم متقاربة .
2- اشتمل الكتاب على طريقتي المحدثين في التصنيف في علل الحديث : التنظير ، والتطبيق ، وهو شبيه بعمل الإمام مسلم في كتابه ( التمييز ) .
3- الكتاب تبسيط لعلم العلل وتذليل له بالأمثلة المتنوعة ، وشرح لإعلالات المحدثين لتلك الأحاديث شرحاً وافياً بطريقة واضحة .
4- حريٌّ بهذا الكتاب أن يكون موسوعة في علم علل الحديث ؛ فالذي لم يتكلم فيه أشار إليه ، وما لم يتناوله بالتفصيل أجمله ، وهلم جراً .
5- إنه كتاب تعريفات ؛ فقد جمع كثيراً من التعريفات والحدود من حيث اللغة والاصطلاح ، مهتماً ببيان مدى ارتباط المعنى الاصطلاحي للفظ بالمعنى اللغوي له .
6- هو كتاب تأريخ ؛ إذ تناول نشوء علم العلل منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم ، وجَمَعَ المصطلحات المستعملة للتعبير عن العلة ، واضعاً لها في ميزان أهل اللغة والحديث .
7- صار هذا الكتاب ثبتاً لأئمة هذا الفن ومؤسسيه منذ نشأته وإلى يوم الناس هذا .
8- كان ( كشفاً ) لأسماء الكتب الموضوعة في هذا العلم القديمة والحديثة .
9- جمع الكتاب بين التأليف والتحقيق ، فعلى الرغم من أن الكتاب هو مؤلف عصري ، أنه حقق كثيراً من المسائل ، ولاسيما في باب التصحيف والتحريف ، ولو لم يكن له إلا التنبيه لكفاه .
10- الحرص على حشد أقوال الأئمة النقاد ، وفي طليعتهم المتقدمون في إعلالهم للأحاديث أو تصحيحها .
11- جمع ما يخص علل الحديث من كتب العلم المتنوعة كالأصول والتفسير والفقه وغيرها ، وعدم الاقتصار على كتب الحديث فقط ؛ ليتجلى علم العلل بوضوح ولتتم مقاصده ، وليكون العمل استقرائياً .
12- البحث في إعلال الحديث إعلالاً شمولياً يشمل كل ما يخص الإعلال ، سواء كان الإعلال واقعياً أو غير واقعي ، فإن كان غير واقعي تتم الإجابة عنه كما هو الحال في كثير من الأحاديث التي أعلها الفقهاء ، مع أن الكتاب مؤلف على طريقة أهل الحديث لكنه يشمل إعلالات غيرهم .
13- شرح قواعد العلل التي قعّدها المتقدمون ، وسار عليها من بعدهم ممن حذا حذوهم ، وكذلك فيما يتعلق بالسلاسل الإسنادية ، والتوثيق الضمني .
14- التأكيد على سبب العلة ، وكشف سبب خطأ الراوي ووهمه في ذلك الحديث ؛ ليكون العمل ميزاناً فيه تنقد الأخبار .
15- استخلاص كثير من أسباب العلل التي لم يتطرق إليها غالب من كتب في هذا الفن ، لاسيما أن بحثنا شامل للتنظير والتطبيق ، مع محاولة الاستيعاب لكثير من الدقائق .
16- تذليل المصطلحات الصعبة العامة والخاصة التي استخدمها الأئمة النقاد وبيان مرادهم بها ، إذ إن المتقدمين ممن تكلم في العلل لهم مصطلحات ومناهج قد يعسر فهمها على كل أحد ، ولا يفهمها إلا الحذاق ممن مارس هذا الفن ، وكانت له بضاعة في هذه الصناعة ، ولعل من أوجب الواجبات على المشتغلين بهذا الفن الشريف تبسيط هذا الفن على الناس .
17- الحكم على المئات من الأحاديث التي توسّع كلام النقد والإعلال فيها ، مع حشد أقوال المصححين والمعللين بالنقول والأدلة ؛ ليتضح للقارىء الحكم الصحيح ، وليكون الكتاب خير دليل للباحث عن أحسن طرائق الحكم .
18- كانت خلاصة الحكم على المتن بعد استنفاد الوسع في الكلام على الأسانيد .
19- تناولتُ بعض الأحاديث التي أُعلت لسبب معين ، أو اتسع الخلاف فيها مع رجحان صحتها ، فقد بحثتُ عدداً من الأحاديث لبيان صحتها والدفاع عنها كما هو ديدن الذين صنفوا في العلل .
20- توسعت في التمثيل لكل نوع وفرع وصورة ، وكان التمثيل لأنواع العلة الخفية كثيراً ، أما غيرها من العلل القادحة الظاهرة فيختلف الحال حسب أهمية ذلك النوع من أنواع علل الحديث .
21- البحث في تخريج الحديث وجمع الطرق على طريقة الاستيعاب ، ومتابعة موارد المخرِّجين ومن استقى منهم ؛ لمعرفة الصواب وتمييز الخطأ .
22- العناية بنقل النصوص عن الأئمة العلماء خاصة ، مثل نقل أقوال الترمذي النقدية عقب الأحاديث ، والموازنة بين طبعات الجامع الكبير له وتحفة الأشراف ، ومَن نقل أقوال الترمذي .
23- بذل الجهد والوسع في تخريج المعلقات التي يذكرها الترمذي والدارقطني والبيهقي وغيرهم عند ذكر المتابعات والمخالفات مع الإشارة إلى عدم العثور على مالم يُعثر عليه .
24- أُلف الكتاب وفق أحدث الطرق ، وتم اختيار الطريق الأحسن والأسلم في التخريج والترتيب والعزو ؛ وكان المنهج رائد العمل من أوله إلى آخره .
25- إثبات رواية معينة ثم إثبات اختلاف الروايات ، وبيان سبب الترجيح وذكر سبب الاختلاف ما وجدنا لذلك سبيلاً .
26- الحكم على الرواة بالنظر والمقارنة بين أقوال أئمة الجرح والتعديل ، وليس لنا في ذلك تقليد محض ، بل نجتهد فيمن اختلف فيهم في الأعم الأغلب .
27- حوى الكتاب كثيراً من الدراسات الجادة في الرجال ، وتم تعقب كثير من اجتهادات المحدّثين في الرواة ، و قد ضم أكثر من ( 500) ترجمة للرواة ناقشتُ في بعضها أسباب الجرح والتعديل مبيناً الصواب وفق القواعد العلمية الرصينة .
28- التنبيه على أخطاء الرواة ، وتم عمل إحصائية دقيقة لكل راو أخطأ في هذا الكتاب .
29- حفل الكتاب بإحصاء مرويات بعض الرواة في بعض الكتب ، وهذا قلما تجده في غيره .
30- إبراز خصوصيات بعض الرواة في بعض الشيوخ ، فبعضهم ثقات في أنفسهم ، ضعفاء في بعض الشيوخ .
31- دراسة كثير من الرواة المختلف فيهم مع سبر مروياتهم من أجل الخلوص إلى حكم صحيح شامل ، وكذلك صنعت مع الرواة الذين لم يترجم لهم في كتب التراجم .
32- جاءت بعض التراجم مطولة للضرورة ؛ ليعرف من خلالها خلاصة الحكم على الرواة .
33- العناية بنقل التوثيق والتضعيف من الأسانيد وكتب العلل ، من أجل لملمة أقوال ترصد لتوضع في أماكنها في كتب الرجال .
34- شرح كثير من قواعد الجرح والتعديل ، وإيضاح المعاني المختلفة للفظة الواحدة واختلاف النقاد في معانيها ، وكنت أحاول جاهداً الوقوف على أقدم شرح للقاعدة أو اللفظة ، فإن لم أجد للمتقدمين في شرحها شيئاً اعتمدت على ما دوّنه المحققون من المتأخرين والمعاصرين .
35- بيان مصطلحات العلماء في مؤلفاتهم عند النقل عنهم ، لتكتمل الفائدة ؛ على أن ما يذكر من تلك الفوائد لا يذكر على سبيل الإسهاب ، بل يؤتى بها بألخص عبارة وأوجز إشارة .
36- إحالات الكتب غالباً على الطبعات المعتمدة ، وقد أرجع إلى طبعات متعددة لعدد من الكتب خاصة عند الاختلاف .
37- بيان أخطاء الكتب ، وتصويب الكلام المخطوء عند نقله ، وتصحيح التصحيف وتحرير التحريف والإشارة إلى الزيادة والنقص عند النقل .
38- إن كان للكتاب طبعتان أو أكثر ووُجد خطأ في إحدى الطبعات فإنه يُرصد ، وتدقق بقية الطبعات ؛ ليعلم تقليد المتأخر للمتقدم .
39- التعريف بكثير من الكتب والأجزاء الحديثية مع بيان خصائصها بعبارات موجزة شاملة لفوائد نادرة .
40- الاهتمام بذكر أوهام محققي الكتب في نقد الأحاديث أو تعيين الرواة إذا كان في ذلك فائدة أو دفع مفسدة ، مع ترك كثير من ذلك حين لا يكون في بيانه كبير فائدة .
41- رصد المخالفين في انتقاص مخالفيهم ، وإيضاح ذلك حتى لا يقع النقد في غير موضعه .
42- تضمن الكتاب الكلام على بعض المصادر وتحقيق صحة نسبتها إلى مؤلفيها .
43- ومع تخصص الكتاب الدقيق في الحديث والعلل والأسانيد والجرح والتعديل لم يخل من كثير من الفوائد الفقهية والعقدية والشوارد اللغوية وغيرها .
44- شمل الكتاب مقدمات نافعة ، وقواعد ماتعة ، وفهارس متنوعة ، تيسر صعوبة الكتاب ، وتذلل طرائق البحث فيه ، وتضمن للباحثين إحصائيات مهمة .
45- من يطالع الكتاب يجد أبحاثاً حديثية مهمة ودراسات إستقرائية قلَّ نظيرها ، ومن يعاود النظر في الكتاب سيجد الفرق بين مناهج المتقدمين والمتأخرين جلياً .
46- يُعد أول كتاب رتّب الأحاديث المعلولة على أجناس العلل .
47- في الكتاب يكون إعلال الحديث بالعلة الرئيسة ، ويشار إلى إعلالات الآخرين ، مع بيان القادح وغير القادح من تلك الإعلالات:
انتهي الكتاب والله المستعان .==

أثر اختلاف المتون والأسانيد في اختلاف الفقهاء

 

 

 

تأليف الدكتور

ماهر ياسين الفحل

 

 

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام عَلَى سيدنا مُحَمَّد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً .

وبعد :

فإن علم الْحَدِيْث النبوي الشريف من أشرف العلوم الشرعية ، بَلْ هُوَ أشرفها عَلَى الإطلاق بَعْدَ العلم بكتاب الله تَعَالَى الَّذِيْ هُوَ أصل الدين ومنبع الطريق المستقيم ؛ لذا نجد الْمُحَدِّثِيْنَ قَدْ أفنوا أعمارهم في تتبع طرق الْحَدِيْث ونقدها ودراستها ، حَتَّى بالغوا أيما مبالغة في التفتيش والنقد والتمحيص عَنْ اختلاف الروايات وطرقها وعللها فأمسى علم مَعْرِفَة علل الْحَدِيْث رأس هَذَا العلم وميدانه الَّذِيْ تظهر فِيْهِ  مهارات الْمُحَدِّثِيْنَ ، ومقدراتهم عَلَى النقد .

ثُمَّ إن لعلم الْحَدِيْث ارتباطاً وثيقاً بالفقه الإسلامي ؛ إِذْ إنا نجد جزءاً كبيراً من الفقه هُوَ في الأصل ثمرة للحديث ، فعلى هَذَا فإن الْحَدِيْث أحد المراجع الرئيسة للفقه الإسلامي . ومعلوم أنَّهُ قَدْ حصلت اختلافات كثيرة في الْحَدِيْث ، وهذه الاختلافات مِنْهَا ما هُوَ في السند ، ومنها ما هُوَ في الْمَتْن ، ومنها ما هُوَ مشترك بَيْنَ الْمَتْن والسند . وَقَدْ كَانَ لهذه الاختلافات دورٌ كبيرٌ في اختلاف الفقهاء ؛ من هنا أصبح لدي دافع كبير إِلَى جمع هَذِهِ الاختلافات وتصنيفها وتبويبها وترتيبها مَعَ التنظير العلمي لكل نوع من الأنواع الَّتِي حصلت فِيْهَا الاختلافات ؛ ثُمَّ ذِكْرُ خلاصة الحكم في تِلْكَ المسألة الحديثية بَعْدَ سوق أقوال الْعُلَمَاء . ثم بَعْدَ ذَلِكَ أذكر ما ترتب عَلَى هَذِهِ الاختلافات من تباين في وجهات نظر الفقهاء وآرائهم نتيجة هَذَا الاختلاف الحديثي .

من هنا جاء الربط بَيْنَ علم الْحَدِيْث وعلم الفقه ، وأكدت هَذَا الربط بأن ذكرت بتفصيل مناسب نموذجاً أو أكثر – حسب الوسع – أبين فِيْهِ أثر هَذَا الاختلاف في اختلاف الفقهاء .

هَذَا وَقَد اقتضت طبيعة البحث تقسيمه بَعْدَ هَذِهِ المقدمة إِلَى أربعة فصول :

صدّرت الرسالة بفصلٍ تمهيديٍّ لبيان ماهية الاختلاف ، وقضايا أخرى تتعلق بِهِ . وَقَدْ تضمن هَذَا الفصل أربعة مباحث :

المبحث الأول : عرّفت فِيْهِ الاختلاف لغة واصطلاحاً .

المبحث الثاني : ذكرت فِيْهِ الفرق بَيْنَ الاختلاف والاضطراب .

المبحث الثالث: بينت فِيْهِ أنواع الاختلاف .

المبحث الرابع : تكلمت فِيْهِ عن أسباب الاختلاف ، وَقَدْ تفرع إِلَى أربعة مطالب :

المطلب الأول : تكلمت فِيْهِ عن مَعْرِفَة الاختلاف ، ودخوله في علم العلل .

المطلب الثاني : ذكرت فِيْهِ أهمية مَعْرِفَة الاختلافات في المتون والأسانيد .

المطلب الثالث: تكلمت فِيْهِ عن الكشف عن الاختلاف .

المطلب الرابع : تكلمت فِيْهِ عن الاختلاف القادح وغير القادح .

أما الفصل الأول : فَقَدْ خصصته للكلام عن الاختلافات الواردة في السند ، وَقَد اشتمل عَلَى تمهيد ومبحثين :

تكلمت في التمهيد عن تعريف الإسناد لغة واصطلاحاً ، وبينت أهمية الإسناد .

وفي المبحث الأول : تكلمت عن التدليس ، وأثره في اختلاف الْحَدِيْث ، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء .

وفي المبحث الثاني : ذكرت فِيْهِ التفرد وتكلمت عن أثره في اختلاف الْحَدِيْث ، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء .

أما الفصل الثاني : فَقَدْ خصصته للاختلافات الواردة في الْمَتْن ، وَقَد اشتمل عَلَى ثمانية مباحث :

المبحث الأول : تكلمت فِيْهِ عن رِوَايَة الْحَدِيْث بالمعنى،وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء .

المبحث الثاني : تكلمت فِيْهِ عن مخالفة الْحَدِيْث للقرآن،وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء.

المبحث الثالث: ذكرت فِيْهِ الكلام عن مخالفة الْحَدِيْث لحديث أقوى مِنْهُ ،وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء.

المبحث الرابع : تكلمت عن مخالفة الْحَدِيْث لفتيا راويه ، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء.

المبحث الخامس: ذكرت فِيْهِ الكلام عن مخالفة الْحَدِيْث للقياس ،وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء.

المبحث السادس: تكلمت فِيْهِ عن مخالفة الْحَدِيْث لعمل أهل المدينة ،وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء.

المبحث السابع: تكلمت فِيْهِ عن مخالفة الْحَدِيْث للقواعد العامة ،وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء.

المبحث الثامن : ذكرت فِيْهِ اختلاف الْحَدِيْث بسبب الاختصار ،وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء.

أما الفصل الثالث : فَقَدْ خصصته للاختلافات المشتركة في السند والمتن ، وَقَدْ تضمن ثمانية مباحث :

المبحث الأول : تكلمت فِيْهِ بتفصيل عن الاضطراب وما يتعلق بِهِ .

المبحث الثاني : فَقَدْ خصصته للزيادات الواقعة في المتون والأسانيد .

المبحث الثالث: تكلمت فِيْهِ عن اختلاف الثقة مَعَ الثقات .

المبحث الرابع : ذكرت فِيْهِ الكلام عن اختلاف الضعيف مَعَ الثقات .

المبحث الخامس : قَدْ تكلمت فِيْهِ بتفصيل عن الإدراج .

المبحث السادس: تكلمت فِيْهِ عن الاختلاف بسبب خطأ الرَّاوِي .

المبحث السابع: ذكرت فِيْهِ الاختلاف بسبب القلب .

المبحث الثامن : تكلمت فِيْهِ عن الاختلاف بسبب التصحيف والتحريف .

وَقَدْ خرّجت الأحاديث الواردة في الرسالة ، وذلك بالرجوع إِلَى كتب الْحَدِيْث المعتمدة عِنْدَ المُحَدِّثِيْنَ ؛ وأطلت التخريج في أكثر المواضع ؛ لأن موضوع الاختلافات يستدعي ذَلِكَ ؛ إذ إن الاختلافات الحاصلة في المتون والأسانيد لا تدرك إلا بجمع طرق الْحَدِيْث من مظانها .

وَقَدْ رتبت في التخريج والعزو المؤلفين عَلَى حسب الوفيات ، واعتمدت عَلَى الطبعات المعتمدة المتداولة وَقَدْ حاولت جاهداً بَيَان درجة الأحاديث الواردة في الرسالة مهتدياً بأقوال الأئمة السابقين ومستعيناً بقواعد الْحَدِيْث الَّتِي وضعها الأئمة الأعلام .

وَقَدْ ترجمت للأعلام الواردين بالرسالة عِنْدَ ذَكَرَ العلم أول مرة .

أما الخاتمة فَقَدْ ضمنتها أهم نتائج البحث .

بَعْدَ هَذَا العرض أرى من الواجب عَليّ أن أعبر بالثناء الجميل عما يكنه صدري من عرفان بالفضل لكل من مدّ إليَّ يد العون في أثناء إعداد هَذِهِ الرسالة ، سواء بإرشاد أو هداية لمصدر أو تشجيع أو دعاء وأخص بالذكر رفقائي في الطلب الأخوة المشايخ : هيثم عَبْد الوهاب وعَبْد الله كريم وحسن عَبْد الوهاب وعبد الحليم قاسم وعمر طارق وظافر إسماعيل وعماد عدنان وعبد الكريم مُحَمَّد ، فجزاهم الله خير الجزاء ونفعهم بعلمهم في الدنيا والآخرة .

كَمَا أتوجه بالشكر الجزيل إِلَى أساتذتي الأفاضل الَّذِيْنَ تفضلوا بقبول مناقشة هَذِهِ الرسالة وتقويمها ، وشرفوني بالنظر فِيْهَا ، فجزاهم الله عني خير الجزاء .

وختاماً فإن هَذَا هُوَ جهدي المتواضع الَّذِي أرجو من الله تَعَالَى لَهُ القبول ، فَقَدْ بذلت فِيْهِ ما وسعني من جهد ، فإن وفّقت فِيْهِ فلله تَعَالَى الفضل والمنة ، وإن كَانَ غَيْر ذَلِكَ فحسبي أني حاولت الوصول إِلَى خدمة هَذَا الدين عن طريق الربط بَيْنَ الفقه الإسلامي ، وبين علمٍ من أهم علوم الْحَدِيْث النبوي الشريف .

والرب سبحانه وتعالى يثيب عَلَى القصد ويعفو عن الخطأ ؛ فأساله سبحانه وتعالى أن يجنبنا الزلل ويرشدنا إِلَى الصواب ويوفقنا إِلَى ما يحبه ويرضاه .

والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام عَلَى سيدنا مُحَمَّد المبعوث رحمة للعالمين ، وعلى آله وصحبه ، والتابعين لَهُمْ بإحسان إِلَى يوم الدين

 

 

 

المبحث الأول

الاختلاف لغة واصطلاحاً

المطلب الأول

تعريف الاختلاف لغة

الاختلاف : افتعال مصدر اختلف ، واختلف ضد اتفق ، ويقال : (( تخالف القوم واختلفوا ، إذا ذهب كُلّ واحد مِنْهُمْ إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر )) .

ويقال : (( تخالف الأمران ، واختلفا إذا لَمْ يتفقا وكل ما لَمْ يتساو : فَقَدْ تخالف واختلف ))  .

ومنه قولهم : اختلف الناس في كَذَا ، والناس خلفة أي مختلفون ؛ لأن كُلّ واحد مِنْهُمْ ينحي قَوْل صاحبه ، ويقيم نفسه مقام الَّذِيْ نحّاه ( ) . ومنه حَدِيْث النَّبِيّ : (( سَوّوا صفوفكم ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم )) ( ) .

وبعد أن ساق الزَّبِيديُّ ( ) هَذَا الْحَدِيْث قَالَ في معناه : (( أي : إذا تقدّم بعضُهم عَلَى بَعضٍ في الصُّفُوفِ تأثرت قُلوبُهم ، ونشأَ بينهم اختلافٌ في الأُلْفَةِ والموَدَّةِ )) ( ) .

ويستعمل الاختلاف عِنْدَ الفقهاء بمعناه اللُّغويِّ .

أمّا الخِلافُ - بالكسر - فهو المُضَادّةُ ، وَقَدْ خالَفَهُ مُخالَفَةً وخِلافاً كَمَا في اللسان( ).

والخِلافُ : المُخَالَفَةُ ، قَالَ تَعَالَى:فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ( ) أي : مُخُالَفَةَ رَسُولِ اللهِ ( ) .

 

المطلب الثاني

تعريف الاختلاف اصطلاحاً

لَمْ أجد تعريفاً للعلماء في الاختلاف ، لَكِنْ يمكنني أن أعرفه بأنه : ما اختلف الرُّوَاة فِيْهِ سنداً أو متناً .

وعلى هَذَا التعريف يمكننا أن نقسّم الاختلاف عَلَى ضربين :

الأول : اختلاف الرُّوَاة في السند : وَهُوَ أن يختلف الرُّوَاة في سند ما زيادة أو نقصاناً ، بحذف راوٍ ، أو إضافته ، أَوْ تغيير اسم ، أَوْ اختلاف بوصل وإرسال ، أَوْ اتصال وانقطاع ، أو اختلاف في الجمع والإفراد ( ) .

الثاني : اختلاف الرُّوَاة في الْمَتْن : زيادة ونقصاناً ، أو رفعاً ووقفاً .

وَقَدْ أحسن وأجاد الإمام مُسْلِم بن الحجاج ( ) إذ صوّر لنا الاختلاف تصويراً بديعاً فَقَالَ في كتابه العظيم " التمييز " : (( اعلم ، أرشدك الله ، أن الَّذِيْ يدور بِهِ مَعْرِفَة الخطأ في رِوَايَة ناقل الْحَدِيْث – إذا هم اختلفوا فِيْهِ  - من جهتين :

أحدهما : أن ينقل الناقل حديثاً بإسناد فينسب رجلاً مشهوراً بنسب في إسناد خبره خلاف نسبته الَّتِيْ هِيَ نسبته ، أو يسميه باسم سوى اسمه ، فيكون خطأ ذَلِكَ غَيْر خفيٍّ عَلَى أهل العلم حين يرد عليهم …

والجهة الأخرى : أن يروي نفر من حفّاظ الناس حديثاً عَنْ مثل الزهري ( ) أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد مجتمعون عَلَى روايته في الإسناد والمتن ، لا يختلفون فِيْهِ  في معنى ، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عَنْهُ النفر الَّذِيْنَ وصفناهم بعينه فيخالفهم في الإسناد أو يقلب الْمَتْن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ ، فيعلم حينئذٍ أنَّ الصَّحِيْح من الروايتين ما حدّث الجماعة من الحفاظ ، دون الواحد المنفرد وإن كَانَ حافظاً ، عَلَى هَذَا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الْحَدِيْث ، مثل شعبة ( ) وسفيان بن عيينة ( ) ويحيى بن سعيد ( ) وعبد الرحمان بن مهدي ( ) وغيرهم من أئمة أهل العلم )) ( ).

المبحث الثاني

الفرق بَيْنَ الاضطراب والاختلاف

الْحَدِيْث المضطرب : هُوَ ما اختلف راويه فِيْهِ  ، فرواه مرة عَلَى وجه ، ومرة عَلَى وجه آخر مخالف لَهُ . وهكذا إن اضطرب فِيْهِ راويان فأكثر فرواه كُلّ واحد عَلَى وجه مخالف للآخر ( ) .

ومن شرط الاضطراب : تساوي الروايات المضطربة بحيث لا تترجح إحداها عَلَى الأخرى .

أما إذا ترجحت إحدى الروايات فلا يسمى مضطرباً ، بَلْ هُوَ مطلق اختلافٍ ، قَالَ العراقي ( ) : (( أما إذا ترجحت إحداهما بكون راويها أحفظ ، أو أكثر صُحْبَة للمروي عَنْهُ ، أو غَيْر ذَلِكَ من وجوه الترجيح ؛ فإنه لا يطلق عَلَى الوجه الراجح وصف الاضطراب ولا لَهُ حكمه ، والحكم حينئذ للوجه الراجح )) ( ) . وهذا أمر معروف بَيْنَ الْمُحَدِّثِيْنَ لا خلاف فِيْهِ ؛ لذا نجد المباركفوري يَقُوْلُ : (( قَدْ تقرر في أصول الْحَدِيْث أنّ مجرد الاختلاف لا يوجب الاضطراب ، بَلْ من شرطه استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قُدِّمَ )) ( ).

فعلى هَذَا شرط الاضطراب تساوي الروايات ، أما إذا ترجحت إحداهما عَلَى الأخرى فالحكم للراجحة،والمرجوحة شاذة أَوْ منكرة . وعليه فإن كَانَ أحد الوجوه مروياً مِنْ طريق ضعيف والآخر من طريق قوي فلا اضطراب والعمل بالطريق القوي ، وإن لَمْ يَكُنْ كذلك ، فإن أمكن الجمع بَيْنَ تِلْكَ الوجوه بحيث يمكن أن يَكُوْنَ المتكلم باللفظين الواردين عَنْ معنى واحد فلا إشكال أَيْضاً؛مِثْل أن يَكُوْنَ في أحد الوَجْهَيْنِ قَدْ قَالَ الرَّاوِي : عَنْ رجل ، وفي الوجه الآخر يسمي هَذَا الرجل ، فَقَدْ يَكُوْن هَذَا المسمى هُوَ ذَلِكَ المبهم ؛ فَلاَ اضطراب إذن ولا تعارض ، وإن لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ بأن يسمي مثلاً الرَّاوِي باسم معينٍ في رِوَايَة ويسميه باسم آخر في رِوَايَة أخرى فهذا محل نظر وَهُوَ اضطراب إِذْ يتعارض فِيْهِ  أمران :

أحدهما : أنه يجوز أن يَكُوْن الْحَدِيْث عَنْ الرجلين معاً .

والثاني : أن يغلب عَلَى الظن أن الرَّاوِي واحد واختلف فِيْهِ  ( ) . فههنا لا يخلو أن يَكُوْن الرجلان كلاهما ثقة أو لا ، فإن كانا ثقتين فهنا لا يضر الاختلاف عِنْدَ الكثير ؛ لأنّ الاختلاف كيف دار فهو عَلَى ثقة ، وبعضهم يقول : هَذَا اضطراب يضر ؛ لأنه يدل عَلَى قلة الضبط ( ) .

إذن شرط الاضطراب الاتحاد في المصدر، وعدم إمكانية التوفيق بَيْنَ الوجوه المختلفة والترجيح عَلَى منهج النقاد وعلى ما تقدم يتبين لنا أنّ بَيْنَ الاضطراب والاختلاف عموماً وخصوصاً،وَهُوَ أن كُلّ مضطرب مختلف فِيْهِ، ولا عكس. فالاختلاف أعم من الاضطراب إِذْ شرط الاضطراب أن يَكُوْن قادحاً ، أما الاختلاف فربما كَانَ قادحاً وربما لَمْ يَكُنْ قادحاً.

ثُمَّ إنه ليس كُلّ اختلاف يؤدي إلى وجود الاضطراب ، إِذْ إن ما يشبه أن يَكُوْن اضطراباً ينتفي عَنْ الْحَدِيْث إذا جمع بَيْنَ الوجوه المختلفة أو رجح وجه مِنْهَا عَلَى طريقة النقاد لا عَلَى طريقة التجويز العقلي .

 

 

المبحث الثالث

أنواع الاختلاف

من البدهي أن يختلف الرُّوَاة سنداً ومتناً فِيْمَا يؤدونه من الأحاديث النبوية ؛ ذَلِكَ لأن مواهب الرُّوَاة في حفظ الأحاديث تختلف اختلافاً جذرياً بَيْنَ راوٍ وآخر ، فمن الرُّوَاة من بلغ أعلى مراتب الحفظ والضبط والإتقان ، ومنهم أدنى وأدنى . ولا عجب أن يختلَّ ضبط الرُّوَاة من حال إلى حال ومن وقت إلى وقت مع تغيرات الزمان واختلاف الأحوال وتبدل الصحة . هَذَا مع اختلاف الرُّوَاة في عنايتهم في ضبط ما يتحملونه من الأحاديث فمنهم من يتعاهد حفظه ومنهم من لا يتعاهد ، ومنهم من لا يحدّث إلا بصفاء الذهن ومراجعة الأصول ( ) ومنهم دون ذَلِكَ . زيادة عَلَى الآفات الَّتِيْ تصيب الإنسان مِمَّا تؤدي إلى اختلال مروياته ودخول بعض الوهم في حديثه . فهذا كله من الأسباب الرئيسة العامة في وجود الاختلاف .

ثُمَّ إن اختلاف الرُّوَاة يرجع إلى نوعين رئيسين:اختلاف تنوع،واختلاف تضاد( ).

فاختلاف التنوع : هُوَ أن يذكر كُلّ من المختلفين من الاسم أَوْ اللفظ بعض

أنواعه ، كأن يختلف الرُّوَاة عَلَى راوٍ فبعضهم يذكره باسمه وبعضهم يذكره بكنيته وبعضهم بلقبه وبعضهم بوصف اشتهر بِهِ . وربما أطلق عَلَى هَذَا الاختلاف اختلاف في العبارة وَهُوَ : أن يعبر كُلّ من المختلفين عَنْ المراد بعبارة غَيْر عبارة صاحبه ، والمعنى واحد عِنْدَ الْجَمِيْع ( ).

والنوع الآخر من أنواع الاختلاف : اختلاف التضاد ، وَهُوَ الاختلاف الحقيقي القادح ، وَهُوَ : أن يختلف الرُّوَاة في متن حديثين أحدهما يخالف أَوْ ينافي الآخر أو أن يختلف الرُّوَاة في راوٍ أَوْ رواة مختلفين عَن الآخرين مع عدم إمكان الترجيح والتوفيق عَلَى طريقة النقاد ؛ إِذْ تتساوى وجوه الروايات .

 

 

المبحث الرابع

أسباب الاختلاف

فطر الله تَعَالَى الناس عَلَى أن يختلفوا في مواهبهم وقدراتهم وتنوع قابلياتهم في الدقة والضبط والإتقان والحرص عَلَى الشيء ، كَمَا أن الناس يختلفون في أحوالهم الأخرى قَالَ تَعَالَى : فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَات ( ) ، وهذه المواهب والمنح من الله يعطي من شاء ما شاء . والناس كذلك يختلفون في حرصهم واجتهادهم لِذَلِكَ عَدَّ الإمام الشَّافِعِيّ ( ) الحرص من لوازم العلم فَقَالَ :

أخي لن تنال العلم إلا بستة

سأنبيك عَنْ تفصيلها ببيان

 

ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة

وصحبة أستاذ وطول زمان( )

 

فالحرص إذن من أساسيات العلم ، وإن قَلَّ حفظ الرَّاوِي أو كلّت ذاكرته ، فإن بوسعه الحِفاظ على مروياته بالمذاكرة والمتابعة والتعاهد لمحفوظه ومراجعة أصوله ، حفظاً للسنة النبوية من الخطأ فِيْهَا – بزيادة أَوْ نقص أو تغيير – .

ومع هَذَا كله فإننا لَمْ نعدم في تاريخنا الحديثي بعض الرُّوَاة الَّذِيْنَ لَمْ يبالوا بمروياتهم، وَلَمْ يولوها الاهتمام الكافي ، سواء أهمل الرَّاوِي نفسه تعاهد محفوظاته أَوْ مراجعته كتابه ، أو تدخل عنصر بالعبث بمروياته ( ) ، أو غَيْر ذَلِكَ مِمَّا تكون نتيجته وقوع الوهم في حَدِيْث ذَلِكَ الرَّاوِي ، ويؤول بالنهاية إلى حدوث الاختلاف مع روايات غيره ، عَلَى أن الخطأ والوهم لَمْ يسلم مِنْهُ كبار الحفاظ مع شدة حرصهم وتوقيهم ، لذا قَالَ ابن

معين ( ) : (( لست أعجب ممن يحدّث فيخطئ ، إنما أعجب ممن يحدث فيصيب ))( ). غَيْر أنّ الأحاديث الَّتِيْ حصل فِيْهَا الوهم تعد قليلة مغمورة في بحر ما رووه عَلَى الصواب .

وبإمكاننا أن نفصل أسباب الاختلاف بما يأتي :

أولاً . الوهم والخطأ :

الخطأ والوهم أمران حاصلان وواقعان في أحاديث الثقات فضلاً عَنْ وقوعه في أحاديث الضعفاء، ونحن وإن نذكر في حد الصَّحِيْح كون راويه تام الضبط إلا أن ذَلِكَ أمر نسبيٌّ( ) ، وإلا فكيف اشترطنا في الصَّحِيْح ( ) أن لا يَكُوْن شاذاً ولا معللاً مع كون راويه ثقة فيتخرج عَلَى هَذَا أن الوهم والخطأ يدخل في أحاديث الثقات؛لأن كلاً من الشذوذ والعلة داخل بمعنى الوهم والخطأ . ثُمَّ إن الوهم والخطأ من الأسباب الرئيسة للاختلاف بَيْنَ الأحاديث . وبالسبر والنظر إلى كتب السنة النبوية نجد عدداً كبيراً من الرُّوَاة الثقات قَدْ أخطؤوا في بعض ما رووا ، وَهُوَ أمر متفاوت بَيْنَ الرُّوَاة حسب مروياتهم قلة وكثرة وربما كَانَ حظ من أكثر من الرِّوَايَة أكبر خطأً من المقلين ؛ لذا نجد غلطات عُدَّتْ عَلَى الأئمة العلماء الحفاظ لكنها لَمْ تؤثر عليهم في سعة ما رووه ( ) ، قَالَ الإمام أحمد بن حَنْبَل( ) : (( ومن يعرى من الخطأ والتصحيف )) ( ) . وَقَالَ الإمام مُسْلِم بن الحجاج : (( فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضين إلى زماننا – وإن كَانَ من أحفظ الناس وأشدهم توقياً وإتقاناً لما يحفظ وينقل – إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله )) ( ).

وَقَالَ الإمام الترمذي ( ) : (( لَمْ يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم ))( )، ثُمَّ ساق الترمذي عدداً وافراً من الروايات تدلل عَلَى تفاوت أهل العلم بالحفظ وتفاضلهم بالضبط وقلة الخطأ ، ثُمَّ قَالَ : (( والكلام في هَذَا والرواية عَنْ أهل العلم تكثر، وإنما بيّنا شيئاً مِنْهُ عَلَى الاختصار ليُستدل بِهِ عَلَى منازل أهل العلم وتفاضل بعضهم عَلَى بعض في الحفظ والإتقان ، ومن تُكلمَ فِيْهِ من أهل العلم لأي شيء تُكلمَ

فِيْهِ )) ( ).

ولما كَانَ الخطأ في الرِّوَايَة أمرٌ بدهيٌّ ، وأنه لا يسلم إنسان مِنْهُ نجد الأكابر قَدْ وهمّوا الأكابر، فهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قَدْ وهّمت عدداً من الصَّحَابَة في عدد من الأحاديث ، وَقَدْ جمع ذَلِكَ الزركشي ( ) في جزءٍ ( ) ، لذا قَالَ الإمام عَبْد الله بن المبارك ( ) : (( ومن يسلم من الوهم، وَقَدْ وهّمت عائشة جَمَاعَة من الصَّحَابَة في رواياتهم للحديث ))( ).

وفيما نقلنا عَنْ الأئمة الأعلام كفاية ودليل عَلَى أن دخول الخطأ والوهم أمرٌ نسبيٌّ ممكن في أحاديث الرُّوَاة ثقاتً كانوا أو غَيْر ذَلِكَ ، فالخطأ والوهم والنسيان سجية البشر ، وَقَدْ قَالَ الشاعر :

نَسِيتُ وَعْدَكَ والنِّسْيَانُ مُغْتَفَرٌ      فَاغْفِرْ فَأوَّلُ نَاسٍ أوَّلُ النَّاسِ( )

 

ثانياً . ظروف طارئة ( ):

قَدْ يطرأ عَلَى الرَّاوِي حين تحمله ( ) الْحَدِيْث أَوْ أدائه ( ) ظروف تدخل الوهم في حديثه أو أحاديثه . وهذه الظروف ليست عامة بَلْ هِيَ خاصة تطرأ عَلَى بعض الرُّوَاة في بعض الأحيان دون بعضٍ ، تبعاً لاختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ ؛ إِذْ قَدْ يطرأ الخلل في كَيْفِيَّة تلقّي الأحاديث كَمَا حصل لهشيم بن بشير( )؛ إِذْ إنَّهُ دخل عَلَى الزهري فأخذ عَنْهُ عشرين حديثاً ، فلقيه صاحبٌ لَهُ وَهُوَ راجع ، فسأله رؤيتها ، وَكَانَ ثمة ريح شديدة ، فذهبت بالأوراق من يد الرجل ، فصار هشيم يحدّث بِمَا علق مِنْهَا بذهنه ، وَلَمْ يَكُنْ أتقن حفظها ، فوهم في أشياء مِنْهَا ،ضعف حديثه بسببها ( ) خاصة في الزهري ( ). فهذا أمر طارئ عَلَى هشيم وَهُوَ ثقةٌ من الثقات الكبار النبلاء أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة( ) لكنه ضُعِّفَ خاصةً في الزهري لهذا الطارئ الَّذِيْ طرأ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ الحافظ ابن حجر ( ) : (( أما روايته عَنْ الزهري فليس في الصحيحين مِنْهَا شيءٌ )) ( ) .

وكذلك يختلف حال ضبط الرَّاوِي باختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ لعدم توفر الوسائل الَّتِيْ تمكنه من ضبط ما سمعه من بعض شيوخه ، أو بسبب حدوث ضياعٍ في بعضِ ما كتبه عَنْ بعض شيوخه حَتَّى وَلَوْ كَانَ من أثبت الناس في هَذَا الشيخ خاصة .

ومما يذكر في الظروف الطارئة ما حصل لمؤمل بن إسماعيل ( ) إِذْ كَانَ قَدْ دفن كتبه، ثُمَّ حدث من حفظه فدخل الوهم والاختلاف في حديثه ( ) .

ثالثاً . الاختلاط :

الاختلاط لغة: يقال خلطت الشيء بغيره خَلْطاً فاختلط ، وخالطهُ مخالطةً وخِلاطاً، واختلط فلانٌ ، أي : فسد عقلُهُ ، والتخليط في الأمر : الإفساد فِيْهِ  والمختلط من الاختلاط ، واختلط عقله إذا تغير ، فهو مختلط ، واختلط عقله : فسد ( ) .

