حمل مباشرة من السهم النازل المصدر نداء الإيمان

الجامع لمؤلفات الشيخ الألباني /.الجنى الداني من دوحة الألباني /الـذاكـر /القرآن الكريم مع الترجمة /القرآن الكريم مع التفسير/القرآن الكريم مع التلاوة /المكتبة اللغوية الإلكترونية /الموسوعة الحديثية المصغرة ./برنامج الأسطوانة الوهمية /برنامج المنتخب فى تفسير القرآن الكريم /برنامج الموسوعة الفقهية الكويتية /برنامج الموسوعة القرآنية المتخصصة /برنامج حقائق الإسلام في مواجهة المشككين /برنامج فتاوى دار الإفتاء في مائة عام ولجنة الفتوى بالأزهر /برنامج مكتبة السنة /برنامج موسوعة المفاهيم الإسلامية /اللإمام اللكنوى /خلفيات إسلامية رائعة /مجموع فتاوى ابن تيمية /مكتبة الإمام ابن الجوزي /مكتبة الإمام ابن حجر العسقلاني /مكتبة الإمام ابن حجر الهيتمي /مكتبة الإمام ابن حزم الأندلسي /مكتبة الإمام ابن رجب الحنبلي /مكتبة الإمام ابن كثير /مكتبة الإمام الذهبي /مكتبة الإمام السيوطي /مكتبة الإمام محمد بن علي الشوكاني /مكتبة الشيخ تقي الدين الهلالي /مكتبة الشيخ حافظ بن أحمد حكمي /موسوعة أصول الفقه /.موسوعة التاريخ الإسلامي /موسوعة الحديث النبوي الشريف /موسوعة السيرة النبوية /موسوعة المؤلفات العلمية لأئمة الدعوة النجدية /موسوعة توحيد رب العبيد /موسوعة رواة الحديث /موسوعة شروح الحديث /موسوعة علوم الحديث /موسوعة علوم القرآن /موسوعة علوم اللغة /موسوعة مؤلفات الإمام ابن القـم /موسوعة مؤلفات الإمام ابن تيمية /موسوعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب

الثلاثاء، 1 مايو 2018

18.المغازي للواقدي تَسْمِيَةُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ بِحُنَيْنٍ

18.المغازي للواقدي تَسْمِيَةُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ بِحُنَيْنٍ

تَسْمِيَةُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ بِحُنَيْنٍ أَيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ وَهُوَ ابْنُ أُمّ أَيْمَنَ وَهُوَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ . وَمَوَالِي النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَمِنْ الْأَنْصَارِ سُرَاقَةُ بْنُ الْحَارِثِ وَرُقَيْمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ لُوذَانَ وَأَبُو عَامِرٍ الْأَشْعَرِيّ أُصِيبَ بِأَوْطَاسٍ ; فَجَمِيعُ مَنْ قُتِلَ أَرْبَعَةٌ .(1/922)
الصفحة التالية
شَأْنُ غَزْوَةِ الطّائِفِ قَالَ حَدّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَعْفَرٍ . وَابْنُ أَبِي سَبْرَةَ وَابْنُ مَوْهَبٍ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ يَزِيدَ ، وَعَبْدُ الصّمَدِ بْنُ مُحَمّدٍ السّعْدِيّ ، وَمُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الزّهْرِيّ ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبُو مَعْشَرٍ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَهْلٍ وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ مِمّنْ لَمْ يُسَمّ أَهْلُ ثِقَاتٍ فَكُلّ قَدْ حَدّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيثِ بِطَائِفَةٍ . وَقَدْ كَتَبْت كُلّ مَا حَدّثُونِي بِهِ .
قَالُوا : لَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حُنَيْنًا وَأَرَادَ الْمَسِيرَ إلَى [ ص 923 ] الطّائِفِ . بَعَثَ الطّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو إلَى ذِي الْكَفّيْنِ - صَنَمِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ - يَهْدِمُهُ . وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَمِدّ قَوْمَهُ وَيُوَافِيَهُ بِالطّائِفِ . فَقَالَ الطّفَيْلُ يَا رَسُولَ اللّهِ أَوْصِنِي . قَالَ أَفْشِ السّلَامَ . وَابْذُلْ الطّعَامَ وَاسْتَحْيِ مِنْ اللّهِ كَمَا يَسْتَحْيِي الرّجُلُ ذُو الْهَيْئَةِ مِنْ أَهْلِهِ . إذَا أَسَأْت فَأَحْسِنْ إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّيّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذّاكِرِينَ قَالَ فَخَرَجَ الطّفَيْلُ سَرِيعًا إلَى قَوْمِهِ فَهَدَمَ ذَا الْكَفّيْنِ وَجَعَلَ يَحْشُو النّارَ فِي جَوْفِهِ وَيَقُولُ
يَا ذَا الْكَفّيْنِ لَسْت مِنْ عُبّادِكَا
مِيلَادُنَا أَقْدَمُ مِنْ مِيلَادِكَا
أَنَا حَشَوْت النّارَ فِي فُؤَادِكَا
وَأَسْرَعَ مَعَهُ قَوْمُهُ انْحَدَرَ مَعَهُ أَرْبَعُمِائَةٍ مِنْ قَوْمِهِ فَوَافَوْا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالطّائِفِ بَعْدَ مُقَامِهِ بِأَرْبَعَةِ أَيّامٍ فَقَدِمَ بِدَبّابَةٍ وَمَنْجَنِيقٍ وَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَزْدِ ، مَنْ يَحْمِلُ رَايَتَكُمْ ؟ قَالَ الطّفَيْلُ مَنْ كَانَ يَحْمِلُهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ . قَالَ أَصَبْتُمْ وَهُوَ النّعْمَانُ بْنُ الزّرَافَةِ اللّهْبِيّ .
وَقَدّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ مِنْ حُنَيْنٍ عَلَى مُقَدّمَتِهِ وَأَخَذَ مَنْ يَسْلُكُ بِهِ مِنْ الْأَدِلّاءِ إلَى الطّائِفِ ، فَانْتَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الطّائِفِ . وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ أَمَرَ بِالسّبْيِ أَنْ يُوَجّهُوا إلَى الْجِعِرّانَةِ ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيّ ، [ ص 924 ] وَأَمَرَ بِالْغَنَائِمِ فَسِيقَتْ إلَى الْجِعِرّانَةِ وَالرّثّةِ .
(1/923)
وَمَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الطّائِفِ وَكَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ رَمّوا حِصْنَهُمْ وَدَخَلُوا فِيهِ مُنْهَزِمِينَ مِنْ أَوْطَاسٍ وَأَغْلَقُوهُ عَلَيْهِمْ - وَهُوَ حِصْنٌ عَلَى مَدِينَتِهِمْ لَهُ بَابَانِ - وَصَنَعُوا الصّنَائِعَ لِلْقِتَالِ وَتَهَيّئُوا ، وَأَدْخَلُوا حِصْنَهُمْ مَا يُصْلِحُهُمْ لِسَنَةٍ لَوْ حُصِرُوا وَكَانَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْلَانُ بْنُ سَلَمَةَ بِجُرَشَ يَتَعَلّمَانِ عَمَلَ الدّبّابَاتِ وَالْمَنْجَنِيقِ يُرِيدَانِ أَنْ يَنْصِبَاهُ عَلَى حِصْنِ الطّائِفِ ، وَكَانَا لَمْ يَحْضُرَا حُنَيْنًا وَلَا حِصَارَ الطّائِفِ . وَسَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ أَوْطَاسٍ ، فَسَلَكَ عَلَى نَخْلَةَ الْيَمَانِيّةِ ، ثُمّ عَلَى قَرْنٍ ، ثُمّ عَلَى الْمُلَيْحِ ، ثُمّ عَلَى بَحْرَةِ الرّغَاءِ مِنْ لِيّةَ ، فَابْتَنَى بِهَا مَسْجِدًا فَصَلّى فِيهِ . قَالَ حَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَ حَدّثَنِي مَنْ رَأَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَبْنِي بِيَدِهِ مَسْجِدًا بِلِيّةَ وَأَصْحَابُهُ يَنْقُلُونَ إلَيْهِ الْحِجَارَةَ . وَأُتِيَ يَوْمَئِذٍ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي لَيْثٍ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ هُذَيْلٍ ، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَدَفَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اللّيْثِيّ إلَى الْهُذَلِيّينَ فَقَدّمُوهُ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ فَكَانَ أَوّلَ دَمٍ أُقِيدَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ . وَصَلّى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الظّهْرَ بِلِيّةَ وَرَأَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَئِذٍ قَصْرًا فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا : هَذَا قَصْرُ مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ . فَقَالَ أَيْنَ مَالِكٌ ؟ قَالُوا : هُوَ يَرَاك الْآنَ فِي [ ص 925 ] حِصْنِ ثَقِيفٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ فِي قَصْرِهِ ؟ قَالُوا : مَا فِيهِ أَحَدٌ . قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَرّقُوهُ فَحُرّقَ مِنْ حِينِ الْعَصْرِ إلَى أَنْ غَابَتْ الشّمْسُ .