أما في اصطلاح المحدثين : فَقَدْ قَالَ السخاوي ( ) : (( وحقيقته فساد العقل وعدم انتظام الأقوال والأفعال، إما بخرف، أو ضرر، أو مرض، أو عرضٍ من موت ابن وسرقة مالٍ كالمسعودي ( )، أو ذهاب كتب كابن لهيعة ( )، أَو احتراقها كابن الملقن ( ) )) ( ).

إذن الاختلاط : آفة عقلية تورث فساداً في الإدراك ، وتصيب الإنسان في آخر عمره ، أو تعرض لَهُ بسبب حادث لفقد عزيز أو ضياع مالٍ ؛ ومن تصبه هَذِهِ الآفة لكبر سِنّهِ يقال فِيْهِ  : اختلط بأخرة ، ويقال : بآخره ( ) .

فالاختلاط قَدْ يطرأ عَلَى كثير من رواة الْحَدِيْث النبوي مِمَّا يؤثر عَلَى روايته أحياناً فيدخل في رِوَايَته الوهم والخطأ مِمَّا يؤدي ذَلِكَ بالمحصلة النهائية إلى وجود الاختلاف بَيْنَ الروايات . ثُمَّ من كَانَ مختلطاً فدخل الوهم في حديثه لا تضر روايتُه رِوَايَةَ الثقات الأثبات ؛ إِذْ إنّ الرِّوَايَة الصَّحِيْحَة لا تُعلُّ بالرواية الضعيفة ، فرواية المختلط ضعيفة لا تقاوم رِوَايَة الثقات ، ولا تصلح للحجية إلا إذا توبع المختلط في روايته أَوْ كَانَتْ روايته مِمَّا حدث بِهِ قَبْلَ الاختلاط . وعلماؤنا الأجلاء أحرقوا أعمارهم شموعاً تضيء لنا الطريق من أجل بَيَان كُلّ ما يدخل الْحَدِيْث من خطأ ووهم واختلاف ، إِذْ إنّ مَعْرِفَة المختلطين لَيْسَ بالأمر السهل بَلْ هُوَ أمرٌ شاقٌ عَلَى الْمُحَدِّثِيْنَ للغاية ، بَلْ كَانَ الْمُحَدِّثُوْنَ أحياناً يعيدون سَمَاع الأحاديث نفسها الَّتِيْ سمعوها من ذَلِكَ الشَّيْخ من أجل أن يعرفوا ويحددوا الاختلاط من عدمه ، ويحددوا وقت الاختلاط ؛ لِذَلِكَ قَالَ حماد بن زيد ( ) : (( شعبة كَانَ لا يرضى أن يَسْمَع الْحَدِيْث مرة يعاود صاحبه مراراً )) ( ). ومما يذكر في هَذِهِ الباب ما قَالَهُ حماد ابن زيد : قَالَ : حَدَّثَنِي عمرو بن عبيد الأنصاري ، قَالَ : حَدَّثَنِي أبو الزعيزعة ( ) -كاتب مروان ( )- أن مروان أرسل إلى أبي هُرَيْرَة، فجعل يسأله، وأجلسني خلف السرير وأنا أكتب، حَتَّى إذا كَانَ رأس الحول، دعا بِهِ فأقعده من وراء الحجاب ، فجعل يسأله من ذَلِكَ الكتاب ، فما زاد ولا نقص ، ولا قدّم ولا أخّر ( ) .

وروى الحافظ أبو خيثمة زهير ( )بن حرب في " كتاب العلم " ( ) قَالَ : حَدَّثَنَا جرير( )، عَنْ عمارة بن القعقاع ( )، قَالَ : قَالَ لي إبراهيم ( ) : حَدِّثنِي عَنْ أبي زرعة ( ) فإني سألته عَنْ حَدِيْث ، ثُمَّ سألته عَنْهُ بَعْدَ سنتين فما أخرم ( ) مِنْهُ حرفاً )) .

وهذا نوع من أنواع الكشف عَنْ الخلل المتوقع طرؤه عَلَى المحدّث عِنْدَ تقدم السَّمَاع لَهُ ، وكانت ثمة طرق أخرى للمحدّثين يستطيعون من خلالها الكشف عَنْ حال المحدّث ، وهل طرأ لَهُ اختلاط في ما يرويه أَوْ بعض ما يرويه أم أنه حافظ ومتقن لما يروي ويحدّث ؟

ومن طرق الْمُحَدِّثِيْنَ في مَعْرِفَة اختلاط الرُّوَاة : أن الناقد مِنْهُمْ كَانَ يدخل عَلَى الرَّاوِي ليختبره فيقلب عَلَيْهِ الأسانيد والمتون ، ويلقنه ما ليس من روايته ، فإن لَمْ ينتبه الشيخ لما يراد بِهِ فإنه يعد مختلطاً ويعزف الناس عَنْ الرِّوَايَة عَنْهُ ، ومما يذكر في هَذِهِ البابة ما أسند إلى يحيى بن سعيد قَالَ : (( قدمت الكوفة وبها ابن عجلان ( ) وبها ممن يطلب الْحَدِيْث : مليح بن وكيع ( ) وحفص بن غياث ( ) وعبد الله بن إدريس ( ) ويوسف بن خالد السمتي ( ) ، فقلنا : نأتي ابن عجلان ، فَقَالَ يوسف بن خالد : نقلب عَلَى هَذَا الشيخ حديثه ، ننظر تفهُّمه ، قَالَ : فقلبوا فجعلوا ما كَانَ عَنْ سعيد عَنْ أبيه ، وما كَانَ عَنْ أبيه عَنْ سعيد ، ثُمَّ جئنا إِلَيْهِ ، لَكِنْ ابن إدريس تورّع وجلس بالبابِ وَقَالَ : لا استحلُّ وجلست مَعَهُ . ودخل حفص ، ويوسف بن خالد ، ومليح فسألوه فمرّ فِيْهَا ، فلما كَانَ عِنْدَ آخر الكتاب انتبه الشيخ فَقَالَ : أعد العرض ( ) ، فعرض عَلَيْهِ فَقَالَ : ما سألتموني عَنْ أبي فَقَدْ حَدَّثَنِي سعيد بِهِ ، وما سألتموني عَنْ سعيد فَقَدْ حَدَّثَنِي بِهِ أبي ، ثُمَّ أقبل عَلَى يوسف بن خالد فَقَالَ : إن كُنْتَ أردت شيني وعيبِي فسلبك الله الإسلام ، وأقبل عَلَى حفص فَقَالَ : ابتلاك الله في دينك ودنياك ، وأقبل عَلَى مليح فَقَالَ : لا نفع الله بعلمك . قَالَ يحيى : فمات مليح وَلَمْ ينتفع بِهِ ، وابتلي حفص في بدنه بالفالج ( ) وبالقضاء في دينه ، وَلَمْ يمت يوسف حَتَّى اتُّهمَ بالزندقة ( ) .

وعلى الرغم من اختلاف العلماء في جواز ذَلِكَ وعدمه ( ) ، إلاّ أنهم استطاعوا أن يحددوا في كثير من الأحيان الفترة الزمنية الَّتِيْ دخل فِيْهَا الاختلاط عَلَى هَذَا الرَّاوِي ، كَمَا حددوا اختلاط إسحاق بن راهويه ( ) بخمسة أشهر ، فَقَالَ أبو داود ( ) : (( تغيّر قَبْلَ أن يموت بخمسة أشهر ، وسمعتُ مِنْهُ في تِلْكَ الأيام فرميت )) ( ) . وكذلك حددوا وقت اختلاط جرير بن حازم ( ) ، قَالَ أبو حاتم ( ) : (( تغيّر قَبْلَ موته بسنة )) ( ) . وحددوا وقت اختلاط سعيد بن أبي سعيد المقبري ( ) ، قَالَ ابن سعد ( ) : (( ثقة ، إلا أنه اختلط قَبْلَ موته بأربع سنين )) ( ) .

وعلى الرغم من احتياطات الْمُحَدِّثِيْنَ وإمعانهم في تحديد وقت الاختلاط ، فإنهم لَمْ يتمكنوا من تحديد الساعات الأولى لبدء الاختلاط ، فالاختلاط – كَمَا سبق – آفة عقلية تبدأ بسيطة ثُمَّ تكبر شَيْئاً فشيئاً ، ويتعاظم أمرها بالتدريج ، وفي هَذِهِ الفترة الواقعة بَيْنَ بداية الاختلاط وظهوره وتفشيه ، يَكُوْن المختلط قَدْ رَوَى أحاديث تناقلها الرُّوَاة عَنْهُ ، من غَيْر أن يعرفوا اختلاطه حين أخذهم عَنْهُ ، ولربما كَانَ هَذَا الأمر سبباً في دخول الاختلاف والاضطراب في بعض أحاديث الثقات .

غَيْر أن علماء الْحَدِيْث – رحمهم الله – لَمْ يتركوا قضية الاختلاط والمختلطين عَلَى عواهنها ، بَلْ إنهم نقبوا وفتشوا أحوال الرُّوَاة جيداً ، وقسموا الرُّوَاة عَنْ المختلطين عَلَى أربعة أقسام :

الأول : الَّذِيْنَ رووا عَنْ المختلط قَبْلَ اختلاطه .

الثاني : الَّذِيْنَ رووا عَنْهُ بَعْدَ اختلاطه .

الثالث : الَّذِيْنَ رووا عَنْهُ قَبْلَ الاختلاط وبعده ، وَلَمْ يميزوا هَذَا من هَذَا .

الرابع : الَّذِيْنَ رووا عَنْهُ قَبْلَ اختلاطه وبعده وميزوا هَذَا من هَذَا .

ووضعوا حكماً لكل قسم من هَذِهِ الأقسام : فمن رَوَى عَنْ المختلط قَبْلَ الاختلاط قبلت روايته عَنْهُ، ومن رَوَى عَنْهُ قَبْلَ الاختلاط وبعده ، وميز ما سَمِعَ قَبْلَ الاختلاط قُبِلَ، وَلَمْ يُقبل ما سَمِعَ بَعْدَ الاختلاط ، ومن لَمْ يميز حديثه أو سَمِعَ بَعْدَ الاختلاط لَمْ تقبل روايته ( ) .

ولعل الحافظ العراقي كَانَ أشمل في بيان الحكم من غيره ، إِذْ قَالَ : (( ثُمَّ الحكم فيمن اختلط أنه لا يقبل من حديثه ما حدّث بِهِ في حال الاختلاط ، وكذا ما أبهم أمره وأشكل ، فَلَمْ ندرِ أحدّث بِهِ قَبْلَ الاختلاط أو بعده ؟ وما حدث بِهِ قَبْلَ الاختلاط قُبِلَ ، وإنما يتميز ذَلِكَ باعتبار الرُّوَاة عَنْهُمْ ، فمنهم من سَمِعَ مِنْهُمْ قَبْلَ الاختلاط فَقَطْ ، ومنهم من سَمِعَ بعده فَقَطْ ، ومنهم من سَمِعَ في الحالين ، وَلَمْ يتميز )) ( ).

وَقَدْ قسّم الْمُحَدِّثُوْنَ المختلطين من حَيْثُ تأثير الاختلاط في قبول مروياتهم عَلَى ثلاثة أقسام قَالَ العلائي ( ) : (( أما الرُّوَاة الَّذِيْنَ حصل لَهُمْ الاختلاط في آخر عمرهم فهم عَلَى ثلاثة أقسام :

أحدها : من لَمْ يوجب ذَلِكَ لَهُ ضعفاً أصلاً ، وَلَمْ يحط من مرتبته ؛ إما لقصر مدة الاختلاط وقلَّتِهِ كسفيان بن عيينة ( ) ، وإسحاق بن إبراهيم بن راهويه ، وهما من أئمة الإسلام المتفق عليهم ؛ وإما لأنه لَمْ يروِ شيئاً حال اختلاطه ، فسلم حديثه من الوهم كجرير بن حازم ، وعفان بن مُسْلِم ( ) ، ونحوهما .

ثانيها : من كَانَ مُتَكلَّماً فِيْهِ  قَبْلَ الاختلاط، فَلَمْ يحصل من الاختلاط إلا زيادة في ضعفه؛ كابن لهيعة ( ) ، ومحمد بن جابر السُّحيمي ( ) ، ونحوهما .

ثالثها : من كَانَ محتجاً بِهِ ، ثُمَّ اختلط ، أو عُمِّر في آخر عمره ، فحصل الاضطراب فِيْمَا رَوَى بَعْدَ ذَلِكَ ، فيتوقف الاحتجاج بِهِ عَلَى التمييز بَيْنَ ما حدّث بِهِ قَبْلَ الاختلاط عما رَوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ )) ( ) .

رابعاً . ذهاب البصر :

من المعروف في بَدَائِهِ علم الْحَدِيْث أنّ الضبط شرط أساسي في صحة الْحَدِيْث النبوي الشريف ( ) ، والضبط : هُوَ إتقان ما يرويه الرَّاوِي بأن يَكُوْن متيقظاً لما يروي غَيْر مغفل ، حافظاً لروايته إن رَوَى من حفظه ، ضابطاً لكتابه إن رَوَى من الكتاب ، عالماً بمعنى ما يرويه ، وبما يحيل المعنى عَنْ المراد إن روى بالمعنى ( ) ، حَتَّى يثق المطّلع عَلَى روايته والمتتبع لأحواله بأنه أدى الأمانة كَمَا تحملها ، لَمْ يغير مِنْهَا شَيْئاً ، وهذا مناط التفاضل بَيْنَ الرُّوَاة الثقات ، فإذا كَانَ الرَّاوِي عدلاً ضابطاً سمي ثقةً ( ) . ويعرف ضبطه بموافقة الثقات الضابطين المتقنين إذا اعتبر حديثه بحديثهم ، ولا تضر مخالفته النادرة لَهُمْ ، فإن كثرت مخالفته لَهُمْ ، وندرت الموافقة ، اختل ضبطه وَلَمْ يحتج بحديثه ( ) .

والضبط نوعان : ظاهر وباطن .

فالظاهر من حَيْثُ اللغة . والباطن : ضبط معناه من حَيْثُ تعلق الحكم الشرعي بِهِ، وَهُوَ الفقه . ومطلق الضبط الَّذِيْ هُوَ شرط الرَّاوِي ، هُوَ الضبط ظاهراً عِنْدَ الأكثر ؛ لأنه يجوز نقل الْحَدِيْث بالمعنى عِنْدَ الكثير ( ) من العلماء ( ) .

فمما تقدم نستخلص أن الضبط قسمان : ضبط صدر ، وضبط كتاب . وضابط الكتاب يحتاج أن يقرأ كتابه من أجل الرِّوَايَة والمقابلة ، وضابط الصدر يحتاج إلى أن يعاود حفظه وكتابه من أجل ضبط مروياته ، وربما يمكن أن يحصل هَذَا لبعض الرُّوَاة بمفردهم ، وقسم مِنْهُمْ يستعين بمن يثق بِهِ ليعاونه عَلَى ذَلِكَ . إذن فالبصر مهم في ذَلِكَ وله دور كبير في المحافظة على الحفظ ؛ لذا فإنّ زوال البصر وذهابه قَدْ يؤدي بالمحصلة النهائية إلى دخول الوهم في بعض روايات الْمُحَدِّثِيْنَ مِمَّا يؤدي إلى حصول اختلاف بَيْنَ الروايات .

ومن الَّذِيْنَ ذهب بصرهم : عَبْد الرزاق بن همام الصنعاني ( ) صاحب المصنف قَالَ الحافظ ابن حجر العسقلاني : (( عمي في آخر عمره فتغير )) ( ) . وكذا علي بن مسهر ( ) قَالَ العجلي ( ): (( صاحب سنة ثقة في الْحَدِيْث صالح الكتاب كثير الرِّوَايَة عَنْ الكوفيين ))( ) ، وَقَالَ أبو عَبْد الله أحمد بن حَنْبَل لما سئل عَنْهُ : (( لا أدري كيف أقول كَانَ قَدْ ذهب بصره فكان يحدّثهم من حفظه ))( ) .

 

 

خامساً . ذهاب الكتب :

قَدْ علمنا مِمَّا سبق أن ضبط الكتاب ( ) هُوَ أحد قسمي الضبط ، والعمدة في هَذَا القسم عَلَى كتاب الرَّاوِي ، وتطرق الخلل إلى كتابه أمر مضر بالثقة في مرويات ذَلِكَ الرَّاوِي ، وَقَدْ يصل الأمر إلى أن يدع الرَّاوِي روايته جملة بسبب فقد كتابه .

إلاّ أن بعض الرُّوَاة قَدْ يعلق في أذهانهم شيء من تِلْكَ المرويات الَّتِيْ دونوها في كتبهم المفقودة ، فيحدّثون بِهَا ، ولما كَانَ معتمدهم أصلاً في الرِّوَايَة عَلَى كتبهم لا عَلَى حفظهم فإن وجود الخطأ والوهم في تِلْكَ الروايات وارد .

ومن رواة الأحاديث الَّذِيْنَ ذهبت كتبهم مع اعتمادهم عَلَى تِلْكَ الكتب في حفظهم : عَبْد الله بن لهيعة ، أبو عَبْد الرحمان الحضرمي ، الفقيه قاضي مصر ، كَانَ متقناً لكتابه ، قَالَ الإمام أحمد : (( ابن لهيعة أجود قِرَاءة لكتبه من ابن وهب ( ) )) ( ) .

وَقَدْ كَانَ جل اعتماده في روايته عَلَى كتبه ، فلما احترقت ضُعِّف في الرِّوَايَة لكثرة ما وجد من الوهم والخطأ في روايته بَعْدَ ذهاب كتبه . قَالَ إسحاق بن عيسى الطباع( ): (( احترقت كتب ابن لهيعة سنة تسع وستين ))( ). وَقَالَ البخاري ( ) عَنْ يحيى بن بكير( ): (( احترق منْزل ابن لهيعة وكتبه في سنة سبعين ومئة )) ( ) .

وربما يَكُوْن لغياب الكتب نَفْسُ أثرِ فَقْدِ الكتب ويكون مدعاة للوهم والخلاف ، فإذا حدّث الرَّاوِي – الَّذِيْ يعتمد في الأداء عَلَى كتابه – في حالة غياب كتبه عَنْهُ ، وقع الوهم والخطأ في حديثه ، وتحديثه في غَيْر بلده – أَيْضاً – مظنة ( ) لوقوع ذَلِكَ كَمَا حصل لمعمر بن راشد ( ) قَالَ ابن رجب ( ) : (( حديثه بالبصرة فِيْهِ  اضطراب كثير ، وحديثه باليمن جيد )) ( ) ، وَقَالَ الإمام أحمد في رِوَايَة الأثرم ( ) : (( حَدِيْث عَبْد الرزاق عَنْ معمر أحب إليّ من حَدِيْث هؤلاء البصريين ، كَانَ يتعاهد كتبه وينظر ، يعني باليمن ، وَكَانَ يحدّثهم بخطأٍ بالبصرة )) ( ) . وَقَالَ يعقوب بن شيبة ( ) : (( سَمَاع أهل البصرة من معمر ، حين قدم عليهم فِيْهِ  اضطراب ؛ لأن كتبه لَمْ تَكُنْ مَعَهُ )) ( ).

ومن هَؤُلاَءِ أَيْضاً : إسماعيل بن عياش ( ) قَالَ مُحَمَّد بن عثمان بن أبي شيبة ( ) :

(( سَمِعْتُ يَحْيَى بن مَعِيْنٍ يَقُوْل : إسماعيل بن عياش ثقة فِيْمَا رَوَى عَنْ الشاميين ، وأما روايته عَنْ أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلط في حفظه عَنْهُمْ )) ( ) .

سادساً . عدم الضبط :

سبق الكلام أن الضبط من شروط صحة الْحَدِيْث الأساسية ؛ ولكن بعض الرُّوَاة

-وإن كانوا ضابطين – إلا أنهم في بعض الأحايين يخف ضبطهم لبعض الأحاديث خاصة، وَهُوَ أمرٌ اعتيادي يحصل لبني الإنسان ؛ لأن الضبط كَمَا سبق أمرٌ نسبيٌّ . وهذا الباب الَّذِيْ يمكن من خلاله دخول الوهم في بَعْض أحاديث الثقات يعدُّ سبباً من أسباب اختلاف الروايات متناً وإسناداً مِمَّا يؤدي بالمحصلة النهائية إِلَى حصول بَعْض الاختلافات في بَعْض الأحاديث . وهذا الأمر نراه جلياً في أحاديث الثقات الَّتِيْ أخطؤوا فِيْهَا . وما يأتي في كَثِيْر من الأمثلة اللاحقة دليل لما أصّلناه في أن الضبط أمرٌ نسبيٌّ ينفك عَنْ بعض الثقات أحياناً في بعض الأحاديث .

وَكَانَ هناك رواة ، لَهُمْ كتب صحيحة متقنة وفي حفظهم شيء وهؤلاء كانوا أحياناً إِذا حدثوا من حفظهم غلطوا وإذا حدثوا من كتابهم أصابوا ، وهذا أمر أولاه العلماء عناية ؛ لأن فِيْهِ مزيد ضبط في رِوَايَة هَذَا الرَّاوِي خاصة ، ومن الأمثلة عَلَى ذَلِكَ شريك القاضي وَهُوَ شريك بن عَبْد الله النخعي ، الكوفي ، القاضي بواسط ، ثُمَّ الكوفة ، أبو عَبْد الله : صدوق يخطئ كثيراً ، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة ( ) .

قَالَ فِيْهِ مُحَمَّد بن عَبْد الله بن عمار الموصلي( ) : (( شريك كتبه صحاح فمن سَمِعَ مِنْهُ من كتبه فهو صَحِيْح،قَالَ:وَلَمْ يَسْمَع من شريك من كتابه إلا إسحاق الأزرق ( )))( ). وَقَالَ فِيْهِ  يعقوب بن شيبة : (( كتبه صحاح )) ( ) . وفي رِوَايَة الْخَطِيْب البغدادي ( ) عَنْ يعقوب في شريك : (( ثقة صدوق ، صَحِيْح الكتاب ، رديء الحفظ مضطربه )) ( ) .

ومن الأمور الَّتِيْ يدخل الاختلاف بسببها لعدم الضبط ، هُوَ عدم الضبط في بلد معين ، وَهُوَ أن يَكُوْن الرَّاوِي ضابطاً إلا أنه في سماعه لحديث أهل بلدٍ معين لا يَكُوْن ضابطاً لحديثهم لعدم تأهبه لِذَلِكَ ؛ لأن الضبط كَمَا يَكُوْن في الأداء يَكُوْن في التحمل فإن لَمْ يتحمل جيداً –لاختلال في السَّمَاع ، أو عدم جودةٍ في تقييد الكتاب– لَمْ يؤد جيداً ، ومثل هَذَا قَدْ حصل لعدد من الرُّوَاة ، فتجد أحاديثهم جياداً في روايتهم عَنْ أهل بلد معين، وتجدها دون ذَلِكَ عِنْدَ أهل بلد آخر لخلل طرأ في السَّمَاع والتحمل .

ومن أولئك الرُّوَاة الَّذِيْنَ تضعّف روايتهم في بلد دون آخر إسماعيل بن عياش ، وَهُوَ إسماعيل بن عياش بن سليم العَنْسيُّ - بالنون - أبو عتبة الحمصي : صدوق في روايته عَنْ أهل بلده مُخَلِّط في غيرهم ( ) . قَالَ يعقوب بن سفيان ( ): (( تكلَّم قومٌ في إسماعيل ، وإسماعيل ثقة عدلٌ ، أعلم الناس بحديث الشام ، ولا يدفعه دافع ، وأكثر ما تكلموا قالوا: يُغرِبُ عَنْ ثقات المدنيين والمكيين )) ( ) . وَقَالَ أبو بكر بن أبي خيثمة : سُئِلَ يحيى بن معين عَنْ إسماعيل بن عياش ، فَقَالَ : (( ليس بِهِ بأس في أهل الشام . والعراقيون يكرهون حديثه ))( ). وَقَالَ مضر بن مُحَمَّد الأسدي( )، عَنْ يَحْيَى: (( إذا حدَّث عَنْ الشاميين وذكر الخبر، فحديثه مستقيم، وإذا حدّث عَنْ الحجازيين والعراقيين، خلّط ما شئت )) ( ). وَقَالَ أبو داود : سألت أحمدَ عَنْ إسماعيلَ بنِ عياش فَقَالَ : (( ما حدّث عَنْ مشايخهم . قلت : الشاميين ؟ قَالَ : نعم . فأما ما حدث عَنْ غيرهم ، فعنده مناكير )) ( ) . وَقَالَ أبو طَالِب أحمد بن حميد ( ) : سَمِعْتُ أحمد بن حَنْبَل يَقُوْل : (( إسماعيل بن عيّاش ما رَوَى عَن الشاميين صَحِيْح ، وما رَوَى عَنْ أهل الحجاز فليس بصحيح )) ( ) .

سابعاً . التدليس ( ):

هُوَ أحد الأسباب الرئيسة الَّتِيْ تدخل الاختلاف في المتون والأسانيد ؛ لأن التدليس يكشف عَنْ سقوط راوٍ أحياناً فيكون لهذا الساقط دور في اختلاف الأسانيد والمتون ولما كَانَ الأمر عَلَى هَذِهِ الشاكلة ، فلابدّ لنا من تفصيل القَوْل في التدليس :

فالتدليس لغة : من الدَّلَسِ – بالتحريك – وَهُوَ اختلاط الظلام ، والتدليس : إخفاء العيب وكتمانه ( ) .

أما في الاصطلاح ، فإن التدليس عندهم يتنوع إلى عدة أنواع :

 

 

الأول : تدليس الإسناد :

وَهُوَ أن يروي الرَّاوِي عمن لقيه ما لَمْ يسمعه مِنْهُ بصيغة محتملة ( ) .

والمراد من الصيغة المحتملة : أن لا يصرح بالسماع أَوْ الإخبار مثل : حَدَّثَنَا ، وأخبرنا ( ) وأنبأنا ، وسمعت ، وَقَالَ لنا ، وإنما يجيء بلفظ يحتمل الاتصال وعدمه ، مثل : إن ، وعن ، وَقَالَ ، وحدّث ، وروى ، وذكر ، لذا لَمْ يقبل الْمُحَدِّثُوْنَ حَدِيْث المدلس ما لَمْ يصرِّح بالسماع ( ) .

 

الثاني: تدليس الشيوخ :

وَهُوَ أن يأتي باسم شيخه أَوْ كنيته عَلَى خلاف المشهور بِهِ تعمية لأمره وتوعيراً للوقوف عَلَى حاله ( ). وهذا النوع حكمه أخف من السابق ، وفي هَذَا النوع تضييع للمروي عَنْهُ وللمروي وتوعير لطريق مَعْرِفَة حالهما . ثُمَّ إن الحال في كراهيته يختلف بحسب الغرض الحامل عَلَيْهِ، إِذْ إن من يدلس هَذَا التدليس قَدْ يحمله كون شيخه الَّذِيْ غيّر سمته غَيْر ثقة، أو أصغر من الرَّاوِي عَنْهُ،أو متأخر الوفاة قَدْ شاركه في السَّمَاع مِنْهُ جَمَاعَة دونه،أو كونه كثير الرِّوَايَة عَنْهُ فلا يحب تكرار شخص عَلَى صورة واحدة( ).

 

 

الثالث: تدليس التسوية ( ):

وَهُوَ أن يروي عَنْ شيخه ، ثُمَّ يسقط ضعيفاً بَيْنَ ثقتين قَدْ سَمِعَ أحدهما من الآخر أو لقيه ، ويرويه بصيغة محتملة بَيْنَ الثقتين ( ) . وممن اشتهر بهذا النوع : الوليد بن مُسْلِم ( ) ، وبقية بن الوليد ( ) . وهذا النوع من التدليس يشترط فِيْهِ  التحديث والإخبار من المدلس إلى آخره ( ) .

 

 

الرابع: تدليس العطف :

وَهُوَ مثل أن يقول الرَّاوِي : حَدَّثَنَا فُلاَن وفلان ، وَهُوَ لَمْ يَسْمَع من الثاني ( ) .

 

الخامس: تدليس السكوت :

وَهُوَ كأن يقول الرَّاوِي: حَدَّثَنَا أَوْ سَمِعْتُ، ثُمَّ يسكت برهة ، ثُمَّ يقول: هشام بن عروة ( ) أو الأعمش ( ) موهماً أنه سَمِعَ منهما ، وليس كذلك ( ) .

السادس: تدليس القطع :

وَهُوَ أن يحذف الصيغة ويقتصر عَلَى قوله مثلاً : الزهري عَنْ أنس ( ) .

السابع: تدليس صيغ الأداء :

وَهُوَ ما يقع من الْمُحَدِّثِيْنَ من التعبير بالتحديث أَوْ الإخبار عَنْ الإجازة موهماً للسماع ، وَلَمْ يَكُنْ تحمله لِذَلِكَ المروي عَنْ طريق السَّمَاع ( ) .

وهذه الأنواع السبعة ليست كلها مشتهرة إنما المشتهر مِنْهَا والشائع الأول والثاني وعند الإطلاق يراد الأول . وهذا القسم هُوَ الَّذِيْ لَهُ دورٌ في الاختلافات الحديثية متوناً وأسانيد ، إِذْ قَدْ يكشف خلال البحث بَعْدَ التنقير والتفتيش عَنْ سقوط رجل من الإسناد وربما كَانَ هَذَا الساقط ضعيفاً أَوْ في حفظه شيءٌ ، أو لَمْ يضبط حديثه هَذَا .

ومن الأمثلة عَلَى ذَلِكَ ما رَوَاهُ ابن حبان ( ) من طريق ابن جريج ( ) ، عَنْ

 

 

نافع( )، عَنْ ابن عمر ، قَالَ : قَالَ رَسُوْل الله : (( لا تَبُلْ قائماً )) ( ) .

وهذا الإسناد رجاله ثقات إلا أنَّ ابن جريج مدلسٌ ( ) وَقَدْ عنعن هنا وَلَمْ يصرح بسماعه من نافع ، وَهُوَ قَدْ سَمِعَ من نافع أحاديث كثيرة ، فهُوَ معروف بالرواية عَنْهُ ، وروايته عَنْهُ في الكتب الستة ( ). ولكن النقاد ببصيرتهم الناقدة ونظرهم الثاقب كشفوا أنَّ في هَذَا السند واسطة بَيْنَ ابن جريج ونافع ، وأن ابن جريج لَمْ يسمعه من نافع مباشرة، بَلْ سمعه من عَبْد الكريم بن أبي المخارق الضعيف( )، وَقَدْ صرّح ابن جريج في بعض طرق الْحَدِيْث بهذا الساقط ، فبان تدليسه ؛ فَقَدْ رَوَى عَبْد الرزاق( )، ومِنْ طريقه ابن ماجه( )، وأبو عوانة ( )، وابن عدي ( )، وتمام الرازي ( )، والحاكم( )، والبيهقي ( )، عَنْ ابن جريج ، عَنْ عَبْد الكريم بن أبي المخارق ، عَنْ نافع ، بِهِ .

ومن بدائه علم الْحَدِيْث أن حَدِيْث الثقة ليس كله صحيحاً ( ) ، كَمَا أنّ حَدِيْث الضعيف ليس كله ضعيفاً ( ) ، ومعرفة كلا النوعين من أحاديث الفريقين ليس بالأمر اليسير إنما يطلع عَلَى ذَلِكَ الأئمة النقاد الغواصون في أعماق ما يكمن في الروايات من صحة أو خطأ ، لذا فتّش العلماء في حَدِيْث ابن أبي المخارق هل توبع عَلَيْهِ ، أم أخطأ فِيْهِ؟ وخالف الثقات الأثبات أم انفرد ؟ فنجدهُمْ قَدْ صرّحوا بخطأ ابن أبي المخارق لمخالفته الثقات الأثبات في ذَلِكَ ، قَالَ البوصيري ( ) في مصباح الزجاجة – بَعْدَ أن ضعّف حَدِيْث ابن أبي المخارق - : (( عارضه خبر عبيد الله بن عمر العمري ( ) الثقة المأمون المجمع عَلَى ثقته ، ولا يُغتر بتصحيح ابن حِبّان هَذَا الخبر من طريق هشام بن يوسف ( ) ، عَنْ ابن جريج عَنْ نافع ، عَنْ ابن عمر . فإنه قَالَ بعده : أخاف أن يَكُوْن ابن جريج لَمْ يسمعه من نافع ، وَقَدْ صحّ ظنُّه ، فإنّ ابن جريج إمّا سمعه من ابن أبي المخارق كَمَا ثبت في رِوَايَة ابن ماجه هَذِهِ والحاكم في المستدرك واعتذر عَنْ تخريجه أنه إنّما أخرجه في المتابعات )) ( ) .

وَقَالَ الترمذي : (( إنما رفع هَذَا الْحَدِيْث عَبْد الكريم بن أبي المخارق ، وَهُوَ ضعيف عِنْدَ أهل الْحَدِيْث ، ضعّفه أيوب السختياني ( ) وتكلم فِيْهِ . وروى عبيد الله ، عَنْ نافع عَنْ ابن عمر قَالَ : قَالَ عمر : ما بلتُ قائِماً منذُ أسلَمْتُ . وهذا أصح من حَدِيْث عَبْد الكريم )) ( ).

أقول: رِوَايَة عبيد الله الموقوفة أخرجها ابن أبي شيبة ( )، والبزار ( ) في مسنده( ) من طريق عبيد الله بن عمر، عَنْ نافع ، عَنْ ابن عمر ، عَنْ عمر موقوفاً، وَهُوَ الصواب.

ومما يدل عَلَى عدم صحة حَدِيْث ابن أبي المخارق أن الحافظ ابن حجر قَالَ : (( وَلَمْ يثبت عَنْ النَّبِيّ في النهي عَنْه شيء )) ( ).

بَعْدَ هَذَا العرض السريع بان لنا واتضح أن التدليس سبب من أسباب الاختلاف لدى الْمُحَدِّثِيْنَ ؛ إِذْ إنه قَدْ يسفر عَنْ سقوط رجلٍ من الإسناد فيخالف الرَّاوِي غيره من الرُّوَاة .

 

ثامناً. الانشغال عَنْ الْحَدِيْث :

الْحَدِيْث النبوي الشريف أحد المراجع الرئيسة للفقه الإسلامي ، لذا كَانَ علم الْحَدِيْث رِوَايَة ودراية من أشرف العلوم وأجلها ، بَلْ هُوَ أجلها عَلَى الإطلاق بَعْدَ العلم بالقرآن الكريم الَّذِيْ هُوَ أصل الدين ومنبع الطريق المستقيم ، فالحديث هُوَ المصدر الثاني للتشريع الإسلامي ، بعضه يستقل بالتشريع ، وكثيرٌ مِنْهُ شارح لكتاب الله تَعَالَى مبينٌ لما جاء فِيْهِ  . قَالَ تعالى وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ( ) من هَذَا أدرك المسلمون أهمية الْحَدِيْث النبوي الشريف فعانوا ما عانوا من أجل حفظ الْحَدِيْث النبوي الشريف، فتخلوا عَنْ كُلّ شيء أمام هَذَا الهدف العزيز الغالي، وَهُوَ حَدِيْث النَّبِيّ قَالَ تَعَالَى: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ( ). وللحرص الشديد عَلَى حفظ السنة، اهتمَّ المسلمون بمذاكرة الْحَدِيْث ومدارسته من أجل حفظه وضبطه وإتقانه ، فكان الْمُحَدِّثُوْنَ يكتبون بالنهار ويعارضون( ) بالليل ويحفظون بالنهار ويتذاكرون بالليل. وهكذا شأن الْمُحَدِّثِيْنَ ، ومن لَمْ يَكُنْ كذلك فلا يسمى من أهل الْحَدِيْث ، وأسند الإمام مُسْلِم في مقدمة صحيحه ( ) عَنْ أبي الزناد ( ) قَالَ : (( أدركت بالمدينة مئة ، كلهم مأمونون ما يؤخذ عَنْهُمْ الْحَدِيْث يقال : ليس من أهله )) ( ) .

وَقَالَ مالك بن أنس ( ) : (( أدركت مشايخ بالمدينة أبناء سبعين وثمانين لا يؤخذ عَنْهُمْ ، ويقدم ابن شهاب وَهُوَ دونهم في السن فتزدحم الناس عَلَيْهِ )) ( ) .

وهناك أمور جعلت عدداً من جهابذة الْمُحَدِّثِيْنَ لا يأخذون عَنْ عدد كبير من الرُّوَاة هي أن هؤلاء الرُّوَاة كانوا يتشاغلون عَنْ الْحَدِيْث . والتشاغل عَنْ الْحَدِيْث مدعاة لعدم ضبط الْحَدِيْث وعدم إتقانه وربما كَانَ مآل ذَلِكَ إلى دخول بعض الوهم والعلل والاختلافات ؛ لأن المذاكرة والمراجعة يعينان عَلَى ضبط الْحَدِيْث وإتقانه . والانشغال في بعض الأمور ربما يحول دون المذاكرة والمراجعة مِمَّا يؤدي إلى عدم ضبط الروايات. ومن تِلْكَ الأمور :

 

أ. ولاية القضاء :

إنّ ولاية القضاء من الأمور الدينية المهمة، والمجتمع الإسلامي بحاجة لازمة إلى هَذَا المنصب قَالَ تَعَالَى : وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ ( ) . ولمكانة هَذِهِ الوظيفة في الإسلام وأهميتها البالغة فالأمر يستدعي من القاضي توفيراً واسعاً لمزيدٍ من الوقت ، وتهيئة جوٍّ ملائم للقضاء ؛ لأن القضاء مسؤولية دينية ودنيوية ، وَقَدْ قَالَ : (( مَنْ وُلِّيَ القَضَاءَ ، أو جُعِلَ قاضِياً بَيْنَ النَّاسِ فَقَدْ ذُبِحَ بِغَيرِ سِكِّين )) ( ) . إذن فهذه المسؤولية تستدعي تفرغاً وتفكُّراً ومراجعة ، والحديث النبوي يحتاج كَذَلِكَ إِلَى تفرُّغٍ نِسبِيٍّ للمراجعة والمذاكرة من أجل الحِفَاظ عَلَى الضبط . وَقَدْ وجدنا حِيْنَ استقرأنا حال كَثِيْر من الرُّوَاة الَّذِيْنَ ولوا القضاء أنهم قَدْ خفّ ضبطهم لانشغالهم بهذا المنصب الوظيفي ، ومن أولئك : شريك بن عَبْد الله النخعي الْقَاضِي ، حدّد ابن حِبّان تَخليطه بَعْدَ عام خمسين ومئة حِيْنَ تولى قضاء الكُوفَةِ ( ) . وكذلك مُحَمَّد بن عَبْد الرحمان بن أبي ليلى ( ) قَالَ أبو حاتم الرازي : (( شغل بالقضاء فساء حفظه )) ( ) .

 

ب. الاشتغال بالفقه :

الفقه الإسلامي يمثل الشريعة الإسلامية الغراء وذلك لما احتواه من الأصول العظيمة الَّتِيْ تصلح لكل زمان ومكان ، والفقه الإسلامي واسع في أصوله وفروعه . ومن يشتغل بهذا العلم العظيم يحتاج إلى خلفيات بعدة علوم . وهذا يستدعي وقتاً واسعاً وتفرغاً كبيراً، ومن كَانَ الفقه أكبر همه ربما قصَّر في ضبط بعض أحاديثه ؛ لأن ذَلِكَ ربما شغله عَنْ مراجعة حديثه. وكثير من الَّذِيْنَ يشتغلون بعلم من العلوم ويستفرغون العمر في تخصصهم يَكُوْن ذَلِكَ مدعاة للتقصير بالعلوم الأخرى .

وَقَدْ وجدنا بعض جهابذة الْحَدِيْث تَكَلَّمَ في بعض الرُّوَاة لِقَصْرِ تهممهم ( ) عَلَى الفقه ، ومن أولئك حماد بن أبي سليمان ( ) من كبار الفقهاء وشيخ أبي حَنِيْفَة النعمان ( ) قَالَ عَنْهُ أبو إسحاق الشيباني( ): (( ما رأيت أحداً أفقه من حماد )) ( ). ومع هَذَا فَقَدْ نقل عَبْد الرحمان بن أبي حاتم ( ) عَنْ أمير المؤمنين في الْحَدِيْث شعبة بن الحجاج قوله: (( كَانَ حماد – يعني : ابن أبي سليمان – لا يحفظ )) . ثُمَّ عقّب ابن أَبِي حاتم عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ:

(( يعني : إن الغالب عَلَيْهِ الفقه وإنه لَمْ يرزق حفظ الآثار )) ( ) . وَقَالَ أبو حاتم : (( هُوَ صدوق ولا يحتج بحديثه ، هُوَ مستقيم في الفقه ، وإذا جاء الآثار شوّش )) ( ) .

ومن هنا وضع علماء الجرح والتعديل قواعد في أنّ الفقهاء غَيْر الْمُحَدِّثِيْنَ يغلب عليهم الفقه دون حفظ المتون ، قَالَ ابن رجب الحنبلي : (( الفقهاء المعتنون بالرأي حَتَّى يغلب عليهم الاشتغال بِهِ ، لا يكادون يحفظون الْحَدِيْث كَمَا ينبغي ، ولا يقيمون أسانيده ولا متونه ، ويخطئون في حفظ الأسانيد كثيراً ، ويروون المتون بالمعنى ، ويخالفون الحفاظ في ألفاظه )) ( ) . وابن رجب مسبوق بهذا التنظير فَقَدْ قَالَ ابن حِبّان : (( الفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى دون حفظ الأسانيد وأسماء الْمُحَدِّثِيْنَ، فإذا رفع محدث خبراً ، وَكَانَ الغالب عَلَيْهِ الفقه ، لَمْ أقبل رفعه إلا من كتابه ؛ لأنه لا يعلم المسند من المرسل ، ولا الموقوف من المنقطع ، وإنما همته إحكام الْمَتْن فَقَطْ )) ( ) .

 

ج‍. الاشتغال بالعبادة :

سبق لنا أن ذكرنا مراراً أن الْحَدِيْث النبوي يحتاج إلى متابعة ومذاكرةٍ وتكرارٍ من أجل حفظ الروايات وصونها من الخطأ والزيادة والنقص ، وأن ترك ذَلِكَ يؤول في نهاية المطاف إلى عدم ضبط الأحاديث ودخول الوهم والاختلاف فِيْهَا فِيْمَا بعد . ومن الأمور الَّتِيْ حَدَتْ ببعض الْمُحَدِّثِيْنَ للتقصير في ضبط مروياتهم انشغال بعضهم بالعبادة وصرف غالب أوقاتهم بِذَلِكَ دون متابعة ضبط رواياتهم . وَقَدْ أصل ابن رجب في ذَلِكَ قاعدة فَقَالَ : (( الصالحون غَيْر العلماء يغلب عَلَى حديثهم الوهم والغلط )) ( ).

والحافظ ابن رجب إنما أخذ ذَلِكَ من أقوال أئمة هَذَا الشأن العارفين بعلله الغواصين في معانيه وأسراره قَالَ نجم العلماء ( ) مالك بن أنس : (( أدركت بهذا البلد – يعني الْمَدِيْنَة – مشيخة لَهُمْ فضلٌ وصلاحٌ وعبادة يحدِّثون، ما سَمِعْتُ من واحد مِنْهُمْ حديثاً قطُّ، فقيل لَهُ: وَلِمَ يا أبا عَبْد الله ؟ قَالَ: لَمْ يكونوا يعرفون ما يحدِّثون )) ( ). وَقَالَ أَيْضاً : (( لا يؤخذ العلم من أربعة ، ويؤخذ ممن سوى ذَلِكَ ، لا يؤخذ من سفيه مُعلن بالسَفه وإن كَانَ أروى الناس، ولا يؤخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس، إذا جرب ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وإن كَانَ لا يُتَّهَمُ أن يكذب عَلَى رَسُوْل الله ، ولا من صاحب هوىً يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخٍ لَهُ فضلٌ وعبادة إذا كَانَ لا يعرف ما يحدّث بِهِ )) ( ) .

وَقَالَ ابن منده ( ) : (( إذا رأيت في حَدِيْث ( فُلاَن الزاهد ) فاغسل يدك مِنْهُ ))( ).

وممن كانت حاله عَلَى ما قدمنا : أبان بن أبي عياش : فيروز البصري ، أبو إسماعيل العبدي ، قَالَ فِيْهِ  الإمام المبجل أحمد بن حَنْبَل : (( متروك )) ( ) .

قَالَ ابن رجب الحنبلي : (( ذكر الترمذي من أهل العبادة المتروكين رجلين : أحدهما أبان بن أبي عياش )) ( ) .

وقَالَ الإمام الترمذي : (( رَوَى عَنْ أبان بن أبي عياش غَيْر واحد من الأئمة ( ) ، وإن كَانَ فِيْهِ من الضعف والغفلة ما وصفه أبو عوانة ( ) وغيره ( ) فلا يغتر برواية الثقات عَنْ الناس ؛ لأنه يروي عَنْ ابن سيرين أنه قَالَ : إن الرجل ليحدِّثني ، فما أتهمه ، ولكن أتهم من فوقه .

وَقَدْ رَوَى غَيْر واحد ( ) عَنْ إبراهيم النخعي عَنْ علقمة عَنْ عَبْد الله بن مسعود : أن النَّبِيّ كَانَ يقنتُ في وتره قَبْلَ الركوع . وروى أبان بن أبي عياش ، إبراهيم النخعي ، عن علقمة ، عن عَبْد الله بن مسعود : (( إن النَّبِيّ كَانَ يقنت في وتره قَبْلَ الركوع )) . هكذا رَوَى سفيان الثوري عَنْ أبان بن أبي عياش ( ) ، وروى بعضهم ( ) عَنْ أبان بن أبي عياش بهذا الإسناد نحو هَذَا ، وزاد فِيْهِ : قَالَ عَبْد الله بن مسعود :

(( أخبرتني أمي أنها باتت عِنْدَ النَّبِيّ فرأت النَّبِيّ قنت في وتره قَبْلَ الركوع )) .

وأبان بن أبي عياش وإن كَانَ قَدْ وصف بالعبادة والاجتهاد ، فهذا حاله في الْحَدِيْث والقوم كانوا أصحاب حفظ ، فرب رجل وإن كَانَ صالحاً لا يقيم الشهادة ولا يحفظها … )) ( ) .

 

 

المبحث الخامس

معرفة الاختلاف ودخوله في علم العلل

 

علم العلل : هُوَ العلم الَّذِيْ ينقد أحاديث الثقات ، وَهُوَ علم برأسه غَيْر الصَّحِيْح والضعيف ( ) ، لذا لَمْ يتكلم فِيْهِ إلا جهابذة العلماء وفحولتهم ، وفي مَعْرِفَة هَذَا العلم أهمية كبيرة ولما كَانَ كُلّ علم يشرف بمدى نفعه ، فإن علم علل الْحَدِيْث من أجلِّ أنواع علم الْحَدِيْث وفن من أهم فنونه ، وَقَدْ أجاد الإمام النووي ( ) وأحسن إِذْ قَالَ : (( ومن أهم أنواع العلوم تحقيق الأحاديث النبويات ، أعني : مَعْرِفَة متونها صحيحها وحسنها وضعيفها، متصلها ومرسلها ومنقطعها ومعضلها ومقلوبها ومشهورها وغريبها وعزيزها ومتواترها وآحادها وأفرادها ، معروفها وشاذها ومنكرها ومعللها وموضوعها ومدرجها وناسخها ومنسوخها )) ( ) .

واهتمام الْمُحَدِّثِيْنَ بمعرفة علم علل الْحَدِيْث من اهتمامهم بالحديث النبوي الشريف ؛ لأنَّهُ المصدر التشريعي الثاني بَعْدَ القرآن الكريم . ومبالغة الْمُحَدِّثِيْنَ بالاهتمام ببيان علل الأحاديث النبوية إنما ذَلِكَ ؛ لأن بمعرفة العلل يعرف كلام النَّبِيّ من غيره وصحيح الْحَدِيْث من ضعيفه وصوابه من خطئه . وعلم العلل ممتد من مرحلة النقد الحديثي الَّذِيْ ابتدأت بواكيره عَلَى أيادي كبار الصَّحَابَة – رضوان الله عليهم أجمعين – إِذْ كانوا يحتاطون في قبول الأخبار ( ) ، ومنهم من كَانَ يستحلف الرَّاوِي ( ) وذلك من أجل تمييز الخطأ والوهم في الْحَدِيْث النبوي ، ثُمَّ اهتم العلماء بِهِ من بَعْدُ لئلا ينسب خطأ أو وهم أَوْ اختلاف إلى السنة المطهرة .

ولعلم العلل مزية خاصة فهو كالميزان لبيان الخطأ والصواب وَالصَّحِيْح من المعوجِّ. وَقَد اعتنى بِهِ العلماء وطلبة العلم قديماً وحديثاً . ولأهمية هَذَا العلم نجد بعض جهابذة العلماء يصرِّحُ بأنّ مَعْرِفَة العلل عنده مقدَّمٌ عَلَى مجرد الرِّوَايَة ، قَالَ الإمام الجهبذ عَبْد الرحمان بن مهدي: (( لإنْ أعرف علة حَدِيْث واحد أحَبُّ إليَّ من أن أستفيد عشرة أحاديث )) ( ).

ومما يدلنا عَلَى أهمية هَذَا العلم وصعوبته أنه من أشد العلوم غموضاً ، فلا يدركه إلا من رزق سعة الرِّوَايَة،وَكَانَ مع ذَلِكَ حاد الذهن ثاقب الفهم دقيق النظر واسع المران.

ومعرفة علل الْحَدِيْث من الأمور الَّتِيْ لا تُنَالُ إلا بِممارسةٍ كبيرةٍ في الإعْلالِ والتضعيف ومعرفة السند الصَّحِيْح من الضعيف والمتصل من المنقطع، فمن أكثر الاشتغال بعلم الْحَدِيْث وحفظ جملة مستكثرة من المتون حَتَّى اختلطت بلحمه ودمه وعرف خفايا المتون والأسانيد ومشكلاتها ؛ استطاع أن يميّز الْحَدِيْث الصَّحِيْح من الْحَدِيْث المعل . وطريقة الباحث في نقده وحكمه عَلَى الأحاديث أن يجمع طرق الْحَدِيْث ويستقصيها من الجوامع والمسانيد والأجزاء ، ويَسْبُرَ ( ) أحوال الرُّوَاة فينظر في اختلافها وفي مقدار حفظهم ومكانتهم من الضبط والإتقان ، وعند ذَلِكَ وبعد النظر في القرائن يقع في نفس الباحث الناقد البصير أنّ الْحَدِيْث معل بإرسال في الموصول أو وصل في المرسل أَوْ المنقطع، أو سقوط رجل بسبب التدليس أو وقف في المرفوع ، أو معارضة بما هُوَ أقوى لا تحتمل التوفيق ، أو دخول حَدِيْث في حَدِيْث أو وهم أو ما أشبه ذَلِكَ من العلل القادحة ، ثُمَّ يغلب عَلَى ظنه ذَلِكَ فيحكم بعدم صحة الْحَدِيْث أَوْ يتردد فِيْهِ  فيتوقف عَنْ الحكم .

من هَذَا العرض يتبين لنا أن رأس علم العلل هُوَ الاختلافات الواقعة في الأسانيد والمتون الَّتِيْ تحيل الْحَدِيْث من حيز الصحة والقبول إلى دائرة الضعف والترك . ودراسة الاختلافات الحديثية داخلة في دراسة علم علل الْحَدِيْث الَّذِيْ هُوَ علم برأسه .

 

 

المبحث السادس

أهمية مَعْرِفَة الاختلافات في المتون والأسانيد

 

إذا كَانَ كُلّ علم يستمد شرفه من مدى نفعه -كَمَا قررناه آنفاً-،فإن العلم بمعرفة الاختلافات الَّتِيْ تقع في المتون والأسانيد لَهُ أهمية كبيرة ؛ لأن علم الْحَدِيْث من أشرف العلوم الشرعية ، ومعرفة الاختلافات لها أثر كبير في تمييز الْحَدِيْث الصَّحِيْح من السقيم .

ثُمَّ إن الَّذِيْ يزيد هَذَا الفن أهمية أنه من أشد العلوم غموضاً ، فلا يدركه إلا من رزق سعة الرِّوَايَة ، وَكَانَ مع ذَلِكَ حاد الذهن ثاقب الفهم دقيق النظر واسع المران كَمَا تقدم . ومعرفة الاختلافات والترجيح بينها من الأمور الَّتِيْ لا تنال إلا بممارسة كبيرة في الإعلال والتضعيف ومعرفة السند الصَّحِيْح من الضعيف ، فَمَنْ أَكْثَرَ الاشتغال بعلم الْحَدِيْث وحفظ جملة مستكثرة من المتون وعرف خفايا المتون والأسانيد ومشكلاتها استطاع أن يميز الْحَدِيْث الصَّحِيْح من الْحَدِيْث المختلف فِيْهِ، لذا قَالَ الربيع بن خُثَيْم ( ): (( إن للحديث ضوءاً كضوء النهار تعرفه وظلمة كظلمة الليل تنكره )) ( ) .

ومعرفة العلل واختلافات المتون والأسانيد هِيَ لُبُّ القضايا في علوم الْحَدِيْث وأدقها وأغمضها ، وَقَدْ قعّد الْمُحَدِّثُوْنَ النقاد القواعد لتنقية الأحاديث النبوية وحفظها من أوهام الناقلين وأخطائهم . ومصدر اختلاف المتون والأسانيد يبقى خفياً غامضاً لا يكشفه إلا من جمع بَيْنَ الحفظ والفهم والمعرفة . ومعرفة الاختلافات في المتون والأسانيد أمر خفيٌّ غامض لا يصل إِلَيْهِ نظر الباحث إلا بالغربلة والدراسة المعمقة مع رصيد كبير من الممارسة الحديثية . ثُمَّ إنّ الخبرة وطول المذاكرة وزيادة الحفظ والملكة القوية ، وجمع الأبواب والتمرّس المستمر في ذَلِكَ هُوَ الَّذِيْ جعل الأئمة النقاد يعرفون الاختلافات بالنظر إِلَيْهَا لمخالفتها ما لديهم من صواب في المتون والأسانيد .

ثُمَّ إنّ عَلَى طالب الْحَدِيْث قَبْلَ أن يعلَّ حديثاً بالاختلاف أن يجمع طرق الْحَدِيْث ويستقصيها من المصنفات والجوامع والمسانيد والسنن والأجزاء ، ويسبر أحوال الرُّوَاة فينظر في اختلافهم وفي مقدار حفظهم ومكانتهم من الضبط والإتقان ، وعند ذَلِكَ وبعد النظر الشديد في القرائن والمرجحات ويستعين بأقوال الأئمة نقاد الْحَدِيْث وحفاظ الأثر وإشاراتهم ؛ يقع في نفس الباحث الناقد أن الْحَدِيْث معلٌّ بالاختلاف ، كأن يَكُوْن الْحَدِيْث الموصول معلاً بالإرسالِ أَوْ الانقطاع أَوْ يَكُوْن المرفوع معلاً بالوقف ( ) أو أن هناك سقطاً بسبب التدليس ، أو يجد دخول حَدِيْث في حَدِيْث أو يجد وهم واهمٍ أو ما أشبه ذَلِكَ من العلل القادحة .

والنظر العميق في التعرف عَلَى الاختلافات في المتون والأسانيد لَهُ أهمية بالغة للفقيه فضلاً عَنْ المحدِّث؛ لأن الفقيه لا يستطيع أن يعرف صحة الْحَدِيْث من عدمها حَتَّى يقر في نفسه ويعتقد أنّ هَذَا الْحَدِيْث خالٍ من الخلل والوهم بسبب الاختلافات. والنظر والتنقير في الترجيح بَيْنَ الاختلافات عَلَى حسب المرجحات والقرائن المحيطة بالحديث تعطي الفقيه والمحدّث مَعْرِفَة هل أنّ الْحَدِيْث صالح للاحتجاج والعمل أم لا ؟

إنّ جهابذة الْحَدِيْث ونقاده وصيارفته وأفذاذه حثوا عَلَى مَعْرِفَة الاختلافات ، فَقَالَ الإمام أحمد بن حَنْبَل – يرحمه الله – : (( إن العالم إذا لَمْ يعرف الصَّحِيْح والسقيم ، والناسخ والمنسوخ من الْحَدِيْث لا يسمى عالماً )) ( ) .

وَقَالَ قتادة ( ) : (( من لَمْ يعرف الاختلاف لَمْ يشم أنفه الفقه )) ( ) .

وَقَالَ سعيد بن أبي عروبة ( ) : (( من لَمْ يَسْمَع الاختلاف فلا تعدوه عالماً )) ( ) .

وَقَالَ عطاء بن أَبِي رباح ( ) : (( لا ينبغي لأحد أن يفتي الناس حَتَّى يَكُوْن عالماً باختلاف الناس )) ( ) .

هذا وغيره من أقوال الأئمة النقاد في حثهم عَلَى تعلّم الاختلافات ودراستها حَتَّى يخرج طالب العلم فقيهاً محدّثاً ، وَقَدْ أدرك الصدر الأول من أهل العلم أهمية ذَلِكَ للفقيه والمحدِّث ، وأنَّ الفقه والحديث صنوان لا ينفكان وتوأمانِ مُتلازمان لا غِنَى لأحدهما عَنْ الآخر ، ومَنْ كَلَّ في أحدهما خيف عَلَيْهِ السقط في الآخر وَلَمْ يُؤْمَن عَلَيْهِ من الغلط، بَلْ ربما كَانَ مدعاة للوهم والإيهام . ونجد السابقين من العلماء حثوا عَلَى تعلم العلمين، نقل الكتاني ( ) في " نظم المتناثر" ( ) عَنْ سفيان الثوري ( ) وسفيان بن عيينة وعبد الله بن سنان ( ) قالوا : (( لَوْ كَانَ أحدنا قاضياً لضربنا بالجريد ( ) فقيهاً لا يتعلم الْحَدِيْث ومحدّثاً لا يتعلم الفقه )).

وَقَدْ نبّه الْحَاكِم النيسابوري عَلَى أن علم الفقه أحد العلوم المتفرعة من علم الْحَدِيْث ، فَقَدْ قَالَ : (( مِنْ علم الْحَدِيْث مَعْرِفَة فقه الْحَدِيْث ، إِذْ هُوَ ثمرة هَذِهِ العلوم ، وبه قوام الشريعة ، فأما فقهاء الإسلام أصحاب القياس والرأي والاستنباط والجدل والنظر فمعروفون في كُلّ عصر وأهل كُلّ بلد ، ونحن ذاكرون بمشيئة الله في هَذَا الموضع فقه الْحَدِيْث عَنْ أهله ليستدل بِذَلِكَ عَلَى أن أهل هَذِهِ الصنعة من تبحر فِيْهَا لا يجهل فقه الْحَدِيْث ، إِذْ هُوَ نوع من أنواع هَذَا العلم )) ( ) .

ثُمَّ إنا نلاحظ أن العلماء من أهل الفقه والحديث قَدْ ألّفوا كتباً جامعة تناولوا فِيْهَا الاختلافات فأبدعوا فِيْهَا ؛ لذا نجد أن الإمام الشَّافِعِيّ ألّف في اختلاف الْحَدِيْث ( ) ، ثُمَّ تبعه ابن قتيبة ( ) ، وأبو يَحْيَى زكريا بن يَحْيَى الساجي ( ) ، والطحاوي ( ) ، وابن الجوزي ( ). وهذه الكتب تضم اختلافات المتون والأسانيد ،وَهِيَ دراسات علمية جادة قل نظيرها تدلنا عَلَى اهتمام الْمُحَدِّثِيْنَ بالجانبين الفقهي والحديثي والتعرف عَلَى الاختلافات لذين العِلْمَين تعصم صاحبها من الزلل وتقيه من الوهم .

 

المبحث السابع

الكشف عن الاختلاف

الكشف عن الاختلافات الحديثية الواقعة في الأسانيد والمتون ليس بالأمر الهيّن اليسير ، بَلْ هُوَ أمر شاق للغاية ، ولا يتمكن لَهُ إلا من رزقه الله فهماً واسعاً واطلاعاً كبيراً . ومعرفة الاختلافات الواقعة في المتون والأسانيد لا يمكن الوصول إليها إلا بجمع الطرق والنظر فِيْهَا مع الْمَعْرِفَة التامة بالرواة والشيوخ والتلاميذ ، وكيفية تلقي التلاميذ من الشيوخ والأحوال والوقائع وطرق التحمل وكيفية الأداء من أجل مَعْرِفَة الخطأ من الصواب وكيفية وقوع الخلل والخطأ في الرِّوَايَة . وهذا يستدعي جهداً جهيداً ، قَالَ الحافظ ابن حجر : (( هَذَا الفن أغمض أنواع الْحَدِيْث وأدقها مسلكاً ، ولا يقوم بِهِ إلا مَنْ منحه الله تَعَالَى فهماً غائصاً ، واطلاعاً حاوياً وإدراكاً لمراتب الرواة ومعرفة

ثاقبة )) ( ) .

وَقَالَ ابن رجب الحنبلي : (( حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ، ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كُلّ واحد مِنْهُمْ ، لَهُمْ فهم خاص يفهمون بِهِ أن هَذَا الْحَدِيْث يشبه حَدِيْث فُلاَن ، ولا يشبه حَدِيْث فُلاَن فيعللون الأحاديث بِذَلِكَ )) ( ) .

ويشترط فيمن يتكلم في العلل ويكشف عن اختلافات المتون والأسانيد أن يَكُوْن ملماً بالروايات مطلاعاً للكتب واسع البحث كثير التفتيش ، لذا قَالَ ابن رجب الحنبلي : (( ولابدَّ في هَذَا العلم من طول الممارسة ، وكثرة المذاكرة ، فإذا عدم المذاكرة بِهِ فليكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين كيحيى القطان ، ومن تلقى عَنْهُ كأحمد وابن المديني( ) وغيرهما ، فمن رزق مطالعة ذَلِكَ ، وفهمه وفقهت نفسه فِيْهِ وصارت لَهُ فِيْهِ  قوة نفس وملكة ، صلح لَهُ أن يتكلم فِيْهِ  )) ( ) .ويشترط فيمن يريد الكشف عن الاختلافات الحديثية أن يعرف الأسانيد الصحيحة والواهية . والثقات الذِيْن ضعفوا في بعض شيوخهم ، والثقات الَّذِيْنَ تقوّى أحاديثهم بروايتهم عن بعض الشيوخ ؛ لأنه مدار الترجيح وبه يعرف تعيين الخطأ من الصَّحِيْح .

وبالإمكان تنظير نقاط ندرك من خلالها الاختلافات سواء أكانت في المتون أم في الأسانيد ، يستطاع من خلالها كشف الوهم والاختلافات ، وكيفية التعامل مع ذَلِكَ تصحيحاً أَوْ تضعيفاً وكما يأتي :

 

أولاً. مَعْرِفَة من يدور عَلَيْهِ الإسناد من الرُّوَاة ( ) :

إنّ مَعْرِفَة من يدور عليهم الإسناد من الرُّوَاة المكثرين الَّذِيْنَ يكثر تلامذتهم وتتعدد مدارسهم الحديثية ، فِيْهِ فائدة عظيمة لناقد الْحَدِيْث الَّذِيْ من همه مَعْرِفَة الاختلافات وكيفية التوفيق بينها ؛ لأن هَذَا يعطي صورة واضحة للأسانيد الشاذة أَوْ المنكرة ، واختلاف الناقلين عن ذَلِكَ المصدر .

وإنا نجد علماء الْحَدِيْث الأجلاء يهتمون بهذا أيما اهتمام ، فَقَدْ سأل عَبْد الله بن الإمام أحمد ( ) أباه : (( أيما أثبت أصحاب الأعمش ؟ فَقَالَ: سفيان الثوري أحبهم إليَّ ، قلت لَهُ : ثُمَّ من ؟ فَقَالَ : أبو معاوية ( ) في الكثرة والعلم – يعني : عالماً بالأعمش – قلت لَهُ : أيما أثبت أصحاب الزهري ؟ فَقَالَ : لكل واحد مِنْهُمْ علة إلا أن يونس ( ) وعقيلاً ( ) يؤديان الألفاظ وشعيب بن أبي حمزة ( )، وليس هم مثل معمر ، معمر يقاربهم في الإسناد . قلت : فمالك ؟ قَالَ : مالك أثبت في كُلّ شيء … )) ( ) .

وَقَدْ اهتم الإمام عَلِيّ بن المديني بهذا الباب ، فذكر في علله من يدور عَلَيْهِمْ الإسناد ( )، وبهذا الاهتمام البالغ استطاع العلماء مَعْرِفَة من يدور عليهم الإسناد ، ومَنْ أَكْثَر الناسِ عَنْهُمْ جمعاً ورواية ، وَقَدْ طبقوا هَذَا المنهج عَلَى كافة الرُّوَاة حَتَّى تعرَّفوا عَلَى أوثق الناس فِيْهِ وأدناهم به ، كَمَا ثبَّتوا حماد بن سلمة ( ) في ثابت البناني ( )، وهشام بن حسان ( ) في ابن سيرين ( ) . وهذه الأمور تعين الناقد عَلَى مَعْرِفَة الاختلافات ، ثُمَّ كيفية الترجيح والتوفيق بَيْنَ الروايات .

ثانياً. مَعْرِفَة الرُّوَاة ( ) :

وهذه النقطة تتفرع إلى صور :

أ. مَعْرِفَة وفيات الرُّوَاة ومواليدهم : وهذه الصورة لها خصيصة كبيرة ؛ إِذْ بمعرفة الولادة والوفاة تتضح صورة اتصال التلميذ بالشيخ ، وإمكانية المعاصرة من عدمها .

ب. مَعْرِفَة أوطان الرُّوَاة : وهذه الصورة لها أَيْضاً خصيصة عالية إذ إن بعض الرُّوَاة ضُعِّفُوا في روايتهم عن بعض أصحاب المدن خاصة كَمَا في إسماعيل بن عياش فهو غاية في الشاميين ( )، مخلط عن المدنيين ( ) ، وَقَالَ الْحَاكِم في " مَعْرِفَة علوم الْحَدِيْث " ( ) : (( الكوفيون إذا رووا عن المدنيين زلقوا )) .

ج‍. مَعْرِفَة شيوخ وتلاميذ الرُّوَاة ( ) : وهذه الصورة لها أهمية بالغة ؛ إذ بِهَا يعرف السند المتصل من المنقطع من المدلس.ويستطاع من خلال ذَلِكَ التمييز بَيْنَ المجملين( )في السند.

د. مَعْرِفَة السابق واللاحق من الرُّوَاة ( ) : وحقيقته مَعْرِفَة من اشترك في الرِّوَايَة عَنْهُ راويان متقدم ومتأخر تباين وقت وفاتيهما تبايناً شديداً فحصل بينهما أمد بعيدٌ ، وإن كَانَ المتأخر منهما غَيْر معدود من معاصري الأول وذوي طبقته ( ) . ومعرفة هَذَا النوع من علوم الْحَدِيْث لَهُ أهمية كبيرة حَتَّى لا يظن انقطاع ما ليس بمنقطع ولا يجعل الصواب خطأً .

ه‍. مَعْرِفَة الثقات ودرجاتهم ومراتبهم وضبطهم وأيهم الَّذِيْ يقدم عِنْدَ الاختلاف ( ) : وهذا الأمر مهم للغاية ومن خلاله يتم الترجيح بَيْنَ الرُّوَاة .

و. مَعْرِفَة المتشابه من الأسماء وكذا الكنى : وهذا الأمر لَهُ أهمية بالغة في مَعْرِفَة الاختلافات . ومن خلال مَعْرِفَة المتشابه يتنبه الناقد إلى عدم الخلط بَيْنَ الرُّوَاة إِذْ قَدْ تتفق الأسماء ويختلف الشخص وعدم الْمَعْرِفَة والتمييز يؤدي إلى الخلط .

ز. لابد من مَعْرِفَة من اشتهر بالتدليس من الرُّوَاة : وكذلك من يرسل ، وكذا من ضعِّف حديثه لآفة صحية أَوْ تَغَيَّرَ أَوْ اختلط ( ) .

 

ثالثا. جمع الأبواب ( ) :

لا يمكن للبصير الناقد أن يكشف عن الاختلافات ويقارن بينها إلا بَعْدَ جمع طرق حَدِيْث الباب والموازنة والمقارنة والنظر الثاقب ، قَالَ علي بن المديني : (( الباب إذا لَمْ تجمع طرقه لَمْ يتبين خطؤه )) ( ).

 

المبحث الثامن

الاختلاف القادح والاختلاف غَيْر القادح

مِمَّا لا شك فِيْهِ  أن الاختلاف غَيْر القادح لا عبرة بِهِ ولا أثر لَهُ عِنْدَ الْمُحَدِّثِيْنَ ، ونحن حينما عنينا بدراسة هَذِهِ الاختلافات في الأسانيد والمتون إنما قصدنا القادح مِنْهَا . واختلاف الرُّوَاة في أمر لا تناقض فِيْهِ  لا يضر لأنه اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد .

إِذْ قَدْ يَكُوْن الاختلاف بَيْنَ طريقين أحدهما قوي والآخر ضعيف فمثل هَذَا الاختلاف لا يقدح ؛ لأن الرِّوَايَة الصحيحة لا تقدح بِهَا الرِّوَايَة الضعيفة ولا تؤثر . وكذلك قَدْ يَكُوْن هناك اختلاف في الظاهر لَكِنْ يمكن الجمع بينهما ؛ بحيث يمكن أن يَكُوْن المتكلم معبراً باللفظين الواردين عن معنى واحد ، فلا إشكال أَيْضاً . مثل : أن يَكُوْن في أحد الوجهين قَدْ قَالَ الرَّاوِي : (( عن رجل )) ، وفي الوجه الآخر سمى هَذَا الرجل .

ويمكن أن يَكُوْن ذَلِكَ المسمى هُوَ ذَلِكَ المبهم ، فلا تعارض . أما إذا سمى الرَّاوِي باسم معين في رِوَايَة ، ويسميه باسم آخر في رِوَايَة أخرى فهذا محل توقف ونظر ، إِذْ يتعارض فِيْهِ أمران :

أحدهما : أنه يجوز أن يَكُوْن الْحَدِيْث عن الرجلين معاً .

والثاني : أن يغلب عَلَى الظن أن الرَّاوِي واحد اختلف فِيْهِ . فهاهنا لا يخلو أن يَكُوْن الرجلان معاً ثقتين أو لا .

فإن كانا ثقتين فعلى رأي جَمَاعَة لا يضر هَذَا الاختلاف ؛ لأنه إن كَانَ الْحَدِيْث عن هَذَا المعين فهو عدل ، وإن كَانَ عن الآخر فهو عدل ، فكيف انقلب الْحَدِيْث فإلى عدل فلا يضر هَذَا الاختلاف . بينما يرى جهابذة الْمُحَدِّثِيْنَ أن هَذَا قادح في الرِّوَايَة إِذْ إنه يدل عَلَى عدم ضبط راويه لَهُ . والضبط شرط لصحة الْحَدِيْث . وهذا إنما يتجه إذا كَانَ لا دليل لنا عَلَى أنَّّ الْحَدِيْث عَنْهُمَا جميعاً . أما إن دلَّ دليل فلا اختلاف مثل أن يروي إنسان حديثاً عن رجل تارة ، ويروي ذَلِكَ الْحَدِيْث عن آخر تارة ثُمَّ يرويه عَنْهُمَا معاً في مرة ثالثة .

وأما إن كَانَ أحد الراويين ضعيفاً فَقَدْ تردد الحال بَيْنَ أن يَكُوْن عن القوي أَوْ عن الضعيف أَوْ عَنْهُمَا . وَهُوَ عَلَى أحد هَذِهِ التقديرات غَيْر حجة ، ثُمَّ إن هَذَا يشترط فِيْهِ  أن لا يَكُوْن الطريقان مختلفين بَلْ يكونان عن رجل واحد . ومع ذَلِكَ فيجوز أن يَكُوْن رَوَاهُ عَنْهُمَا جميعاً ( ) .

وَقَدْ أشار الحافظ السيوطي ( ) في " التدريب " ( ) إلى بعض الاختلافات غَيْر القادحة بصحة الْحَدِيْث عِنْدَ الْمُحَدِّثِيْنَ ، قَالَ: (( فمن ذَلِكَ أنهما أخرجا قصة جمل جابر من طرق، وفيها اختلاف كثير في مقدار الثمن ، وفي اشتراط ركوبه . وَقَدْ رجّح البخاري الطرق الَّتِيْ فِيْهَا الاشتراط عَلَى غيرها مع تخريج الأمرين ، ورجح أَيْضاً كون الثمن أوقية ( ) مع تخريجه ما يخالف ذَلِكَ )) .

قلت : والاختلاف في ثمن البعير أنه جاء بأوقية وفي رِوَايَة بأربعة دنانير ، وَهُوَ يَكُوْن بأوقية عَلَى حساب الدينار بعشرة دراهم . وفي رِوَايَة أوقية ذهب ، وفي رِوَايَة ومئتي درهم ، وفي رِوَايَة أربع أواقٍ ، وفي رِوَايَة بعشرين ديناراً . وَقَدْ خرّجها البخاري جميعها ( ) ورجّح أنه بأوقية ، قَالَ البخاري : (( وقول الشعبي ( ) بأوقية أكثر الاشتراط : أكثر وأصح عندي )) ( ) . وَقَدْ فسّر الحافظ ابن حجر ذَلِكَ بقوله : (( أي أكثر طرقاً وأصح مخرجاً )) ( ) ، ثُمَّ قَالَ : (( وما جنح إِلَيْهِ المصنف من ترجيح رِوَايَة الاشتراط هُوَ الجاري عَلَى طريقة المحققين من أهل الْحَدِيْث لأنهم لا يتوقفون عن تصحيح الْمَتْن إذا وقع فِيْهِ  الاختلاف إلا إذا تكافأت الروايات ، وَهُوَ شرط الاضطراب الَّذِيْ يرد بِهِ الخبر ، وَهُوَ مفقود هنا مع إمكان الترجيح )) ( ) .

الفصل الأول

الاختلاف في السند

 

وفيه تمهيد ، ومبحثان :

التمهيد : في تعريف الإسناد لغة واصطلاحاً ، وأهمية الإسناد .

والمبحثان :

المبحث الأول : أثر التدليس في اختلاف الْحَدِيْث ، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء .

المبحث الثاني : أثر التفرد في اختلاف الْحَدِيْث ، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء .

 

 

 

 

 

تمهيد

تعريف الإسناد لغةً واصطلاحاً :

أ. تعريف السند والإسناد لغة :

السند في اللغة : يطلق عَلَى عدة معانٍ ، أشهرها : ما قابلك من الجبل ، وعلا عن السفح، والمُعْتَمَدُ: وَهُوَ كلُّ ما يُسْنَدُ إِلَيْهِ ويُعتَمَدُ عَلَيْهِ من حائطٍ وغيره ، يقال : فلانٌ سَنَدٌ أي: مُعتَمَدٌ( ) . قَالَ بدر الدين بن جَمَاعَة( ) : (( وَهُوَ مأخوذ ، إمّا من السند وَهُوَ ما ارتفع وعلا عن سفح الجبل؛لأن المُسْنِدَ يرفعه إِلَى قائله،أَوْ من قولهم:فلانٌ سندٌ أي : معتمدٌ ، فسُمِّي الإخبار عن طريق الْمَتْن سنداً لاعتماد الحُفَّاظِ في صحة الْحَدِيْث وضعفه عَلَيْهِ )) ( ).

قَالَ الزركشي : (( هُوَ مأخوذ من السند ، وَهُوَ ما ارتفع وعلا من سفح الجبل ؛ لأن المسند يرفعه إلى قائله ، ويجوز أن يَكُوْن مأخوذاً من قولهم : فُلاَن سندٌ أي : معتمدٌ ، فسُمِّيَ الإخبار عن طريق الْمَتْن سنداً لاعتماد النقاد في الصحة والضعف عَلَيْهِ . وفي "أدب الرِّوَايَة" للحفيد ( ) : (( أسندت الْحَدِيْث أسنده وعزوته أعزوه ، وأعزيه ، والأصل في الحرف راجع إلى المسند وَهُوَ الدهر فيكون معنى إسناد الْحَدِيْث : اتصاله في الرِّوَايَة اتصال أزمنة الدهر بعضها ببعض )) ( ) .

والإسناد مصدر للفعل الثلاثي المزيد : أسند ، من قولهم : أسندت الْحَدِيْث إلى فُلاَن أسنده إسناداً إذا رفعته ( ) .

قَالَ الجوهري ( ) : (( والإسناد في الْحَدِيْث رَفْعُهُ إلى قائله )) ( ) .

 

ب. تعريف السند اصطلاحاً :

السند : هُوَ الإخبار عن طريق الْمَتْن ( ) .

قَالَ السيوطي : (( والحد المذكور للسند ذكره ابن الحاجب ( ) في مختصره ( ) ، قَالَ القاضي تاج الدين السبكي( ) في شرحه: (( وعندي لَوْ قَالَ: طريق الْمَتْن، كَانَ أولى ))( ).

وأما الإسناد : فهو حكاية طريق الْمَتْن ( ) .

والذي يبدو أن السند والإسناد معناهما واحد ، لأنهما متقاربان في معنى الاعتماد عليهما ( ) .

وَقَالَ بدر الدين بن جَمَاعَة : (( الْمُحَدِّثُوْنَ يستعملون السند والإسناد لشيءٍ

واحدٍ )) ( ) .

لَكِن الإسناد أعم من السند ؛ فالإسناد يطلق عَلَى سلسلة الرُّوَاة الموصلة إلى الْمَتْن فيكون بِذَلِكَ مرادفاً للسند ، ويكون بمعنى عزو الْحَدِيْث إلى قائله فهو أعم ( ) .

والخلاصة : المراد بالسند أَوْ الإسناد هنا : هُوَ سلسلة الرُّوَاة الَّذِيْنَ نقلوا الْحَدِيْث واحداً عن الآخر ، حَتَّى يبلغوا بِهِ إلى قائله .

 

أهمية الإسناد :

إنّ الله شرّف هَذِهِ الأمة بشرف الإسناد ، وَمَنَّ عَلَيْهَا بسلسلة الإسناد واتصاله، فهو خصيصة فاضلة لهذه الأمة وليس لغيرها من الأمم السابقة ، وَقَدْ أسند الْخَطِيْب في كتاب " شرف أصحاب الْحَدِيْث " ( ) إلى مُحَمَّد بن حاتم بن المظفر قَالَ : (( إنّ الله أَكْرَمَ هَذِهِ الأمة وشرّفها وفضّلها بالإسناد ، وليس لأحد من الأمم كلها ، قديمهم وحديثهم إسنادٌ ، وإنما هِيَ صحف في أيديهم وَقَدْ خلطوا بكتبهم أخبارهم ، وليس عندهم تمييز بَيْنَ ما نزل من التوراة والإنجيل مِمَّا جاءهم بِهِ أنبياؤهم ، وتمييز بَيْنَ ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار الَّتِيْ أخذوا عن غَيْر الثقات . وهذه الأمة إنما تنُصّ الْحَدِيْث من الثقة المعروف في زمانه المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حَتَّى تتناهى أخبارهم ، ثُمَّ يبحثون أشد البحث حَتَّى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ ، والأضبط فالأضبط والأطول مجالسةً

لِمَنْ فوقه ممن كَانَ أقل مجالسةً . ثُمَّ يكتبون الْحَدِيْث من عشرين وجهاً وأكثر حَتَّى يهذبوه من الغلط والزلل ويضبطوا حروفه ويعدوه عداً.فهذا من أعظم نعم الله تَعَالَى عَلَى هَذِهِ الأمة )) .