(1/925)
وَنَظَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى قَبْرِ أَبِي أُحَيْحَةَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَهُوَ عِنْدَ مَالِهِ وَهُوَ قَبْرٌ مُشْرِفٌ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَعَنَ اللّهُ صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ فَإِنّهُ كَانَ مِمّنْ يُحَادّ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ ابْنَاهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ ، وَأَبَانُ بْنُ سَعِيدٍ وَهُمَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَعَنَ اللّهُ أَبَا قُحَافَةَ فَإِنّهُ كَانَ لَا يَقْرِي الضّيْفَ وَلَا يَمْنَعُ الضّيْمَ . قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ سَبّ الْأَمْوَاتِ يُؤْذِي الْأَحْيَاءَ فَإِنْ شِئْتُمْ الْمُشْرِكِينَ فَعُمّوا . ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ لِيّةَ فَسَلَكَ طَرِيقًا يُقَالُ لَهَا : الضّيْقَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَلْ هِيَ الْيُسْرَى . ثُمّ خَرَجَ عَلَى نَخِبٍ حَتّى نَزَلَ تَحْتَ سِدْرَةِ الصّادِرَةِ عِنْدَ مَالِ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إمّا أَنْ تَخْرُجَ وَإِمّا أَنْ نُحَرّقَ عَلَيْك حَائِطَك فَأَبَى أَنْ يَخْرُجَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِإِحْرَاقِ حَائِطِهِ وَمَا فِيهِ . وَمَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ حِصْنِ الطّائِفِ ، فَيَضْرِبُ عَسْكَرَهُ هُنَاكَ فَسَاعَةَ حَلّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ جَاءَهُ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّا قَدْ دَنَوْنَا مِنْ الْحِصْنِ فَإِنْ كَانَ عَنْ أَمْرٍ سَلّمْنَا ، وَإِنْ كَانَ عَنْ الرّأْيِ فَالتّأَخّرُ عَنْ حِصْنِهِمْ . قَالَ فَأَسْكَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
فَكَانَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ يُحَدّثُ يَقُولُ . لَقَدْ طَلَعَ عَلَيْنَا مِنْ [ ص 926 ] نَبْلِهِمْ سَاعَةَ نَزَلْنَا شَيْءٌ اللّهُ بِهِ عَلِيمٌ كَأَنّهُ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ - وَتَرّسْنَا لَهُمْ - حَتّى أُصِيبَ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِجِرَاحَةٍ . وَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْحُبَابَ فَقَالَ اُنْظُرْ مَكَانًا مُرْتَفِعًا مُسْتَأْخِرًا عَنْ الْقَوْمِ . فَخَرَجَ الْحُبَابُ حَتّى انْتَهَى إلَى مَوْضِعِ مَسْجِدِ الطّائِفِ خَارِجٍ مِنْ الْقَرْيَةِ فَجَاءَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرَهُ فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَتَحَوّلُوا . قَالَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ إنّي لَأَنْظُرُ إلَى أَبِي مِحْجَنٍ يَرْمِي مِنْ فَوْقِ الْحِصْنِ بِعِشْرَتِهِ بِمَعَابِلَ كَأَنّهَا الرّمَاحُ مَا يَسْقُطُ لَهُ سَهْمٌ . قَالُوا : وَارْتَفَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عِنْدَ مَسْجِدِ الطّائِفِ الْيَوْمَ . قَالُوا : وَأَخْرَجُوا امْرَأَةً سَاحِرَةً فَاسْتَقْبَلَتْ الْجَيْشَ بِعَوْرَتِهَا - وَذَلِكَ حِينَ نَزَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - يَدْفَعُونَ بِذَلِكَ عَنْ حِصْنِهِمْ . فَلَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْأَكَمَةَ وَمَعَهُ امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِهِ أُمّ سَلَمَةَ . وَزَيْنَبُ ، وَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إلَى الْحِصْنِ فَخَرَجَ قُدّامَ النّاسِ يَزِيدُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ عَلَى فَرَسِهِ فَسَأَلَ ثَقِيفًا الْأَمَانَ يُرِيدُ يُكَلّمُهُمْ فَأَعْطَوْهُ الْأَمَانَ فَلَمّا دَنَا مِنْهُمْ رَمَوْهُ بِالنّبْلِ فَقَتَلُوهُ . وَخَرَجَ هُذَيْلُ بْنُ أَبِي الصّلْتِ أَخُو أُمَيّةَ بْنِ أَبِي الصّلْتِ مِنْ بَابِ الْحِصْنِ . وَلَا يَرَى أَنّ عِنْدَهُ أَحَدًا وَيُقَالُ إنّ يَعْقُوبَ بْنَ زَمْعَةَ كَمَنَ لَهُ فَأَسَرَهُ حَتّى أَتَى بِهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ قَاتِلُ أَخِي يَا رَسُولَ اللّهِ فَسُرّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ أُتِيَ بِهِ إلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ [ ص 927 ] النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَضَرَبَ عُنُقَهُ .
(1/926)
وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ ضَرَبَ لِزَوْجَتَيْهِ قُبّتَيْنِ . ثُمّ كَانَ يُصَلّي بَيْنَ الْقُبّتَيْنِ حِصَارَ الطّائِفِ كُلّهُ . وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْنَا فِي حِصَارِهِ فَقَالَ قَائِلٌ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا ; وَقَالَ قَائِلٌ تِسْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ; وَقَالَ قَائِلٌ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا : وَكُلّ ذَلِكَ وَهُوَ يُصَلّي بَيْن الْقُبّتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَلَمّا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ ، بَنَى أُمَيّةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ مُعَتّبِ بْنِ مَالِكٍ عَلَى مُصَلّى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْمَسْجِدِ وَكَانَتْ فِيهِ سَارِيَةٌ لَا تَطْلُعُ الشّمْسُ عَلَيْهَا مِنْ الدّهْرِ إلّا يُسْمَعُ لَهَا نَقِيضٌ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ مِرَارٍ فَكَانُوا يَرَوْنَ أَنّ ذَلِكَ تَسْبِيحٌ .
فَنَصَبَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَنْجَنِيقَ . قَالَ وَشَاوَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ . فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ الْفَارِسِيّ : يَا رَسُولَ اللّهِ أَرَى أَنْ تَنْصِبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى حِصْنِهِمْ . فَإِنّا كُنّا بِأَرْضِ فَارِسَ نَنْصِبُ الْمَنْجَنِيقَاتِ عَلَى الْحُصُونِ وَتُنْصَبُ عَلَيْنَا . فَنُصِيبُ مِنْ عَدُوّنَا وَيُصِيبُ مِنّا بِالْمَنْجَنِيقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَنْجَنِيقُ طَالَ الثّوَاءُ . فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَعَمِلَ مَنْجَنِيقًا بِيَدِهِ . فَنَصَبَهُ عَلَى حِصْنِ الطّائِفِ . وَيُقَالُ قَدِمَ بِالْمَنْجَنِيقِ يَزِيدُ بْنُ زَمْعَةَ وَدَبّابَتَيْنِ وَيُقَالُ الطّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ; وَيُقَالُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ قَدِمَ مِنْ جُرَشَ بِمَنْجَنِيقٍ وَدَبّابَتَيْنِ . وَنَثَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْحَسَكَ شِقّتَيْنِ - حَسَكٌ مِنْ عَيْدَانَ - حَوْلَ حِصْنِهِمْ وَدَخَلَ الْمُسْلِمُونَ تَحْتَ الدّبّابَةِ وَهِيَ مِنْ جُلُودِ الْبَقَرِ - وَذَلِكَ يَوْمٌ يُقَالُ لَهُ الشّدْخَةُ . [ ص 928 ] قِيلَ وَمَا الشّدْخَةُ ؟ قَالَ مَا قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ - دَخَلُوا تَحْتَهَا ، ثُمّ زَحَفُوا بِهَا إلَى جِدَارِ الْحِصْنِ لِيَحْفِرُوهُ فَأَرْسَلَتْ عَلَيْهِمْ ثَقِيفٌ سِكَكَ الْحَدِيدِ مُحْمَاةً بِالنّارِ فَحَرَقَتْ الدّبّابَةَ فَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ تَحْتِهَا وَقَدْ أُصِيبَ مِنْهُمْ مَنْ أُصِيبَ فَرَمَتْهُمْ ثَقِيفٌ بِالنّبْلِ فَقُتِلَ مِنْهُمْ رِجَالٌ .
قَالَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقَطْعِ أَعْنَابِهِمْ وَتَحْرِيقِهَا ، وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ قَطَعَ حَبَلَةً فَلَهُ حَبَلَةٌ فِي الْجَنّةِ . فَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ لِيَعْلَى بْنِ مُرّةَ الثّقَفِيّ أَقَطْعُ ذَلِكَ أَجْرِي ؟ فَفَعَلَ يَعْلَى بْنُ مُرّةَ ثُمّ جَاءَهُ فَقَالَ يَعْلَى : نَعَمْ . فَقَالَ عُيَيْنَةُ لَك النّارُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ عُيَيْنَةُ أَوْلَى بِالنّارِ مِنْ يَعْلَى . وَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَقْطَعُونَ قَطْعًا ذَرِيعًا .