وَقَالَ أبو علي الجياني ( ) : (( خصّ الله تَعَالَى هَذِهِ الأمة بثلاثة أشياء لَمْ يعطها مَنْ قَبْلَهَا مِنَ الأمم : الإسناد ، والأنساب ، والإعراب )) ( ) .

وَقَالَ الْحَاكِم النيسابوري : (( فلولا الإسناد وطلب هَذِهِ الطائفة لَهُ ، وكثرة مواظبتهم عَلَى حفظه لدرس منار الإِسْلاَم ، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع فِيْهِ بوضع الأحاديث، وقلب الأسانيد ، فإنَّ الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فِيْهَا كانت  مبتراً، كَمَا حَدَّثَنَا أبو العباس مُحَمَّد بن يعقوب ( )، قَالَ : حَدَّثَنَا العباس بن مُحَمَّد الدوري ( )، قَالَ : حَدَّثَنَا أبو بكر بن أبي الأسود ، قَالَ : حَدَّثَنَا إبراهيم أبو إسحاق الطالقاني ( )، قَالَ: حَدَّثَنَا بقية ، قَالَ حَدَّثَنَا عتبة بن أبي حكيم ( )، أنه كَانَ عِنْدَ إسحاق ابن أبي فروة، وعنده الزهري، قَالَ: فجعل ابن أبي فروة يقول: قَالَ رَسُوْل الله، فَقَالَ لَهُ الزهري : قاتلك الله يا ابن أبي فروة ، ما أجرأك عَلَى الله، ألا ( ) تسند حديثك ؟ تُحَدِّثُنا بأحاديث ليس لها خُطُم ( ) ، ولا أَزِمَّة ( ) )) ( ) .

هكذا أدرك الْمُحَدِّثُوْنَ – منذ الصدر الأول – ما للإسناد من أهمية بالغة في الصناعة الحديثية ؛ إِذْ هُوَ دعامتها الأساسية ومرتكزها في أبحاث العدالة والضبط .

وكذلك أدرك الْمُحَدِّثُوْنَ أنه لا يمكن نقد الْمَتْن نقداً صحيحاً إلا من طريق البحث في الإسناد ، ومعرفة حلقات الإسناد والرواة النقلة ، فلا صحة لمتن إلا بثبوت إسناده .

وأعظم مثال عَلَى اهتمام المسلمين بالإسناد هُوَ ما ورثوه لنا من التراث الضخم الكبير الهائل ، وما سخروا للإسناد من ثروة علمية في كتب الرجال .

والبحث في الإسناد مهم جداً في علم الْحَدِيْث ، من أجل التوصل إلى مَعْرِفَة الْحَدِيْث الصَّحِيْح من غَيْر الصَّحِيْح ، إِذْ إنّه كلما تزداد الحاجة يشتد نظام المراقبة ، فعندما انتشر الْحَدِيْث بَعْدَ وفاة النَّبِيّ اشتد الاهتمام بنظام الإسناد ، وعندما بدأ السهو والنسيان يظهران كثر الالتجاء إلى مقارنة الروايات ، حَتَّى أصبح هَذَا المنهج مألوفاً معروفاً عِنْدَ الْمُحَدِّثِيْنَ ؛ إِذْ إنه لا يمكن الوصول إلى النص السليم القويم إلا عن طريق البحث في الإسناد ، والنظر والموازنة والمقارنة فِيْمَا بَيْنَ الروايات والطرق . من هنا ندرك سر اهتمام الْمُحَدِّثِيْنَ بِهِ ، إذ جالوا في الآفاق ينقّرون أَوْ يبحثون في إسنادٍ ، أَوْ يقعون عَلَى علة أَوْ متابعة أَوْ مخالفة ، وكتاب " الرحلة في طلب الْحَدِيْث " ( ) للخطيب البغدادي خير شاهد عَلَى ذَلِكَ .

وتداول الإسناد وانتشاره معجزة من المعجزات النبوية ( ) الَّتِيْ أشار إِلَيْهَا المصطفى في قوله : (( تَسْمَعُون ويُسْمَع منكم ويُسْمَع مِمَّنْ يَسْمَع منكم )) ( ).

ثُمَّ إنَّ للإسناد أهمية كبيرة عِنْدَ المسلمين وأثراً بارزاً ؛ وذلك لما للأحاديث النبوية من أهمية بالغة ، إذ إنَّ الْحَدِيْث النبوي الشريف ثاني أدلة أحكام الشرع ، ولولا الإسناد واهتمام الْمُحَدِّثِيْنَ بِهِ لضاعت علينا سنة نبينا ولاختلط بِهَا ما ليس مِنْهَا ، ولما استطعنا التمييز بَيْنَ صحيحها من سقيمها ؛ إذن فغاية دراسة الإسناد والاهتمام بِهِ هِيَ مَعْرِفَة صحة الْحَدِيْث أو ضعفه ، فمدار قبول الْحَدِيْث غالباً عَلَى إسناده ، قَالَ القاضي عياض : (( اعلم أولاً أنّ مدار الْحَدِيْث عَلَى الإسناد فِيْهِ  تتبين صحته ويظهر اتصاله ))( ). وَقَالَ ابن الأثير ( ) : (( اعلم أنّ الإسناد في الْحَدِيْث هُوَ الأصل ، وعليه الاعتماد ، وبه تعرف صحته وسقمه )) ( ) .

وهذا المعنى مقتبس من عبارات المتقدمين .

قَالَ سفيان الثوري : (( الإسناد سلاح المؤمن ، إذا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سلاح فبأي شيء يقاتل ؟ )) ( ) .

وهذا أمير المؤمنين في الْحَدِيْث شعبة بن الحجاج ( ) يقول : (( إنما يعلم صحة الْحَدِيْث بصحة الإسناد )) ( ) .

وَقَالَ عَبْد الله بن المبارك : (( الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء )) ( ).

وعلى هَذَا فالإسناد لابد مِنْهُ من أجل أن لا ينضاف إلى النَّبِيّ ما ليس من قوله. وهنا جعل الْمُحَدِّثُوْنَ الإسناد أصلاً لقبول الْحَدِيْث ؛ فلا يقبل الْحَدِيْث إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ إسناد نظيف ، أوله أسانيد يتحصل من مجموعها الاطمئنان إلى أنّ هَذَا الْحَدِيْث قَدْ صدر عمن ينسب إِلَيْهِ ؛ فهو أعظم وسيلة استعملها الْمُحَدِّثُوْنَ من لدن الصَّحَابَة إلى عهد التدوين كي ينفوا الخبث عن حَدِيْث النَّبِيّ ، ويبعدوا عَنْهُ ما ليس مِنْهُ .

وَقَدْ اهتم الْمُحَدِّثُوْنَ – كَمَا اهتموا بالإسناد – بجمع أسانيد الْحَدِيْث الواحد ، لما لِذَلِكَ من أهمية كبيرة في ميزان النقد الحديثي ؛ فجمع الطرق كفيل ببيان الخطأ ، إذا صدر من بعض الرُّوَاة ، وبذلك يتميز الإسناد الجيد من الرديء ، قَالَ علي بن المديني : (( الباب إذا لَمْ تجمع طرقه لَمْ يتبين خطؤه )) ( ) .

ثُمَّ إنّ لجمع الطرق فائدة أخرى ؛ فيستفاد تفسير النصوص لبعضها ، إِذْ إنّ بعض الرُّوَاة قَدْ يحدث عَلَى المعنى ، أو يروي جزءاً من الْحَدِيْث ، وتأتي البقية في سند آخر ؛ لذا قَالَ الإمام أحمد بن حَنْبَل : (( الْحَدِيْث إذا لَمْ تجمع طرقه لَمْ تفهمه ، والحديث يفسر بعضه بعضاً )) ( ) .

وَقَالَ الحافظ أبو زرعة العراقي ( ) : (( الْحَدِيْث إذا جمعت طرقه تبين المراد مِنْهُ ، وليس لنا أن نتمسك برواية ونترك بقية الروايات )) ( ) .

ويعرف – أَيْضاً – بجمع الطرق : الْحَدِيْث الغريب متناً وإسناداً ، وَهُوَ الَّذِيْ تفرد بِهِ الصَّحَابِيّ أَوْ تفرد بِهِ راوٍ دون الصَّحَابِيّ ، ومن ثَمَّ يعرف هل المتفرد عدل أو مجروح ، فتكرار الأسانيد لَمْ يَكُنْ عبثاً وإنما لَهُ مقاصد وغايات يعلمها المشتغلون بهذه الصنعة . قَالَ الإمام مُسْلِم في ديباجة كتابه " الجامع الصَّحِيْح " : (( وإنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رَسُوْل الله فنقسمها عَلَى ثلاثة أقسام وثلاث طبقات من الناس عَلَى غَيْر تكرار ، إلا أن يأتي موضع لا أستغني فِيْهِ  عن ترداد حَدِيْث فِيْهِ  زيادة معنى أَوْ إسناد يقع إلى جنب إسناد لعلة تكون هناك ؛ لأن المعنى الزائد في الْحَدِيْث المحتاج إِلَيْهِ يقوم مقام حَدِيْث تام ، فلابد من إعادة الْحَدِيْث الَّذِيْ فِيْهِ  ما وصفنا من الزيادة ، أو أن يفصل ذَلِكَ المعنى من جملة الْحَدِيْث عَلَى اختصاره إذا أمكن ، ولكن تفصيله ربما عسر من جملته فإعادته بهيأته إذا ضاق ذَلِكَ أسلم )) ( )

إذا تمهد هَذَا فإني سأتحدّث عن الاختلافات الواردة في الإسناد في مبحثين ، وعلى النحو الآتي :

 

المبحث الأول

أثر التدليس في اختلاف الحديث

مَرَّ بنا في الفصل التمهيدي تعريف التدليس لغة ، وأرجأنا القَوْل في تعريفه اصطلاحاً وسأفصل ذَلِكَ عَلَى النحو الآتي :

أولاً : أقسام التدليس .

ثانياً : حكم التدليس ، وحكم من عرف بِهِ .

ثالثاً : حكم الْحَدِيْث المدلس .

رابعاً : أثر التدليس في اختلاف الرُّوَاة ، وأثره في اختلاف الفقهاء .

 

أولاً. أقسام التدليس :

فصّلنا القول فِيْهَا في الفصل التمهيدي في مبحث أسباب نشوء الاختلافات .

 

ثانياً . حكم التدليس ، وحكم من عرف بِهِ :

مضى بنا في الفصل التمهيدي في تعريف التدليس لغة أنّ مجموع معانيه تؤول إلى إخفاء العيب ، وليس من معانيه الكذب ، ومع ذَلِكَ فَقَدْ اختلف العلماء في حكمه وحكم أهله .

فَقَدْ ورد عن بعضهم ومنهم - شعبة - التشديد فِيْهِ  ، فروي عَنْهُ أنه قَالَ :

(( التدليس أخو الكذب )) ( ) ، وَقَالَ أَيْضاً : (( لإنْ أزني أحب إليّ من أن أدلس )) ( ) .

ومنهم من سهّل أمره وتسامح فِيْهِ  كثيراً ، قَالَ أبو بكر البزار : (( التدليس ليس بكذب ، وإنما هُوَ تحسين لظاهر الإسناد )) ( ) .

وَالصَّحِيْح الَّذِيْ عليه الجمهور أنه ليس بكذب يصح به القدح في عدالة الرَّاوِي حَتَّى نرد جميع حديثه، وإنما هُوَ ضَرْبٌ من الإيهام، وعلى هَذَا نصّ الشَّافِعِيّ –رحمه الله– فَقَالَ: ((ومن عرفناه دلّس مرة فَقَدْ أبان لنا عورته في روايته، وليست تِلْكَ العورة بالكذب فنرد بِهَا حديثه،ولا النصيحة في الصدق،فنقبل مِنْهُ ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق))( ).

ويمكن حمل التشدد الوارد عن شعبة عَلَى (( المبالغة في الزجر عَنْهُ والتنفير )) ( ) .

وإذا تقرر هَذَا ، فما حكم حَدِيْث من عرف بِهِ ؟ للعلماء فِيْهِ أربعة مذاهب :

الأول : لا تقبل رِوَايَة المدلس ، سواء صرح بالسماع أم لا ، حكاه ابن الصَّلاَحِ عن فريق من أهل الْحَدِيْث والفقه ( ) ، وهذا مبني عَلَى القَوْل بأنّ التدليس نفسه جرح تسقط بِهِ عدالة من عُرِف بِهِ ( ) . وهذا الَّذِيْ استظهره عَلَى أصول مذهب الإمام مالك القاضي عَبْد الوهاب في الملخص ( ) .

الثاني : قبول رِوَايَة المدلس مطلقاً ، وَهُوَ فرع لمذهب من قَبِلَ المرسل ونقله الْخَطِيْب البغدادي عن جمهور من قَبِلَ المراسيل ( ) ، وحكاه الزركشي عن بعض شارحي أصول البزدوي من الحنفية ( ) . وبنوا هَذَا عَلَى ما بنوا عَلَيْهِ قبول المرسل ؛ من أنّ إضراب الثقة عن ذكر الرَّاوِي تعديل لَهُ ، فإن من مقتضيات ثقته التصريح باسم من روى عَنْهُ إذا كَانَ غَيْر ثقة ( ) .

الثالث : إذا كَانَ الغالب عَلَى تدليسه أن يَكُوْن عن الثقات فهو مقبول كيفما كانت صيغة التحديث ، وإن كَانَ عن غَيْر الثقة هُوَ الغالب رد حديثه حَتَّى يصرح بالسماع ، حكاه الْخَطِيْب عن بعض أهل العلم ( ) ، ونقله الزركشي عن أبي الفتح الأزدي ( ) .

الرابع : التفصيل بَيْنَ أن يروي بصيغة مبينة للسماع، فيقبل حديثه، وبين أن يروي بصيغة محتملة للسماع وغيره فلا يقبل. وهذا الَّذِيْ عَلَيْهِ جمهور أَهْل الْحَدِيْث وغيرهم( ) وصححه جمع ، مِنْهُمْ : الْخَطِيْب البغدادي ( ) وابن الصَّلاَحِ( ) وغيرهما .

 

ثالثاً . حكم الْحَدِيْث المدلس :

لما كَانَ في حَدِيْث المدلس شبهة وجود انقطاع بَيْنَ المدلس ومن عنعن عَنْهُ ، بحيث قَدْ يَكُوْن الساقط شخصاً أو أكثر ، وَقَدْ يَكُوْن ثقة أَوْ ضعيفاً . فلما توافرت هَذِهِ الشبهة اقتضى ذَلِكَ الحكم بضعفه ( ) .

 

رابعاً . أثر التدليس في اختلاف الْحَدِيْث وأثره في اختلاف الفقهاء :

كَانَ التدليس أحد الأسباب الَّتِيْ دفعت بالرواة إلى الاختلاف في أسانيد بعض الأحاديث ، وترتب عَلَى ذَلِكَ تباين في آراء الفقهاء الَّذِيْنَ استدلوا بتلك الأحاديث ، وفيما يأتي بعض المسائل التطبيقية :

 

النموذج الأول :

حَدِيْث بقية بن الوليد، عن يونس بن يزيد الأيلي ، عن الزهري، عن سالم ( )،

 

عن ابن عمر مرفوعاً ( ) : (( من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو غيرها ، فَقَدْ أدرك الصلاة )) ( ).

قَالَ أبو بكر بن أبي داود ( ) : (( لَمْ يروه عن يونس إلا بقية )) ( ) .

أقول : بقية مدلس ممن اشتهر بتدليس التسوية ( ) ، وَقَدْ أخطأ في هَذَا الْحَدِيْث من وجهين :

الأول :

إنه جعل الْحَدِيْث من رِوَايَة الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، ورواه الجمع الغفير من أصحاب الزهري عَنْهُ ، عن أبي سلمة بن عَبْد الرحمان ( ) ، عن أبي هُرَيْرَة ، مرفوعاً ، وهم :

1. مالك بن أنس ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ :

يحيى بن يحيى الليثي ( ) .

أبو مصعب الزهري ( ) .

سويد بن سعيد ( ) .

عَبْد الله بن مسلمة القعنبي ( ) .

عَبْد الرحمان بن القاسم ( ) .

مُحَمَّد بن الحسن الشيباني ( ) .

يحيى بن يحيى النيسابوري ( ) .

عَبْد الله بن يوسف التنيسي ( ) .

يحيى بن قزعة ( ) .

قتيبة بن سعيد ( ) .

عَبْد الله بن المبارك ( ) .

عَبْد الله بن وهب ( ) .

الأوزاعي ( ) .

ابن جريج ( ) .

سفيان بن عيينة ( ) .

شعيب بن أبي حمزة ( ) .

عَبْد الرحمان ( ) بن إسحاق ( ) .

عَبْد الوهاب ( ) بن أبي بكر ( ) .

عبيد الله بن عمر العمري ( ) .

قرة ( ) بن عَبْد الرحمان ( ) .

معمر بن راشد ( ) .

يزيد ( ) بن الهاد ( ) .

فهؤلاء أحد عشر نفساً من أصحاب الزهري رووه عَنْهُ ، عَلَى خلاف رِوَايَة بقية ابن الوليد ، عن يونس بن يزيد ، وكثرة الرُّوَاة من القرائن الَّتِيْ ترجح بِهَا الروايات ( ) .

ثُمَّ إنّ بقية خالف الرُّوَاة عن يونس بن يزيد ، فَقَدْ رَوَاهُ عَبْد الله بن المبارك ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هُرَيْرَة ( ) ، بِهِ ( ) .

وتابع ابن المبارك عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة ابن وهب ، عن يونس ( ) .

ورواه مُسْلِم ( ) عن أبي كريب ( ) ، عن ابن المبارك ، عن معمر والأوزاعي ومالك ويونس ؛ أربعتهم مقرونين ، عن الزهري بنحو رِوَايَة الجمع . وتابع أبا كريب عَلَى جمع هؤلاء الأربعة : العباس بن الوليد ( ) النرسي ( ) ، وخالد ( )بن مرداس ( ) .

ورواه ابن ثوبان ( )، عن الزهري ومكحول ( ) مقرونين ، عن أبي سلمة ، عن أبي هُرَيْرَة ، بِهِ ( ) . كرواية الأكثرين .

 

الثاني :

أنه أخطأ في متن الْحَدِيْث فرواه بلفظ : (( من أدرك ركعة من صلاة الجمعة أو غيرها ، فَقَدْ أدرك الصلاة )) .

ولفظ الْحَدِيْث في رِوَايَة الجمع: (( من أدرك ركعة من الصلاة فَقَدْ أدرك الصَّلاَة)) أو نحوه لا ذكر في شيء من ألفاظه للجمعة ، فتبين أنها من وهم بقية ، يؤيده :

كَانَ مذهب الزهري حمل هَذَا الْحَدِيْث المطلق عَلَى صلاة الجمعة ، فيرى أنّ من أدرك من الجمعة ركعة فَقَدْ أدركها ، ورواه عَنْهُ البخاري في القراءة خلف الإمام ( ) بلفظ : ((ونرى لما بلغنا عن رَسُوْل الله أنه من أدرك من الجمعة ركعة واحدة فَقَدْ أدرك)).

ومما يدل عَلَى أنّ لا ذكر للفظ الجمعة في حَدِيْث الزهري هَذَا ، أن البيهقي بَعْدَ أن رَوَى الْحَدِيْث من طريق معمر عن الزهري ، نقل قَوْل الزهري عقبه : (( والجمعة من الصلاة )) . وعقَّب عَلَيْهِ فَقَالَ : (( هَذَا هُوَ الصَّحِيْح ، وَهُوَ رِوَايَة الجماعة عن الزهري، وفي رِوَايَة معمر دلالة عَلَى أنّ لفظ الْحَدِيْث في الصلاة مطلق ، وأنها بعمومها تتناول الجمعة كَمَا تتناول غيرها من الصلوات )) ( ) .

ومن هَذَا يتبين وهم بقية إسناداً ومتناً ، وَقَدْ نص عَلَى هَذَا الإمام أبو حاتم الرازي ، إِذْ سأله ابنه فَقَالَ : (( سألت أبي عن حَدِيْث رَوَاهُ بقية ، عن يونس بن يزيد ، عن الزهري، عن سالم ، عن ابن عمر ( ) ، عن النَّبِيّ قَالَ : (( من أدرك ركعة من الجمعة وغيرها فَقَدْ أدرك الصلاة . فسمعت أبي يقول : هَذَا خطأ إنما هُوَ الزهري ، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيْرَة ، عن النَّبِيّ )) ( ) .

وَقَالَ الحافظ ابن حجر : (( إن سَلِمَ من وهم بقية ، ففيه تدليسه التسوية ؛ لأنه عنعن لشيخه )) ( ) .

وَقَالَ ابن أبي حاتم أَيْضاً : (( سألت أبي عن حَدِيْث رَوَاهُ بقية ، عن يونس ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، عن النَّبِيّ قَالَ : (( من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها فَقَدْ أدرك )). قَالَ أبي : هَذَا خطأ الْمَتْن والإسناد إنما هُوَ : الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هُرَيْرَة، عن النَّبِيّ : (( من أدرك من صلاةٍ ركعة فَقَدْ أدركها ))، وأما قوله : (( من صلاة الجمعة )) فليس هَذَا في الْحَدِيْث ، فوهم في كليهما )) ( ) .

 

 

أثر هَذَا الْحَدِيْث في اختلاف الفقهاء ( المقدار الَّذِيْ تدرك بِهِ صلاة الجمعة ) :

اختلف الفقهاء في حكم من سبق في صلاة الجمعة عَلَى ثلاثة مذاهب :

الأول:لا تصح الجمعة لِمَنْ لَمْ يدرك شيئاً من خطبة الإمام.وبه قَالَ الهادوية من الزيدية( ).

 

وروي عن عمر ( ) بن الخطاب ( ) ، ومجاهد ( ) ، وعطاء ( )، وطاووس( )، ومكحول ( ) . وحجتهم : أن الإجماع منعقد عَلَى أن الإمام لَوْ لَمْ يخطب بالناس لَمْ يُصلوا إلا أربعاً ، فدل ذَلِكَ عَلَى أن الخطبة جزء من الصلاة ( ) . وهذا الرأي مخالف لصريح السنة كَمَا يأتي .

الثاني : من أدرك الإمام يوم الجمعة في أي جزء من صلاته صلى مَعَهُ ما أدرك وأكمل الجمعة فإنه أدركها ، حَتَّى وإن أدركه في التشهد أَوْ سجود السهو ( ) . وإليه ذهب أبو حَنِيْفَة  وأبو( ) يوسف ( ) القاضي ( ) . واستدلوا : بأن صلاة الجمعة ركعتان بجماعة ، ومن أدرك الإمام قَبْلَ سلامه فَقَدْ أدرك الجماعة ، غاية ما هناك أنه مسبوق ، والمسبوق يصلي مع الإمام ما أدرك ثُمَّ يتم ما فاته ، وما فاته هنا ركعتان لا أربع ، فلا يجب عَلَيْهِ أن يصلي أكثر مِمَّا أحرم ناوياً صلاته ( ) .

الثالث : ذهب أكثر أهل العلم وجمهور الفقهاء إلى أن من أدرك الركعة الثانية مع الإمام فَقَدْ أدرك الجمعة، وعليه أن يأتي بركعة أخرى بَعْدَ فراغ الإمام ، فإن لَمْ يدرك مِنْهَا ركعة، وذلك بأن أدرك الإمام بَعْدَ أن رفع رأسه من ركوع الركعة الثانية ، فإنه يأتي بَعْدَ فراغ الإمام بأربع ركعات ظهراً ؛ لأنَّهُ لَمْ يدرك الجمعة أصلاً ( ) . وهذا القَوْل مروي عن : ابن مسعود ( ) ، وابن عمر ( ) ، وأنس( )، وسعيد( ) بن المسيب( )، والأسود( ) بن يزيد ( )، والحسن( ) البصري ( )، وعروة( ) ، والنخعي– في إحدى الروايتين عَنْهُ( )  – ، والزهري ( ) ، ومالك ( )، والأوزاعي ( ) ، والثوري ( ) ، وإسحاق ( ) ، وأبي ثور( )، وأحمد ( ) ، وزفر( ) بن الهذيل ( ) ، ومحمد بن الحسن ( ). قَالَ أحمد : (( إذا فاته الركوع صلى أربعاً ، وإذا ترك ركعة صلى إِلَيْهَا أخرى )) ( ) . واستدلوا عَلَى هَذَا بما ورد في بعض طرق هَذَا الْحَدِيْث : (( من صلاة الجمعة )) ، وَقَدْ تبين عدم صحة هَذِهِ الزيادة فِيْمَا مضى ، عَلَى أن لَهُمْ أدلة تفصيلية أخرى سوى هَذَا ترجّح ما ذهبوا إِلَيْهِ .

 

النموذج الثاني :

حَدِيْث هشام بن خالد ( ) ، عن بقية بن الوليد ، عن ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عَبَّاسٍ ( ) قَالَ : قَالَ رَسُوْل الله : (( إذا جامع أحدُكم زوجته أو جاريته فلا يَنْظُرْ إلى فَرْجِها ، فإنّ ذَلِكَ يُوْرِثُ العمى )) .

رَوَاهُ من هَذِهِ الطريق ابن أبي حاتم في " العلل "( )، وابن حبان في " المجروحين "( )، وابن عدي في " الكامل " ( ) ، والبيهقي في " السنن الكبرى " ( ) ، وابن عساكر ( ) في " تاريخ دمشق " ( ) .

والحديث هَذَا أورده ابن الجوزي في " الموضوعات " ( ) ، وَقَالَ أبو حاتم – بَعْدَ أن أورده مع حديثين آخرين – : (( هَذِهِ الثلاث الأحاديث موضوعة لا أصل لها ، وَكَانَ بقية يدلس ، فظن هؤلاء أنه يقول في كُلّ حَدِيْث (( حَدَّثَنَا )) وَلَمْ يفتقدوا الخبر مِنْهُ )) ( ).

وَقَالَ ابن حبان : (( يشبه أن يَكُوْن بقية سمعه من إنسان ضعيف عن ابن جريج ، فدلس عَنْهُ ، فالتزق كُلّ ذَلِكَ بِهِ )) ( ) .

وَقَالَ ابن عدي بَعْدَ روايته : (( حدثناه بهذا الإسناد ثلاثة أحاديث أخر مناكير ، وهذه الأحاديث يشبه أن تكون بَيْنَ بقية وابن جريج بعض المجهولين أو بعض الضعفاء ؛ لأن بقية كثيراً ما يدخل بَيْنَ نفسه وبين ابن جريج بعض الضعفاء أو بعض المجهولين ))( ).

فمن هَذَا كله يتضح أن بقية قَدْ دلسه عن بعض الواهين ، أو لربما دلّس مشيخة ابن جريج ، لاسيما وَقَدْ عنعن ابن جريج ، وَهُوَ لا يكاد يدلس إلا عن مطعون فِيْهِ  ( ) .

 

أثر الْحَدِيْث في اختلاف الفقهاء ( نظر الزوج إلى فرج زوجته أو حليلته ) :

اختلف الفقهاء في جواز نظر الزوج إلى فرج زوجته أو ملك يده عَلَى مذهبين :

الأول : يكره للزوج النظر إلى فرج زوجته ، كَمَا يكره للزوجة النظر إلى فرج زوجها ، وإليه ذهب الشافعية ( ) ، والحنابلة ( ) .

الثاني : ذهب جمهور الفقهاء إلى إباحة نظر كُلّ من الزوجين إلى فرج الآخر ، ونظر المالك إلى فرج مملوكته ، ونظر المملوكة إلى فرج مالكها . وبه قَالَ الحنفية ( ) ، والمالكية ( ) ، والظاهرية ( ) .

ومع ذَلِكَ فإن الحنفية قالوا : الأولى عدم النظر ( ) .

 

النموذج الثالث :

حَدِيْث همام بن يحيى( )، عن ابن جريج ، عن الزهري ، عن أنس ، قَالَ: (( كَانَ النَّبِيّ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه )) .

رَوَاهُ أبو داود ( ) ، وابن ماجه ( ) ، والترمذي ( ) ، والنسائي( ) ، وابن حبان( )، والحاكم ( ) ، والبيهقي ( ) .

قَالَ أبو داود عقب تخريجه لهذا الْحَدِيْث : (( هَذَا حَدِيْث منكر ، وإنما يعرف عن ابن جريج ، عن زياد بن سعد ( ) ، عن الزهري ، عن أنس ، أن النَّبِيّ اتخذ خاتماً من وَرِقٍ ثُمَّ ألقاه ، والوهم فِيْهِ  من همام ، وَلَمْ يروه إلا همام )) ( ) .

والحديث الَّذِيْ عناه أبو داود أخرجه : أحمد ( ) ، ومسلم ( ) ، وأبو عوانة ( ) ، وابن حبان( ) ، وأبو الشيخ ( )من الطريق الَّتِيْ أشار إِلَيْهَا أبو داود ، عن أنس بألفاظ مختلفة والمعنى واحد : (( أنه أبصر في يد رَسُوْل الله خاتماً من وَرِق يوماً واحداً، فصنع الناس خواتيمهم من وَرِق. قَالَ فطرح رَسُوْل الله خاتمه ، فطرح الناس خواتيمهم )) .

عَلَى أن نسبة الوهم فِيْهِ  إلى همام فِيْهِ  نظر ، وهذا الْحَدِيْث مشتمل عَلَى ما يأتي :

إن توهيم همام في متن الْحَدِيْث وإسناده إنما يتجه فِيْمَا لَوْ صحت دعوى تفرده ومخالفته متناً وإسناداً ، ولكننا نجد أن هماماً متابع عَلَيْهِ متناً وإسناداً ، فَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِم ( ) - ومن طريقه البيهقي ( )- وأخرجه البغوي ( ) من طريق يحيى بن المتوكل البصري( )، عن ابن جريج ، عن الزهري ، عن أنس ، بِهِ مرفوعاً .

إلا أن البيهقي ضعّف هَذِهِ المتابعة ( ) ، ظناً مِنْهُ أن يحيى هَذَا هُوَ : ابن المتوكل ، يكنى أبا عقيل ، مكثر في الرِّوَايَة عن بُهَيَّة ( ) ، وَهُوَ مدني ، ويقال : كوفي ، ضعفه ابن المديني والنسائي ، وَقَالَ ابن معين : ليس بشيء ، ووهاه أحمد ، وليّنه أبو زرعة ( ) .

وَلَمْ يصب البيهقي في ظنه هَذَا ، فيحيى هَذَا هُوَ آخر باهلي بصري، يكنى أبا بكر، ذكره ابن حبان في ثقاته ( ) ، قَالَ العراقي : (( ولا يقدح فِيْهِ  قَوْل ابن معين : لا أعرفه ، فَقَدْ عرفه غيره ، وروى عَنْهُ نحو من عشرين نفساً )) ( ) .

وَقَالَ ابن حبان: ((وَكَانَ راوياً لابن جريج ))( )، وفرّق هُوَ وابن معين بينهما( ).

فمن هَذَا يظهر أن حال يحيى يصلح للمتابعة والاعتضاد ، لاسيما وَقَدْ نص العلماء عَلَى عدم اشتراط أعلى مراتب الثقة في المُتابِع ( ) . أما قَوْل ابن معين : (( لا أعرفه )) ، فأراد بِهِ غَيْر المتبادر إلى الذهن وَهُوَ جهالة العين ، فَقَدْ عنى جهالة الحال ( ) ولذا قَالَ العراقي – كَمَا نقلناه آنفاً – : (( قَدْ عرفه غيره )) .

وبهذا تظهر صحة متابعة يحيى بن المتوكل لهمام،وعدم صحة دعوى تفرد همام بالمتن والإسناد، فيتجه الحمل – والحالة هَذِهِ – إلى من فوقه وَهُوَ ابن جريج ، وَهُوَ مدلس( ).

والذي يبدو أن الخطأ في هَذَا الْحَدِيْث من ابن جريج ، ولاسيما أن ابن المتوكل وهماماً بصريان ( ) ، وَقَدْ نص العلماء عَلَى أن رِوَايَة البصريين عن ابن جريج فِيْهَا خلل من جهة ابن جريج لا من جهة أهل البصرة ( ) .

وبيانه : أن ابن جريج دلّس للبصريين الواسطة بينه وبين الزهري ، وَهُوَ زياد بن سعد ، وصرّح بِهِ لغيرهم . كَمَا أنه – وعند تحديثه لأهل البصرة – لَمْ يَكُنْ متقناً لحفظ الْمَتْن فأخطأ فِيْهِ  ، لذا قَالَ النسائي عقب تخريجه : (( هَذَا حَدِيْث غَيْر محفوظ )) ( ) .

فانحصر الخطأ في تدليس ابن جريج ، ولهذا نجد الحافظ ابن حجر يقول : (( ولا علة لَهُ عندي إلا تدليس ابن جريج ، فإن وجد عَنْهُ التصريح بالسماع فلا مانع من الحكم بصحته في نقدي )) ( ) .

ومما يزيدنا يقيناً بكون الخطأ في هَذَا الْحَدِيْث من ابن جريج : أن أكثر الحفاظ عَلَى تضعيف روايته عن الزهري مطلقاً ، فَقَالَ أبو زرعة الرازي : (( أخبرني بعض أصحابنا ، عن قريش بن أنس ( ) ، عن ابن جريج ، قَالَ : ما سَمِعْتُ من الزهري شيئاً ، إنما أعطاني الزهري جزءاً فكتبته وأجازه )) ( ). وَقَالَ يحيى بن سعيد القطان : (( كَانَ ابن جريج لا يصحح أنه سَمِعَ من الزهري شَيْئاً . قَالَ – يعني الفلاس ( ) - فجهدت بِهِ في حَدِيْث

(( إن ناساً من اليهود غزوا مع رَسُوْل الله فأسهم لَهُمْ )) ، فَلَمْ يصحح أنه سَمِعَ من الزهري )) ( ). وَقَالَ ابن معين : (( ليس بشيء في الزهري )) ( ). ونقل ابن محرز عن ابن معين أنه قَالَ : (( كَانَ يحيى بن سعيد لا يوثقه في الزهري )) ( ) .

ومما تجدر الإشارة إِلَيْهِ أن أكثر الحفاظ يرون أن الزهري نفسه أخطأ في هَذَا الْحَدِيْث، إذ خالف جمهور الرُّوَاة عن أنس في لفظ الْحَدِيْث عَلَى النحو الآتي :

رَوَاهُ ثابت عن أنس بن مالك : (( أن النَّبِيّ صنع خاتماً من وَرِق ، فنقش فِيْهِ : مُحَمَّد رَسُوْل الله ، ثُمَّ قَالَ : لا تنقشوا عَلَيْهِ )) . الْحَدِيْث أخرجه : عَبْد الرزاق ( ) ، وأحمد ( ) ، والترمذي ( ) ، وأبو الشيخ ( ) ، والبيهقي ( ) ، والبغوي ( ) .

ورواه عَبْد العزيز بن صهيب( )،عن أنس بن مالك: (( أن رَسُوْل الله اتخذ خاتماً من فضة، ونقش فِيْهِ: مُحَمَّد رَسُوْل الله، وَقَالَ: إني اتخذت خاتماً من ورق ونقشت فِيْهِ: مُحَمَّد رَسُوْل الله ، فلا ينقشن أحد عَلَى نقشه )).أخرجه: ابن ( ) سعد، وابن أبي شيبة ( )، وأحمد ( )، والبخاري ( )، ومسلم ( )، وابن ماجه ( )، والنسائي ( ) ، وأبو  يعلى ( ) ، وأبو عوانة ( ) ، وابن حبان ( ) ، وأبو الشيخ ( ) ، وأبو نعيم( )،

 

والبيهقي ( ) .

ورواه قتادة عن أنس بن مالك ، قَالَ : (( لما أراد النَّبِيّ أن يكتب إلى الروم ، قِيْلَ لَهُ : إنهم لن يقرؤا كتابك إذا لَمْ يَكُنْ مختوماً ، فاتخذ خاتماً من فضة ونقشه : مُحَمَّد رَسُوْل الله، فكأنّما أنظر إلى بياضه في يده )) . الْحَدِيْث أخرجه : ابن سعد ( ) ، وابن الجعد ( ) ، وأحمد ( ) ، والبخاري ( ) ، ومسلم ( ) ، وأبو داود ( )، والترمذي( )، والنسائي ( ) ، وأبو يعلى ( ) ، وأبو عوانة ( ) ، والطحاوي ( ) ، وابن حبان ( ) ، والطبراني ( )، وأبو الشيخ ( ) ، والبيهقي ( ) ، والبغوي ( ) .

ورواه ثمامة ( ) بن عَبْد الله، عن أنس بن مالك: (( أن أبا بكر ( ) لما استخلف بعثه إلى البحرين وكتب لَهُ هَذَا الكتاب وختمه بخاتم النَّبِيّ وَكَانَ نقش الخاتم ثلاثة أسطر: مُحَمَّد: سطر، ورسول: سطر، والله: سطر )). أخرجه ابن سعد( )، والبخاري( )، والترمذي ( ) ، والطحاوي ( ) ، وابن حبان ( ) ، وأبو الشيخ ( ) ، والبغوي ( ) .

ورواه حميد ( ) الطويل ، عن أنس بن مالك : (( أن النَّبِيّ كَانَ خاتمه من فضة وَكَانَ فصه مِنْهُ )). أخرجه ابن سعد ( ) والحميدي ( ) ، وأحمد ( ) ، والبخاري ( )، وأبو داود ( )، والترمذي ( )، والنسائي ( )،وأبو يعلى ( )، وابن حبان ( )، وأبو الشَّيْخ ( )، والبغوي ( ).

ورواه أبان بن أبي عياش ، عن أنس بن مالك : (( أن رَسُوْل الله اصطنع خاتماً كله من فضة وَقَالَ : لا يصنع أحد عَلَى صفته )) . أخرجه ابن سعد ( ) .

فكل هَذِهِ الروايات عن أنس ليس فِيْهَا : أن رَسُوْل الله طرح خاتم الوَرِق .

أما رِوَايَة الزهري عن أنس ، فاختلف عَلَيْهِ في روايته ، إِذْ رَوَاهُ إبراهيم ( ) ابن سعد ( )، وزياد بن سعد ( ) ، وشعيب بن أبي حمزة ( ) ، ومحمد بن عَبْد الله ( ) ، أربعتهم عن الزهري ، عن أنس بن مالك : (( أنه رأى في إصبع رَسُوْل الله خاتماً من وَرِق يوماً واحداً ، ثُمَّ إن الناس اضطربوا الخواتم من وَرِق ، فلبسوها ، فطرح النَّبِيّ خاتمه ، فطرح الناس خواتيمهم )) . وهذا لفظ رِوَايَة مُسْلِم .

في حِيْنَ رَوَاهُ يونس ، عن الزهري ، عن أنس : (( إن رَسُوْل الله اتخذ خاتماً من وَرِق ، وله فص حبشي ونقشه : مُحَمَّد رَسُوْل الله )) . وجاء في بعض الروايات : كَانَ يجعل فصه مِمَّا يلي كفه .

واختلف عَلَى يونس في رِوَايَة هَذَا الْحَدِيْث ، فرواه عَبْد الله بن وهب ( ) ، وعثمان( ) بن عمر ( ) ، عن يونس ، عن الزهري ، عن أنس بلفظ : (( إن رَسُوْل الله اتخذ خاتماً من وَرِق لَهُ فص حبشي ونقشه : مُحَمَّد رَسُوْل الله )) .