قَالَ وَنَادَى عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ سُفْيَانَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ الثّقَفِيّ وَاَللّهِ لَنُقَطّعَنّ أَبَا عِيَالِك . فَقَالَ سُفْيَانُ إذًا لَا تَذْهَبُونَ بِالْمَاءِ وَالتّرَابِ فَلَمّا رَأَى الْقَطْعَ نَادَى سُفْيَانُ يَا مُحَمّدُ لِمَ تَقْطَعُ أَمْوَالَنَا ؟ إمّا أَنْ تَأْخُذَهَا إنْ ظَهَرْت عَلَيْنَا ، وَإِمّا أَنْ تَدَعَهَا لِلّهِ وَلِلرّحِمِ كَمَا زَعَمْت قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِنّي أَدَعُهَا لِلّهِ وَلِلرّحِمِ . فَتَرَكَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَحَدّثَ أَبُو وَجْزَةَ السّعْدِيّ قَالَ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَقْطَعُ كُلّ رَجُلٍ مِنْ أَعْنَابِهِمْ خَمْسَ حَبَلَاتٍ . فَأَتَى عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ [ ص 929 ] اللّهِ إنّهُ عُمّ لَمْ يُؤْكَلْ ثَمَرُهُ . فَأَمَرَ أَنْ يَقْطَعُوا مَا أَكَلُوا ثَمَرَهُ . قَالَ فَجَعَلُوا يَقْطَعُونَ الْأَوّلَ فَالْأَوّلَ . قَالَ وَتَقَدّمَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إلَى ثَقِيفٍ فَقَالَا : أَمّنُوا حَتّى نَتَكَلّمَ . فَأَمّنُوهُمَا ، فَدَعَوْا نِسَاءً مِنْ قُرَيْشٍ لِيَخْرُجْنَ إلَيْهِمَا - وَهُمْ يَخَافُونَ السّبَاءَ - مِنْهُمْ ابْنَةُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ، كَانَتْ تَحْتَ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ لَهَا مِنْهُ وَلَدٌ دَاوُدُ بْنُ عُرْوَةَ وَالْفِرَاسِيّةُ بِنْتُ سُوَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ - كَانَتْ عِنْدَ قَارِبِ بْنِ الْأَسْوَدِ ، لَهَا مِنْهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ قَارِبٍ - وَامْرَأَةٌ أُخْرَى . فَلَمّا أَبَيْنَ عَلَيْهِمَا قَالَ لَهُمَا بَنُو الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ يَا أَبَا سُفْيَانَ وَيَا مُغِيرَةُ أَلَا نَدُلّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمّا جِئْتُمَا لَهُ إنّ مَالَ بَنِي الْأَسْوَدِ حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمَا - وَكَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الطّائِفِ نَازِلًا بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ الْعَمْقُ - لَيْسَ بِالطّائِفِ مَالٌ أَبْعَدُ رِشَاءً وَلَا أَشَدّ مُؤْنَةً مِنْهُ وَلَا أَبْعَدُ عِمَارَةً - وَإِنّ مُحَمّدًا إنْ قَطَعَهُ لَمْ يُعَمّرْ أَبَدًا ، فَكَلّمَاهُ لِيَأْخُذْهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِيَدَعْهُ لِلّهِ وَلِلرّحِمِ فَإِنّ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مِنْ الْقَرَابَةِ مَا لَا يَجْهَلُ . فَكَلّمَاهُ فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
وَكَانَ رَجُلٌ يَقُومُ عَلَى الْحِصْنِ فَيَقُولُ رُوحُوا رِعَاءَ الشّاءِ رُوحُوا جَلَابِيبَ مُحَمّدٍ رُوحُوا عَبِيدَ مُحَمّدٍ أَتَرَوْنَا نَتَبَاءَسُ عَلَى أَحْبُلٍ أَصَبْتُمُوهَا مِنْ كُرُومِنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اللّهُمّ رَوّحْ مُرَوّحًا إلَى النّارِ قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ : فَأَهْوَى لَهُ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ فِي نَحْرِهِ وَهُوَ مِنْ الْحِصْنِ [ ص 930 ] مَيّتًا . قَالَ فَرَأَيْت النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ سُرّ بِذَلِكَ . قَالَ وَجَعَلُوا يَقُولُونَ عَلَى حِصْنِهِمْ هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالَ . قَالَ لِعَلِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ أَتَدْرِي يَا عَلِيّ مَا هَذَا ؟ قَبْرُ أَبِي رِغَالَ وَهُمْ قَوْمُ ثَمُودَ
(1/928)
قَالُوا : وَكَانَ أَبُو مِحْجَنٍ عَلَى رَأْسِ الْحِصْنِ يَرْمِي بِمَعَابِلَ وَالْمُسْلِمُونَ يُرَامُونَهُمْ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ مُزَيْنَةَ لِصَاحِبِهِ إنْ افْتَتَحْنَا الطّائِفَ فَعَلَيْك بِنِسَاءِ بَنِي قَارِبٍ فَإِنّهُنّ أَجْمَلُ إنْ أَمْسَكْت ، وَأَكْثَرُ فِدَاءً إنْ فَادَيْتَ . فَسَمِعَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ يَا أَخَا مُزَيْنَةَ قَالَ لَبّيْكَ قَالَ ارْمِ ذَلِكَ الرّجُلَ . يَعْنِي أَبَا مِحْجَنٍ وَإِنّمَا غَارَ الْمُغِيرَةُ حِينَ ذَكَرَ الْمُزَنِيّ النّسَاءَ . وَعَرَفَ أَنّ أَبَا مِحْجَنٍ رَجُلٌ رَامٍ لَا يَسْقُطُ لَهُ سَهْمٌ . فَرَمَاهُ الْمُزَنِيّ ُ فَلَمْ يَصْنَعْ سَهْمُهُ شَيْئًا . وَفَوّقَ لَهُ أَبُو مِحْجَنٍ = بِمِعْتَلَةٍ فَتَقَعُ فِي نَحْرِهِ فَقَتَلَتْهُ . قَالَ يَقُولُ الْمُغِيرَةُ مَنّى الرّجَالَ بِنِسَاءِ بَنِي قَارِبٍ . قَالَ لَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ الْمُزَنِيّ ، وَهُوَ يَسْمَعُ كَلَامَهُ أَوّلَهُ وَآخِرَهُ قَاتَلَك اللّهُ يَا مُغِيرَةُ أَنْتَ وَاَللّهِ عَرّضْته لِهَذَا . وَإِنْ كَانَ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ سَاقَ لَهُ الشّهَادَةَ . أَنْتَ وَاَللّهِ مُنَافِقٌ . وَاَللّهِ لَوْلَا الْإِسْلَامُ مَا تَرَكْتُك حَتّى أَغْتَالَك وَجَعَلَ الْمُزَنِيّ يَقُولُ إنّ مَعَنَا الدّاهِيَةَ وَمَا نَشْعُرُ وَاَللّهِ لَا أُكَلّمُك أَبَدًا قَالَ طَلَبَ الْمُغِيرَةُ إلَى الْمُزَنِيّ أَنْ يَكْتُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ . قَالَ لَا وَاَللّهِ أَبَدًا قَالَ فَبَلَغَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - وَهُوَ فِي عَمَلِ عُمَرَ بِالْكُوفَةِ - فَقَالَ وَاَللّهِ . مَا كَانَ الْمُغِيرَةُ بِأَهْلٍ أَنْ يُوَلّى وَهَذَا فِعْلُهُ قَالَ وَرَمَى أَبُو مِحْجَنٍ يَوْمَ الطّائِفِ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ بِسَهْمٍ فَدَمِلَ الْجُرْحُ حَتّى بَغَى ، [ ص 931 ] وَخَرَجَ السّهْمُ مِنْ الْجُرْحِ فَأَمْسَكَهُ أَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ . وَتُوُفّيَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ . وَقَدِمَ أَبُو مِحْجَنٍ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ، فَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الْمِشْقَصَ فَأَخْرَجَهُ فَقَالَ يَا أَبَا مِحْجَنٍ هَلْ تَعْرِفُ هَذَا الْمِشْقَصَ ؟ قَالَ . وَكَيْفَ لَا أَعْرِفُهُ وَأَنَا بَرَيْت قَدَحَهُ وَرِيشَتَهُ وَرَصَفَتَهُ وَرَمَيْت بِهِ ابْنَك ؟ فَالْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَكْرَمَهُ عَلَى يَدَيّ وَلَمْ يُهِنّي عَلَى يَدَيْهِ .
وَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَيّمَا عَبْدٍ نَزَلَ مِنْ الْحِصْنِ وَخَرَجَ إلَيْنَا فَهُوَ حُرّ فَخَرَجَ مِنْ الْحِصْنِ رِجَالٌ . بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا : أَبُو بَكَرَةَ ، وَالْمُنْبَعِثُ . وَكَانَ اسْمُهُ الْمُضْطَجِعَ فَسَمّاهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُنْبَعِثَ حِينَ أَسْلَمَ . وَكَانَ عَبْدًا لِعُثْمَانَ بْنِ عَمّارِ بْنِ مُعَتّبٍ وَالْأَزْرَقُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ الْأَزْرَقِ وَكَانَ عَبْدًا لِلْكَلَدَةِ الثّقَفِيّ مِنْ بَنِي مَالِكٍ ثُمّ صَارَ حَلِيفًا فِي بَنِي أُمَيّةَ فَنَكَحُوا إلَيْهِ وَأَنْكَحُوهُ وَوَرْدَانُ عَبْدٌ لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ رَبِيعَةَ الثّقَفِيّ جَدّ الْفُرَاتِ بْنِ زَيْدِ بْنِ وَرْدَانَ وَيُحَنّسُ النّبّالُ وَكَانَ عَبْدًا لِيَسَارِ بْنِ مَالِكٍ فَأَسْلَمَ سَيّدُهُ بَعْدُ فَرَدّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَيْهِ وَلَاءَهُ - فَهُمْ [ أَعْبُدُ ] الطّائِفِ - وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ - كَانَ عَبْدًا لِخَرَشَةَ الثّقَفِيّ وَيَسَارٌ عَبْدٌ لِعُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ لَمْ يُعْقِبْ وَأَبُو بَكَرَةَ نُفَيْعُ بْنُ مَسْرُوحٍ ، وَكَانَ لِلْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وَإِنّمَا كُنّيَ بِأَبِي بَكَرَةَ أَنّهُ نَزَلَ فِي بَكَرَةٍ مِنْ الْحِصْنِ وَنَافِعٌ أَبُو السّائِبِ عَبْدٌ لِغَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ فَأَسْلَمَ غَيْلَانُ [ ص 932 ] بَعْدُ فَرَدّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَيْهِ وَلَاءَهُ وَمَرْزُوقٌ غُلَامٌ لِعُثْمَانَ لَا عَقِبَ لَهُ . كُلّ هَؤُلَاءِ أَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدَفَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَمُونُهُ وَيَحْمِلُهُ فَكَانَ أَبُو بَكَرَةَ إلَى عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ . وَكَانَ الْأَزْرَقُ إلَى خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ ، وَكَانَ وَرْدَانُ إلَى أَبَانَ بْنِ سَعِيدٍ . وَكَانَ يُحَنّسُ النّبّالُ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَكَانَ يَسَارُ بْنُ مَالِكٍ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ جَابِرٍ إلَى أُسَيْدِ بْنِ الْحُضَيْرِ . وَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُقْرِئُوهُمْ الْقُرْآنَ وَيُعَلّمُوهُمْ السّنَنَ . فَلَمّا أَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ تَكَلّمَتْ أَشْرَافُهُمْ فِي هَؤُلَاءِ الْمُعْتَقِينَ فِيهِمْ الْحَارِثُ بْنُ كَلَدَةَ . يَرُدّوهُمْ فِي الرّقّ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُولَئِكَ عُتَقَاءُ اللّهِ لَا سَبِيلَ إلَيْهِمْ وَبَلَغَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الطّائِفِ مَشَقّةً شَدِيدَةً وَاغْتَاظُوا عَلَى غِلْمَانِهِمْ .