ورواه سليمان ( ) بن بلال ( ) ، وطلحة ( ) بن يحيى( ) ، عن يونس ، عن الزهري، عن أنس : (( إن رَسُوْل الله لبس خاتم فضة في يمينه ، فِيْهِ  فص حبشي ، كَانَ يجعل فصه مِمَّا يلي كفه )) ، في حين تفرد الليث ( )، عن يونس ، عن الزهري، عن أنس ، بِهِ ، بنحو رِوَايَة إبراهيم بن سعد ومن تابعه .

وَقَدْ جمع ابن حجر ( ) بعض أقوال العلماء في التوفيق بَيْنَ الروايتين :

الأول : قَالَهُ الإسماعيلي ( ) هُوَ : أن رَسُوْل الله اتخذ خاتماً من وَرِق عَلَى لون من الألوان وكره أن يتخذ أحد مثله فلما اتخذوا مثله رماه ثُمَّ بعد أن رموا خواتيمهم اتخذ خاتماً آخر ونقشه ليختم بِهِ .

الثاني : هُوَ أنه اتخذ الخاتم للزينة فلما تبعه الناس عَلَى ذَلِكَ ألقاه وألقوا بَعْدَ ذَلِكَ خواتيمهم ، فلما  احتاج إلى ختم اتخذ خاتماً آخر .

الثالث : وَهُوَ قَوْل المهلب والنووي( ) والكرماني( ). ذَلِكَ أنه لما طرح خاتم الذهب اتخذ مكانه خاتم الفضة؛ لأنَّهُ لا يستغني عن الختم عَلَى كتبه فيكون طرح الخاتم الَّذِي في رِوَايَة الزهري يقصد بِهِ خاتم الذهب فَقَدْ جعله الموصوف –أي خاتم الذهب– في قوله: (( فطرح خاتمه فطرحوا خواتيمهم )) قَالَ الْقَاضِي عِيَاض( ): (( وهذا يشاع لَوْ جاء الكلام مجملاً )) ، وأشار إلى أن رِوَايَة الزهري لا تحتمل هَذَا التأويل ( ) .

وذهب ابن حجر إلى تأويل رابع: هُوَ أنه اتخذ خاتم الذهب للزينة وتتابع الناس فِيْهِ، فوقع تحريمه فطرحه ، وَقَالَ : (( لا ألبسه أبداً )) ، فطرح الناس خواتيمهم تبعاً لَهُ ، ثُمَّ احتاج إلى الخاتم لأجل الختم ، فاتخذه من فضة ونقش فِيْهِ  اسمه الكريم ، فتبعه الناس أَيْضاً عَلَى تِلْكَ الخواتيم المنقوشة ، فرمى بِهِ حَتَّى رمى الناس تِلْكَ الخواتيم المنقوشة حَتَّى لا تفوته مصلحة نقش اسمه بوقوع الاشتراك ، فلما عدمت خواتيمهم جميعاً رجع إلى خاتمه الخاص بِهِ فصار يتختم بِهِ .

 

أثر الْحَدِيْث في اختلاف الفقهاء ( حكم لبس خاتم الفضة للرجال ) :

اختلف الفقهاء في حكم التختم بالفضة للرجال عَلَى النحو الآتي :

ذهب جمهور العلماء من المتقدمين والمتأخرين إلى جواز اتخاذ خاتم الفضة ، سواء كَانَ ذا سلطان أم غيره ( ) . وبه قَالَ جمهور الشافعية ( ) .

ذهب الحنفية إلى أنه إذا قصد بلبسه الخاتم التجبر والاستعلاء كره ، وإن لَمْ يقصده لَمْ يكره ، ومع ذَلِكَ فإن تركه لِمَنْ لا يحتاج إلى الختم أفضل ، ولا كراهة عندهم في لبسه للزينة إذا خلا من محذور ( ) .

الأولى أن يَكُوْن الخاتم أقل من المثقال؛لأنَّهُ أبعد عن السرف. وبه قَالَ ابن( )الملك .

ذهب بعض الشافعية إلى تحريم لبس خاتم الفضة للرجل إذا زاد عَلَى المثقال ( ) .

كراهة لبس خاتم الفضة لكل مكلف ، ذي سلطان أَوْ غيره ، حكاه ابن عَبْد البر عن بعض أهل العلم من غَيْر تعيين ( ) .

خص أهل الشام الكراهة بغير ذوي السلطان ( ) .

يجوز اتخاذ خاتم الفضة للرجل ، بَلْ يندب بشرط نية الاقتداء بالنبي ، ويحرم لبسه إذا أدى إلى العجب . وإليه ذهب المالكية ( ) .

 

المبحث الثاني

أثر التَّفَرُّد في اختلاف الْحَدِيْث ، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء

التَّفَرُّدُ في اللغة :

مأخوذ من الفعل الثلاثي المزيد بحرفين ( تَفَرَّدَ ) .

يقال : فَرَدَ بالأمر والرأي : انْفَرَدَ ، وفَرَدَ الرجلُ : كَانَ وحده مُنْفرِداً لا ثاني مَعَهُ . وفَرَّدَ برأيه : اسْتَبَدَّ .

وَقَدْ أشار ابن فارس ( ) إلى أن جميع تراكيب واشتقاقات هَذَا الأصل تدل عَلَى الوحدة . إِذْ قَالَ : (( الفاء والراء والدال أصل صَحِيْح يدل عَلَى وحدة . من ذَلِكَ : الفرد وَهُوَ الوتر ، والفارد والفرد : الثور المنفرد … )) ( ) .

 

التفرد في الاصطلاح :

عرّفه أبو حفص الميانشي ( ) الفرد بأنه : ما انفرد بروايته بعض الثقات عن شيخه ، دون سائر الرُّوَاة عن ذَلِكَ الشيخ ( ) .

ويظهر من هَذَا التعريف بعض القصور في دخول بعض أفراد المُعَرَّف في حقيقة التعريف ، إِذْ قَصَرَه عَلَى انفراد الثقة فَقَطْ عن شيخه ( ) .

وعرّف الدكتور حمزة المليباري التفرد وبيّن كيفية حصوله ، فَقَالَ : (( يراد بالتفرد: أن يروي شخص من الرُّوَاة حديثاً دون أن يشاركه الآخرون )) ( ) .

وهذا التعريف الأخير أعم من التعريف الأول ، فإنه شامل لتفرد الثقة وغيره ، وعليه تدل تصرفات نقاد الْمُحَدِّثِيْنَ وجهابذة الناقلين ، ولقد كثر في تعبيراتهم : حَدِيْث غريب ، أو تفرّد بِهِ فُلاَن ، أو هَذَا حَدِيْث لا يعرف إلا من هَذَا الوجه ، أَوْ لا نعلمه يروى عن فُلاَن إلاّ من حَدِيْث فُلاَن ، ونحوها من التعبيرات ( ) .

ولربما كَانَ الحامل للميانشي عَلَى تخصيص التعريف بالثقات دون غيرهم ، أن رِوَايَة الضعيف لا اعتداد بِهَا عِنْدَ عدم المتابع والعاضد . ولكن من الناحية التنظيرية نجد الْمُحَدِّثِيْنَ عِنْدَ تشخيصهم لحالة التفرد لا يفرقون بَيْنَ كون المتفرد ثقة أو ضعيفاً ، فيقولون مثلاً : تفرد بِهِ الزهري ، كَمَا يقولون : تفرد بِهِ ابن أبي أويس ( ).

وبهذا المعنى يظهر الترابط الواضح بَيْنَ المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي ، إِذْ إنهما يدوران في حلقة التفرد عما يماثله .

والتفرد ليس بعلة في كُلّ أحواله ، ولكنه كاشف عن العلة مرشد إلى وجودها ، وفي هَذَا يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي : (( وأما أكثر الحفاظ المتقدمين فإنهم يقولون في الْحَدِيْث إذا تفرد بِهِ واحد – وإن لَمْ يروِ الثقات خلافه - : إنه لا يتابع عَلَيْهِ .ويجعلون ذَلِكَ علة فِيْهِ ، اللهم إلاّ أن يَكُوْن ممن كثر حفظه واشتهرت عدالته وحديثه كالزهري ونحوه ، وربما يستنكرون بعض تفردات الثقات الكبار أَيْضاً ولهم في كُلّ حَدِيْث نقد خاص ، وليس عندهم لِذَلِكَ ضابط يضبطه )) ( ) .

ومعنى قوله : (( ويجعلون ذَلِكَ علة )) ، أن ذَلِكَ مخصوص بتفرد من لا يحتمل تفرده، بقرينة قوله : (( إلا أن يَكُوْن ممن كثر حفظه … )) ، فتفرده هُوَ خطؤه ، إِذْ هُوَ مظنة عدم الضبط ودخول الأوهام ، فانفراده دال عَلَى وجود خلل ما في حديثه ، كَمَا أن الحمّى دالة عَلَى وجود مرض ما ، وَقَدْ وجدنا غَيْر واحد من النقاد صرح بأن تفرد فُلاَن لا يضر ، فَقَدْ قَالَ الإمام مُسْلِم : (( هَذَا الحرف لا يرويه غَيْر الزهري ، قَالَ : وللزهري نحو من تسعين حديثاً يرويها عن النَّبِيّ لا يشاركه فِيْهَا أحد بأسانيد جياد )) ( ) .

وَقَالَ الحافظ ابن حجر : (( وكم من ثقة تفرد بما لَمْ يشاركه فِيْهِ  ثقة آخر ، وإذا كَانَ الثقة حافظاً لَمْ يضره الانفراد )) ( ) .

وَقَالَ الزيلعي ( ) : (( وانفراد الثقة بالحديث لا يضره )) ( ).

وتأسيساً عَلَى ما أصّلناه من قَبْل من أن تفرد الرَّاوِي لا يضر في كُلّ حال ، ولكنه ينبه الناقد عَلَى أمر ما ، قَالَ المعلمي اليماني : (( وكثرة الغرائب إنما تضر الرَّاوِي في أحد حالين :

الأولى : أن تكون مع غرابتها منكرة عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة .

الثانية : أن يَكُوْن مع كثرة غرائبه غَيْر معروف بكثرة الطلب )) ( ) .

وتمتع هَذَا الجانب من النقد الحديثي باهتمام النقاد ، فنراهم يديمون تتبع هَذِهِ الحالة وتقريرها ، وأفردوا من أجل ذَلِكَ المصنفات، مِنْهَا: كتاب " التفرد " ( ) للإمام أبي داود ، و " الغرائب والأفراد " ( ) للدارقطني ، و " المفاريد " ( ) لأبي يعلى ، واهتم الإمام الطبراني في معجميه الأوسط والصغير بذكر الأفراد ، وكذا فعل البزار في مسنده ، والعقيلي ( ) في ضعفائه . وَهُوَ ليس بالعلم الهيّن ، فهو (( يحتاج لاتساع الباع في الحفظ ، وكثيراً ما يدعي الحافظ التفرد بحسب علمه ، ويطلّع غيره عَلَى المتابع )) ( ) .

وفي كُلّ الأحوال فإن التفرد بحد ذاته لا يصلح ضابطاً لرد الروايات ، حَتَّى في حالة تفرد الضعيف لا يحكم عَلَى جميع ما تفرد بِهِ بالرد المطلق ، بَلْ إن النقاد يستخرجون من أفراده ما يعلمون بالقرائن والمرجحات عدم خطئه فِيْهِ  ، وَهُوَ ما نسميه بعملية الانتقاء ، قَالَ سفيان الثوري : (( اتقوا الكلبي ( ) ، فقيل لَهُ : إنك تروي عَنْهُ ، قَالَ : إني أعلم صدقه من كذبه )) ( ) .

ومثلما أن تفرد الضعيف لا يرد مطلقاً ، فكذلك تفرد الثقة – وكما سبق في كلام ابن رجب – لا يقبل عَلَى الإطلاق ، وإنما القبول والرد موقوف عَلَى القرائن والمرجحات. قَالَ الإمام أحمد : (( إذا سَمِعْتَ أصحاب الْحَدِيْث يقولون : هَذَا حَدِيْث غريب أَوْ فائدة . فاعلم أنه خطأ أو دخل حَدِيْث في حَدِيْث أَوْ خطأ من المُحدِّث أَوْ حَدِيْث ليس لَهُ إسناد ، وإن كَانَ قَدْ رَوَى شعبة وسفيان ، فإذا سمعتهم يقولون : هَذَا لا شيء ، فاعلم أنه حَدِيْث صَحِيْح )) ( ) .

وَقَالَ أبو داود : (( والأحاديث الَّتِيْ وضعتها في كتاب " السنن " أكثرها مشاهير ، وَهُوَ عِنْدَ كُلّ من كتب شَيْئاً من الْحَدِيْث ، إلا أن تمييزها لا يقدر عَلَيْهِ كُلّ الناس ، والفخر بِهَا : بأنها مشاهير ، فإنه لا يحتج بحديث غريب ، وَلَوْ كَانَ من رِوَايَة مالك ويحيى بن سعيد و الثقات من أئمة العلم )) ( ) .

ونحن نجد أمثلة تطبيقية متعددة في ممارسة النقاد ، مِنْهَا قَوْل الحافظ ابن حجر في حَدِيْث صلاة التسبيح : (( وإن كَانَ سند ابن عَبَّاسٍ يقرب من شرط الحسن إلا أنه شاذ لشدة الفردية وعدم المتابع والشاهد من وجه معتبر )) ( ) .

ويمكننا أن نقسم التفرد – حسب موقعه في السند – إلى قسمين :

 

الأول : تفرد في الطبقات المتقدمة :

كطبقة الصَّحَابَة ، وطبقة كبار التَّابِعِيْنَ ، وهذا التفرد مقبول إذا كَانَ راويه ثقة

–وهذا الاحتراز فِيْمَا يخص طبقة التَّابِعِيْنَ – ، فهو أمر وارد جداً لأسباب متعددة يمكن حصرها في عدم توفر فرص متعددة تمكّن الْمُحَدِّثِيْنَ من التلاقي وتبادل المرويات ، وذلك لصعوبة التنقل في البلدان ، لا سيما في هذين العصرين .

فوقوعه فيهما لا يولد عِنْدَ الناقد استفهاماً عن كيفيته ، ولاسيما أن تداخل الأحاديث فِيْمَا بينها شيء لا يكاد يذكر ، نظراً لقلة الأسانيد زياد على قصرها . هَذَا فِيْمَا إذا لَمْ يخالف الثابت المشهور ، أو من هُوَ أولى مِنْهُ حفظاً أَوْ عدداً .

وإن كَانَ المتفرد ضعيفاً أَوْ مجهولاً -فِيْمَا يخص التَّابِعِيْنَ- فحكمه بيّن وَهُوَ الرد( ).

الثاني : التفرد في الطبقات المتأخرة

فبعد أن نشط الناس لطلب العلم وأداموا الرحلة فِيْهِ  والتبحر في فنونه ، ظهرت مناهج متعددة في الطلب والموقف مِنْهُ ، فكانت الغرس الأول للمدارس الحديثية الَّتِيْ نشأت فِيْمَا بَعْد ، فكان لها جهدها العظيم في لَمِّ شتات المرويات وجمعها ، والحرص عَلَى تلقيها من مصادرها الأصيلة ، فوفرت لَهُم الرحلات المتعددة فرصة لقاء المشايخ والرواة وتبادل المرويات ، فإذا انفرد من هَذِهِ الطبقات أحد بشيء ما فإن ذَلِكَ أمر يوقع الريبة عِنْدَ الناقد ، لا سيما إذا تفرد عمن يجمع حديثه أَوْ يكثر أصحابه ، كالزهري ومالك وشعبة وسفيان وغيرهم ( ) .

ثم إنّ العلماء قسموا الأفراد من حَيْثُ التقييد وعدمه إلى قسمين :

الأول: الفرد المطلق : وَهُوَ ما ينفرد بِهِ الرَّاوِي عن أحد الرُّوَاة ( )  .

الثاني: الفرد النسبي : وَهُوَ ما كَانَ التفرد فِيْهِ  نسبياً إلى جهة ما( ) ، فيقيد بوصف يحدد هَذِهِ الجهة  .

وما قِيْلَ من أن لَهُ أقساماً أخر ، فإنها راجعة في حقيقتها إلى هذين القسمين .

أما الحكم عَلَى الأفراد باعتبار حال الرَّاوِي المتفرد فَقَطْ من غَيْر اعتبار للقرائن والمرجحات ، فهو خلاف منهج الأئمة النقاد المتقدمين ، إذن فليس هناك حكم مطرد بقبول تفرد الثقة ، أو رد تفرد الضعيف ، بَلْ تتفاوت أحكامهما ، ويتم تحديدها وفهمها عَلَى ضوء المنهج النقدي النَّزيه ؛وذلك لأن الثقة يختلف ضبطه باختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ لخلل يحدث في كيفية التلقي للأحاديث أَوْ لعدم توفر الوسائل الَّتِيْ تمكنه من ضبط ما سَمعه من بعض شيوخه ، أو لحدوث ضياع في بعض ما كتبه عن بعض شيوخه حَتَّى وَلَوْ كَانَ من أثبت أصحابهم وألزمهم ، ولذا ينكر النقاد من أحاديث الثقات – حَتَّى وَلَوْ كانوا أئمة – ما ليس بالقليل .

 

ومن أمثلة التفرد ما يأتي :

النموذج الأول :

حَدِيْث العلاء بن عَبْد الرحمان ( )، عن أبيه ( ) ، عن أبي هُرَيْرَة ، أن رَسُوْل الله قَالَ : (( إذا انتصف شعبان فلا تصوموا )) .

أخرجه عَبْد الرزاق ( ) ، وابن أبي شيبة ( ) ، وأحمد ( ) ، و الدارمي( ) ، وأبو داود ( )، وابن ماجه ( )، والترمذي ( ) ، والنسائي ( ) ، والطحاوي ( ) ، وابن حبان ( )، والطبراني ( ) ، والبيهقي ( ) ، والخطيب ( ) ، جميعهم من هَذِهِ الطريق .

قَالَ أبو داود : (( لَمْ يجئ بِهِ غَيْر العلاء ، عن أبيه )) ( ) .

وَقَالَ النسائي: (( لا نعلم أحداً رَوَى هَذَا الْحَدِيْث غَيْر العلاء بن عَبْد الرحمان))( ).

وَقَالَ الترمذي : (( لا نعرفه إلا من هَذَا الوجه عَلَى هَذَا اللفظ )) ( ) .

وأورده الحافظ أبو الفضل بن طاهر المقدسي( ) في أطراف الغرائب والأفراد ( ).

وَقَدْ أنكره الحفاظ من حَدِيْث العلاء بن عَبْد الرحمان :

فَقَالَ أبو داود : (( كَانَ عَبْد الرحمان - يعني : ابن مهدي ( )- لا يحدّث بِهِ . قلت لأحمد : لِمَ ؟ قَالَ : لأنَّهُ كَانَ عنده أن النَّبِيّ كَانَ يصل شعبان برمضان ، وَقَالَ : عن النَّبِيّ خلافه )) ( ) .

وَقَالَ الإمام أحمد : (( العلاء ثقة لا ينكر من حديثه إلا هَذَا )) ( ) .

وَقَالَ في رِوَايَة الْمَرُّوذِيِّ ( ) : (( سألت ابن مهدي عَنْهُ فَلَمْ يحدثني بِهِ، وَكَانَ يتوقاه. ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْد الله : هَذَا خلاف الأحاديث الَّتِيْ رويت عن النَّبِيّ )) ( ) .

واستنكره ابن معين أَيْضاً ( ) .

وزعم السخاوي ( ) أن العلاء لَمْ يتفرد بِهِ وأنّ لَهُ متابعاً في روايته عن أبيه ، فَقَدْ رَوَى الطبراني ( ) الْحَدِيْث قائلاً: (( حَدَّثَنَا أحمد بن مُحَمَّد بن نافع، قَالَ: أَخْبَرَنَا عبيد الله ابن عَبْد الله المنكدري ، حَدَّثَنِي أبي ، عن أبيه ، عن جده ، عن عَبْد الرحمان بن يعقوب الحرقي ، عن أبي هُرَيْرَة ، قَالَ : قَالَ رَسُوْل الله : (( إذا انتصف شعبان فأفطروا )) .

قَالَ الطبراني عقبه : (( لَمْ يروِ هَذَا الْحَدِيْث عن مُحَمَّد بن المنكدر إلا ابنه المنكدر ، تفرد بِهِ ابنه : عَبْد الله )) .

والحق أن هَذَا الْحَدِيْث لا يصلح للاستشهاد ، فضلاً عن أن يشد عضد رِوَايَة العلاء ؛ إذ هُوَ مسلسل بالضعفاء والمجاهيل : بدءاً من شيخ الطبراني وَهُوَ : أحمد بن مُحَمَّد ابن نافع ، لَمْ أقف لَهُ عَلَى ترجمة ، إلا ما أورده الذهبي في ميزان الاعتدال ( ) وَقَالَ : (( لا أدري مَنْ ذا ؟ ذكره ابن الجوزي مرة وَقَالَ : اتهموه . كَذَا قَالَ لَمْ يزد )) ( ) .

وعبد الله بن المنكدر – المتفرد بهذا الْحَدِيْث – ، قَالَ فِيْهِ  العقيلي : (( عن أبيه ، ولا يتابع عَلَيْهِ )) ( ).

وَقَالَ الذهبي: (( فِيْهِ جهالة ، وأتى بخبر منكر )) ( ). وَقَالَ مرة : (( لا يعرف ))( ).

والمنكدر بن مُحَمَّد – الَّذِيْ لَمْ يرو هَذَا الْحَدِيْث عن أبيه غيره – قَالَ فِيْهِ أبو حاتم: (( كَانَ رجلاً صالحاً لا يقيم الْحَدِيْث وَكَانَ كثير الخطأ ، لَمْ يَكُنْ بالحافظ لحديث أبيه )) ( ). وَقَالَ النسائي : (( ضعيف )) ، وَقَالَ مرة : (( ليس بالقوي )) وبنحوه قَالَ أبو زرعة ( ) . وَقَالَ ابن حبان : (( قطعته العبادة عن مراعاة الحفظ والتعاهد في الإتقان ، فكان يأتي بالشيء الَّذِيْ لا أصل لَهُ عن أبيه توهماً )) ( ). وَقَالَ الذهبي : (( فِيْهِ  لين )) ( ) .

وبهذا تبين أن الشاهد غَيْر صالح للاعتبار ، فهو جزماً من أوهام المنكدر بن مُحَمَّد. ويبقى الْحَدِيْث من أفراد العلاء بن عَبْد الرحمان ، عن أبيه .

قَالَ ابن رجب : (( واختلف العلماء في صحة هَذَا الْحَدِيْث ثُمَّ العمل بِهِ ، أما تصحيحه فصححه غَيْر واحد ، مِنْهُمْ : الترمذي ، وابن حبان ، والحاكم ، وابن عَبْد البر. وتكلم فِيْهِ  من هُوَ أكبر من هؤلاء وأعلم . وقالوا : هُوَ حَدِيْث منكر، مِنْهُمْ: عَبْد الرحمان ابن مهدي ، وأحمد ، وأبو زرعة الرازي ، والأثرم ، ورده الإمام أحمد بحديث :

(( لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين )) ، فإن مفهومه جواز التقدم بأكثر من

يومين )) ( ) .

 

 

أثر الْحَدِيْث في اختلاف الفقهاء ( حكم صوم النصف الثاني من شعبان )

اختلف الفقهاء في حكم صوم النصف الثاني من شعبان عَلَى النحو الآتي :

أولاً : ذهب قوم إلى كراهة الصوم بَعْدَ النصف من شعبان إلى رمضان . هكذا نقله الطحاوي ( ) من غَيْر تعيين للقائلين بِهِ . وَهُوَ قَوْل جمهور الشافعية ( ) . ونقله ابن حزم عن قوم ( ) .

ثانياً : خص ابن حزم ( ) - جمعاً بَيْنَ أحاديث الباب – النهي باليوم السادس عشر من شعبان ( ) .

ثالثاً : ذهب الروياني ( ) من الشافعية إلى تحريم صوم النصف الثاني من شعبان ( ) .

رابعاً : ذهب جمهور العلماء إلى إباحة صوم النصف الثاني من شعبان من غَيْر كراهة ( ) .

واستدل أصحاب المذاهب الثلاثة الأول بحديث عَبْد الرحمان بن العلاء ، عَلَى اختلاف في تحديد نوع الحكم .

وأجاب الجمهور بتضعيف حديثه ، وعدم وجود ما يقتضي التحريم أو الكراهة ، بَلْ وجود ما يعضد القَوْل بالاستحباب .

ومذهب الجمهور هُوَ الراجح في عدم الكراهة وجواز صيام النصف الثاني من شعبان لضعف حَدِيْث العلاء وعدم صحته . والأصل الجواز حَتَّى يأتي دليل التحريم أَوْ الكراهة.

 

النموذج الثاني :

حَدِيْث قتيبة بن سعيد ، عن الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ( )، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة ( )، عن معاذ بن جبل ( ) : (( أن النَّبِيّ كَانَ في غزوة تبوك إذا ارتحل قَبْلَ زيغ الشمس أخّر الظهر إلى أن يجمعها إلى العصر فيصليهما جميعاً ، وإذا ارتحل بَعْدَ زيغ الشمس عجّل العصر إلى الظهر ، وصلى الظهر والعصر جميعاً ثُمَّ سار . وَكَانَ إذا ارتحل قَبْلَ المغرب أخّر المغرب حَتَّى يصليها مع العشاء ، وإذا ارتحل بَعْدَ المغرب عجّل العشاء فصلاها مع المغرب )) .

رَوَاهُ أحمد ( ) ، وأبو داود ( ) ، والترمذي ( ) ، وابن حبان ( ) ، والدارقطني( )،

 

والحاكم ( ) ، والبيهقي ( ) ، والخطيب البغدادي ( ) ،والذهبي ( )، كلهم من طريق قتيبة هَذِهِ .

أقول : هَذَا الْحَدِيْث تفرد بِهِ قتيبة ، عن الليث ، ونص الحفاظ عَلَى ذَلِكَ :

قَالَ أبو داود : (( لَمْ يروِ هَذَا الْحَدِيْث إلا قتيبة وحده )) ( ) .

وَقَالَ الترمذي : (( حَدِيْث معاذ حَدِيْث حسن غريب ، تفرّد بِهِ قتيبة ، لا نعرف أحداً رَوَاهُ عن الليث غيره . وحديث الليث عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ : حَدِيْث غريب )) ( ) .

وَقَالَ البيهقي : (( تفرد بِهِ قتيبة بن سعيد ، عن ليث ، عن يزيد )) ( ) .

وَقَالَ الْخَطِيْب : (( لَمْ يروِ حَدِيْث يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ، عن الليث: غَيْر قتيبة )) ( ) .

وأورده الحافظ ابن طاهر المقدسي في : " أطراف الغرائب والأفراد " ( ) .

وَقَالَ الذهبي : (( ما رَوَاهُ أحد عن الليث سوى قتيبة )) ( ) .

وَقَدْ أنكر هَذَا الْحَدِيْث عَلَى قتيبة سنداً ومتناً :

أما في السند : فالرواية المحفوظة هِيَ رِوَايَة أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ . قَالَ أبو سعيد بن يونس ( ): (( لَمْ يحدث بِهِ إلا قتيبة ، ويقال : إنه غلط ، وإن موضع يزيد بن أبي حبيب : أبو الزبير ( ) )) ( ) .

وَقَالَ البيهقي : (( وإنما أنكروا من هَذَا رِوَايَة يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ، فأما رِوَايَة أبي الزبير عن أبي الطفيل فهي محفوظة صحيحة )) ( ) .

وَقَدْ وقفت عَلَى ثمانية أنفس رووه عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل، عن معاذ وهم:

مالك بن أنس ( ) : ومن طريقه الشَّافِعِيّ ( )، وعبد الرزاق ( ) ، وأحمد ( ) ، والدارمي ( ) ، ومسلم ( ) ، وأبو داود ( ) ، والنسائي ( ) ، وابن خزيمة ( ) ، والطحاوي ( ) ، والشاشي ( ) ، وابن حبان ( ) ، والطبراني ( ) ، والبيهقي( ).

قرة ( ) بن خالد ( ): عِنْدَ أبي داود الطيالسي ( ) ، وأحمد ( ) ، ومسلم ( ) ، والبزار( )، وابن خزيمة ( ) ، والطحاوي ( ) ، والشاشي ( ) ، وابن حبان ( ) ، والطبراني ( ) .

عمرو بن الحارث ( ): عِنْدَ الطبراني ( ) .

هشام بن سعد ( ): عِنْدَ الإمام أحمد ( ) ، وعبد بن حميد ( ) ، والبزار ( ) ، والشاشي ( ) ، والطبراني ( ) .

سفيان بن سعيد الثوري : ومن طريقه أخرجه عَبْد الرزاق ( ) ، وابن أبي شيبة ( )، وأحمد ( ) ، وابن ماجه ( ) ، والطبراني ( ) ، وأبو نعيم ( ) .

أبو خيثمة ( ) زهير بن معاوية : عِنْدَ مُسْلِم ( ) ، والطبراني ( ) .

أشعث بن سوار ( ) : وروايته عِنْدَ الطبراني ( ) .

زيد بن أبي أنيسة ( ): كَمَا أخرجها الطبراني ( ) .

أقول : فَقَدْ خالف قتيبة في روايته هَذَا الْحَدِيْث عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب هؤلاء الرُّوَاة .

أما الليث بن سعد فَقَدْ رَوَى أصحابه الْحَدِيْث عَنْهُ ، عن هشام بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ ، بِهِ . وهم :

حماد بن خالد ( ) : أخرجه أحمد ( ) .

عَبْد الله بن صالح ( ): عِنْدَ الطبراني ( ) .

يزيد بن خالد بن يزيد الرملي ( ) : عِنْدَ أبي داود ( ) ، والبيهقي ( ). إلا أنه قرن الليث بن سعد مع المفضل ( ) بن فضالة ( ) .

وهكذا يتجه الحمل في إسناد هَذَا الْحَدِيْث إلى قتيبة بن سعيد لا محالة ، في إبدال يزيد بن أبي حبيب موضع أبي الزبير المكي .

وأما الْمَتْن : فكل من رَوَى الْحَدِيْث ( ) من طريق أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ . فإنما ذكر مطلق الجمع من غَيْر تعرض لجمع التقديم في شيء من طرق الْحَدِيْث، إلا في رِوَايَة قتيبة بن سعيد .

وأما رِوَايَة يزيد بن خالد الرملي – الآنفة – فَقَدْ وقع لفظها مقارباً للفظ حَدِيْث قتيبة ، إلا أن الحفاظ أعلّوا هَذِهِ الرِّوَايَة ، قَالَ الحافظ ابن حجر : (( وله طريق آخر عن معاذ بن جبل ، أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد ، عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، وهشام مختلف فِيْهِ  ، وَقَدْ خالف الحفاظ من أصحاب أبي الزبير ك‍ : مالك والثوري وقرة بن خالد وغيرهم . فَلَمْ يذكروا في روايتهم جمع التقديم )) ( ) .

وَقَالَ الترمذي : (( وحديث الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ : حَدِيْث غريب .

والمعروف عِنْدَ أهل العلم حَدِيْث معاذ من حَدِيْث أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ ، أن النَّبِيّ جمع في غزوة تبوك بَيْنَ الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء ، رَوَاهُ قرة بن خالد وسفيان الثوري ومالك وغير واحد ، عن أبي الزبير المكي )) ( ) .

وَقَالَ الذهبي : (( غلط في الإسناد ، وأتى بلفظ منكر جداً )) ( ) .

وَقَالَ الْخَطِيْب : (( هُوَ منكر جداً من حديثه )) ( ) .

وَقَدْ أفاض الْحَاكِم في بيان علة الْحَدِيْث في فصل ممتع ، فَقَالَ : (( هَذَا حديث رواته أئمة ثقات وَهُوَ شاذ الإسناد والمتن لا نعرف لَهُ علة نعلله بِهَا ، وَلَوْ كَانَ الْحَدِيْث عِنْدَ الليث ، عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل لعللنا بِهِ الْحَدِيْث ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَ يزيد بن أبي حبيب عن أبي الزبير لعللنا بِهِ ، فلما لَمْ نجد لَهُ العلتين خرج عن أن يَكُوْن معلولاً ، ثُمَّ نظرنا فَلَمْ نجد ليزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل رِوَايَة ، ولا وجدنا هَذَا الْمَتْن بهذه السياقة عِنْدَ أحد من أصحاب أبي الطفيل ، ولا عِنْدَ أحد ممن رَوَاهُ عن معاذ بن جبل عن أبي الطفيل ، فقلنا الْحَدِيْث شاذ )) ( ) .

وَقَالَ أبو حاتم : (( كتبت عن قتيبة حديثاً ، عن الليث بن سعد لَمْ أصبه بمصر عن الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ ، عن النَّبِيّ أنه كَانَ في سفر فجمع بَيْنَ الصلاتين )) ثُمَّ قَالَ : (( لا أعرفه من حَدِيْث يزيد والذي عندي أنه دخل لَهُ حَدِيْث في حَدِيْث )) ( ) .

وأكثر العلماء قلّدوا الْحَاكِم في تشخيص سبب النكارة ، وَهُوَ أن خالداً المدائني أدخل الْحَدِيْث عَلَى الليث بن سعد ، فسمعه قتيبة من الليث وَهُوَ ليس من حديثه ( ) .

ورد الإمام الذهبي هَذَا القَوْل ، فَقَالَ : (( هَذَا التقرير يؤدي إلى أن الليث كَانَ يقبل التلقين ، ويروي ما لَمْ يَسْمَع ، وما كَانَ كذلك . بَلْ كَانَ حجة متثبتاً ، وإنما الغفلة وقعت فِيْهِ  من قتيبة ، وَكَانَ شيخ صدق ، قَدْ رَوَى نحواً من مئة ألفٍ ، فيغتفر لَهُ الخطأ في حَدِيْث واحدٍ )) ( ) .

وَقَالَ أَيْضاً : (( ما علمتهم نقموا عَلَى قتيبة سوى ذَلِكَ الْحَدِيْث المعروف في الجمع في السفر )) ( ) .

والأصوب – والله أعلم – التعليل بما قاله أبو حاتم ، من أن قتيبة دخل لَهُ حَدِيْث الليث ، عن هشام بن سعد ، عن أبي الزبير ، فظنه حَدِيْث الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل ، وحمل متن حَدِيْث هشام فنسبه إلى رِوَايَة يزيد .

ولهذا صرح غَيْر واحد من أئمة الْحَدِيْث أنه لَمْ يصح في جمع التقديم شيء ، قَالَ أبو داود : (( ليس في جمع التقديم حَدِيْث قائم )) ( ) .

وَقَالَ ابن حجر : (( والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد وابن حبان من طريق الليث ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ بن جبل . وَقَدْ أعله جَمَاعَة من أئمة الْحَدِيْث بتفرد قتيبة عن الليث )) ( ) .

 

أثر الْحَدِيْث في اختلاف الفقهاء ( الجمع بَيْنَ الصلاتين )

اختلف الفقهاء في حكم الجمع بَيْنَ الصلاتين بعذر السفر عَلَى أقوال هِيَ :

الأول : يجوز الجمع بَيْنَ الظهر والعصر في وقت أيهما شاء تقديماً أو تأخيراً ، وكذا المغرب والعشاء ، وَهُوَ قَوْل جمهور العلماء مِنْهُمْ : سعيد بن زيد ( ) ، وسعد ( )، وأسامة ( ) ، ومعاذ بن جبل ، وأبو موسى ( ) ، وابن عَبَّاسٍ ، وابن عمر . وبه قَالَ طاووس ، ومجاهد ، وعكرمة( ) ، والثوري ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وابن ( ) المنذر ( ) . وإليه ذهب مالك في المشهور عَنْهُ ( ) ، والشافعية ( ) ، وأحمد في

 

أصح الروايتين ( ) ، والهادوية من الزيدية ( ) .

الثاني : لا يجوز الجمع بَيْنَ فرضين في حال من الأحوال ، إلا الظهر والعصر للحاج جمع تقديم بعرفة ، والمغرب والعشاء تأخيراً بمزدلفة ، وهذا الجمع بسبب النسك لا بسبب السفر . وبه قَالَ الحسن البصري ( ) ، وابن سيرين ( ) ، والنخعي ( ) ، ومكحول ( ) ، وإليه ذهب أبو حَنِيْفَة وعامة أصحابه ( ) .

الثالث : يجوز الجمع بَيْنَ الظهر والعصر،أو بَيْنَ المغرب والعشاء جمع تأخير لا تقديم . وَهُوَ قَوْل الأوزاعي في إحدى الروايتين عَنْهُ( ).وإليه ذهب الإمام أحمد في رِوَايَة ( ) ، ومالك في رِوَايَة ابن القاسم واختياره ( ) ، وَهُوَ ظاهر مذهب ابن حزم ( ) .

واستدل أصحاب المذهب الأول بحديث معاذ من رِوَايَة قتيبة ، وَقَدْ تبين عدم صحته .

 

نموذج آخر للتفرد :

ما تفرد بِهِ ( ) أبو قيس : عَبْد الرحمان بن ثروان ( ) ، عن هزيل بن شرحبيل ( ) ، عن المغيرة بن شعبة ( ) ، قَالَ : (( توضّأ النَّبِيّ ومسح عَلَى الجوربين )) .

وَقَدْ رَوَاهُ من هَذَا الوجه : ابن أبي شيبة ( )، والإمام أحمد ( ) ، وعبد بن حميد ( ) ، وأبو داود ( ) ، وابن ماجه ( ) ، والترمذي ( ) ، والنسائي ( ) ، وابن المنذر ( ) ، وابن خزيمة ( ) ، والطحاوي ( ) ، وابن حبان ( ) ، والطبراني ( ) ، وابن حزم ( ) ، والبيهقي ( ) .

هكذا تفرد بِهِ أبو قيس ، عن شرحبيل ( ) ، وَقَدْ صححه بعض أهل العلم مِنْهُمْ : الترمذي ( ) ، وابن خزيمة وابن حبان ( ) ، وغيرهم ( ) .

عَلَى أنّ آخرين من جهابذة هَذَا الفن قَدْ أعلوا الْحَدِيْث بتفرد أبي قيس عن هزيل ابن شرحبيل ، وأعلوا الْحَدِيْث بهذا التفرد .

قَالَ علي بن المديني : (( حَدِيْث المغيرة رَوَاهُ عن المغيرة أهل الْمَدِيْنَة ، وأهل الكوفة، وأهل البصرة ، ورواه هزيل بن شرحبيل إلا أنه قَالَ : (( ومسح عَلَى الجوربين )) ، وخالف الناس )) ( ) .

وَقَالَ يحيى بن معين : (( الناس كلهم يروونه عَلَى الخفين غَيْر أبي قيس )) ( ) .

وَقَالَ أبو مُحَمَّد يحيى بن منصور ( ) : (( رأيت مُسْلِم بن الحجاج ضعف هَذَا الخبر، وَقَالَ أبو قيس الأودي ، وهزيل بن شرحبيل لا يحتملان هَذَا مع مخالفتهما الأجلّة الَّذِيْنَ رووا هَذَا الخبر عن المغيرة وقالوا : مسح عَلَى الخفين )) ( ) .

وَقَالَ النسائي : (( ما نعلم أن أحداً تابع أبا قيس عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة ، وَالصَّحِيْح عن المغيرة : أن النَّبِيّ مسح عَلَى الخفين ، والله أعلم )) ( ) .

وَقَالَ أبو داود : (( كَانَ عَبْد الرحمان بن مهدي لا يحدّث بهذا الْحَدِيْث ؛ لأن المعروف عن المغيرة أن النَّبِيّ مسح عَلَى الخفين )) ( ) .

وَقَالَ ابن المبارك : (( عرضت هَذَا الْحَدِيْث – يعني حَدِيْث المغيرة من رِوَايَة أبي قيس – عَلَى الثوري فَقَالَ : لَمْ يجئ بِهِ غَيْره ، فعسى أن يَكُوْن وهماً )) ( ) .

وذكر البيهقي حَدِيْث المغيرة هَذَا وَقَالَ : (( إنه حَدِيْث منكر ضعّفه سفيان الثوري، وعبد الرحمان بن مهدي، وأحمد بن حَنْبَل ، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني ، ومسلم بن الحجاج ، والمعروف عن المغيرة حَدِيْث المسح عَلَى الخفين )) ( ) .

قَالَ الإمام النووي : (( وهؤلاء هم أعلام أئمة الْحَدِيْث وإن كَانَ الترمذي قَالَ : حَدِيْث حسن [ صَحِيْح ] فهؤلاء مقدمون عَلَيْهِ ، بَلْ كُلّ واحد من هؤلاء لَوْ انفرد قدم عَلَى الترمذي باتفاق أهل الْمَعْرِفَة )) ( ) .

وَقَالَ المباركفوري : (( أكثر الأئمة من أهل الْحَدِيْث حكموا عَلَى هَذَا الْحَدِيْث بأنه ضعيف )) ( ) .

فحكم نقاد الْحَدِيْث وجهابذة هَذَا الفن عَلَى هَذَا الْحَدِيْث بالرد لتفرد أبي قيس بِهِ لَمْ يَكُنْ أمراً اعتباطياً ، وإنما هُوَ نتيجة عن النظر الثاقب والبحث الدقيق والموازنة التامة بَيْنَ الطرق والروايات ؛ إِذْ إن هَذَا الْحَدِيْث قَدْ رَوَاهُ الجم الغفير عن المغيرة بن شعبة ، وذكروا المسح عَلَى الخفين ، وهم :

أبو إدريس ( ) الخولاني ( ) .

الأسود ( ) بن هلال ( ) .

أبو أمامة ( ) الباهلي ( ) .

بشر ( ) بن قحيف ( ) .

بكر ( ) بن عَبْد الله المزني ( ) .

جبير ( ) بن حية الثقفي ( ) .

الحسن البصري ( ) .

حمزة ( ) بن المغيرة بن شعبة ( ) .

زرارة ( ) بن أوفى ( ) .

الزهري ( ) .

زياد ( ) بن علاقة ( ) .

أبو السائب ( ) ، مولى هشام بن زهرة ( ) .

سالم ( ) بن أبي الجعد ( ) .

سعد ( ) بن عبيدة ( ) .

أبو سفيان ( ) : طلحة بن نافع ( ) .

أبو سلمة ( ) .

أبو الضحى ( ) مُسْلِم بن صبيح ( ) .

عامر بن شراحيل الشعبي ( ) .

عباد ( ) بن زياد ( ) .

عَبْد الرحمان ( ) بن أبي نُعْم ( ) .

عروة ( ) بن المغيرة بن شعبة ( ) .

عروة بن الزبير ( ) .

علي ( ) بن ربيعة الوالِبي ( ) .

عمرو ( ) بن وهب الثقفي ( ) .

فضالة ( ) بن عمير ، أو عبيد الزهراني ( ) .

قَبِيصة ( ) بن بُرْمة ( ) .

قتادة بن دعامة ( ) .

مُحَمَّد بن سيرين ( ) .

مسروق ( ) بن الأجدع ( ) .

هزيل بن شرحبيل ( ) .

أَبُو ( ) وائل ( ) .

وَرّاد ( ) : كاتب المغيرة ( ) .

وغيرهم ( ) .

أقول : إن اجتماع هَذِهِ الكثرة الكاثرة عَلَى خلاف حَدِيْث أبي قيس ريبةٌ قويةٌ تجعل الناقد يجزم بخطأ أبي قيس ؛ فعلى هَذَا فإن رِوَايَة أبي قيس معلولة بتفرده الشديد . قَالَ المباركفوري : (( الناس كلهم رووا عن المغيرة بلفظ : (( مسح عَلَى الخفين )) وأبو قيس يخالفهم جميعاً )) ( ) .

وَقَدْ تكلف الشيخ أحمد شاكر فذكر إنهما واقعتان ( ) ، وَهُوَ بعيد إِذْ إنهما لَوْ كانا واقعتين لرواه جمع عن المغيرة كَمَا روي عَنْهُ المسح عَلَى الخفين .

ومما يقوي الجزم بإعلال حَدِيْث أبي قيس بالتفرد أنه لَمْ يرد مرفوعاً بأحاديث توازي أحاديث المسح عَلَى الخفين ، فسيأتي إنه لَمْ يرد إلا من حَدِيْث أبي موسى وثوبان وبلال ، وفي كُلّ واحد مِنْهَا مقال . أما أحاديث المسح عَلَى الخفين فهو متواتر عن النَّبِيّ وَقَدْ رَوَاهُ عن النَّبِيّ أكثر من ستة وستين نفساً ذكرهم الكتاني ( ) .

وَقَدْ أسند ابن المنذر ( ) إلى الحسن البصري قَالَ : (( حَدَّثَنِي سبعون من أصحاب النَّبِيّ أنه : مسح عَلَى الخفين )) ( ) .

 

أثر حَدِيْث أبي قيس في اختلاف الفقهاء ( حكم المسح عَلَى الجوربين )

اختلف الفقهاء في جواز المسح عَلَى الجوربين عَلَى مذاهب :

المذهب الأول :

ذهب فريق من الفقهاء إلى جواز المسح عَلَى الجوربين ، روي هَذَا عن : علي( ) بن أبي طالب ( ) ، وعمار ( ) بن ياسر ( ) ، وأبي ( ) مسعود ( ) ، وأنس بن مالك ( ) ، وعبد الله بن عمر ( ) ، والبراء ( ) بن عازب ( ) ، وبلال ( ) بن رباح ( ) ، وأبي أمامة ( ) ، وسهل ( ) بن سعد ( ) .

وَهُوَ مروي عن : نافع ( ) وعطاء ( ) ، وإبراهيم النخعي ( ) ، وسعيد ( ) بن جبير ( ) ، وسفيان الثوري ( ) ، وعبد الله بن المبارك ( ) .

وإليه ذهب : داود( )  ( ) ، وابن حزم ( ) .

وذهب بعض الفقهاء إلى جواز المسح عَلَى الجوربين إلا أنهم اشترطوا أن يَكُوْن الجوربان صفيقين .

وَهُوَ مروي عن سعيد بن المسيب ( )، وإليه ذهب أبو حَنِيْفَة ( )، والشافعي ( )، وأحمد ( ) .

وَقَالَ الإمام مالك بالجواز إذا كَانَ أسفلهما مخرزاً بجلد ( ) .

المذهب الثاني :

وَهُوَ عدم الجواز ، وَهُوَ مروي عن : مجاهد ، وعمرو بن دينار ( ) ، والحسن بن مُسْلِم ( ) ، وعطاء في آخر قوليه ( ) ، والأوزاعي ( ) .

وَهُوَ المشهور عن مالك ( ) .

واحتج من قَالَ بالجواز مطلقاً بحديث أبي قيس السابق ، وَقَدْ تقدم ما فِيْهِ  ، واحتجوا كذلك :

بما روي عن أبي موسى الأشعري ؛ أن رَسُوْل الله توضأ ومسح عَلَى الجوربين والنعلين .  رَوَاهُ : ابن ماجه ( ) ، والطحاوي ( ) ، والبيهقي ( ) .

ويجاب عَنْهُ : بأنه ضعيف؛لأن في سنده عيسى بن سنان الحنفي ، وفيه مقال ( ) ، ثُمَّ إن أبا داود قَدْ حكم عَلَى هَذَا الْحَدِيْث بالانقطاع ( ) ، وبيّن البيهقي هَذَا الانقطاع وَهُوَ أن الضحاك بن عَبْد الرحمان ( ) لم يثبت سماعه من أبي موسى ( ) .

واحتجوا بما ورد عن راشد بن سعد ( ) ، عن ثوبان قَالَ : بعث رَسُوْل الله سرية فأصابهم البرد فلما قدموا عَلَى النَّبِيّ شكوا إِلَيْهِ ما أصابهم من البرد فأمرهم أن يمسحوا عَلَى العصائب والتساخين . أخرجه : الإمام أحمد ( ) ، وأبو داود ( ) ، والطبراني ( ) ، وأبو ( ) عبيد ( ) ، والحاكم ( ) ، والبيهقي ( ) ، والبغوي( ) .

قَالَ الْحَاكِم : (( هَذَا حَدِيْث صَحِيْح عَلَى شرط مُسْلِم )) ( ) .

وتعقبه الذهبي في السير بقوله: (( خطأ:فإن الشيخين ما احتجا براشد، ولا ثور( ) من شرط مُسْلِم )) ( ) .

إلا أن الذهبي أورد الْحَدِيْث من طريق أبي داود وَقَالَ : (( إسناده قويٌّ )) ( ) .

لَكِنْ أعلَّ بعض أهل العلم هَذَا الْحَدِيْث بالانقطاع فَقَدْ قَالَ ابن أبي حاتم : (( أنبأنا عَبْد الله بن أحمد بن حَنْبَل ( ) فِيْمَا كتب إليَّ قَالَ : قَالَ أحمد – يعني ابن حَنْبَل – : راشد ابن سعد لَمْ يَسْمَع من ثوبان )) ( ) .

وَقَالَ الحافظ ابن حجر : (( قَالَ أبو حاتم : والحربي لَمْ يَسْمَع من ثوبان ، وَقَالَ الخلال ( )عن أحمد : لا ينبغي أن يَكُوْن سَمِعَ مِنْهُ )) ( ) .

لَكِنْ يجاب عن هَذَا الحكم بالانقطاع أن الإمام البخاري قَدْ أثبت سَمَاع راشد من ثوبان فَقَالَ : (( سَمِعَ ثوبان )) ( ).

واعترض عَلَى معنى الْحَدِيْث فإن من احتج بِهِ ذكر أن التساخين عِنْدَ بعض أهل اللغة هِيَ كُلّ ما يسخن بِهِ القدم من خف وجورب ( ).

ويجاب عن هَذَا بأن المعجمات اللغوية وكتب غريب الْحَدِيْث أوردت للتساخين ثلاثة تفاسير :

الأول : إنها الخفاف وَقَدْ اقتصرت كثير من المعجمات عَلَى ذَلِكَ .

الثاني : كُلّ ما يُسَخَّن القدم من خفٍّ وجورب ونحوه .

الثالث : إنها هِيَ تعريب (( تَشْكَن )) وَهُوَ اسم غطاء من أغطية الرأس نقله ابن الأثير عن حمزة الأصفهاني في كتابه " الموازنة " ، ويرى أن تفسيره بالخف وهم من اللغويين العرب حَيْثُ لَمْ يعرفوا فارسيته .

فاللغويون غَيْر متفقين عَلَى تفسير التساخين بالخفاف بَلْ حمزة الأصفهاني يراه وهماً والتفسير الثاني للتساخين عام يدخل فِيْهِ  التفسير الأول ( ) .

فعلى هَذَا يَكُوْن تفسير التساخين بالجواريب بعيد جداً،ولا يوجد ذَلِكَ في معاجم اللغة ، والذين ذكروا ذَلِكَ أدخلوه في عموم التفسير الثاني للتساخين .

3. واحتجوا أَيْضاً بما روي عن أنس بن مالك ، قَالَ : (( رأيت رَسُوْل الله يمسح عَلَى الجوربين عليهما النعلان )) .

أخرجه الْخَطِيْب ( ) .

وأجيب : بأن سند هَذَا الْحَدِيْث تالف لأن فِيْهِ  موسى بن عَبْد الله الطويل ( ) ، قَالَ ابن حبان : (( رَوَى عن أنس أشياء موضوعة )) . وَقَالَ ابن عدي : (( رَوَى عن أنس مناكير ، وَهُوَ مجهول )) ( ) .

لَكِنْ روي مثل هَذَا الْحَدِيْث من فعل أنس ، فَقَدْ رَوَى : عَبْد الرزاق ( ) ، وابن أبي شيبة ( )، والدولابي ( )، والبيهقي ( )، عن الأزرق بن قيس ( )، قَالَ : رأيت أنس بن مالك أَحَدَثَ فغسل وجهه ويديه ، ومسح عَلَى جوربين من صوف ، فقلت : أتمسح عليهما ؟ فَقَالَ : إنهما خفان ، ولكنهما من صوف )) ( ) .

قَالَ العلامة أحمد شاكر : (( هَذَا إسناد صَحِيْح )) ( ) ، ثُمَّ قَالَ : (( هَذَا الْحَدِيْث موقوف عَلَى أنس ، من فعله وقوله . ولكن وجه الحجة فِيْهِ  أنه لَمْ يكتفِ بالفعل ، بَلْ صرح بأن الجوربين: ((خفان،ولكنهما من صوف)).وأنس بن مالك صحابيٌّ من أهل اللغة، قَبْلَ دخول العجمة واختلاط الألسنة ، فهو يبين أن معنى ( الخف ) أعم من أن يَكُوْن من الجلد وحده ، وأنه يشمل كُلّ ما يستر القدم ويمنع وصول الماء إِلَيْهَا ؛ إِذْ إن الخفاف كانت في الأغلب من الجلد،فأبان أنس أن هَذَا الغالب ليس حصراً للخف في أن يَكُوْن من الجلد.وأزال الوهم الَّذِيْ قَدْ يدخل عَلَى الناس من واقع الأمر في الخفاف إِذْ ذاك. وَلَمْ يأت دليل من الشارع يدل عَلَى حصر الخفاف في الَّتِيْ تكون من الجلد فَقَطْ )) ( ) .

وهذا الفهم المستنبط من فعل أنس فيه رد عَلَى من اشترط الصفاقة أو التجليد أَوْ التنعيل للجوربين ، وَقَدْ شدد ابن حزم النكير عَلَى من اشترط ذَلِكَ فَقَالَ : (( إنه خطأ لا معنى لَهُ ؛ لأنه لَمْ يأتِ بِهِ قرآن ولا سنة ولا قياس ولا قَوْل صاحب )) ( ) .

وَقَدْ بوّب ابن أبي شيبة في كتابه " المصنف " ( ) باباً سماه : (( من قَالَ الجوربان بمنْزلة الخفين )) ، ونقل في ذَلِكَ آثاراً عن ابن عمر وعطاء ونافع والحسن .

ونستخلص مما تقدم : بأن الأصل هُوَ غسل الرجلين كَمَا هُوَ ظاهر القرآن ، والعدول عَنْهُ لا يجوز إلا بأحاديث صحيحة كأحاديث المسح عَلَى الخفين ، لذا جاز عِنْدَ جماهير أهل العلم العدول عن غسل الرجلين إلى المسح عَلَى الخفين ، أما أحاديث المسح عَلَى الجوربين ففي صحتها كلام كَمَا سبق ، فكيف يعدل عن غسل القدمين إلى المسح عَلَى الجوربين مطلقاً ، وإلى هَذَا الفهم ذهب الإمام مُسْلِم بقوله : (( لا يترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس وهزيل )) ( ) . فلأجل هَذَا فإن عدداً من أهل العلم اشترطوا لجواز المسح عَلَى الجوربين قيوداً ليكونا في معنى الخفين ، ويدخل الجوربان في معنى الخفين ، فرأى بعضهم أن الجوربين إذا كانا مجلدين كانا في معنى الخفين ، ورأى بعضهم أنهما إذا كانا منعلين كانا في معناهما ، وعند بعضهم أنهما إذا كانا صفيقين ثخينين كَانَا في معناهما ( ) .

والذي أميل إِلَيْهِ أن الجوربين إذا كانا ثخينين فهما في معنى الخفين يجوز المسح عليهما ، أما إذا كانا رقيقين فهما ليسا في معنى الخفين ، وفي جواز المسح عليهما تأمل ، والله أعلم .

الفصل الثاني

الاختلاف في الْمَتْن

وفيه تسعة مباحث :

المبحث الأول : رِوَايَة الْحَدِيْث بالمعنى، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء .

المبحث الثاني : مخالفة الْحَدِيْث للقرآن، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء .

المبحث الثالث : مخالفة الْحَدِيْث لحديث أقوى مِنْهُ ، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء .

المبحث الرابع : مخالفة الْحَدِيْث لفتيا روايه ، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء .

المبحث الخامس : مخالفة الْحَدِيْث للقياس ، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء .

المبحث السادس : مخالفة الْحَدِيْث لعمل أهل المدينة ، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء .

المبحث السابع : مخالفة الْحَدِيْث للقواعد العامة ، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء .

المبحث الثامن : اختلاف الْحَدِيْث بسبب الاختصار ، وأثر ذَلِكَ في اختلاف الفقهاء .

المبحث التاسع : ورود خبر الآحاد فِيْمَا تعم بِهِ البلوى ، وأثره في اختلاف الفقهاء .

 

 

 

 

المبحث الأول

رِوَايَة الْحَدِيْث بالمعنى

 

خلق الله الجنس البشري متفاوتاً في قدراته ، وما وهبه لَهُ بمنّه وفضله ، وَقَدْ أثّر هَذَا التفاوت عَلَى قدرات الناس في الحفظ ، فإنّك تجد الحَافِظ الَّذِي لا يكاد يخطئ إلا قليلاً ، وتجد الرَّاوِي الكثير الخطأ ، ومن ثَمَّ تجد بَيْنَ الرُّوَاة مَنْ يؤدي لفظ الْحَدِيْث كَمَا سمعه ، ومنهم مَنْ يحفظ المضمون ولا يتقيد باللفظ ، وَهُوَ ما نسميه " الرِّوَايَة بالمعنى " وفي جواز أداء الْحَدِيْث بِهَا خلافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاء عَلَى اثني عشر قولاً ( ) :

الأول : التفرقة بَيْنَ الألفاظ الَّتِي لا مجال فِيْهَا للتأويل وبَيْنَ الألفاظ الَّتِي تحتمل التأويل ، فجوزت الرِّوَايَة بالمعنى في الأول دُوْنَ الثاني . حكاه أبو الْحُسَيْن بن القطان ( ) عن بَعْض الشافعية ، وَعَلَيْهِ جرى الكِيَا الطبري ( ) مِنْهُمْ ( ) .

الثاني : جواز الرِّوَايَة بالمعنى في الأحاديث الَّتِي تشتمل عَلَى الأوامر والنواهي ، وأما إذا كَانَ اللفظ خفي المعنى محتملاً لعدة معانٍ فَلاَ تجوز . ويستوي في هَذَا الحكم الصَّحَابِيّ وغيره ( ) .

الثَّالث : المنع مطلقاً من الرِّوَايَة بالمعنى ، وتعين أداء لفظ الْحَدِيْث . وبه قَالَ عَبْد الله بن عمر ( ) ، وابن سيرين ( ) ، وأبو بكر الرازي( ) الجصّاص  ( )، وأبو إسحاق( ) الإسفراييني ( )، وبه قَالَ الظاهرية ( )، وثعلب( ) من النحويين ( ) ، وَهُوَ الأشهر من مذهب مالك ( ) .

الرابع : من يحفظ اللفظ والمعنى لا تجوز لَهُ الرِّوَايَة بالمعنى ، ومن كَانَ يستحضر المعنى دُوْنَ اللفظ جازت روايته بالمعنى . وبه جزم الماورديُّ ( ) ، فَقَالَ : (( والذي أراه : أنَّهُ إن كَانَ يحفظ اللفظ لَمْ يَجُزْ أن يرويه بغير ألفاظه ؛ لأن في كلام رَسُوْل الله من الفصاحة ما لا يوجد في كلام غيره ، وإن لَمْ يحفظ اللفظ جاز أن يورد معناه بغير لفظه ؛ لأن الرَّاوِي قَدْ تحمّل أمرين : اللفظ والمعنى ، فإن قدر عَلَيْهِمَا لزمه أداؤهما ، وإن عجز عن اللفظ وقدر عَلَى المعنى لزمه أداؤه لئلاّ يَكُوْن مقصراً في نقل ما تحمل )) ( ) .

الخامس : عكس المذهب الَّذِي قبله ، فإن كَانَ يستحضر اللفظ جاز لَهُ الرِّوَايَة بالمعنى ، وإن لَمْ يَكُنْ حافظاً للفظ لَمْ يَجُزْ لَهُ الاقتصار عَلَى المعنى ، إذ لربما زاد فِيْهِ ما لَيْسَ مِنْهُ .

السادس : جواز الرِّوَايَة بالمعنى بشرط إبدال المترادفات ببعضها مَعَ الإبقاء عَلَى تركيب الكلام ؛ خوفاً من دخول الخلل عِنْدَ تغيير التركيب ( ) .

السابع : إذا أورد الرَّاوِي الْحَدِيْث قاصداً الاحتجاج أو الفتوى جاز لَهُ الرِّوَايَة بالمعنى ، وإن أورده بقصد الرِّوَايَة لَمْ يَجُزْ لَهُ إلا أداؤه بلفظه ، وبه قَالَ ابن حزم ( ) .

الثامن : جواز الرِّوَايَة بالمعنى للصحابة حصراً ، ولا تجوز لغيرهم ( ) ، وإليه مال القرطبي( ).

التاسع : تجوز الرِّوَايَة بالمعنى للصحابة والتابعين دُوْنَ غيرهم ( ) . وبه قَالَ أبو بكر الحفيد في كتابه " أدب الرِّوَايَة " ( ) .

العاشر : تجوز الرِّوَايَة بالمعنى فِيْمَا يوجب العِلْم ، ولا تجوز فِيْمَا يوجب العمل ، وَهُوَ وجه للشافعية ( ) .

الحادي عشر : تجوز الرِّوَايَة بالمعنى في الأحاديث الطوال ، ولا تجوز في القصار ، حكاه بعضهم عن الْقَاضِي عَبْد الوهاب ( ) المالكي ( ) .

الثاني عشر : قَالَ جمهور الْعُلَمَاء من الفقهاء والمحدّثين وأهل الأصول بجواز الرِّوَايَة بالمعنى بشروط وضعوها لِذَلِكَ ( ) ، وهذا هُوَ القول الراجح – إن شاء الله – .

وبناءً عَلَى ذَلِكَ فإن بَعْض الرُّوَاة قَدْ يسوّغ لنفسه رِوَايَة الْحَدِيْث بالمعنى عَلَى وجه يظن أنَّهُ أدى المطلوب مِنْهُ ، وَلَكِنْ بمقارنة روايات غَيْره يظهر قصوره في تأدية المعنى .

 

النموذج الأول : حكم الصَّلاَة عَلَى الجنازة في المسجد

اختلف الفقهاء في حكم الصَّلاَة عَلَى الجنازة في المسجد عَلَى أربعة مذاهب :

الأول : الصَّلاَة عَلَى الميت داخل المسجد الَّذِي تقام فِيْهِ الجماعة مكروهة كراهة تحريم سواء كَانَ الميت والمصلين في المسجد ، أو كَانَ الميت خارج المسجد والقوم داخله ، أو كَانَ الميت داخل المسجد والقوم خارجه ، وبه قَالَ الحنفية ( ) .

وَقَالَ بَعْض فقهائهم : الكراهة للتنـزيه ( ) .

واستثنى أبو يوسف – رَحِمَهُ اللهُ – المسجد الَّذِي بني أصلاً للصلاة عَلَى الجنائز ، فَلاَ تكره الصَّلاَة فِيْهِ ( ) .

ولهم رِوَايَة : أن الميت إذا كَانَ خارج المسجد لَمْ تكره ، وهذا راجع لاختلافهم في تعيين علة الكراهية ، هل هِيَ خوف تلويث المسجد أم أن المساجد وجدت لصلاة المكتوبات ( ) ؟

فمن قَالَ بالثانية –وهم جمهور فقهاء الحنفية- أبقى الكراهة في كُلّ الأحوال، ومن جعل العلة خوف تلوث المسجد نفى الكراهة، إذا كَانَ الميت خارج المسجد، وعلى هَذَا تُخَرَّج هَذِهِ الرِّوَايَة ، وإليه مال في المبسوط ( ) والمحيط ، قَالَ ابن عابدين ( ): (( وَعَلَيْهِ العمل وَهُوَ المختار )) ( ) . وبه قَالَ أيضاً : مالك ( ) وابن أبي ذئب ( ) والهادوية من الزيدية ( ) .

الثاني: أن الكراهة للتنـزيه، ولا بأس في أن يصلي عَلَى الجنازة من في المسجد إذا كَانَ الميت خارجه بصلاة الإمام ، وكذا إذا ضاق خارج المسجد بأهله ، وبه قَالَ مالك في المَشْهُوْر عَنْهُ ( ) .

الثالث: تسن الصَّلاَة عَلَى الميت داخل المسجد وَهُوَ الأفضل، إذا أمن تلويثه ، فإن خيف حرمت . وبه قَالَ الشافعية ( ) ، والظاهرية ( ) .

الرابع : إباحة الصَّلاَة عَلَى الميت في المسجد عِنْدَ أمن المحذور وَهُوَ تلوث المسجد ، وبه قَالَ الحنابلة ( )، والإمامية ( )، وَهُوَ رِوَايَة المدنيين عن مالك، وبه قَالَ ابن حبيب( ) المالكي ( ) .

واستدل أصحاب المذهبين الأولين بِمَا روي من طريق ابن أبي ذئب، عن صالح بن نبهان ( ) مولى التوأمة ، عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعاً : (( من صلى عَلَى جنازة في المسجد فَلاَ شيء لَهُ )) .

واختلف عَلَى ابن أبي ذئب في لفظه ، فرواه :

أبو داود الطيالسي( ) ومعمر( ) وسفيان الثوري ( ) وحفص بن غياث ( ) وعلي

 

ابن الجعد ( ) ، ومعن ( ) بن عيسى ( ) عَنْهُ بهذا اللفظ .

ورواه وكيع ( ) عَنْهُ ، بلفظ : (( فليس لَهُ شيء )) .

ورواه يَحْيَى بن سعيد ( ) عَنْهُ ، بلفظ : (( فَلاَ شيء عَلَيْهِ )) .

ورواه ابن الجعد، عن الثوري( )، عن ابن أبي ذئب ، بلفظ : (( فليس لَهُ أجر )) .

وهذا كله من تصرف الرُّوَاة بألفاظ الْحَدِيْث وروايتهم بالمعنى ( ) .

وأعل الْحَدِيْث كَذَلِكَ باختلاط صالح مولى التوأمة ( ) ، وأجيب : بأن رِوَايَة ابن أبي ذئب عَنْهُ قَبْلَ الاختلاط ( ) .

 

النموذج الثاني :

حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُوْل الله قَالَ : (( إذا سمعتم الإقامة فامشوا وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلّوا ، وما فاتكم فأتِمّوا )) ( ) .

وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيْث عن أبي هُرَيْرَةَ ستة من التابعين ، وحصل خلاف في لفظه عَلَى النحو الآتي :

عَبْد الرَّحْمَان بن يعقوب الحرقي . ولَمْ يختلف عَلَى ابنه فِيْهِ .

رَوَاهُ عَنْهُ بلفظ (( فأتموا )) ، أخرجه مالك ( ) ، ومن طريقه الشافعي ( ) وأحمد ( ) والبخاري في القراءة خلف الإمام ( ) والطحاوي ( ) . وأخرجه من غَيْر طريق مالك : البخاري في القراءة ( ) ومسلم ( ) .

مُحَمَّد بن سيرين . وَلَمْ يختلف عَلَيْهِ فِيْهِ ، رَوَاهُ بلفظ : (( فاقضوا )) . وأخرج روايته أحمد ( ) والبخاري في القراءة ( ) ومسلم في الصَّحِيْح ( ) .

أبو رافع ( ). وَلَمْ يختلف عَلَيْهِ فِيْهِ ، رَوَاهُ بلفظ : (( فاقضوا )) . وروايته عِنْدَ أحمد( ).

همام بن منبه ( ) . رَوَاهُ عَنْهُ عَبْد الرزاق ( ) ومن طريقه مُسْلِم ( ) وأبو عوانة ( ) والبيهقي ( ) بلفظ : (( فأتموا )) .

ورواه أحمد ( ) عن عَبْد الرزاق بلفظ : (( فاقضوا )) .

أبو سلمة بن عَبْد الرَّحْمَان بن عوف . واختلف عَلَيْهِ في لفظه : مِنْهُمْ مَنْ رَوَاهُ عَنْهُ بلفظ : (( فأتموا )) ، وممن رَوَاهُ عَلَى هَذَا الوجه :

1. الزهري : ورواه عَنْهُ :

مُحَمَّد بن أبي حفصة ( ) ، عِنْدَ أحمد ( ) .

عُقيل بن خالد الأيلي ، عِنْدَ أحمد ( ) والبخاري في القراءة ( ) .

شعيب بن أبي حمزة ، وروايته أخرجها البُخَارِيّ ( ) .

يَحْيَى بن سعيد الأنصاري ( )، عِنْدَ البُخَارِيّ في القراءة ( ) .

يزيد بن الهاد ، كَمَا أخرجها البُخَارِيّ في القراءة ( ) .

يونس بن يزيد الأيلي ، وروايته عِنْدَ مُسْلِم ( ) وأبي داود ( ) .

معمر بن راشد الأزدي ، عِنْدَ التِّرْمِذِيّ ( ) .

2. عمر  بن أبي سلمة( ) ، رَوَاهُ عَنْهُ :

سعد بن إبراهيم ، عِنْدَ ابن أبي شيبة ( ) وأحمد ( ) .

أبو عوانة الوضاح بن عَبْد الله ( ) ، عِنْدَ أحمد ( ) .

ومِنْهُمْ من رَوَاهُ عَنْهُ بلفظ : (( فاقضوا )) ، وممن رَوَاهُ عَلَى هَذَا اللفظ :

1. الزهري ، ورواه عَنْهُ :

يونس بن يزيد الأيلي ، عِنْدَ البُخَارِيّ في القراءة ( ) .

سليمان ( ) بن كَثِيْر العبدي ، عِنْدَ البخاري في القراءة ( ) .

2. عمر بن أبي سلمة ، رَوَاهُ عَنْهُ :

سعد بن إبراهيم ، عِنْدَ عَبْد الرزاق ( ) ومن طريقه أحمد ( ) .

3. سعد بن إبراهيم ، عِنْدَ الطيالسي ( ) وأحمد ( ) وأبي داود ( ) .

سعيد بن المسيب . واختلف عَلَيْهِ في لفظه ، مِنْهُمْ مَن رَوَاهُ عَنْهُ بلفظ : (( فأتموا )) ، وممن رَوَاهُ عَنْهُ عَلَى هَذَا الوجه :

1. الزهري ، رَوَاهُ عَنْهُ :

معمر بن راشد ، عِنْدَ عَبْد الرزاق ( ) ومن طريقه أحمد ( ) والترمذي ( ) .

سُفْيَان بن عيينة ، في رِوَايَة الدارمي ( ) من طريق أبي نُعَيْم عَنْهُ .

وروي أيضاً عَنْهُ بلفظ : (( فاقضوا )) ، رَوَاهُ عَنْهُ :

1. الزهري،ورواه عن الزهري سُفْيَان بن عيينة في رِوَايَة جمع من الحفاظ عَنْهُ،وهم:

عَلِيّ بن المديني ، عِنْدَ البُخَارِيّ في القراءة ( ) .

أبو نُعَيْم الفضل بن دكين ( )، في رِوَايَة البُخَارِيّ في القراءة ( ) .

الحميدي عَبْد الله بن الزبير ، كَمَا في مسنده ( ) .

ابن أبي شيبة ، في مصنفه ( ) ، ومن طريقه مُسْلِم ( ) .

أحمد بن حنبل ، في مسنده ( ) .

ابن أبي عمر العدني ( ) ، عِنْدَ الترمذي ( ) .

عَبْد الله بن مُحَمَّد بن عَبْد الرحمان ( ) عِنْدَ النسائي ( ).

زهير بن حرب ، عِنْدَ مُسْلِم ( ) .

عَمْرو الناقد ( )، عِنْدَ مُسْلِم ( ) .

أبو سلمة وسعيد بن المسيب مقرونين ، واختلف عَلَيْهِمَا فِيْهِ ، فرواه ابن أبي ذئب عن الزهري ، واختلف فِيْهِ :

فرواه حماد عن ابن أبي ذئب بلفظ : (( فاقضوا )) ، هكذا رَوَاهُ أحمد ( ) ، وتابع حماداً آدمُ بن أبي إياس ( ) عِنْدَ البُخَارِيّ في القراءة ( )  .

ورواه ابن أبي فديك( ) عن ابن أبي ذئب بلفظ : (( فأتموا )) ، أخرجه الشَّافِعِيّ( )، وتابع ابن أبي فديك أبو النضر ( ) عِنْدَ أحمد ( ) .

وتابع ابن أبي ذئب في روايته الثانية ، إبراهيم بن سعد ، عِنْدَ مُسْلِم ( ) وابن ماجه ( ) .

وهكذا نجد أنّ الرِّوَايَة بالمعنى أثرت في صياغة الرُّوَاة لمتن الْحَدِيْث، أو المحافظة عَلَى نصه ، لِذَا نجد الحَافِظ ابن حجر يلجأ إِلَى الترجيح بالكثرة خروجاً من الخلاف الَّذِي ولَّدَتْهُ الرِّوَايَة بالمعنى ، فَقَالَ : (( الحاصل أنّ أكثر الروايات وردت بلفظ : (( فأتموا )) ، وأقلها بلفظ : (( فاقضوا )) … )) ( ) .

ويمعن أكثر في الترجيح ، فَيَقُوْلُ : (( قوله : وما فاتكم فأتموا ، أي : فاكملوا : هَذَا هُوَ الصَّحِيْح في رِوَايَة الزهري ، ورواه عَنْهُ ابن عيينة بلفظ (( فاقضوا )) ، وحكم مُسْلِم في التمييز ( ) عَلَيْهِ بالوهم في هَذِهِ اللفظة ، مَعَ أنَّهُ أخرج إسناده في صَحِيْحه ( ) ؛ لَكِنْ لَمْ يسق لفظه، وكذا رَوَى أحمد( ) عن عَبْد الرزاق، عن معمر، عن همام ، عن أبي هُرَيْرَةَ ، فَقَالَ: (( فاقضوا )) ، وأخرجه مُسْلِم عن مُحَمَّد بن رافع ( ) عن عَبْد الرزاق بلفظ : (( فأتموا )) ( ) .

 

 

أثر الْحَدِيْث في اختلاف الفقهاء ( حكم المسبوق في الصَّلاَة ) :

لا بدَّ لنا قَبْلَ الخوض في تفصيل أحكام المسبوق أن نتعرف عَلَى أحوال المأموم في صلاة ما ، وَهُوَ لا يخلو عن ثلاث أحوال :

المدرك : وَهُوَ من صلَّى جَمِيْع الصَّلاَة مَعَ الإمام .

اللاَّحق : مَن فاتته الركعات كلها أو بعضها مَعَ الإمام عَلَى الرغم من ابتدائه الصَّلاَة مَعَهُ ، كأن عرض لَهُ عذر كالنوم أو الزحمة أو غيرها .

المسبوق : مَن سبقه الإمام بكل الصَّلاَة أو ببعضها ( ) .

والذي نودّ التعرف عَلَى حكم إدراكه للصلاة : المسبوق ، وَقَد اختلف الفقهاء في أنّ ما أدركه هَلْ هُوَ أول صلاته أم آخر صلاته ، وأنّ ما يأتي بِهِ بَعْدَ سلام الإمام هَلْ هُوَ أول صلاته أم أنَّهُ يبني عَلَى ما صلّى فتكون آخر صلاته ؟ عَلَى ثلاثة أقوال :

القول الأول : أنّ ما أدركه المسبوق مَعَ الإمام هُوَ أول صلاته حكماً وفعلاً ، وما يقضيه بَعْدَ سلام الإمام آخر صلاته حكماً وفعلاً .

وروي هَذَا عن: عمر ، وعلي ، وأبي الدرداء ( )، وعطاء ، ومكحول ، وعمر بن عَبْد العزيز ( )، والزهري، وسعيد بن عَبْد العزيز ( )، والأوزاعي ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وداود ، وابن المنذر .

وَهُوَ رِوَايَة عن الحسن البصري ، وابن سيرين ، وأبي قلابة ( ) .

وإليه ذهب الشافعية ( ) وَهُوَ رِوَايَة عن مالك ( ) وأحمد ( ) ، وبه قَالَ الهادوية والقاسمية والمؤيد بالله والزيدية ( ).

واحتجوا بِمَا ورد في لفظ حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ: (( فأتموا )).

القول الثاني : أنّ ما أدركه المسبوق مَعَ الإمام هُوَ أول صلاته بالنسبة للأفعال ، وآخرها بالنسبة للأقوال ، بمعنى أنَّهُ يَكُوْن قاضياً في القول بانياً في الفعل .

روي هَذَا عن : ابن مسعود ، وابن عمر ، والنخعي ، ومجاهد ، والشعبي ، وعبيد ابن عمير ( ) ، والثوري ، والحسن بن صالح ( ).

وَهُوَ الرِّوَايَة الأخرى عن : الحسن البصري ، وابن سيرين ، وأبي ( )قلابة ( ). وبه قَالَ الحنفية ( ) ، والمشهور من مذهب مالك ( ) ، والأشهر في مذهب أحمد ( ) ، وظاهر مذهب ابن حزم ( ) .

واستدلوا بالرواية الأخرى في حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ : (( فاقضوا )) .

القول الثالث : أنّ ما أدركه المسبوق مَعَ أمامه هُوَ آخر صلاته قولاً وفعلاً ، وما بقي أولها .

روي هَذَا عن جندب بن عَبْد الله ( )، وَهُوَ رِوَايَة عن مالك ( ) وأحمد ( ) .

 

 

النموذج الثالث

الاختلاف في رِوَايَة حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ في كفارة الإفطار في رَمَضَان

اختُلِفَ عَلَى الزهري في رِوَايَة هَذَا الْحَدِيْث ، إذ رَوَاهُ بعضهم عن الزهري ، عن حميد بن عَبْد الرَّحْمَان ( )، عن أبي هُرَيْرَةَ ، أنّ رجلاً أفطر في رَمَضَان ، فأمره رَسُوْل الله أن يكفر بعتق رقبة ، أو صيام شهرين متتابعين ، أو إطعام ستين مسكيناً ، فَقَالَ : لا أجد فأُتِي رَسُوْل الله بعرق تمر ، فَقَالَ : (( خذ هَذَا فتصدق بِهِ )) ، فَقَالَ : (( يا رَسُوْل الله ! ما أجد أحداً أحوج إِلَيْهِ مني )) فضحك رَسُوْل الله حَتَّى بدت أنيابه ، ثُمَّ قَالَ: (( كُلْهُ )) . والذي رَوَاهُ بهذه الرِّوَايَة مالك ( ) ، ويحيى ابن سعيد( )، وابن جريج ( ) ، وأبو( ) أويس ( ) ، وعبد الله ( ) بن أبي بكر ( )، وفليح ( ) بن سليمان ( )، وعمر بن عثمان ( ) المخزومي ( )، ويزيد ( ) بن عِيَاض( )، و( ) شبل ( ) ، وعبيد الله ( ) بن أبي زياد ( ) ، والليث بن سعد في رِوَايَة أشهب بن عَبْد العزيز( ) عَنْهُ ( ) ، وسفيان بن عيينة في رِوَايَة نعيم بن حماد ( ) عَنْهُ ( ) ، وإبراهيم بن سعد في رِوَايَة عمار بن مطر ( ) عَنْهُ ( ) ، كلهم عن الزهري ، بِهِ . وروي مِثْل ذَلِكَ من طريق مجاهد ( ) ومُحَمَّد ( ) بن كعب ( ) ، عن أبي هُرَيْرَةَ . وفي هَذِهِ الروايات الكفارة عَلَى التخيير : عتق أو صيام أو إطعام ، وخالفهم من هم أكثر مِنْهُمْ عدداً فرووه ، عن الزهري ، عن حميد بن عَبْد الرَّحْمَان ، عن أبي هُرَيْرَةَ قَالَ : (( جاء رجل إِلَى النَّبِيّ ، فَقَالَ : هلكت يا رَسُوْل الله ، قَالَ : وما أهلكك ؟ قَالَ : وقعت عَلَى امرأتي في رَمَضَان … )) ، وجعلوا الكفارة فِيْهِ مقيدة بالترتيب، والذي رَوَاهُ بهذا اللفظ سُفْيَان بن عُيَيْنَةَ ( ) ، والليث بن سعد ( )، ومعمر ( )، ومنصور بن المعتمر ( )، والأوزاعي ( )، وشعيب( )، وإبراهيم بنسعد( )، وعراك ( ) بن مالك ( )، وعبد الجبار ( ) بن عمر ( )، وعبد الرَّحْمَان ( ) ابن المسافر ( )، والنعمان ( ) بن راشد ( )، وعقيل ( )، ومُحَمَّد بن أبي حفصة ( ) ، ويونس ( ) ، وحجاج( ) بن أرطاة ( ) ، وصالح ( ) بن أبي الأخضر ( ) ، ومُحَمَّد بن إسحاق ( ) ، وعبيد الله بن عمر ( )، وإسماعيل ( ) بن أمية ( ) ، ومُحَمَّد ( ) بن أبي عتيق ( ) ، وموسى ( ) بن عقبة ( )، وعبد الله ( ) بن عيسى ( ) ، وهَبَّار ( ) بن عقيل ( ) ، وإسحاق بن يَحْيَى ( ) العوضي ( ) ، وثابت ( ) بن ثوبان ( ) ، وقرة بن عَبْد الرَّحْمَان ( ) ، وزمعة ( ) بن صالح ( ) ، وبحر( ) السقاء ( ) ، والوليد( ) بن مُحَمَّد ( ) ، وشعيب بن خالد ( ) ، ونوح ( ) بن أبي مريم ( ) ، جميعهم عن الزهري ، بِهِ قَالَ البُخَارِيّ : (( وحديث هَؤُلاَءِ أبين )) ( ) ،وَكَذَلِكَ هَذِهِ اللفظة في رِوَايَة الوليد بن مُسْلِم، عن مالك والليث ( )، وفي رِوَايَة حماد بن مسعدة ( ) عن مالك ( )، وتابع هَذِهِ الروايات هشام بن سعد؛ إلاّ أنَّهُ رَوَاهُ عن الزهري ، عن أبي سلمة ، عن أبي هُرَيْرَةَ ( ) ، وروى هَذَا الْحَدِيْث بهذا اللفظ عن أبي هُرَيْرَةَ سعيد بن المسيب ( ) أيضاً .

وَقَالَ البيهقي : (( ورواية الجماعة ، عن الزهري مقيدة بالوطء ناقلة للفظ صاحب الشرع أولى بالقبول لزيادة حفظهم ، وأدائهم الْحَدِيْث عَلَى وجهه )) ( ) .

 

أثر حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ في اختلاف الفقهاء

اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة عَلَى مَن أفطر عامداً بغير الجماع

جمهور الفقهاء ( ) يرون وجوب الكفارة عَلَى مَن جامع عامداً في نهار رَمَضَان ؛ وَلَكِنْ حكى العبدري( ) وغيره : أن سعيد بن جبير ( ) ، والشعبي ( ) ، ومُحَمَّد بن

سيرين ( ) ، وقتادة ( ) ، والنخعي ( ) ، قالوا : لا كفارة عَلَيْهِ في الوطء أو غيره ، وذهب الزيدية إِلَى أنّ الكفارة مندوبة ( ) .

وَلَكِنَّ الفقهاء اختلفوا في الإفطارِ عامداً في رَمَضَان بغير الجماع ، هَلْ يوجِب الكفارة أم لا ؟

فذهب أبو حَنِيْفَةَ ( ) إِلَى أنّ الكفارة تجب عَلَى مَن جامع في نهار رَمَضَان وَهُوَ صائم وعلى مَن أفسد صومه بأكل أو شرب ما يتغذى أو يتداوى بِهِ، بمعنى أنّه : متى ما حصل الفطر بِمَا لا يتغذى أو يتداوى بِهِ عادة فعليه القضاء دُوْنَ الكفارة ؛ وذلك لأنّ وجوب الكفارة يوجب اكتمال الجناية، والجناية تكتمل بتناول ما يتغذى أو يتداوى بِهِ( ).

في حِيْن ذهب الحسن( )، وعطاء ( )، والزهري ( )، والأوزاعي( )، والثوري ( )، ومالك ( ) ، وعبد الله بن المبارك ( ) ، وإسحاق ( ) ، وأبو ثور ( ) ، أن مَن أفطر عامداً في رَمَضَان بأكل أو شرب أو جماع ، فإنّ عَلَيْهِ القضاء والكفارة ؛ وذلك لأنهم استدلوا بظاهر لفظ الْحَدِيْث ( أنّ رجلاً أفطر في رَمَضَان ) فليس فِيْهِ تخصيص فطر بشيء دُوْنَ الآخر كَمَا يمكن قياس الأكل أو الشرب عَلَى الجماع؛ بجامع ما بَيْنَهُمَا من  انتهاك لحرمة الصوم ( ) .

وذهب سعيد بن المسيب ( ) ، والشافعي ( ) ، والصحيح من مذهب أحمد ( ) ، والظاهرية ( )، إِلَى عدم وجوب الكفارة عَلَى مَن أفطر عامداً في رَمَضَان إلا عَلَى المجامع، وحملوا الإفطار في الرِّوَايَة الأولى للحديث عَلَى تقييد الرِّوَايَة الثانية بالجماع فَقَطْ. أما القياس ، فَقَدْ قَالَ البغوي: (( يختص ذَلِكَ بالجماع ؛ لورود الشرع بِهِ، فَلاَ يقاس عَلَيْهِ سائر أنواع الفطر كَمَا لا يقاس عَلَيْهِ سائر أنواع الفطر ؛ كَمَا لا يقاس عَلَيْهِ القيء وابتلاع الحصاة مَعَ استوائهما في بطلان الصوم ، ووجوب القضاء )) ( ) .

وفي رِوَايَة عن أحمد : أنَّهُ تجب الكفارة عَلَى المجامع في نهار رَمَضَان عامداً أم

ناسياً ( ) .

ويتفرع عَلَى هَذَا أيضاً

اختلاف الفقهاء في الكفارة هَلْ هِيَ عَلَى الترتيب أَمْ عَلَى التخيير ؟

اختلف الفقهاء في تحديد الكفارة عَلَى مَن أفطر عامداً في رَمَضَان هَلْ هِيَ مقيدة بالترتيب أم أنها عَلَى التخيير ؟

فذهب أبو حَنِيْفَةَ ( ) ، والأوزاعي ( ) ، والثوري ( ) ، والشافعي ( ) ، وأحمد في أصح الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ( ) ، إِلَى أنّ الكفارة مقيدة عَلَى الترتيب الوارد في الْحَدِيْث ، فهي عتق رقبة ، فإن لَمْ يجد فصيام شهرين متتابعين ( ) ، فإن لَمْ يستطع ، فإطعام ستين مسكيناً ، وَهُوَ مذهب الظاهرية ( ) ، والزيدية ( ) .

في حِيْن ذهب مالك وأصحابه ( ) ، وأحمد في رِوَايَة عَنْهُ ( ) إِلَى أنّ الكفارة عَلَى التخيير ، أي : أنَّهُ مخيّر بَيْنَ العتق أو الصيام أو الإطعام بأيِّها كفّر فَقَدْ أوفى ، واستدلوا برواية مالك وابن جريج ومَن تابعهم لحديث أبي هُرَيْرَةَ ( أمره رَسُوْل الله أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً ) ، و ( أو ) هنا تقتضي التخيير ، واختار مالك الإطعام ؛ لأنَّهُ يشبه البدل من الصيام ، فَقَالَ مالك : (( الإطعام أحب إليَّ في ذَلِكَ من العتق وغيره )) ( ) ، وَعَنْهُ في رِوَايَة أخرى – جواباً لسائله –: (( الطعام ، لا نعرف غَيْر الطعام لا يأخذ مالك بالعتق ولا بالصيام )) ( ) .

وذهب الحسن البصري ( ) إِلَى التخيير بَيْنَ العتق ، ونحر بدنة ، واستدل بحديث أرسله هُوَ (( أنّ النَّبِيَّ قَالَ في الَّذِي وطئ امرأته في رَمَضَان : رقبة ثُمَّ بدنة )) ( ) .

وروي عن الشعبي ( ) ، والزهري ( ) أنّ مَن أفطر في رَمَضَان عامداً فإنّ عَلَيْهِ عتق رقبة ، أو إطعام ستين مسكيناً ، أو صيام شهرين متتابعين مَعَ قضاء اليوم . قَالَ ابن عَبْد البر : (( وفي قَوْل الشعبي والزهري ما يقضي لرواية مالك بالتخيير في هَذَا الْحَدِيْث )) ( ) .

 

المبحث الثاني

مخالفة الْحَدِيْث للقرآن الكريم

من المتفق عَلَيْهِ بَيْنَ المُسْلِمِيْنَ أنّ القرآن الكريم من حَيْثُ الثبوت قطعي لا مراء فِيْهِ، في حين أنّ خبر الآحاد لا يعدو كونه ظني الثبوت ، إذ إنّ احتمال وجود الخطأ في رِوَايَة الحفاظ الثقات أمر وارد ، وَقَدْ قَالَ الإمام أحمد : (( ومن ذا الَّذِي يعرى من التصحيف والخطأ )) ( ) .

ومع توافر هَذِهِ الشبهة في خبر الآحاد ، فإنه لا مجال للقول بقطعية ثبوته ؛ لأنّ (( ما فِيْهِ شبهة لا يعارض ما لَيْسَ فِيْهِ شبهة )) ( ) . ومن ثَمَّ فإنه لا وجه للقول باستوائهما من ناحية الاستدلال ، فضلاً عن تعارضهما ؛ لذا نجد فقهاء الحنفية ( ) وبعض فقهاء المالكية ( ) عند معارضة خبر الآحاد للقرآن الكريم يوجبون ردّه ، أو تأويله عَلَى وجه يجمع بَيْنَهُمَا .

ويُعلّلون هَذَا الاشتراط : بأنّ (( خبر الواحد يحتمل الصدق والكذب ، والسهو والغلط ، والكتاب دليل قاطع ، فَلاَ يقبل المحتمل بمعارضة القاطع ، بَلْ يخرج عَلَى موافقته بنوع تأويل )) ( ) .

وبالمقابل فإننا نجد الجُمْهُوْر يلغون هَذَا الاشتراط ، ويجوزون تخصيص عموم نصوص الكِتَاب بخبر الواحد عِنْدَ التعارض، كَمَا يجوز تقييد ما أطلق من نصوصه بِهَا ( )؛ وذلك أنّ الحنفية ومن وافقهم يرون الزيادة عَلَى النص نسخاً ( ) ، وكيف يصح رفع المقطوع بالمظنون ؟

والجمهور يقولون : إنّ الزيادة عَلَى النص ليست من باب النسخ دائماً ( ) ، وإنما قَدْ تَكُوْن بياناً ، أو تخصيصاً ، أو تقييداً . وفي مسألة البيان لا يشترط تكافؤ الأدلة من حَيْثُ عدد ناقليها .

ونستطيع أن نتلمس أثر هَذَا الخلاف في اختلاف الفقهاء من خلال الأمثلة الآتية :

النموذج الأول :

حَدِيْث فاطمة بنت قيس قالت: (( طلقني زوجي ثلاثاً لَمْ يجعل لي سكنى ولا نفقة، فأتيت رَسُوْل الله فذكرت لَهُ ذَلِكَ ، فقلت لَهُ : إنَّهُ لَمْ يجعل لي سكنى ولا نفقة ، قَالَ : صدق )) ( ) .

رَوَاهُ مالك ( )، والشافعي ( )، وعبد الرزاق ( )، والحميدي ( )، وسعيد( ) بن مَنْصُوْر( )، وابن سعد( )، وابن الجعد( )، وابن أبي شيبة( )، وأحمد( )، والدارمي( )، ومسلم ( )، وأبو داود ( )، وابن ماجه( )، والترمذي( )، والنسائي( )، وابن( ) الجارود( )، و( ) الطبري ( )، والطحاوي ( )، وابن حبان ( )، وغيرهم ( ) .

وَقَد اختلف الفقهاء في المطلقة ثلاثاً ( المطلقة غَيْر الرجعية ) إذا لَمْ تَكُنْ حاملاً ، هَلْ تجب لها النفقة والسكن أم لا ؟ عَلَى ثلاثة أقوال :

القول الأول : أنّ المطلقة البائن بينونة كبرى غَيْر الحامل تجب لها النفقة والسكنى عَلَى الزوج المُطَلِّق .

روي ذَلِكَ عن: عمر ، وابن عمر ، وابن مسعود ، وعائشة ( )، والنخعي ، وابن شبرمة ( ) ، والثوري ، والحسن بن صالح ، وعثمان البتي ( ) ، وعبيد الله بن الحسن ( ) العنبري ( ) .

وَهُوَ رِوَايَة عن سعيد بن المسيب ( ) .

وبه قَالَ الحنفية ( ) .

واستدلوا : بأنّ الله – تبارك وتعالى – افتتح سورة الطلاق بقوله – جل ذكره –: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ( ) ، فإنّ الخطاب فِيْهَا شامل للمطلقة الرجعية والمبتوتة ، فلما قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ بآيات : أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ( ) كان أمراً شاملاً للجميع ، فدخلت تحته البائنة والرجعية واستويتا في الحكم من حَيْثُ وجوب السكن ( ) .

وأجابوا عن حَدِيْث فاطمة بأنه مخالف لنص القرآن الصريح، واستناداً إِلَى هَذِهِ المخالفة رد حديثها سيدنا عمر بن الخطاب فروى الطحاوي عَنْهُ أنَّهُ قَالَ : (( لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت )) ( ) .

القول الثاني : لَيْسَ للمطلقة المبتوتة الحائل نفقة أيّاً كَانَت ولا سكن .

روي ذَلِكَ عن: عَلِيٍّ ، وابن عَبَّاسٍ ، وجابر ( )، وطاوس ، وعمرو بن ميمون ( )، والزهري ، وعكرمة ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وداود ( ) .

وَهُوَ رِوَايَة عن : الحسن البصري ، وعطاء ، والشعبي ( ) .

وإليه ذهب أحمد في المَشْهُوْر من مذهبه ( ) ، وبه قَالَت الظاهرية ( ) ، والإمامية ( ) .

واستدلوا بحديث فاطمة ، وقالوا : لا تعارض بينه وبين نصوص الكِتَاب ، وَهُوَ

(( حَدِيْث صَحِيْح صريح في دلالته وأنه يعتبر مخصصاً لعموم آيات الإنفاق والسكن للمعتدات ، وَلَيْسَ بمستغرب أن تَكُوْن السنة النبوية مخصصة لعام القرآن أو مقيدة لمطلقه كَمَا هُوَ معروف في أصول الفقه )) ( ) .

القول الثالث : لها السكن دُوْنَ النفقة .

روي هَذَا عن الفقهاء السبعة ( ) ، والأوزاعي ، وابن أبي ليلى ( ) .

وَهُوَ رِوَايَة عن : سعيد بن المسيب ، والحسن ، وعطاء ، والشعبي ( ) .

وإليه ذهب المالكية ( ) والشافعية ( ) ، والزيدية ( ) ، وأحمد في رِوَايَة ( ) .

 

النموذج الثاني :

حكم القضاء باليمين مَعَ الشاهد

إذا أقام المدعي نصاب الشهادة كاملاً ، وقبل الْقَاضِي مِنْهُمْ شهاداتهم ، حكم بِمَا ادّعاه المدعي بلا خلاف بَيْنَ الْعُلَمَاء ( ) .

وإذا لَمْ يكتمل النصاب وطلب المدَّعِي يمين المدَّعَى عَلَيْهِ ، فحلف المدَّعَى عَلَيْهِ سقطت دعوى المدَّعِي ؛ لأن اليمين للمدَّعَى عَلَيْهِ بقوله عَلَيْهِ الصَّلاَة والسلام : (( البَيِّنَة عَلَى المدَّعِي واليمين عَلَى مَن أنكر )) ( ) . فإن حلف المدَّعِي فهل تقوم يمينه مقام النقص الحاصل في نصاب الشهادة ؟

اتَّفق الفقهاء عَلَى أنَّهُ لا يقضى باليمين ، والحالة هَذِهِ في الحدود ، واختلفوا فِيْمَا سوى ذَلِكَ عَلَى أربعة مذاهب :

الأول : يقضى بالشاهد مَعَ اليمين فِيْمَا سوى الحدود ، من غَيْر فرق بَيْنَ القصاص وسائر الحقوق ، وبه قَالَ ابن حزم ( ) .

الثاني : يقضى بِهِ فِيْمَا سوى الحدود والقصاص ، وَهُوَ قَوْل الهادوية ( ) .

الثالث : يقضى بِهِ في الأموال فَقَطْ ، روي هَذَا عن الخلفاء الأربعة ، وأُبَيّ ابن كعب ( ) ، وابن عمر ، وسعيد بن المسيب ، والقاسم بن مُحَمَّد ( ) ، وأبي بكر بن عَبْد الرَّحْمَان ( ) ، وخارجة بن زيد ( ) ، وعبيد الله بن عَبْد الله بن عتبة ( ) ، وسليمان بن يسار ( ) ، والحسن ، وشريح ( ) ، وإياس بن معاوية ( )، وعلي ابن الْحُسَيْن ( )، ومُحَمَّد الباقر ( )، وربيعة الرأي ( )، وأبي الزناد ، وابن أبي ليلى ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وأبي عُبيد ، وداود بن علي .

وَهُوَ رِوَايَة عن عروة بن الزبير ، وعمر بن عَبْد العزيز ، وروي عن ابن سيرين ، ويحيى بن يعمر( ) ، والزهري ( ) .

وإليه ذهب المالكية ( ) والشافعية ( ) ، والحنابلة ( ) .

وكانت إحدى الحجج المشتركة بَيْنَ هَذِهِ المذاهب ثلاثتها ، حَدِيْث : (( أن النَّبِيَّ قضى باليمين مَعَ الشاهد )) . وسيأتي الكلام عَنْهُ .

الرابع : أنَّهُ لا يقضى باليمين مَعَ الشاهد في شيء مطلقاً .

روي ذَلِكَ عن الشعبي، والنخعي، وعطاء ، والثوري، والأوزاعي ، وابن شبرمة ، وإبراهيم ، والحكم بن عتيبة ( ) .

وَهُوَ رِوَايَة عن : عروة بن الزبير ، والزهري ، وعمر بن عَبْد العزيز ( ) .

وبه قَالَ أبو حَنِيْفَةَ وأصحابه ( ) .

وذكر ابن عَبْد البر أن هَذَا القول لَمْ يرو عن أحد من الصَّحَابَة ( ) .

وأجابوا عن الْحَدِيْث بأنه معارض لنص القرآن الكريم ، وَهُوَ قوله تَعَالَى :

وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ( ) ، والمانع من العمل بهذا الخبر أنَّهُ آحاد معارض للكتاب العزيز ( ) .

وأجاب الجُمْهُوْر عن هَذَا الاعتراض بأن هَذَا الْحَدِيْث في أقل تقديراته يَكُوْن مشهوراً ، فَقَدْ روي عن عدة من الصَّحَابَة هم :

1. عَبْد الله بن عَبَّاسٍ : أخرجه الشَّافِعِي ( ) وأحمد ( ) ومسلم ( ) وأبو داود ( ) والنسائي ( ) وابن ماجه ( ) وأبو يعلى( ) وابن الجارود ( ) والطحاوي ( ) والطبراني ( ) والبيهقي ( ) .

2. أبو هُرَيْرَةَ : عِنْدَ الشَّافِعِي ( ) والترمذي ( ) وأبي داود ( ) وابن ماجه ( ) والطحاوي ( ) .

3. جابر بن عَبْد الله: عِنْدَ أحمد( ) وابن ماجه( ) وابن الجارود( ) والبيهقي( ).

4. سُرَّق( ) : عِنْدَ ابن ماجه ( ) والبيهقي ( ) .

وَقَدْ روي أيضاً من حَدِيْث: عمر، وعلي، وابن عمر، وأبي سعيد الخدري( )، وزيد ابن ثابت( )، وابن عَمْرو( )، وسعد بن عبادة( )، والمغيرة بن شعبة، وبلال بن الحارث( )، وعمارة بن حزم ( ) ، ومسلمة بن قيس ( ) ، وعامر بن ربيعة ( ) ، وسهل بن سعد ، وتميم الداري ( ) ، وأنس ، وأم المؤمنين أم سلمة ( ) ، وزينب بنت ثعلبة ( ) .

وإذا قُلْنَا : إنَّهُ مشهور فإنه يعتبر بياناً للكتاب ، ويصح كونه مخصصاً لعام القرآن كَمَا هُوَ مقرر في أصولهم ( ) .

 

المبحث الثالث

مخالفة الْحَدِيْث لحديث أقوى مِنْهُ

مِمَّا لا شك فِيْهِ أن الأحكام الشرعية مصدرها واحد ، هُوَ الله –تبارك وتعالى– وإذا كَانَ الأمر كَذَلِكَ ، فَقَدْ ذهب كَثِيْر من الْعُلَمَاء إِلَى أنَّهُ يمتنع أن يرد في التشريع دليلان متكافئان في الأمر نفسه ، بِحَيْثُ لا يَكُوْن لأحدهما مرجح مَعَ تعارضهما من كُلّ وجه ( ) .

لَكِنْ مَعَ ذَلِكَ فقد وجدنا عدداً من أدلة الأحكام الشرعية بدت للناظر – من أول وهلة – أنها متعارضة من حَيْثُ الظاهر ، والحقيقة أنَّهُ لا تعارض بَيْنَها ؛ لذا كَانَ الإمام ابن خزيمة يَقُوْل : (( لا أعرف أنَّهُ روي عن النَّبِيّ حديثان بإسنادين صحيحين متضادين ، فمن كَانَ عنده فليأتني بِهِ لأؤلِّف بَيْنَهُمَا )) ( ) .

وَقَد تقاسم المحدّثون والأصوليون الاهتمام بهذا الجانب ، وكرَّسوا لَهُ جزءاً لا يستهان بِهِ من طاقاتهم الفكرية ؛ وذلك من خلال إشباعه بحثاً في مصنفاتهم . فالأصوليون أفردوا لَهُ باباً أسموه " التعارض والترجيح " ، وأما المحدّثون فَقَدْ خصوه بنوع من أنواع علم الْحَدِيْث أسموه " مختلف الْحَدِيْث " تحدّثت عَنْهُ كتب المصطلح ، وأفرده قسم مِنْهُمْ بالتأليف المستقل .

وَقَدْ سلك الفريقان إزاء هَذَا الاختلاف الظاهري ثلاثة مسالك ، هِيَ :

الجمع .

النسخ .

الترجيح .

وهذه المسالك ليست تخيرية للمجتهد ، بَلْ هِيَ واجبة حسب ترتيبها ، فالمجتهد يطلب الجمع بوجه من الوجوه الممكنة من غَيْر تعسف ؛ لأن في الجمع إعمالاً للدليلين معاً ، وإعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما أو إهمال جميعها ( ) .

فإن لَمْ يهتدِ إِلَى وجه الجمع ، فإن علم تاريخ المتقدم من المتأخر قِيْلَ بالنسخ ، فإن عدم أيضاً صير إِلَى الترجيح بوجه من وجوهه المعتبرة ( ) .

ثُمَّ إن هَذَا التعارض إنما يَكُوْن متجهاً فِيْمَا إذا تساوى الدليلان من حَيْثُ القوة ، أما إذا كَانَ أحدهما صحيحاً والآخر ضعيفاً ، فَلاَ اعتبار بمخالفة الضعيف ، إذ الضعيف غَيْر معتبر في نفسه ، فكيف تستقيم معارضته لما هُوَ أقوى مِنْهُ ؟

وَقَد اختلفت مناهج الفقهاء والمدارس الفقهية في سلوك مسالك دفع التعارض بَيْنَ الأدلة الشرعية المتكافئة المتعارضة من حَيْثُ الظاهر ، فمنهم من يتبين لَهُ وجه جمع بينها ، ومنهم من قَد يرى في الجمع تكلفاً فيلجأ إِلَى القول بالنسخ … وهكذا ، مِمَّا أدّى إِلَى ظهور خلاف بَيْنَ الفقهاء في استنباط الأحكام الَّتِي دلّت عَلَيْهَا تِلْكَ الأدلة، ويتضح ذَلِكَ من الأمثلة الآتية :

النموذج الأول :

مَن يثبت لَهُ حقّ الشفعة :

اختلف الفقهاء فيمن يثبت لَهُ حق الشفعة عَلَى مذهبين :

المذهب الأول : تثبت الشفعة بالخلطة، أي: أن الَّذِي يستحق الشفعة هُوَ الشريك الَّذِي لا تزال شركته قائمة ، وَهُوَ المسمى : الشريك في عين المبيع فَقَطْ .

وبهذا قَالَ جمهور الْفقهاء، روي هَذَا عن عمر وعثمان ( ) وعلي وابن عَبَّاسٍ وجابر وعمر بن عَبْد العزيز وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة بن أبي عَبْد الرَّحْمَان وأبي الزناد والمغيرة بن عَبْد الرَّحْمَان( ) والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور وابن المنذر ( ) .

وإليه ذهب المالكية ( ) والشافعية ( ) والحنابلة ( ) والإمامية ( ) .

وهناك من أثبت حق الشفعة – إضافة للشريك في عين المبيع – للشريك في حق المبيع .

وَهُوَ رِوَايَة عن الإمام أحمد( )، واختارها ابن تيمية( ) وابن القيم( ) من الحنابلة ( )، وبنحوه قَالَ ابن حزم ( ) ؛ إلا أنَّهُ لَمْ يجعلها للشريك في حق المبيع مطلقاً ، وإنما خصّها بكونه شريكاً في الطريق فَقَطْ .

المذهب الثاني : أثبتوا حقّ الشفعة للجار والشريك عَلَى تفاصيل لَهُمْ في تعيين من هُوَ أولى بِهَا .

وبهذا قَالَ : ابن شبرمة والثوري وابن المبارك وابن أبي ليلى ( ) .

وإليه ذهب أبو حَنِيْفَةَ وأصحابه ( ) . وبنحوه قَالَ الزيدية ( ) .

واستدل أصحاب المذهب الثاني بِمَا رَوَاهُ عَبْد الملك بن أبي سليمان العرزمي( ) ، عن عطاء ، عن جابر، مرفوعاً: (( الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بِهَا ، وإن كَانَ غائباً ، إذا كَانَ طريقهما واحداً )) .

رَوَاهُ الطيالسي ( ) وعبد الرزاق ( ) وابن أبي شيبة ( ) وأحمد ( ) والدارمي ( ) وأبو داود ( ) وابن ماجه ( ) والترمذي ( ) وفي العلل الكبير ( ) والنسائي ( ) والطحاوي ( ) والطبراني ( ) البيهقي ( ) وابن عَبْد البر ( ) .

واستدل أصحاب المذهب الأول بِمَا رواه أبو سلمة بن عَبْد الرَّحْمَان ، عن جابر مرفوعاً : (( الشفعة فِيْمَا لَمْ يقسم ، فإذا وقعت الحدود ، وصرفت الطرق ، فَلاَ شفعة)).

رَوَاهُ الشافعي ( ) والطيالسي ( ) وعبد الرزاق ( ) وأحمد ( ) وعبد بن حميد ( ) والبخاري( ) وأبو داود( ) وابن ماجه( ) والترمذي( ) وابن الجارود( ) و الدولابي( ) والطحاوي ( ) وابن حبان ( ) وابن عدي ( ) والدارقطني ( ) والبيهقي ( ) والبغوي( ) .

وجه الدلالة من هَذَا الْحَدِيْث: أن الأملاك إذا استقلت وتحدد كُلّ مِنْهَا، فَلاَ يبقى هناك مجال للشفعة ، وهذا حال الجار ، إذ مُلْكُهُ بيِّنٌ واضِحٌ ( ) .

وأجابوا عن الْحَدِيْث الَّذِي استدل بِهِ أصحاب المذهب الثاني بعدة أمور ، مِنْهَا :

معارضته لما هُوَ أصح مِنْهُ ، وَهُوَ حَدِيْث جابر الَّذِي استدلوا بِهِ ، قَالَ ابن القيم :

(( والذين ردوا حَدِيْث عَبْد الملك بن أبي سليمان ظنوا أنَّهُ معارض لحديث جابر الَّذِي رَوَاهُ أبو سلمة عَنْهُ : (( الشفعة فِيْمَا لَمْ يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق ، فَلاَ شفعة )) .

وفي الحقيقة لا تعارض بَيْنَهُمَا ، فإن منطوق حَدِيْث أبي سلمة انتفاء الشفعة عِنْدَ تمييز الحدود وتصريف الطرق ، واختصاص كُلّ ذي ملك بطريق ، ومنطوق حَدِيْث عَبْد الملك : إثبات الشفعة بالجوار عِنْدَ الاشتراك في الطريق ، ومفهومه : انتفاء الشفعة عِنْدَ تصريف الطرق ، فمفهومه موافق لمنطوق حَدِيْث أبي سلمة وأبي الزبير ، ومنطوقه غَيْر معارض لَهُ ، … )) ( ) .

 

المبحث الرابع

مخالفة الْحَدِيْث لفتوى راويه أو عمله

وضع الحنفية شروطاً للعمل بخبر الآحاد، يمكن أن تَكُوْن عاضداً للظن الَّذِي يوجبه خبر الواحد ( ) .

ومن بَيْن تِلْكَ الشروط : أن لا يعمل الرَّاوِي بخلاف روايته ( )، ووافقهم عَلَى هَذَا بَعْض المالكية ( )؛ لأنَّهُ ما عمل بخلافه إلا وَقَدْ تيقن من طريق صحيحة نسخه ، أو صرفه عن ظاهره بتأويله أو تخصيصه ، سواء كَانَ هَذَا من معاينة حال رَسُوْل الله  ، أو سَمَاع نصٍ جلي صريح مِنْهُ ، أو علم إجماع الصَّحَابَة عَلَى خلاف مضمونه، فأوجب هَذَا عَلَيْهِ القول بمقتضى المتأخر من حَيْثُ علمه ( ) .

وفصّل أبو بكر الرازي الجصاص من الحنفية ، فرأى أن الخبر المروي عَلَى هَذِهِ الصورة لا يخلو عن حالتين :

الأولى : أن يَكُوْن الخبر محتملاً للتأويل ، فعند ذَلِكَ لا يؤخذ بتأويل الصَّحَابِيّ فمن دونه ، ويبقى الخبر عَلَى ظاهره معمولاً بمنطوقه ، إلاّ عِنْدَ قيام دلالة عَلَى وجوب صرفه إِلَى ما يؤوله الرَّاوِي .

الثانية : أن لا يحتمل الخبر تأويلاً ، ولا يمكن أن يَكُوْن لفظ الْحَدِيْث تعبيراً من الصَّحَابِيّ ، فهذا الَّذِي يتوقف في قبوله والعمل بِهِ ( ) .

وجمهور الفقهاء والأصوليين عَلَى خلافه ، إذ لا يلزم من مخالفة الصَّحَابِيّ للحديث الَّذِي يرويه ، أن يَكُوْن قَد اطَّلع عَلَى ناسخ لَهُ ، أو بدا لَهُ وجه تأويله ( )، ثُمَّ إن المقتضي للحكم هُوَ ظاهر اللفظ في الخبر ، وَهُوَ قائم ، وما عارضه من فعل الرَّاوِي لا يصلح أن يَكُوْن معارضاً ؛ وذلك لأن احتمال تمسكه بِمَا ظنه دليلاً – مَعَ أنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ – قائم ، وتَدَيّن الصَّحَابِيّ وإحسان الظن بِهِ ، يمنعه من تعمد الخطأ ، أما السهو والغلط فممكن عَلَيْهِ ، كَمَا هُوَ ممكن عَلَى غيره ( ) .

وقول الصَّحَابِيّ – مهما كَانَتْ مكانته – لا تقاوم الوقوف بوجه النص ، لا سيما إذا كَانَ النص لا يحتمل التأويل ، وإنما يعدُّ هَذَا من اجتهادات ذَلِكَ الصَّحَابِيّ ، والأمة ملزمة بالعمل بالنص ، وغير ملزمة بالعمل باجتهادات الصَّحَابَة ، قَالَ الشَّافِعِيّ – رَحِمَهُ اللهُ – : (( كيف أترك الْحَدِيْث بعمل من لَوْ عاصرته لحاججته )) ( ) .

والحديث – إذا صَحَّ سنده واتضحت دلالته – حجة عَلَى الأمة ، بِمَا فِيْهَا الصَّحَابِيّ ( ) ؛ لذا قَالَ ابن القيم: (( والذي ندين الله بِهِ ولا يسعنا غيره – وَهُوَ القصد في هَذَا الباب – أن الْحَدِيْث إذا صَحَّ عن رَسُوْل الله ، وَلَمْ يصح عَنْهُ حَدِيْث آخر ينسخه : أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه وترك كُلّ ما خالفه ، ولا نتركه لخلاف أحد من الناس كائناً من كَانَ لا راويه ولا غيره، إذ من الممكن أن ينسى الرَّاوِي الْحَدِيْث ، أو لا يحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته عَلَى تِلْكَ المسألة ، أو يتأول فِيْهِ تأويلاً مرجوحاً ، أو يقوم في ظنه ما يعارضه ، ولا يَكُوْن معارضاً في نفس الأمر، أو يقلّد غيره في فتواه بخلافه ؛ لاعتقاده أنَّهُ أعلم مِنْهُ ، وإنه إنما خالفه لما هُوَ أقوى مِنْهُ ، وَلَوْ قُدّر انتفاء ذَلِكَ كله ، ولا سبيل إِلَى العِلْم بانتفائه ولا ظنه ، لَمْ يَكُنْ الرَّاوِي معصوماً ، وَلَمْ توجب مخالفته لما رَوَاهُ سقوط عدالته ، حَتَّى تغلب سيئاته حسناته ، وبخلاف هَذَا الْحَدِيْث الواحد لا يحصل لَهُ ذَلِكَ )) ( ) .

ومهما يَكُنْ الأمر فإن هَذَا التأصيل قَد انعكس عَلَى المجال الفقهي ، فوجدت خلافات بَيْنَ الفقهاء ، كَانَ مرجعها إِلَى هَذَا الأصل، ونلمس هَذَا جلياً من خلال الأمثلة الآتية :

 

 

النموذج الأول :

اشتراط الولي في النكاح

اختلف الفقهاء في اشتراط إذن الولي لصحة عقد النكاح عَلَى قولين :

الأول : لا يصح عقد النكاح من غَيْر ولي ، وَهُوَ شرط في صحة العقد .

وبهذا قَالَ الجُمْهُوْر ، وَهُوَ مروي عن : عمر وعلي وابن مسعود وابن عَبَّاسٍ وأبي هُرَيْرَةَ وعائشة.وبه قَالَ: سعيد بن المسيب والحسن وعمر بن عَبْد العزيز وجابر بن زيد( ) والثوري وابن أبي ليلى وابن شبرمة وابن المبارك وعبيد الله العنبري وإسحاق بن راهويه وأبو عبيد . وَقَد روي عن ابن سيرين والقاسم بن مُحَمَّد والحسن بن صالح ( ) .

وإليه ذهب الشافعية ( ) والمالكية ( ) والحنابلة ( ) والظاهرية ( ) والزيدية ( ) .

وَقَالَ الصاحبان : لا يصح النكاح إلا بولي ، فإذا رضي الولي جاز ، وإن أبى – والزوج كفوء – أجازه الْقَاضِي ( ) .

الثاني : يجوز للمرأة أن تزوج نفسها مِمَّنْ تشاء ، وَلَيْسَ للولي أن يعترض عَلَيْهَا ، إذا وضعت نفسها حَيْثُ ينبغي أن تضعها .

وَهُوَ مروي عن الزهري والشعبي ( ) .

وإليه ذهب أبو حَنِيْفَةَ وزفر ( ) .

وأما الإمامية ففصلوا بَيْنَ الثيّب والبكر ، فإن كَانَتْ بكراً رشيدة فَقَد اختلف فقهاؤهم فِيْهَا عَلَى أقوال :

ثبوت الولاية لنفسها في العقد الدائم والمؤقت .

ثبوت الولاية لنفسها في العقد الدائم دُوْنَ المنقطع .

عكس الَّذِي قبله ، أي : ثبوت الولاية لنفسها في العقد المؤقت دُوْنَ الدائم .

لَيْسَ لها ولاية عَلَى نفسها سواء كَانَ العقد دائماً أو منقطعاً ، إذا كَانَ الولي الأب أو الجد للأب .

الكل شركاء في حق الولاية ، فَلاَ يمضي العقد إلا برضا الْجَمِيْع .

فإن عضلها الولي ، وَكَانَ المتقدّم كفوءاً ، وكانت راغبة في الزواج مِنْهُ ، فلها أن تُزَوِّج نفسها إجماعاً في المذهب ( ) .

أما الصغيرة فتثبت ولاية الأب والجد للأب عَلَيْهَا بكراً كَانَتْ أو ثيّباً ، وإذا زوجها أحدهما وَهِيَ صغيرة لزمها عقده ، ولا خيار لها إذا بلغت عَلَى الأشهر عندهم ( ) .

وإذا كَانَتْ ثيّباً بالغةً فليس لأحد ولاية عَلَيْهَا ( ) .

واستدل القائلون بالاشتراط بحديث عَائِشَة رضي الله عَنْهَا عن رَسُوْل الله :(( أيّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل، ثلاث مرات، فإن دخل بِهَا فلها المهر بِمَا أصاب مِنْهَا ، فإن تشاجروا فالسلطان ولي مَن لا ولي لَهُ)) .

رَوَاهُ الشَّافِعِيّ ( )، والطيالسي ( )، وعبد الرزاق ( )، والحميدي ( )، وسعيد ابن مَنْصُوْر ( )، وأحمد ( )، والدارمي ( )، وأبو داود ( )، وابن ماجه ( )، والترمذي ( ) ، والنسائي ( ) ، وأبو يعلى ( ) ، وابن الجارود ( )، والطحاوي ( ) ، وابن حبان ( )، وابن عدي ( )، والدارقطني ( )، والحاكم ( )، والسهمي ( )، وأبو نعيم ( )، والبيهقي ( )، والخطيب ( )، وابن عَبْد البر ( )، والبغوي ( ).

وَقَدْ أجاب أصحاب المذهب الثاني عن هَذَا الْحَدِيْث ، بأنه قَدْ عارضه فعلها ، وأنها فعلت خلاف ما روت ، فَقَالَ الطحاوي : (( ثُمَّ لَوْ ثبت ما رووا من ذَلِكَ عن الزهري ، لكان قَدْ روي عن عَائِشَة – رضي الله عَنْهَا – ما يخالف ذَلِكَ )) ( ) .

ثُمَّ رَوَى من طريق مالك ، أن عَبْد الرَّحْمَان بن القاسم أخبره ، عن أبيه ، عن عَائِشَة زوج النَّبِيّ أنها زوجت حفصة بنت عَبْد الرَّحْمَان ( ) ، المنذر بن الزبير ( ) ، وعبد الرَّحْمَان غائب بالشام .

فلما قدم عَبْد الرَّحْمَان قَالَ : أمثلي يصنع بِهِ هَذَا ، ويفتات( ) عَلَيْهِ ؟ فَكُلِّمَتْ عَائِشَة عن المنذر ، فَقَالَ المنذر : إن ذَلِكَ بيد عَبْد الرَّحْمَان ، فَقَالَ عَبْد الرَّحْمَان : ما كنت أرد أمراً قضيته ، فقرت حفصة عنده ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طلاقاً )) ( ) .

فلولا أنها كَانَتْ ترى عدم اشتراط الولي لصحة عقد النكاح، لما فعلته مع ابنة أخيها ، وهذا يدل عَلَى وجود ناسخ أو تأويل لما روته من اشتراطه .

ورد الجُمْهُوْر هَذَا الاستدلال  : بأنه لَيْسَ في خبر عَائِشَة هَذَا التصريح بأنها باشرت العقد بنفسها ، فَقَدْ تَكُوْن مهدت لأسبابه ، فإذا جاء العقد أحالته إِلَى الولي بدليل ما روي عن عَبْد الرَّحْمَان بن القاسم ، قَالَ : (( كنت عِنْدَ عَائِشَة يخطب إليها المرأة من أهلها فتشهد ، فإذا بقيت عقدة النكاح، قالت لبعض أهلها: زَوّج فإن المرأة لا تلي عقد النكاح )) ( ) .

فإذا علمنا أن مذهبها هَذَا الَّذِي رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَان بن القاسم عَنْهَا ، اتَّضح أن مراد الرَّاوِي بقوله : (( زوجت حفصة )) ، أي : هيأت الأسباب ، فانتفت المخالفة المظنونة ، لما روت عن رَسُوْل الله .

النموذج الثاني :

طهارة الإناء من ولوغ الكلب

اختلف الفقهاء في عدد الغسلات الَّتِي يحصل بِهَا التطهير من ولوغ الكلب عَلَى قولين :

الأول : ذهب جمهور الفقهاء إِلَى أنَّ الإناء يغسل سبع مرات من ولوغ الكلب ، واختلفوا في نجاسة سؤره واشتراط التتريب ، وهل الأمر بالغسل للنجاسة أم هُوَ للتعبد ؟ عَلَى النحو الآتي :

ذهب الشافعية إِلَى أن سؤر الكلب نجس ، ويغسل الإناء سبعاً أولاهن بالتراب ، والأمر بالغسل سبعاً للتعبد( ).

ذهب مالك إِلَى أن الأمر بإراقة سؤر الكلب وغسل الإناء مِنْهُ ، عبادة غَيْر مدركة العلة ، والماء الَّذِي ولغ فِيْهِ لَيْسَ بنجس، وَلَمْ يرَ إراقة ما سوى الماء في أشهر الروايات عَنْهُ ( ) .

قَالَ المازري( ): ((اختلف في غسل الإناء من ولوغ الكلب، هَلْ هُوَ تعبد أو لنجاسته ؟ فعندنا أنَّهُ تعبد، واحتج أصحابنا بتحديد غسله سبع مرات: أنَّهُ لَوْ كَانَتْ العلة النجاسة لكان المطلوب الإنقاء، وَقَدْ يحصل في مرة واحدة))( ) .

ذهب الحنابلة إِلَى أن سؤر الكلب نجس، ويجب غسل الإناء مِنْهُ سبعاً ، إحداهن بالتراب ، من غَيْر تحديد لمكانها من السبع ( ) .

قَالَ الظاهرية : سؤر الكلب طاهر ، وغسل الإناء مِنْهُ سبعاً إذا ولغ فِيْهِ فرض ، وما في الإناء من طعام وشراب وماء فَهُوَ طاهر ( ) .

قَالَ الزيدية : التسبيع في غسل الإناء وتتريبه واجب ، من غَيْر تعيين لغسل التراب ، وهذا الحكم يخالف غسل سائر النجاسات ؛ لحكمة مختصة غَيْر معقولة ( ) .

الثاني : ذهب الحنفية إِلَى نجاسة الكلب ، وأن الإناء الَّذِي يلغ فِيْهِ يجب غسله مرتين أو ثلاثاً كسائر النجاسات من غَيْر حدٍّ ، وأن الأمر بالغسل للتنجيس لا للتعبد ؛ لأن الجمادات لا يلحقها حكم العبادات ، والزيادة في العدد والتعفير بالتراب دليل عَلَى غلظ النجاسة ( ) .

وبنحو هَذَا القول : قَالَ الليث بن سعد وسفيان الثوري ؛ إلاَّ أنهما قيدا الغسل بطمأنينة القلب إِلَى زوال النجاسة ، سواء كَانَتْ الغسلات سبعاً أو أقل أو أكثر ( ) .

وإليه ذهب الإمامية ، فقالوا : يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً ، تَكُوْن الثانية مِنْهَا بالتراب ، وإن الكلب نجس ، لا يجوز التطهر بِمَا أفضل ، ويجب إراقته ( ) .

واستدل القائلون بالمذهب الأول بِمَا صح عن أبي هُرَيْرَةَ ، قال : قَالَ رَسُوْل الله : (( إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات )) . وفي رِوَايَة : (( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثُمَّ يغسله سبع مرات )) . وفي رِوَايَة : (( طهور إناء أحدكم إذا ولغ فِيْهِ الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب )) .

والحديث رَوَاهُ عَبْد الرزاق ( ) والحميدي ( ) وأحمد ( ) والبخاري ( ) ومسلم ( ) وأبو داود ( ) وابن ماجه ( ) والترمذي ( ) والنسائي ( ) وابن خزيمة ( ) .

واعترض القائلون بالمذهب الثاني عَلَى استدلال الجُمْهُوْر ، بأن أبا هُرَيْرَةَ – راوي الْحَدِيْث – أفتى بخلاف ما رَوَى، وَهُوَ الغسل ثلاثاً، فكان دليلاً عَلَى وجود النسخ ( ). فروى الطحاوي ( ) والدارقطني ( ) من طريق عَبْد الملك بن أبي سليمان العرزمي، عن عطاء ، عن أبي هُرَيْرَةَ – في الإناء يلغ فِيْهِ الكلب أو الهر – قَالَ: (( يغسل ثلاث مرات )).

وأجاب الجُمْهُوْر عن اعتراضهم : بأن هَذِهِ الرِّوَايَة تفرد بِهَا العرزمي ، ونص الحفاظ عَلَى خطئه فِيْهَا ، ومخالفته للثقات .

إذا رَوَى الدارقطني ( ) من طريق حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن مُحَمَّد بن سيرين ، عن أبي هُرَيْرَةَ – في الكلب يلغ في الإناء – قَالَ :(( يراق ويغسل سبع مرات )). قَالَ الدارقطني : (( صَحِيْح موقوف )) .

ومما يشد عضد هَذِهِ الرِّوَايَة أنها موافقة للمرفوع ، فظهر بِهَا أن عَبْد الملك بن أبي سليمان العرزمي أخطأ فِيْهَا ، وَقَدْ قَالَ عَنْهُ الإمام أحمد : (( ثقة يخطئ )) ( ). وَقَالَ الحَافِظ ابن حجر : (( صدوق لَهُ أوهام )) ( ) .

وَقَدْ رجّح الرِّوَايَة الموافقة للحديث المرفوع البيهقي ، فَقَالَ : (( تفرد بِهِ عَبْد الملك من أصحاب عطاء ، ثُمَّ من أصحاب أبي هُرَيْرَةَ ، والحفاظ الثقات من أصحاب عطاء وأصحاب أبي هُرَيْرَةَ يروون سبع مرات ، وفي ذَلِكَ دلالة عَلَى خطأ رِوَايَة عَبْد الملك بن أَبِي سليمان ، عن عطاء عن أبي هُرَيْرَةَ في الثلاث ، وعبد الملك لا يقبل مِنْهُ ما يخالف الثقات ، لمخالفته أهل الحفظ والثقة في بَعْض روايته ، تركه شعبة بن الحجاج ، وَلَمْ يحتج بِهِ البُخَارِيّ في صحيحه )) ( ) .

وَقَالَ ابن حجر : (( ورواية من رَوَى عَنْهُ موافقة فتياه لروايته أرجح من رِوَايَة من رَوَى عَنْهُ مخالفتها من حَيْثُ الإسناد ومن حَيْثُ النظر ، أما النظر فظاهر ، وأما الإسناد فالموافقة وردت من رِوَايَة حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عَنْهُ ، وهذا من أصح الأسانيد ، وأما المخالفة فمن رِوَايَة عَبْد الملك بن أبي سليمان ، عن عطاء ، وَهُوَ دُوْنَ الأول في القوة بكثير )) ( ) .

 

المبحث الخامس

مخالفة الْحَدِيْث للقياس

ذهب جمهور عُلَمَاء الأمة إِلَى القول بحجية القياس ، وأنه أحد أدلة الأحكام الشرعية ومصادرها في الفقه الإسلامي  ( ) .

والقياس هُوَ : حمل معلوم عَلَى معلوم في إثبات حكم لهما ، أو نفيه عنهما ، بأمرٍ جامع بَيْنَهُمَا من إثبات حكم أو صفة أو نفيهما عنهما  ( ) .

لذا كَانَ مبتنى القياس النظر والإستنباط من تصرفات الشارع وربط الأحكام بعللها، فإذا عارض خبر الواحد القياس ، فأي مِنْهُمَا يقدم موجبه عَلَى الآخر ؟

اشتهر عن الحنفية اشتراط عدم مخالفة خبر الواحد للقياس حَتَّى يصح العمل بِهِ كدليل مستقل ، والحق أن هَذَا الموطن لَيْسَ محل اتفاق بَيْنَهُمْ ، بَلْ هناك تفصيل في مذهبهم عَلَى النحو الآتي :

إذا تعارض خبر الآحاد مَعَ القياس فأكثر المتقدمين من الحنفية عَلَى تقديم الخبر وافق القياس أو خالفه ؛ لأن القياس اجتهاد ولا اجتهاد في مورد النص .

وأما الَّذِيْنَ قالوا بتقديم القياس عَلَى خبر الواحد فهم بَعْض المتقدمين مِنْهُمْ ، وتابعهم عَلَيْهِ كَثِيْر من المتأخرين ، ولكنهم لَمْ يقولوا بالرد بإطلاق ، بل قسموا الرُّوَاة على قسمين :

الأول : الرُّوَاة المعروفون بالضبط والفقه والاجتهاد ، كالخلفاء الأربعة والعبادلة ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت – رضي الله عَنْهُمْ – فهؤلاء تقبل أخبارهم باتفاق .

الثاني : الرُّوَاة الَّذِيْنَ اشتهروا بالرواية ، وَلَمْ يعرفوا بالفقه والاجتهاد والفتيا ، فإذا جاءوا بخبر الآحاد ، فإن وافق القياس قبل ، وإن خالف القياس ووافق قياساً آخر قبل أيضاً ، وإن خالف جَمِيْع الأقيسة ، فَقَالَ عيسى بن أبان( ) والقاضي أبو زيد الدبوسي( ) وتابعهما أكثر المتأخرين من الحنفية أنَّهُ لا يقبل  ( ) .

وَهُوَ قولٌ للمالكية ( ) .

وفصّل أبو الْحُسَيْن البصري( ) من المعتزلة تفصيلاً آخر ، فرأى أن القياس يقدّم عَلَى خبر الواحد في حالة ثبوت علة القياس بدليل قاطع ، وعلل ذَلِكَ بأن النص عَلَى العلة كالنص عَلَى حكمها ، فحينئذ القياس قطعي ، وخبر الآحاد ظني،والقطعي مقدم عَلَى الظني ( ).

واستدلوا بأن عرض خبر الواحد عَلَى القياس كَانَ من ضمن المناهج الَّتِي اتبعها الصَّحَابَة في نقد المرويات وتمحيص الأخبار ، فهذا ابن عَبَّاسٍ يرد عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ عندما حدّث بحديث : (( توضؤوا مِمَّا مست النار )) ، قائلاً : أنتوضأ من الدُّهن ، أنتوضأ من الحميم ؟ فَقَالَ أبو هُرَيْرَةَ : (( يا ابن أخي إذا سَمِعْت حديثاً عن رَسُوْل الله فَلاَ تضرب لَهُ الأمثال )) . ( )

فابن عَبَّاسٍ قَدْ توقف في قبول خبر أبي هُرَيْرَةَ وعارضه بالقياس .

وأجاب الجُمْهُوْر : بأن دعوى أن مِثْل هَؤُلاَءِ من الصَّحَابَة – كأبي هُرَيْرَةَ وأنس – ليسوا من أهل الفقه ، أمر فِيْهِ نظر طويل ، ولوا أمعنا النظر في مروياته وآرائه لعلمنا رجاحة عقليته الفقهية ، وإجابته لابن عَبَّاسٍ تدل عَلَى هَذَا دلالة لايشوبها لبس أو غموض.

وأمَّا حديث الوضوء مِمَّا مست النار، فَلَمْ يَكُنْ رد ابن عَبَّاسٍ لَهُ مستنداً إِلَى مخالفة القياس ، وإنما كَانَ الْحَدِيْث عِنْدَ ابن عَبَّاسٍ منسوخاً بحديث : (( أن النَّبِيّ أكل كتف شاة وصلى وَلَمْ يتوضأ )) ( ).

عَلَى أن أبا هُرَيْرَةَ لَمْ يَكُنْ منفرداً برواية حَدِيْث الوضوء مِمَّا مست النار ، إذ شاركه في روايته : أبو أيوب ( ) ، وأبو طلحة ( ) ، وزيد بن ثابت ( ) ، وأم حبيبة ( ) ، وعائشة ( ) ، وأبو موسى الأشعري ( ) ، وسهل( ) بن الحنظلية ( )، وأم سلمة ( )، وأنس بن مالك ( )، وعبد الله بن عمر ( ) ومعاذ بن جبل ( )، وعبد الله بن زيد ( ) ، وغيرهم؛ حَتَّى عدّوه من المتواتر ( ) .

فالراجح من ناحية النظر والدليل : ماذهب إِلَيْهِ جمهور الْعُلَمَاء ، لذا قَالَ ابن جَمَاعَة : (( والصحيح الَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّة الْحَدِيْث أو جمهورهم ، أن خبر الواحدالعدل المتصل في جَمِيْع ذَلِكَ مقبول وراجح عَلَى القياس المعارض لَهُ ، وبه قَالَ الشَّافِعِيّ وأحمد ابن حنبل وغيرهما من أَئِمَّة الْحَدِيْث والفقه والأصول ))( ).

غَيْر أن هَذَا الاختلاف في المواقف بشأن مخالفة خبر الواحد للقياس تَرَكَ أثراً في الإستنباطات الفقهية نلمسها جلية في الأمثلة الآتية :

 

النموذج الأول : الانتفاع بالعين المرهونة

اختلف الْعُلَمَاء في العين المرهونة ، هَلْ يجوز الانتفاع بِهَا ؟ عَلَى قولين :

الأول : يجوز للمرتهن الانتفاع بالعين المرهونة إذا كَانَت مركوباً أو محلوباً ، أذِن الراهن أم لَمْ يأذن .

وبه قَالَ إسحاق ( ) ، والحنابلة ( ) ، والظاهرية ( ) .

الثاني : لا يجوز الانتفاع بالعين المرهونة وبه قَالَ جمهور الفقهاء ، عَلَى تفصيل مختلف بَيْنَهُمْ عَلَى النحو الآتي :

قَالَ الحنفية : لَيْسَ للراهن ولا المرتهن الانتفاع بالمرهون مطلقاً ، لا بالسكنى ولا بالركوب ولا بغيرهما ، إلا بإذن كُلّ مِنْهُمَا للآخر .

وفي قَوْل لَهُمْ: لا يجوز الانتفاع للمرتهن ولو أذن الراهن ؛ لأنَّهُ ربا .

وَلَهمْ قَوْل آخر: إنْ شَرَطَهُ في العقد كَانَ رباً ، وإلا جاز للمرتهن الانتفاع بإذن الراهن  ( ) .

قَالَ المالكية : ما ينتج عن المرهون ملك للراهن ، والمرتهن نائب عَنْهُ في تحصيلها ، ويحق للمرتهن الانتفاع بِهَا بشروط هِيَ :

أن يشترط ذَلِكَ في صلب العقد .

أن تَكُوْن المدة معينة .

ألا يَكُوْن المرهون بِهِ دين قرض.

فإذا فاتهم الاشتراط في العقد ، ثُمَّ أذن الراهن للمرتهن بالانتفاع لَمْ يَجُزْ  ( ) .

3 – قَالَ الشافعية : لَيْسَ للمرتهن من المرهون إلا حقه في التوثق من دينه ، ويمنع من كُلّ تصرف أو انتفاع بالعين المرهونة ، وللراهن مِنْهَا كُلّ نفع لاينقص القيمة كالركوب والحلب والسكنى ونحوها ، وأما ما ينقص القيمة كالبناء في الأرض والغرس فِيْهَا فَلاَ يجوز إلا بإذن المرتهن  ( ) .

4-  قَالَ الزيدية : لَيْسَ للمرتهن إلا حق الحبس ، وإن استعمله فعليه الأجرة للراهن( ).

قَالَ الإمامية : لا يجوز تصرف كُلّ من الراهن والمرتهن بالعين المرهونة إلا بإذن من أحدهما للآخر  ( ) .

وَقَالَ أحمد في رِوَايَة : أن المرهون وإن كَانَ محلوباً أو مركوباً فَهُوَ متبرع بنفقته عَلَيْهِ، ولا يحل لَهُ الانتفاع مِنْهُ بشيء ( )   .

واستدل القائلون بالجواز بِمَا رَوَى أبو هُرَيْرَةَ أن رسول الله قَالَ : (( الظهر يركب بنفقته إذا كَانَ مرهوناً ، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كَانَ مرهوناً ، وعلى الَّذِي يركب ويشرب النفقة )) .

أخرجه ابن أبي شيبة ( ) ، وإسحاق بن راهويه ( ) ، وأحمد ( ) ، والبخاري ( ) ، وأبو داود ( ) ، وابن ماجه ( ) ، والترمذي ( ) ، وأبو يعلى ( ) ، وابن الجارود ( ) ، والطحاوي ( ) ، وابن حبان ( ) ، والدارقطني ( ) ، والبيهقي ( ) ، والبغوي ( ) .

وأجاب الجُمْهُوْر عن هَذَا الْحَدِيْث : بأن الْحَدِيْث لَمْ ينص عَلَى تعيين المنتفع هَلْ هُوَ الراهن أَمْ المرتهن ، فإن الْحَدِيْث محتمل لكون المنفق هُوَ الراهن ، ويستخدم المرهون بحق ملكه لَهُ . ويحتمل أن يَكُوْن المرتهن ويكون انتفاعه عوضاً عن نفقته  ( ) .

واستدلوا أيضاً بِمَا رَوَاهُ سعيد بن المسيب عن أبي هُرَيْرَةَ ، أن رَسُوْل الله قَالَ : (( لايغلق الرهن –(ثلاثاً) – لصاحبه غنمه وَعَلَيْهِ غرمه )) ( )، ووجه الدلالة من الْحَدِيْث: أن المغنم والمغرم عَلَى الراهن، فدل هَذَا عَلَى أن النفقة عَلَى الرهن وكذا النتاج يَكُوْن لَهُ ، ووجب عَلَيْنا ان نؤول الْحَدِيْث الماضي .

وقالوا أيضاً إن هَذَا الْحَدِيْث مخالف للقياس من وَجْهَيْنِ :

الأول : أن فِيْهِ جواز الركب والشرب لغير مالك رقبة العين المرهونة من غَيْر إذن المالك .

الثاني : تضمين المرتهن المنتفع بالعين المرهونة عوض انتفاعه نفقة لا قيمة  ( ) .

وَقَالَ ابن عَبْد البر : (( هَذَا الْحَدِيْث عِنْدَ جمهور الفقهاء ترده أصول يجتمع عَلَيْهَا وآثار ثابتة لايختلف في صحتها ، وَقَدْ أجمعوا أن لَيْسَ الرهن وظهره للراهن ، ولا يخلو من أن يَكُوْن احتلاب المرتهن لَهُ بإذن الراهن ، أو بغير إذنه ، فإن كَانَ بغير إذنه ففي حَدِيْث ابن عمر عن النَّبِيّ : (( لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه )) ( ) ما يرده ويقضي بنسخه … الخ كلامه ))  ( ).

وادَّعى الطحاوي أن هَذِهِ الإباحة كَانَتْ قَبْلَ تحريم الربا ، ونسخت بتحريم الربا ، فَقَالَ : (( فلما حرم الربا ، حرمت أشكاله كلها ، وردت الأشياء المأخوذة إِلَى أبدالها المساوية لها ، وحرم بيع اللبن في الضروع، فدخل في ذَلِكَ النهي عن النفقة الَّتِي يملك بِهَا المنفق لبناً في الضروع ، وتلك النفقة فغير موقوف مقدارها ، واللبن كَذَلِكَ أيضاً .فارتفع بنسخ الربا أن تجب النفقة عَلَى المرتهن بالمنافع الَّتِي يجب لَهُ عوضاً مِنْهَا ، وباللبن الَّذِي يحتلبه فيشربه )) ( ).

وأجاب القائلون بالمذهب الأول عن دعوى النسخ هَذِهِ ،بأن شرط النسخ مَعْرِفَة التاريخ ، حَتَّى يعلم المتقدم من المتأخر والناسخ من المنسوخ ، وهذا متعذرٌ هنا ، فكان القول بالنسخ قَوْلاً بالاحتمال ، والاحتمال لا تؤسس عَلَيْهِ الأحكام  ( ) .

ثُمَّ إن الجمع بَيْنَ هَذِهِ الأحاديث ممكن ، وذلك بالقول أن نفقة الرهن تجب عَلَى الراهن مقابل الملك ، فإذا امتنع عن النفقة كَانَ من حق المرتهن أن ينفق عَلَى الرهن حفظاً لَهُ من التلف ، الَّذِي هُوَ إضاعة للمال ، وَقَدْ نهى الشرع عَنْهُ ، وبما أن نفقة المرتهن مال لَهُ، فيستحق العوض عَنْهُ ، ومادام الراهن يمتنع عن النفقة ، فإن للمرتهن أخذ العوض من مال الراهن وَلَوْ بغير إذنه ، والركوب وشرب اللبن والمنافع الَّتِي لا تلحق نقصاً أو ضرراً بالعين المرهونة عوض ، يستحقه المرتهن بدلاً عن نفقته  ( ).

 

النموذج الثاني : رد الشاة المصراة

اختلف الفقهاء في جواز رد الشاة المصراة إذا اطلع الْمُشْتَرِي عَلَى هَذَا العيب بَعْدَ الشراء عَلَى قولين :

الأول : لا يجوز رد الشاة المصراة ، وإليه ذهب أبو حَنِيْفَةَ ومحمد ، و أبو يوسف في رِوَايَة عَنْهُ  ( ) .

الثاني : يجوز ردها بعيب التصرية ، وبه  قَالَ جمهور الفقهاء ، ومنهم: الشافعية ( )، والمالكية ( ) ، والحنابلة ( ) ، وجمهور أهل الْحَدِيْث ( ) .

واختلفوا في تعيين وجوب رد الصاع ، أو ما ينوب عَنْهُ  ( ) .

واستدل القائلون بالجواز بحديث أبي هُرَيْرَةَ ، أن النَّبِيّ قَالَ : (( لا تصروا الإبل والغنم ، فمن ابتاعها بَعْد فإنه بخير النظرين بَعْدَ أن يحتلبها : إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعاً من تمر  )) ( ) .

وأجاب من قَالَ بعدم الجواز : بأن هَذَا الْحَدِيْث مخالف للقياس من وجوه :

إن رد المبيع بلا عيب ولا خلاف في صفة لا تقره أصول الشريعة ؛ وذلك لأن التصرية ليست من العيوب فإن البيع يقتضي سلامة المبيع ، وقلة اللبن لاتعدُّ من العيوب الَّتِي تعدم السلامة ؛ لأن اللبن ثمرة وبعدمه لا تنعدم صفة السلامة، فبقلته من باب أولى .

القاعدة أن الخراج بالضمان ، فاللبن الحادث عِنْدَ الْمُشْتَرِي غَيْر مضمون ، وَقَدْ نُصَّ عَلَى ضمانه .

إن الشيء المضمون ( اللبن ) مثلي ، والقاعدة أن المثليات تضمن بمثلها ، وَقَدْ ضمنه بغير المثل .

في الضمان إذا انتقل من المثل فإنه ينتقل إِلَى القيمة ، والتمر المذكور في الْحَدِيْث لَيْسَ قيمة ولا مثْلاً .

أن المال المضمون يقدر بقدره قلة وكثرة، والقدر منصوص عَلَيْهِ هنا وَهُوَ الصاع( ).

وأجيب عن الأول بأنه لَيْسَ في أصول الشريعة ما يدل عَلَى انحصار أسباب الرد بهذين الأمرين ، بَلْ إن الخيار يثبت للمشتري بالتدليس ، وذلك لأن الْمُشْتَرِي رأى الضرع مملوءاً باللبن، فظن أن ذَلِكَ عادتها ، فكأن البائع قَدْ شرط لَهُ ذَلِكَ ، فإذا تبين لَهُ خلاف ذَلِكَ ثبت لَهُ الرد ، لفقد الشرط المعنوي الَّذِي نوهنا بهُ .

وعن الثاني : فإن الخراج اسم للغلة، مِثْل : كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذَلِكَ. أما الولد واللبن فَلاَ يسمى خراجاً، والعامل المشترك بَيْنَهُمَا كونهما من الفوائد ، وإلا فإن الكسب الحادث والغلة لَمْ يكونا موجودين حال البيع ، بَلْ حدثا بَعْدَ القبض. وأما اللبن هنا فإنه كَانَ موجوداً حال العقد ، فكان جزءاً من المعقود عَلَيْهِ ، والصاع لَمْ يقدره الشارع عوضاً عن اللبن الحادث ، وإنما هُوَ عوض عن اللبن الَّذِي كَانَ موجوداً وقت العقد في الضرع ، فكان ضمانه من تمام العدل .

وعن الثالث : فإنه لا يمكن تضمينه بالمثل البتة ، فإن اللبن في الضرع محفوظ وغير عرضة للفساد ، فإذا حلب صار معرضاً للحموضة والفساد .

وعن الرابع : بأنا لَوْ وكلنا تقديره إليهما أو إِلَى أحدهما لكثر النـزاع ، فحسم الشارع النـزاع وحده بقدر لا يتعد أنَّهُ  قطعٌ للخصومة .

وعن الخامس فإن اللبن الحادث بَعْدَ العقد قَدْ اختلط بالموجود وقته ، ولا يعرف مقداره حَتَّى نوجب نظيره ، وَقَدْ يَكُوْن أكثر أو أقل ، فيفضي إِلَى الربا  ( ) .

 

المبحث السادس

مخالفة الْحَدِيْث لعمل أهل المدينة

من المعلوم أن المدينة النبوية كَانَتْ مهبط الوحي ومركز السلطة التشريعية والدنيوية في الحقبة الثانية من الدعوة النبوية، وَلَمْ يؤثر عن أحد من الصحابة سواء من المهاجرين أو الأنصار مِمَّنْ سكنها أنَّهُ نزح عَنْهَا في حياة رَسُوْل الله  .

وكانوا في حياتهم العامة عَلَى تماس مَعَ التشريعات والأحكام، يعيشون ظروفها ، ويفقهون عللها ، ويقومون بمهمة نشرها وتعليمها ، وهكذا ظلت أجيال الناس فِيْهَا تتلقى الأحكام جيلاً عن جيل ، وَهُوَ مؤدٍ في نهاية المطاف إلى اعتبار إجماع أهلها نقلاً بالتواتر للحكم المعمول بِهِ ( ) .

لذا اشترط جمهور المالكية للعمل بخبر الآحاد أن لا يَكُوْن مخالفاً لعمل أهل المدينة ( ) وتعللوا بِمَا قدمنا ذكره .

والحق أن الْحَدِيْث إذا صَحَّ لَمْ يَكُنْ لقول أحدٍ كائناً من كَانَ أن يعارض بِهِ ، والحجة في نقل المعصوم فَقَطْ ، ثمَّ إن أهل المدينة جزء من الأمة لا كلها ، فَلاَ ينبني عَلَى موافقتهم جواز مخالفة الأحاديث المقبولة ( ) .

وَقَدْ فند أدلتهم ابن حزم من وجوه حاصلها :

إن الخبر المسند الصَّحِيْح قَبْلَ العمل بِهِ ، أحق هُوَ أم باطل ؟ فإن قالوا: حق ، فسواء عمل بِهِ أهل المدينة أم لَمْ يعملوا ، لَمْ يزد الحقَ درجةً عملُهُم بِهِ وَلَمْ ينقصه إن لَمْ يعملوا بِهِ ، وإن قالوا باطل ، فإن الباطل لا ينقلب حقاً بعملهم بِهِ ، فثبت أن لا معنى لعمل أهل المدينة أو غيرهم .

العمل بالخبر الصَّحِيْح متى أثبت الله العمل بِهِ ، أقبل أن يعمل بِهِ أم بَعْدَ العمل بِهِ ؟ فإن قالوا : قَبْلَ أن يعمل بِهِ ، فَهُوَ كقولنا . وإن قالوا  : بَعْدَ أن يعمل بِهِ ، لزمهم عَلَى هَذَا أن العاملين بِهِ هم الَّذِيْنَ شرعوا الشريعة ، وهذا باطل .

نقول : عمل من تريدون ؟ عمل أمة مُحَمَّد كافة ، أم عمل عصر دُوْنَ عصر ، أم عمل رسول الله ، أم أبي بكر ، أم عمر ، أم عمل صاحب من سكان المدينة مخصوصاً ؟ فإن قالوا: عمل الأمة كلها ، فَلاَ يصح ؛ لأن الخلاف بَيْنَ الأمة مشتهر، وهم دائمو الرد عَلَى من خالفهم، فلو كَانَتْ الأمة مجمعة عَلَى هَذَا القول فعلى من يردون ؟! وإن قالوا : عصر دُوْنَ عصر ، فباطل أيضاً ؛ لأنَّهُ ما من عصر إلا وقَدْ وجد فيه خلاف ، ولا سبيل إِلَى وجود مسألة متفق عَلَيْهَا بَيْنَ أهل عصر ( ).

ونقول لَهُمْ: أهل المدينة الَّذِيْنَ جعلتم عملهم حجة رددتم بِهَا خبر المعصوم ، اختلفوا فِيْمَا بَيْنَهُمْ أم لا ؟ فإن قالوا : لا ، فإن الموطأ يشهد بخلاف هَذَا ، وإن قالوا : نعم ، قُلْنَا : فما الَّذِي جعل اتباع بعضهم أولى من بَعْض  ( ) .

 

النموذج الأول : خيار المجلس

يمكن تعريف خيار المجلس بأنه: حق العاقدين في إمضاء العقد أو رده ، منذ التعاقد  إِلَى التفرق أو التخاير ( ) .

والأكثرون عَلَى تسميته (( خيار المجلس )) ومنهم من يسميه (( خيار الْمُتَبَايِعَيْنِ ))( ).

فإذا أتم العاقدان عقد البيع من غَيْر أن يتفرقا وَلَمْ يختر أحدٌ مِنْهُمَا اللزوم ، فهل يعتبر العقد لازماً بمجرد هَذَا التمام ، أَمْ أن لكلا العاقدين الحق في فسخ العقد ما داما في مجلس البيع ؟

اختلف الفقهاء في ثبوت هَذَا الحق عَلَى قولين :

الأول : لا يثبت خيار المجلس ، والعقد لازم بالإيجاب والقبول ، إلا إذا تشارطا أو أحدهما إثبات الخيار .

وبهذا قَالَ : إبراهيم النخعي وأهل الكوفة ، وربيعة الرأي وطائفة من أهل المدينة ، وَهُوَ قَوْل الثوري في رِوَايَة عَبْد الرزاق عَنْهُ ( ) .

وإليه ذهب الحنفية ( ) ، والمالكية ( ) ، وأكثر الزيدية ( ) .

الثاني : خيار المجلس ثابت للمتعاقدين ، ولكل مِنْهُمَا الحق في فسخه مادام المجلس قائماً ، ومالم يختر أحدهما اللزوم .

روي هَذَا عن : عمر ، وعثمان ، وابن عمر ، وابن عَبَّاسٍ ، وأبي هُرَيْرَةَ ، وأبي برزة الأسلمي( ) ، وبه قَالَ : سعيد بن المسيب ، والحسن البصري ، وشريح ، والشعبي، وعطاء ، وطاووس ، والزهري ، والأوزاعي ، وابن أبي ذئب في طائفة من أهل المدينة ، والثوري في "جامعه " ، والليث بن سعد ، وعبيد الله بن الحسن ، وداود الظاهري ، وسوّار( ) قاضي البصرة، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك ، وابن جريج ، ومعمر، ومسلم بن خالد الزنجي ( )، والدراوردي ( )، ويحيى القطان ، وعبد الرَّحْمَان بن مهدي ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، وأبو ثور  ( ) .

وإليه ذهب الشافعية ( ) ، والحنابلة ( ) ، والظاهرية ( ) ، والإمامية ( ) ، وبعض الزيدية ( ) .

واستدل الجُمْهُوْر بأدلة متظافرة كثيرة مِنْهَا :

ما صَحَّ عن رَسُوْل الله أنَّهُ قَالَ : (( الْمُتَبَايِعَانِ كُلّ واحد مِنْهُمَا بالخيار عَلَى صاحبه ، ما لم يتفرقا ، إلا بيع الخيار )) ( ) .

 

وجه الدلالة من هَذَا الْحَدِيْث :

أن الْحَدِيْث مصرح بأن العقد بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ غَيْر لازم ما لم يحصل التفرق عن مجلس العقد ، أو يختار واحد مِنْهُمَا اللزوم .

وأجاب المالكية عن هَذَا الْحَدِيْث : بأنه مخالف لعمل أهل المدينة ، لذا قَالَ الإمام مالك عقب روايته لهذا الْحَدِيْث : (( وَلَيْسَ لهذا عندنا حد معروف ، ولا أمر معمول فِيْهِ )) ( ).

وَهُوَ خبر آحاد فَلاَ يقوى عَلَى مخالفة عملهم ( ) .

ونستطيع أن نرد قَوْل المالكية هَذَا ، من ثلاثة وجوه هِيَ :

أن اشتراط المالكية للعمل بخبر الآحاد : أن لا يَكُوْن مخالفاً لعمل أهل المدينة ، شرط تفردوا بِهِ ، فيكون لازماً لَهُمْ ولا يلزم غيرهم .

عَلَى فرض التسليم – جدلاً – بكون هَذَا الَّذِي اشترطوه شرطاً للعمل بخبر الآحاد، فما اشترطوه غَيْر متحقق في هَذِهِ المسألة ، فإنهم نصوا عَلَى أن إجماع أهل المدينة إذا عارضه خبر آحاد ، قدم الإجماع .

ودعوى إجماع أهل المدينة هنا منقوضة ، فَقَدْ سبق أن نقلنا القول بثبوت خيار المجلس عن : عمر وعثمان وابن عمر وأبي هُرَيْرَةَ وسعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب والدراوردي ، وهؤلاء جميعاً من أهل المدينة ، فكيف تصح دعوى إجماعهم ؟

حَتَّى إن ابن أبي ذئب لما قِيْلَ لَهُ أن مالكاً لا يعمل بهذا الْحَدِيْث قَالَ : (( هَذَا خبرٌ موطأٌ في المدينة )) ( )، يريد أنَّهُ منتشر .

3- وإذا أمعنا في التنـزل معهم، والتسليم بأن هَذَا الشرط الَّذِي اشترطوه صَحِيْح ، وأن إجماع أهل المدينة متحقق ، فإنه يخدش استدلالهم عدم كون الْحَدِيْث آحادياً ، وكيف يَكُوْن خبر آحاد وَقَدْ رَوَاهُ من الصَّحَابَة عدد غفير، وقفنا عَلَى رِوَايَة سبعة مِنْهُمْ،هم:

أ. سمرة بن جندب : وحديثه أخرجه : ابن أبي شيبة ( )، وأحمد ( ) ، وابن ماجه ( ) ، والنسائي ( ) ، والطحاوي ( ) ، والبيهقي ( ) .

ب. عَبْد الله بن عَمْرو بن العاص : وحديثه عِنْدَ : أحمد ( ) ، وأبي داود ( ) ،  والترمذي( )، والنسائي ( )، والدارقطني ( )، والبيهقي ( )، وابن عَبْد البر( ) .

ج‍. ابن عَبَّاسٍ : وأخرج حديثه ابن حبان ( )، والبزار ( ) ، وأبو بكر( ) الإسماعيلي ( )، والبيهقي ( ) .

د. أبو هُرَيْرَةَ : حديثه عِنْدَ الطيالسي( )، وابن أبي شيبة ( )، وأحمد ( )، والطحاوي( )، والطبراني ( ) ، وابن عدي ( ) .

ه‍. عَبْد الله بن عمر : وَهُوَ أشهر طرق هَذَا الْحَدِيْث ، أخرجه : مالك ( )، والشافعي( )، وأحمد ( )، والبخاري ( )، ومسلم ( )، وأبو داود ( )، والترمذي ( ) ، وابن ماجه ( ) ، والنسائي ( ) ، وغيرهم ( ) .

و. حكيم بن حزام ( ): عِنْدَ الشَّافِعِيّ ( )، والطيالسي( )، وأحمد ( ) ، والبخاري( )، ومسلم ( ) ، وأبي داود ( ) ، والترمذي ( ) ، والنسائي( ) ، وابن حبان ( ) ، والطبراني ( )، وغيرهم .

ز. أبو برزة الأسلمي : أخرجه الشَّافِعِيّ ( )، والطيالسي ( ) ، وابن أَبِي شيبة ( ) ، وأحمد ( )، وأبو داود ( )، وابن ماجه ( )، وبحشل ( )، والبزار ( ) ، وابن الجارود ( )، والروياني ( )، والطحاوي ( )، والدارقطني ( ) ، والبيهقي ( ) ، والخطيب البغدادي ( ) ، وابن عَبْد البر ( ).

وبهذا فإن الْحَدِيْث في أقل أحواله : مشهور ( ) ، والمشهور تختلف أحكامه عن الآحاد من حَيْثُ تخصيص الكِتَاب والزيادة عَلَيْهِ .

أما الحنفية فَقَدْ استدلوا بعمومات نصوص الكِتَاب العزيز مِنْهَا :

قوله تَعَالَى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً ( ) .

وجه الدلالة : أن الله تَعَالَى أباح أكل المبيع إذا كَانَ عن رضى الطرفين ، والنص مطلق عن قيد التفرق عن مكان العقد .

قوله تَعَالَى : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ )) ( ) .

وجه الدلالة : أن الشارع – تبارك وتعالى – أوجب الوفاء بالعقود ، وعقد البيع بَعْدَ الإيجاب والقبول وقبل مفارقة المجلس أو التخيير يسمى عقداً أيضاً ، فيكون داخلاً في عموم هَذَا النص ، والقول بخلافه إبطال للنص .

وأجابوا عن الْحَدِيْث بأنه :

خبر آحاد مخالف لظاهر الكِتَاب فيجب تأويله ، فيحمل التفرق الوارد في الْحَدِيْث عَلَى التفرق بالأقوال لا بالأبدان ، جمعاً بَيْنَ النصوص  الواردة في هَذَا ( ) .

ونجيب عَنْهُ بِمَا يأتي :

أما كون الْحَدِيْث آحادياً : فَقَدْ أبطلنا ذَلِكَ في ما مضى ، وبينا أن الْحَدِيْث في أقل أحواله مشهور ، وللمشهور عِنْدَ الحنفية حكم المتواتر في جواز تخ