(1/931)
قَالُوا : وَقَالَ عُيَيْنَةُ يَا رَسُولَ اللّهِ اِيذَنْ لِي حَتّى آتِيَ حِصْنَ الطّائِفِ فَأُكَلّمَهُمْ . فَأَذِنَ لَهُ فَجَاءَهُ فَقَالَ أَدْنُو مِنْكُمْ وَأَنَا آمِنٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . وَعَرَفَهُ أَبُو مِحْجَنٍ فَقَالَ اُدْنُ . فَدَنَا . فَقَالَ اُدْخُلْ . فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ الْحِصْنَ فَقَالَ فِدَاؤُكُمْ أَبِي وَأُمّي وَاَللّهِ لَقَدْ سَرّنِي مَا رَأَيْت مِنْكُمْ وَاَللّهِ لَوْ أَنّ فِي الْعَرَبِ أَحَدًا غَيْرَكُمْ وَاَللّهِ مَا لَاقَى مُحَمّدٌ مِثْلَكُمْ قَطّ ، وَلَقَدْ مَلّ الْمُقَامَ فَاثْبُتُوا فِي حِصْنِكُمْ فَإِنّ حِصْنَكُمْ حَصِينٌ وَسِلَاحَكُمْ كَثِيرٌ ، وَمَاءَكُمْ وَاتِنٌ لَا تَخَافُونَ قَطْعَهُ قَالَ فَلَمّا خَرَجَ قَالَتْ ثَقِيفٌ لِأَبِي مِحْجَنٍ فَإِنّا كَرِهْنَا دُخُولَهُ وَخَشِينَا أَنْ يُخْبِرَ مُحَمّدًا بِخَلَلٍ إنْ رَآهُ فِينَا أَوْ فِي حِصْنِنَا . قَالَ أَبُو مِحْجَنٍ أَنَا كُنْت أَعْرَفَ لَهُ لَيْسَ مِنّا أَحَدٌ أَشَدّ عَلَى مُحَمّدٍ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ . فَلَمّا رَجَعَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَهُ مَا قُلْت لَهُمْ ؟ قَالَ قُلْت اُدْخُلُوا [ ص 933 ] فِي الْإِسْلَامِ وَاَللّهِ لَا يَبْرَحُ مُحَمّدٌ عُقْرَ دَارِكُمْ حَتّى تَنْزِلُوا . فَخُذُوا لِأَنْفُسِكُمْ أَمَانًا . قَدْ نَزَلَ بِسَاحَةِ أَهْلِ الْحُصُونِ قَبْلَكُمْ قَيْنُقَاعَ وَالنّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ وَخَيْبَرَ أَهْلِ الْحَلْقَةِ وَالْعُدّةِ وَالْآطَامِ . فَخَذّلْتُهُمْ مَا اسْتَطَعْت . وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَاكِتٌ عَنْهُ حَتّى إذَا فَرَغَ مِنْ حَدِيثِهِ . قَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَذَبْت قُلْت لَهُمْ كَذَا وَكَذَا لِلّذِي قَالَ . قَالَ عُيَيْنَةُ أَسَتَغْفِرُ اللّهَ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللّهِ دَعْنِي أُقَدّمُهُ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ . قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يَتَحَدّثُ النّاسُ أَنّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي وَيُقَالُ إنّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَغْلَظَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَقَالَ وَيْحَك يَا عُيَيْنَةُ إنّمَا أَنْتَ أَبَدًا تُوضِعُ فِي الْبَاطِلِ كَمْ لَنَا مِنْك مِنْ يَوْمٍ بَنِي النّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ وَخَيْبَرَ ، تَجْلِبُ عَلَيْنَا وَتُقَاتِلُنَا بِسَيْفِك ، ثُمّ أَسْلَمْت كَمَا زَعَمْت فَتُحَرّضُ عَلَيْنَا عَدُوّنَا قَالَ أَسَتَغْفِرُ اللّهَ يَا أَبَا بَكْرٍ وَأَتُوبُ إلَيْهِ . لَا أَعُودُ أَبَدًا
قَالُوا : وَكَانَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَوْلًى لِخَالَتِهِ فَاخِتَةَ بِنْتِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ ، يُقَالُ لَهُ مَاتِعٌ وَآخَرُ يُقَالُ لَهُ هِيتٌ . وَكَانَ مَاتِعٌ يَكُونُ فِي بُيُوتِهِ لَا يَرَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ يَفْطِنُ لِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ النّسَاءِ مِمّا يَفْطِنُ لَهُ الرّجَالُ وَلَا يَرَى أَنّ لَهُ فِي ذَلِكَ إرْبَةً فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ يَقُولُ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَيُقَالُ لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ إنْ افْتَتَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الطّائِفَ غَدًا فَلَا تُفْلِتَنّ مِنْك بَادِيَةُ بِنْتُ غَيْلَانَ فَإِنّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ وَإِذَا جَلَسَتْ تَثَنّتْ وَإِذَا تَكَلّمَتْ تَغَنّتْ وَإِذَا اضْطَجَعَتْ تَمَنّتْ وَبَيْنَ رِجْلَيْهَا مِثْلُ الْإِنَاءِ الْمَكْفُوءِ مَعَ ثَغْرٍ كَأَنّهُ الْأُقْحُوَانُ . كَمَا قَالَ الْخَطِيمُ [ ص 934 ]
بَيْنَ شُكُولِ النّسَاءِ خِلْقَتُهَا
نَصْبٌ فَلَا جَبْلَةٌ وَلَا قَضَفُ
تَغْتَرِقُ الطّرْفَ وَهْيَ لَاهِيَةٌ
كَأَنّمَا شَفّ وَجْهَهَا نُزُفُ
فَسَمِعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَلَامَهُ فَقَالَ أَلَا أَرَى هَذَا الْخَبِيثَ يَفْطِنُ لِلْجَمَالِ إذَا خَرَجْت إلَى الْعَقِيقِ وَالْحَيْلُ لَا يُمْسَكُ لِمَا أَسْمَعُ وَقَالَ لَا يَدْخُلَنّ عَلَى نِسَاءِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَيُقَالُ قَالَ لَا يَدْخُلَنّ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَائِكُمْ وَغَرّبَهُمَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْحِمَى ، فَشَكَيَا الْحَاجَةَ فَأَذِنَ لَهُمَا أَنْ يَنْزِلَا كُلّ جُمُعَةٍ يَسْأَلَانِ ثُمّ يَرْجِعَانِ إلَى مَكَانِهِمَا ، إلَى أَنْ تُوُفّيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَخَلَا مَعَ النّاسِ . فَلَمّا وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ أَخْرَجَكُمَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأُدْخِلُكُمَا ؟ فَأَخْرَجَهُمَا إلَى مَوْضِعِهِمَا . فَلَمّا مَاتَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ دَخَلَا مَعَ النّاسِ فَلَمّا وَلِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ أَخْرَجَكُمَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَأُدْخِلُكُمَا ؟ اُخْرُجَا إلَى مَوْضِعِكُمَا فَأَخْرَجَهُمَا إلَى مَوْضِعِهِمَا ، فَلَمّا قُتِلَ عُمَرُ دَخَلَا مَعَ النّاسِ . [ ص 935 ]
(1/933)
قَالُوا : قَالَ أَبُو مِحْجَنِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثّقَفِيّ ، وَهُوَ عَلَى حِصْنِ الطّائِفِ : يَا عَبِيدَ مُحَمّدٍ إنّكُمْ وَاَللّهِ مَا لَاقَيْتُمْ أَحَدًا يُحْسِنُ قِتَالَكُمْ غَيْرَنَا ; تُقِيمُونَ مَا أَقَمْتُمْ بِشَرّ مَحْبِسٍ ثُمّ تَنْصَرِفُونَ لَمْ تُدْرِكُوا شَيْئًا مِمّا تُرِيدُونَ نَحْنُ قَسِيّ وَأَبُونَا قَسَا ، وَاَللّهِ لَا نُسَلّمُ مَا حَيِينَا ، وَقَدْ بَنَيْنَا طَائِفًا حَصِينًا فَنَادَاهُ عُمَرُ يَا ابْنَ حَبِيبٍ . وَاَللّهِ لَنَقْطَعَنّ عَلَيْك مَعَاشَك حَتّى تَخْرُجَ مِنْ جُحْرِك هَذَا . إنّمَا أَنْتَ ثَعْلَبٌ فِي جُحْرٍ يُوشِكُ أَنْ يَخْرُجَ . فَقَالَ أَبُو مِحْجَنٍ إنْ قَطَعْتُمْ يَا ابْنَ الْخَطّابِ حَبَلَاتِ عِنَبٍ فَإِنّ فِي الْمَاءِ وَالتّرَابِ مَا يُعِيدُ ذَلِكَ . فَقَالَ عُمَرُ لَا تَقْدِرُ أَنْ تَخْرُجَ إلَى مَاءٍ وَلَا تُرَابٍ لَنْ نَبْرَحَ عَنْ بَابِ جُحْرِك حَتّى تَمُوتَ قَالَ يَقُولُ أَبُو بَكْرٍ : يَا عُمَرُ لَا تَقُلْ هَذَا ، فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي فَتْحِ الطّائِفِ . فَقَالَ عُمَرُ وَهَلْ قَالَ لَك هَذَا رَسُولُ اللّهِ ؟ فَقَالَ نَعَمْ . فَجَاءَ عُمَرُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَمْ يُؤْذَنْ لَك يَا رَسُولَ اللّهِ فِي فَتْحِهَا ؟ قَالَ لَا .
وَجَاءَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ الْأَوْقَصِ السّلَمِيّةُ وَهِيَ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ أَعْطِنِي إنْ فَتَحَ اللّهُ عَلَيْك حُلِيّ الْفَارِعَةِ بِنْتِ الْخُزَاعِيّ أَوْ بَادِيَةَ بِنْتِ غَيْلَانَ - وَكَانَتَا مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ ثَقِيفٍ . فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤْذَنْ لَنَا فِي ثَقِيفٍ يَا خَوْلَةُ ؟ قَالَ فَخَرَجَتْ خَوْلَةُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ حَدّثَتْ خَوْلَةُ مَا حَدّثَتْنِي أَنّك قُلْته ؟ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ قُلْته . قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَوَلَمْ يُؤْذَنْ لَك فِيهِمْ ؟ قَالَ لَا . قَالَ أَفَلَا أُؤَذّنُ فِي [ ص 936 ] النّاسِ بِالرّحِيلِ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَلَى . فَأَذّنَ عُمَرُ بِالرّحِيلِ فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَتَكَلّمُونَ يَمْشِي بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ . فَقَالُوا : نَنْصَرِفُ وَلَا نَفْتَحُ الطّائِفَ لَا نَبْرَحُ حَتّى يَفْتَحَ اللّهُ عَلَيْنَا . وَاَللّهِ إنّهُمْ لَأَذَلّ وَأَقَلّ مَنْ لَاقَيْنَا ; قَدْ لَقِينَا جَمْعَ مَكّةَ وَجَمْعَ هَوَازِنَ . فَفَرّقَ اللّهُ تِلْكَ الْجَمُوعَ وَإِنّمَا هَؤُلَاءِ ثَعْلَبٌ فِي جُحْرٍ . لَوْ حَصَرْنَاهُمْ لَمَاتُوا فِي حِصْنِهِمْ هَذَا وَكَثُرَ الْقَوْلُ بَيْنَهُمْ وَالِاخْتِلَافُ . فَمَشَوْا إلَى أَبِي بَكْرٍ فَتَكَلّمُوا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ وَالْأَمْرُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنْ السّمَاءِ . فَكَلّمُوا عُمَرَ فَأَبَى وَقَالَ قَدْ رَأَيْنَا الْحُدَيْبِيَةَ . وَدَخَلَنِي فِي الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ الشّكّ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلّا اللّهُ . وَرَاجَعْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَئِذٍ بِكَلَامٍ لَيْتَ أَنّي لَمْ أَفْعَلْ وَأَنّ أَهْلِي وَمَالِي ذَهَبَا ثُمّ كَانَتْ الْخِيَرَةُ لَنَا مِنْ اللّهِ فِيمَا صَنَعَ فَلَمْ يَكُنْ فَتْحٌ كَانَ خَيْرًا لِلنّاسِ مِنْ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ - بِلَا سَيْفٍ . دَخَلَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِثْلُ مَنْ كَانَ دَخَلَ - مِنْ يَوْمِ بُعِثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى يَوْمِ كُتِبَ الْكِتَابُ . فَاتّهِمُوا الرّأْيَ وَالْخِيَرَةُ فِيمَا صَنَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَنْ أُرَاجِعَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ أَبَدًا وَالْأَمْرُ أَمْرُ اللّهِ وَهُوَ يُوحِي إلَى نَبِيّهِ مَا يَشَاءُ
وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ : إنّي رَأَيْت أَنّي أُهْدِيَتْ لِي قَعْبَةٌ مَمْلُوءَةٌ زُبْدًا ، فَنَقَرَهَا دِيكٌ فَأُهْرَاقَ مَا فِيهَا . قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مَا أَظُنّ أَنْ تُدْرِكَ مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللّهِ يَوْمَك هَذَا مَا تُرِيدُ . قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنَا لَا أَرَى ذَلِكَ .
(1/936)
قَالَ حَدّثَنِي كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ رِيَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ لَمّا مَضَتْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنْ حِصَارِهِمْ اسْتَشَارَ [ ص 937 ] رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ فَقَالَ يَا نَوْفَلُ مَا تَقُولُ ؟ أَوْ تَرَى . فَقَالَ نَوْفَلٌ يَا رَسُولَ اللّهِ ثَعْلَبٌ فِي جُحْرٍ إنْ أَقَمْت عَلَيْهِ أَخَذْته ، وَإِنْ تَرَكْته لَمْ يَضُرّك شَيْئًا . قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : وَلَمْ يُؤْذَنْ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي فَتْحِهَا قَالَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عُمَرَ وَأَذّنَ فِي النّاسِ بِالرّحِيلِ . قَالَ فَجَعَلَ النّاسُ يَضِجّونَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ . فَغَدَوْا فَأَصَابَتْ الْمُسْلِمِينَ جِرَاحَاتٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّا قَافِلُونَ إنْ شَاءَ اللّهُ فَسُرّوا بِذَلِكَ وَأَذْعَنُوا ، وَجَعَلُوا يَرْحَلُونَ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَضْحَكُ . فَلَمّا اسْتَقَلّ النّاسُ لِوَجْهِهِمْ نَادَى سَعْدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِلَاجٍ الثّقَفِيّ قَالَ أَلَا إنّ الْحَيّ مُقِيمٌ . قَالَ يَقُولُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ أَجَلْ وَاَللّهِ مَجَدَةٌ كِرَامٌ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : قَاتَلَك اللّهُ تَمْدَحُ قَوْمًا مُشْرِكِينَ بِالِامْتِنَاعِ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَدْ جِئْت تَنْصُرُهُ ؟ فَقَالَ إنّي وَاَللّهِ مَا جِئْت مَعَكُمْ أُقَاتِلُ ثَقِيفًا ، وَلَكِنْ أَرَدْت أَنْ يَفْتَحَ مُحَمّدٌ الطّائِفَ فَأُصِيبَ جَارِيَةً مِنْ ثَقِيفٍ فَأَطَأهَا لَعَلّهَا تَلِدُ لِي رَجُلًا ، فَإِنّ ثَقِيفًا قَوْمٌ مُبَارَكُونَ . فَأَخْبَرَ عُمَرُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَقَالَتِهِ فَتَبَسّمَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ قَالَ هَذَا الْحُمْقُ الْمُطَاعُ وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَصْحَابِهِ حِينَ أَرَادُوا أَنْ يَرْتَحِلُوا : قُولُوا لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ فَلَمّا ارْتَحَلُوا وَاسْتَقَلّوا قَالَ قُولُوا آيِبُونَ إنْ شَاءَ اللّهُ عَابِدُونَ لِرَبّنَا حَامِدُونَ وَلَمّا ظَعَنَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الطّائِفِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللّهِ اُدْعُ اللّهَ عَلَى ثَقِيفٍ . قَالَ اللّهُمّ اهْدِ ثَقِيفًا وَائْتِ بِهِمْ [ ص 938 ]
(1/937)
==
تَسْمِيَةُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ بِالطّائِفِ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ : سَعِيدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أُمَيّةَ وَعُرْفُطَةُ بْنُ الْحُبَابِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ سَعْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مَازِنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ حَلِيفٌ لَهُمْ .
وَمِنْ بَنِي أَسَدٍ : يَزِيدُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ . جَمَحَ بِهِ فَرَسُهُ - وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْجَنَاحُ - إلَى حِصْنِ الطّائِفِ فَقَتَلُوهُ . وَيُقَالُ قَالَ لَهُمْ أَمّنُونِي حَتّى أُكَلّمَكُمْ . فَأَمّنُوهُ ثُمّ رَمَوْهُ بِالنّبْلِ حَتّى قَتَلُوهُ .
وَمِنْ بَنِي تَيْمٍ : عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ رُمِيَ بِسَهْمٍ فَلَمْ يَزَلْ مِنْهُ جَرِيحًا ، فَمَاتَ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ وَفَاةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ : عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، رُمِيَ مِنْ الْحِصْنِ .
وَمِنْ بَنِي عَدِيّ : عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ الْعَنَزِيّ ، حَلِيفٌ لَهُمْ .
وَمِن ْ بَنِي سَهْمٍ : السّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْحَارِثِ .
وَمِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ : جُلَيْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ الضّيْحَانِ بْنِ نَاشِبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ .
وَمِنْ الْأَنْصَارِ : ثَابِتُ بْنُ الْجَذَعِ - وَاسْمُ الْجَذَعِ ثَعْلَبَةُ - وَالْحَارِثُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ نَوْفَلٍ فَذَلِكَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا . [ ص 939 ]
(1/939)
=====
شَأْنُ مَسِيرِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْجِعِرّانَةِ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكّةَ قَالُوا خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الطّائِفِ فَأَخَذَ عَلَى دَحْنَا ثُمّ عَلَى قَرْنِ الْمَنَازِلِ ثُمّ عَلَى نَخْلَةَ حَتّى خَرَجَ إلَى الْجِعِرّانَةِ ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَسِيرُ وَأَبُو رُهْمٍ الْغِفَارِيّ إلَى جَنْبِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ وَفِي رِجْلَيْهِ نَعْلَانِ لَهُ غَلِيظَتَانِ إذْ زَحَمَتْ نَاقَتُهُ نَاقَةَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيَقَعُ حَرْفُ نَعْلِهِ عَلَى سَاقِهِ فَأَوْجَعَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَوْجَعْتنِي ، أَخّرْ رِجْلَك وَقَرَعَ رِجْلَهُ بِالسّوْطِ . قَالَ فَأَخَذَنِي مِنْ أَمْرِي مَا تَقَدّمَ وَمَا تَأَخّرَ وَخَشِيت أَنْ يَنْزِلَ فِيّ الْقُرْآنُ لِعَظِيمِ مَا صَنَعْت ; فَلَمّا أَصْبَحْنَا بِالْجِعِرّانَةِ خَرَجْت أَرْعَى الظّهْرَ وَمَا هُوَ يَوْمِي ، فَرَقًا أَنْ يَأْتِيَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَطْلُبُنِي ، فَلَمّا رَوّحْت الرّكَابَ سَأَلْت فَقَالُوا طَلَبَك رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَجِئْته وَأَنَا أَتَرَقّبُ فَقَالَ إنّك أَوْجَعْتنِي بِرِجْلِك فَقَرَعْتُك بِالسّوْطِ فَخُذْ هَذِهِ الْغَنَمَ عِوَضًا مِنْ ضَرْبَتِي . قَالَ أَبُو رُهْمٍ فَرِضَاهُ عَنّي كَانَ أَحَبّ إلَيّ مِنْ الدّنْيَا وَمَا فِيهَا .
وَكَانَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيّ يَقُولُ كُنْت مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي مَسِيرَةٍ وَهُوَ يُحَادِثُنِي . فَجَعَلَتْ نَاقَتِي تَلْصِقُ بِنَاقَتِهِ وَكَانَتْ نَاقَتِي نَاقَةً شَهْمَةً فَجَعَلْت أُرِيدُ أَنْ أُنَحّيَهَا فَلَا تُطَاوِعُنِي ، فَلَصِقَتْ بِنَاقَةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأُصِيبَتْ رِجْلُهُ فَقَالَ أَخْ أَوْجَعْتنِي فَرَفَعَ رِجْلَهُ [ ص 940 ] مِنْ الْغَرْزِ كَأَنّهَا جُمّارَةً وَدَفَعَ رِجْلِي بِمِحْجَنٍ فِي يَدِهِ . فَمَكَثَ سَاعَةً لَا يَتَحَدّثُ فَوَاَللّهِ مَا نَزَلْت حَتّى ظَنَنْت أَنْ سَيَنْزِلُ فِيّ عَذَابٌ . قَالَ فَلَمّا نَزَلْنَا قُلْت لِأَصْحَابِي : إنّي أَرْعَى لَكُمْ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يَوْمَ رِعْيَتِي ، فَلَمّا أَرَحْت الظّهْرَ عَلَيْهِمْ قُلْت : هَلْ جَاءَ أَحَدٌ يَبْغِينِي ؟ فَقَالُوا : رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَاءَ يَبْغِيك . فَقُلْت فِي نَفْسِي : هِيَ وَاَللّهِ هِيَ قُلْت : مَنْ جَاءَ ؟ قَالُوا : رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ . قَالَ فَكَانَ أَكْرَهَ إلَيّ وَذَلِكَ أَنّ الْأَنْصَارَ كَانَتْ فِيهِمْ عَلَيْنَا غِلْظَةٌ . قَالَ ثُمّ جَاءَ بَعْدُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَبْتَغِينِي . قَالَ فَخَرَجْت خَائِفًا حَتّى وَاجَهْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجَعَلَ يَبْتَسِمُ فِي وَجْهِي وَقَالَ أَوْجَعْتُك بِمِحْجَنِي الْبَارِحَةَ . ثُمّ قَالَ خُذْ هَذِهِ الْقِطْعَةَ مِنْ الْغَنَمِ . قَالَ فَأَخَذْتهَا فَوَجَدْتهَا ثَمَانِينَ شَاةً ضَائِنَةً .
وَكَانَ أَبُو زُرْعَةَ الْجُهَنِيّ يَقُولُ لَمّا أَرَادَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَرْكَبَ مِنْ قَرْنٍ رَاحِلَتَهُ الْقَصْوَاءَ وَطِئْت لَهُ عَلَى يَدَيْهَا ، وَالزّمَامُ فِي يَدِي مَطْوِيّ ، فَرَكِبَ عَلَى الرّحْلِ وَنَاوَلْته الزّمَامَ وَدُرْت مِنْ خَلْفِهِ فَخَلّفَ النّاقَةَ بِالسّوْطِ كُلّ ذَلِكَ يُصِيبُنِي ، فَالْتَفَتَ إلَيّ فَقَالَ أَصَابَك السّوْطُ ؟ قُلْت : نَعَمْ بِأَبِي وَأُمّي قَالَ فَلَمّا نَزَلَ الْجِعِرّانَةَ إذَا رِبْضَةٌ مِنْ الْغَنَمِ نَاحِيَةً مِنْ الْغَنَائِمِ فَسَأَلَ عَنْهَا صَاحِبَ الْغَنَمِ فَخَبّرَهُ عَنْهَا بِشَيْءٍ لَا أَحْفَظُهُ ثُمّ صَاحَ أَيْنَ أَبُو زُرْعَةَ ؟ قَالَ قُلْت : هَا أَنَا ذَا قَالَ خُذْ هَذِهِ الْغَنَمَ بِاَلّذِي أَصَابَك مِنْ السّوْطِ أَمْسِ . قَالَ فَعَدَدْتهَا فَوَجَدْتهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ رَأْسٍ . قَالَ فَتَأَثّلْت بِهَا مَالًا . [ ص 941 ]
(1/940)
وَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ : لَقِيت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ مُنْحَدِرٌ مِنْ الطّائِفِ إلَى الْجِعِرّانَةِ فَتَحَصّلْت ، وَالنّاسُ يَمْضُونَ أَمَامَهُ أَرْسَالًا ، فَوَقَعْت فِي مِقْنَبٍ مِنْ خَيْلِ الْأَنْصَارِ ، فَجَعَلُوا يَقْرَعُونِي بِالرّمَاحِ وَيَقُولُونَ إلَيْك إلَيْك مَا أَنْتَ ؟ وَأَنْكَرُونِي ، حَتّى إذَا دَنَوْت وَعَرَفْت أَنّهُ يَسْمَعُ صَوْتِي أَخَذْت الْكِتَابَ الّذِي كَتَبَهُ أَبُو بَكْرٍ ، فَجَعَلْته بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِي . ثُمّ رَفَعْت يَدَيّ وَنَادَيْت : أَنَا سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ وَهَذَا كِتَابِي فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ وَفَاءٍ أَدْنُوهُ فَأَدْنَيْت مِنْهُ فَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَى سَاقِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي غَرْزِهِ كَأَنّهَا جُمّارَةٌ فَلَمّا انْتَهَيْت إلَيْهِ سَلّمْت . وَسُقْت إلَيْهِ الصّدَقَةَ فَمَا ذَكَرْت شَيْئًا أَسْأَلُهُ عَنْهُ إلّا أَنّي قُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ أَرَأَيْت الضّالّةَ مِنْ الْإِبِلِ تَغْشَى حِيَاضِي وَقَدْ مَلَأْتهَا لِإِبِلِي ، هَلْ لِي مِنْ أَجْرٍ إنْ أَسْقَيْتهَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَعَمْ . فِي كُلّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرّى أَجْر
قَالَ حَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ زُهَيْرٍ عَنْ الْمَقْبُرِيّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ اعْتَرَضَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ مَعَهُ غَنَمٌ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ هَذِهِ هَدِيّةٌ قَدْ أَهْدَيْتهَا لَك ، قَالَ وَمِمّنْ أَنْتَ ؟ قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ قَالَ إنّي لَا أَقْبَلُ هَدِيّةَ مُشْرِكٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي مُؤْمِنٌ بِاَللّهِ وَبِرَسُولِهِ قَدْ سُقْت الصّدَقَةَ إلَى بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ [ ص 942 ] لِمَالِي بِعَيْنِهِ مُصَدّقًا ، قَالَ وَأَقْبَلَ بُرَيْدَةُ فَلَحِقَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ صَدَقَ يَا رَسُولَ اللّهِ هَذَا مِنْ قَوْمِي ، شَرِيفٌ يَنْزِلُ بِالصّفَاحِ . قَالَ فَمَا أَقْدَمَك إلَى نَخْلَةَ ؟ قَالَ هِيَ أَمْرَعُ مِنْ الصّفَاحِ الْيَوْمَ . ثُمّ قَالَ نَحْنُ عَلَى ظَهْرٍ كَمَا تَرَى ، فَالْحَقْنَا بِالْجِعِرّانَةِ ، قَالَ فَخَرَجَ يَعْدُو عِرَاضَ نَاقَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللّهِ فَأَسُوقُ الْغَنَمَ مَعِي إلَى الْجِعِرّانَةِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا تَسُقْهَا ، وَلَكِنْ تَقْدَمُ عَلَيْنَا الْجِعِرّانَةَ فَنُعْطِيك غَنَمًا أُخْرَى إنْ شَاءَ اللّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ تُدْرِكُنِي الصّلَاةُ وَأَنَا فِي عَطَنِ الْإِبِلِ أَفَأُصَلّي فِيهِ ؟ قَالَ لَا . قَالَ فَتُدْرِكُنِي وَأَنَا فِي مَرَاحِ الْغَنَمِ أَفَأُصَلّي فِيهِ ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ رُبّمَا تَبَاعَدَ مِنّا الْمَاءُ وَمَعَ الرّجُلِ زَوْجَتُهُ فَيَدْنُو مِنْهَا ؟ قَالَ نَعَمْ وَيَتَيَمّمُ . قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ وَتَكُونُ فِينَا الْحَائِضُ قَالَ تَتَيَمّمُ . قَالَ فَلَحِقَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْجِعِرّانَةِ فَأَعْطَاهُ مِائَةَ شَاةٍ . قَالُوا : وَجَعَلَتْ الْأَعْرَابُ فِي طَرِيقِهِ يَسْأَلُونَهُ وَكَثُرُوا عَلَيْهِ حَتّى اضْطَرّوهُ إلَى سَمُرَةٍ فَخَطَفَتْ رِدَاءَهُ فَنَزَعَتْهُ عَنْ مِثْلِ شِقّةِ الْقَمَرِ فَوَقَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ يَقُولُ أَعْطُونِي رِدَائِي أَعْطُونِي رِدَائِي لَوْ كَانَ عَدَدُ هَذِهِ الْعِضَاهِ نَعَمًا لَقَسَمْته بَيْنَكُمْ ثُمّ لَا تَجِدُونِي بَخِيلًا وَلَا جَبَانًا وَلَا كَذّابًا [ ص 943 ] ثُمّ لَمّا كَانَ عِنْدَ الْقَسْمِ قَالَ أَدّوا الْخِيَاطَ وَالْمِخْيَطَ وَإِيّاكُمْ وَالْغُلُولَ فَإِنّهُ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمّ أَخَذَ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ بَعِيرٍ فَقَالَ وَاَللّهِ مَا يَحِلّ لِي مِمّا أَفَاءَ اللّهُ عَلَيْكُمْ وَلَا مِثْلُ هَذِهِ الْوَبَرَةِ إلّا الْخُمُسَ وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ عَلَيْكُم
قَالُوا : وَانْتَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْجِعِرّانَةِ ، وَالسّبْيُ وَالْغَنَائِمُ بِهَا مَحْبُوسَةٌ وَقَدْ اتّخَذَ السّبْيُ حَظَائِرَ يَسْتَظِلّونَ بِهَا مِنْ الشّمْسِ فَلَمّا نَظَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى تِلْكَ الْحَظَائِرِ سَأَلَ عَنْهَا فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ هَذَا سَبْيُ هَوَازِنَ اسْتَظَلّوا مِنْ الشّمْسِ . وَكَانَ السّبْيُ سِتّةَ آلَافٍ وَكَانَتْ الْإِبِلُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ بَعِيرٍ وَكَانَتْ الْغَنَمُ لَا يُدْرَى عَدَدُهَا ، قَدْ قَالُوا أَرْبَعِينَ أَلْفًا وَأَقَلّ وَأَكْثَرَ فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ بُسْرَ بْنَ سُفْيَانَ الْخُزَاعِيّ يَقْدَمُ مَكّةَ فَيَشْتَرِي لِلسّبْيِ ثِيَابًا يَكْسُوهَا ، ثِيَابَ الْمَعْقِدِ فَلَا يَخْرُجُ الْمَرْءُ مِنْهُمْ إلّا كَاسِيًا ، فَاشْتَرَى بُسْرٌ كُسْوَةً فَكَسَا السّبْيَ كُلّهُمْ وَاسْتَأْذَنَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالسّبْيِ وَقَدْ كَانَ فَرّقَ مِنْهُ وَأَعْطَى رِجَالًا ; عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ مِنْهُنّ قَدْ وَطِئَهَا بِالْمِلْكِ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ وَهَبَهَا لَهُ بِحُنَيْنٍ فَرَدّهَا إلَى الْجِعِرّانَةِ حَتّى حَاضَتْ فَوَطِئَهَا ، وَأَعْطَى صَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ أُخْرَى ، وَأَعْطَى عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السّلَامُ جَارِيَةً يُقَالُ لَهَا [ ص 944 ] رَيْطَةُ بِنْتُ هِلَالِ بْنِ حَيّانَ بْنِ عُمَيْرَةَ وَأَعْطَى عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ جَارِيَةً يُقَالُ لَهَا : زَيْنَبُ بِنْتُ حَيّانَ بْنِ عَمْرٍو ، فَوَطِئَهَا عُثْمَانُ فَكَرِهَتْهُ وَلَمْ يَكُنْ عَلِيّ وَطِئَ . وَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ جَارِيَةً فَأَعْطَاهَا عُمَرُ ابْنَهُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ ، فَبَعَثَ بِهَا ابْنُ عُمَرَ إلَى أَخْوَالِهِ بِمَكّةَ بَنِي جُمَحَ لِيُصْلِحُوا مِنْهَا حَتّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ ثُمّ يَأْتِيَهُمْ . وَكَانَتْ جَارِيَةً وَضِيئَةً مُعْجِبَةً . [ قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ : ] فَقَدِمْت مَكّةَ فَطُفْت بِالْبَيْتِ فَخَرَجْت مِنْ الْمَسْجِدِ وَأَنَا أُرِيدُ الْجَارِيَةَ أَنْ أُصِيبَهَا ، وَأَرَى النّاسَ يَشْتَدّونَ فَقُلْت : مَا لَكُمْ ؟ قَالُوا : رَدّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نِسَاءَ هَوَازِنَ وَأَبْنَاءَهَا . قَالَ قُلْت : تِلْكَ صَاحِبَتُكُمْ فِي بَنِي جُمَحَ فَاذْهَبُوا فَخُذُوهَا فَذَهَبُوا فَأَخَذُوهَا . وَأَعْطَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جُبَيْرَ بْنَ مُطْعِمٍ جَارِيَةً مِنْ سَبْيِ هَوَازِنَ فَلَمْ تُوطَأْ . وَأَعْطَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللّهِ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا طَلْحَةُ . وَأَعْطَى سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ جَارِيَةً وَأَعْطَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرّاحِ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا ، وَأَعْطَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الزّبَيْرَ بْنَ الْعَوّامِ جَارِيَةً وَهَذَا كُلّهُ بِحُنَيْنٍ . فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْجِعِرّانَةِ أَقَامَ يَتَرَبّصُ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ وَفْدُهُمْ وَبَدَأَ بِالْأَمْوَالِ فَقَسَمَهَا ، وَأَعْطَى الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ أَوّلَ النّاسِ . وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ غَنِمَ فِضّةً كَثِيرَةً أَرْبَعَةَ آلَافِ أُوقِيّةٍ فَجُمِعَتْ الْغَنَائِمُ بَيْنَ يَدَيْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْفِضّةُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَصْبَحْت أَكْثَرَ قُرَيْشٍ مَالًا فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ أَعْطِنِي مِنْ هَذَا الْمَالِ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ يَا بِلَالُ زِنْ لِأَبِي سُفْيَانَ أَرْبَعِينَ أُوقِيّةً وَأَعْطُوهُ [ ص 945 ] مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ . قَالَ أَبُو سُفْيَانَ ابْنِي يَزِيدُ أَعْطِهِ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زِنُوا يَزِيدَ أَرْبَعِينَ أُوقِيّةً وَأَعْطُوهُ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ . قَالَ أَبُو سُفْيَانَ ابْنِي مُعَاوِيَةُ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ زِنْ لَهُ يَا بِلَالُ أَرْبَعِينَ أُوقِيّةً وَأَعْطُوهُ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ . قَالَ أَبُو سُفْيَانَ إنّك الْكَرِيمُ فِدَاك أَبِي وَأُمّي وَلَقَدْ حَارَبْتُك فَنِعْمَ الْمُحَارَبُ كُنْت ، ثُمّ سَالَمْتُك فَنِعْمَ الْمُسَالَمُ أَنْتَ جَزَاك اللّهُ خَيْرًا وَأَعْطَى فِي بَنِي أَسَدٍ .
(1/944)
قَالَ حَدّثَنِي مَعْمَرٌ عَنْ الزّهْرِيّ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ ، وَعُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ ، قَالَا : حَدّثَنَا حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ قَالَ سَأَلْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِحُنَيْن ٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ فَأَعْطَانِيهَا ، ثُمّ سَأَلْته مِائَةً فَأَعْطَانِيهَا ، ثُمّ سَأَلْته مِائَةً فَأَعْطَانِيهَا ، ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا حَكِيمُ بْنَ حِزَامٍ ، إنّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ وَكَانَ كَاَلّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ السّفْلَى ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ قَالَ فَكَانَ حَكِيمٌ يَقُولُ وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَك شَيْئًا فَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَدْعُوهُ إلَى عَطَائِهِ فَيَأْبَى يَأْخُذُهُ فَيَقُولُ عُمَرُ أَيّهَا النّاسُ إنّي أُشْهِدُكُمْ عَلَى حَكِيمٍ أَنّي أَدْعُوهُ إلَى عَطَائِهِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَه قَالَ حَدّثَنَا ابْنُ أَبِي الزّنَادِ قَالَ أَخَذَ حَكِيمٌ الْمِائَةَ الْأُولَى ثُمّ تَرَكَ . وَفِي بَنِي عَبْدِ الدّارِ النّضَيْرُ وَهُوَ أَخُو النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ ، [ ص 946 ] مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ . وَفِي بَنِي زُهْرَةَ أُسَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَلِيفٌ لَهُمْ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ . وَأَعْطَى الْعَلَاءَ بْنَ جَارِيَةَ خَمْسِينَ بَعِيرًا ، وَأَعْطَى مَخْرَمَةَ بْنَ نَوْفَلٍ خَمْسِينَ بَعِيرًا . وَقَدْ رَأَيْت عَبْدَ اللّهِ بْنَ جَعْفَرٍ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ أَخَذَ مَخْرَمَةُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ مَا سَمِعْت أَحَدًا مِنْ أَهْلِي يَذْكُرُ أَنّهُ أُعْطِيَ شَيْئًا . وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَعْطَى سَعِيدَ بْنَ يَرْبُوعٍ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ . وَأَعْطَى فِي بَنِي جُمَحَ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ مِائَةَ بَعِيرٍ وَيُقَالُ إنّهُ طَافَ مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَتَصَفّحُ الْغَنَائِمَ إذْ مَرّ بِشِعْبٍ مِمّا أَفَاءَ اللّهُ عَلَيْهِ فِيهِ غَنَمٌ وَإِبِلٌ وَرِعَاؤُهَا مَمْلُوءٌ . فَأَعْجَبَ صَفْوَانَ وَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَعْجَبَك يَا أَبَا وَهْبٍ هَذَا الشّعْبُ ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ هُوَ لَك وَمَا فِيهِ . فَقَالَ صَفْوَانُ أَشْهَدُ مَا طَابَتْ بِهَذَا نَفْسُ أَحَدٍ قَطّ إلّا نَبِيّ ، وَأَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللّهِ وَأَعْطَى قَيْسَ بْنَ عَدِيّ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَعْطَى عُثْمَانَ بْنَ وَهْبٍ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ . وَفِي بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ أَعْطَى سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَعْطَى حُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَعْطَى هِشَامَ بْنَ عُمَرَ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ . وَأَعْطَى فِي الْعَرَبِ الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ التّمِيمِيّ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ بْنَ بَدْرٍ الْفَزَارِيّ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَعْطَى مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ . وَأَعْطَى الْعَبّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ السّلَمِيّ أَرْبَعًا مِنْ الْإِبِلِ فَعَاتَبَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي شِعْرٍ قَالَهُ [ ص 947 ]
كَانَتْ نِهَابًا تَلَافَيْتهَا
بِكَرّي عَلَى الْقَوْمِ فِي الْأَجْرَعِ
وَحَثّي الْجُنُودَ لِكَيْ يُدْلِجُوا
إذَا هَجَعَ الْقَوْمُ لَمْ أَهْجَعِ
فَأَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعَبِي
دِ بَيْنَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ
إلّا أَفَائِلَ أُعْطِيتهَا
عَدِيدَ قَوَائِمِهَا الْأَرْبَعِ
وَقَدْ كُنْت فِي الْحَرْبِ ذَا تُدْرَإٍ
فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا وَلَمْ أُمْنَعِ
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلَا حَابِسٌ
يَفْوَقَانِ مِرْدَاسَ فِي الْمَجْمَعِ
وَمَا كُنْت دُونَ امْرِئٍ مِنْهُمَا
وَمَنْ تَضَعِ الْيَوْمَ لَا يُرْفَعِ
فَرَفَعَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَبْيَاتَهُ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلْعَبّاسِ أَنْتَ الّذِي تَقُولُ « أَصْبَحَ نَهْبِي وَنَهْبُ الْعَبِيدِ بَيْنَ الْأَقْرَعِ وَعُيَيْنَةَ » ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ بِأَبِي وَأُمّي يَا رَسُولَ اللّهِ لَيْسَ هَكَذَا قَالَ . قَالَ كَيْفَ ؟ قَالَ فَأَنْشَدَهُ أَبُو بَكْرٍ كَمَا قَالَ عَبّاسٌ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَوَاءٌ مَا يَضُرّك بَدَأْت بِالْأَقْرَعِ أَمْ عُيَيْنَةَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي ، مَا أَنْتَ بِشَاعِرٍ وَلَا رَاوِيَةٍ وَلَا يَنْبَغِي لَك . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اقْطَعُوا لِسَانَهُ عَنّي . فَأَعْطُوهُ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَيُقَالُ خَمْسِينَ مِنْ الْإِبِلِ فَفَزِعَ مِنْهَا أُنَاسٌ وَقَالُوا : أَمَرَ بِعَبّاسٍ يُمَثّلُ بِهِ . وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَيْنَا فِيمَا أَعْطَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَئِذٍ النّاسَ .
فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي عَوْنٍ عَنْ سَعْدٍ عَنْ [ ص 948 ] إبْرَاهِيمَ وَيَعْقُوبَ بْنِ عُتْبَةَ ، قَالَا : كَانَتْ الْعَطَايَا فَارِعَةً مِنْ الْغَنَائِمِ . قَالَ حَدّثَنِي مُوسَى بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَتْ مِنْ الْخُمُسِ . فَأَثْبَتُ الْقَوْلَيْنِ أَنّهَا مِنْ الْخُمُسِ .
(1/946)
قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ : يَا رَسُولَ اللّهِ أَعْطَيْت عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَالْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِائَةً وَتَرَكْت جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ الضّمْرِيّ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ سَلّمَ أَمَا وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَجُعَيْلُ بْنُ سُرَاقَةَ خَيْرٌ مِنْ طِلَاعِ الْأَرْضِ كُلّهَا مِثْلَ عُيَيْنَةَ وَالْأَقْرَعِ وَلَكِنّي تَأَلّفْتهمَا لِيُسْلِمَا ، وَوَكَلْت جُعَيْلَ بْنَ سُرَاقَةَ إلَى إسْلَامِهِ
وَجَلَسَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفِي ثَوْبِ بِلَالٍ فِضّةٌ يَقْبِضُهَا لِلنّاسِ عَلَى مَا أَرَاهُ اللّهُ فَأَتَاهُ ذُو الْحُوَيْصِرَةِ التّمِيمِيّ فَقَالَ اعْدِلْ يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيْلَك فَمَنْ يَعْدِلْ إذَا لَمْ أَعْدِلْ ؟ قَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللّهِ اِيذَنْ لِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ قَالَ دَعْهُ إنّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدّينِ كَمَا يَمْرُقُ السّهْمُ مِنْ الرّمِيّةِ يَنْظُرُ [ الرّامِي ] ، فِي قُذَذِهِ فَلَا يَرَى شَيْئًا ، ثُمّ يَنْظُرُ فِي نَصْلِهِ فَلَا يَرَى شَيْئًا ، ثُمّ يَنْظُرُ فِي رِصَافِهِ فَلَا يَرَى شَيْئًا ، قَدْ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدّمَ يَخْرُجُونَ عَلَى فِرْقَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَأَيْتهمْ إنّ فِيهِمْ رَجُلًا أَسْوَدَ إحْدَى يَدَيْهِ [ مِثْلُ ثَدْيِ ] الْمَرْأَةِ أَوْ كَبَضْعَةٍ تَدَرْدَر [ ص 949 ] فَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ يَقُولُ أَشْهَدُ لَسَمِعْت عَلِيّا يُحَدّثُ هَذَا الْحَدِيثَ .
قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : سَمِعْت رَجُلًا مِنْ الْمُنَافِقِينَ يَوْمَئِذٍ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُعْطِي تِلْكَ الْعَطَايَا ، وَهُوَ يَقُولُ إنّهَا الْعَطَايَا مَا يُرَادُ بِهَا وَجْهُ اللّهِ قُلْت : أَمَا وَاَللّهِ لَأُبَلّغَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا قُلْت . فَجِئْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرْته ، فَتَغَيّرَ لَوْنُهُ حَتّى نَدِمْت عَلَى مَا صَنَعْته ، فَوَدِدْت أَنّي لَمْ أُخْبِرْهُ ثُمّ قَالَ يَرْحَمُ اللّهُ أَخِي مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ وَكَانَ الْمُتَكَلّمُ بِهَذَا مُعَتّبَ بْنَ قُشَيْرٍ الْعَمْرِيّ ثُمّ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ بِإِحْصَاءِ النّاسِ وَالْغَنَائِمِ ثُمّ فَضّهَا عَلَى النّاسِ فَكَانَتْ سِهَامَهُمْ لِكُلّ رَجُلٍ أَرْبَعٌ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ أَرْبَعُونَ شَاةً فَإِنْ كَانَ فَارِسًا أَخَذَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِنْ الْإِبِلِ أَوْ عِشْرِينَ وَمِائَةَ شَاةٍ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ أَكْثَرُ مِنْ فَرَسٍ وَاحِدٍ لَمْ يُسْهَمْ لَهُ .
(1/949)
ذِكْرُ وَفْدِ هَوَازِنَ قَالُوا : فَقَدِمَ وَفْدُ هَوَازِنَ . وَكَانَ فِي الْوَفْدِ عَمّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الرّضَاعَةِ قَالَ يَوْمَئِذٍ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّمَا فِي هَذِهِ الْحَظَائِرِ مَنْ كَانَ يَكْفُلُك مِنْ عَمّاتِك وَخَالَاتِك وَحَوَاضِنِك ، وَقَدْ حَضَنّاك فِي حُجُورِنَا ، [ ص 950 ] وَأَرْضَعْنَاك بِثُدِيّنَا ، وَلَقَدْ رَأَيْتُك مُرْضَعًا فَمَا رَأَيْت مُرْضَعًا خَيْرًا مِنْك ، وَرَأَيْتُك فَطِيمًا فَمَا رَأَيْت فَطِيمًا خَيْرًا مِنْك ، ثُمّ رَأَيْتُك شَابّا فَمَا رَأَيْت شَابّا خَيْرًا مِنْك ، وَقَدْ تَكَامَلَتْ فِيك خِلَالُ الْخَيْرِ وَنَحْنُ مَعَ ذَلِكَ أَهْلُك وَعَشِيرَتُك ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا مَنّ اللّهُ عَلَيْك فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ اسْتَأْنَيْت بِكُمْ حَتّى ظَنَنْت أَنّكُمْ لَا تَقْدَمُونَ وَقَدْ قُسِمَ السّبْيُ وَجَرَتْ فِيهِمْ السّهْمَانُ . وَقَدِمَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ وَجَاءُوا بِإِسْلَامِ مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ فَكَانَ رَأْسَ الْقَوْمِ وَالْمُتَكَلّمَ أَبُو صُرَدٍ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّا أَهْلُك وَعَشِيرَتُك ، وَقَدْ أَصَابَنَا مِنْ الْبَلَاءِ مَا لَا يَخْفَى عَلَيْك . يَا رَسُولَ اللّهِ إنّمَا فِي هَذِهِ الْحَظَائِرِ عَمّاتُك وَخَالَاتُك وَحَوَاضِنُك اللّاتِي كُنّ يَكْفُلْنَك ، وَلَوْ أَنّا مَلَحْنَا لِلْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ وَلِلنّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ ثُمّ نَزَلَا مِنّا بِمِثْلِ الّذِي نَزَلْت بِهِ رَجَوْنَا عَطْفَهُمَا وَعَائِدَتَهُمَا ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْمَكْفُولِينَ . وَيُقَالُ إنّهُ قَالَ يَوْمَئِذٍ - أَبُو صُرَدٍ إنّمَا فِي هَذِهِ الْحَظَائِرِ أَخَوَاتُك وَعَمّاتُك وَبَنَاتُ عَمّاتِك وَخَالَاتُك وَبَنَاتُ خَالَاتِك ، وَأَبْعَدُهُنّ قَرِيبٌ مِنْك . يَا رَسُولَ اللّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي ، إنّهُنّ حَضَنّك فِي حُجُورِهِنّ وَأَرْضَعْنَك بِثُدِيّهِنّ وَتَوَرّكْنَك عَلَى أَوْرَاكِهِنّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْمَكْفُولِينَ وَقَالَ [ ص 951 ]
أُمْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللّهِ فِي كَرَمٍ
فَإِنّك الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَدّخِرُ
أُمْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ عَاقَهَا قَدَرٌ
مُمَزّقٌ شَمْلَهَا فِي دَهْرِهَا غِيَرُ
أُمْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْت تَرْضَعُهَا
إذْ فُوك مَمْلُوءَةٌ مِنْ مَحْضِهَا الدّرَرُ
اللّآئِي إذْ كُنْت طِفْلًا كُنْت تَرْضَعُهَا
وَإِذْ يَزِينُك مَا تَأْتِي وَمَا تَذَرُ
أَلَا تَدَارَكَهَا نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا
يَا أَرْجَحَ النّاسِ حَتّى حِينَ يُخْتَبَرُ
لَا تَجْعَلَنّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ
وَاسْتَبْقِ مِنّا فَإِنّا مَعْشَرٌ زُهُرُ
إنّا لَنَشْكُرُ آلَاءً وَإِنْ قَدُمَتْ
وَعِنْدَنَا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ مُدّخَرُ
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ أَصْدَقُهُ وَعِنْدِي مَنْ تَرَوْنَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحَبّ إلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ خَيّرْتنَا بَيْنَ أَحْسَابِنَا وَبَيْنَ أَمْوَالِنَا ، وَمَا كُنّا نَعْدِلُ بِالْأَحْسَابِ شَيْئًا ، فَرُدّ عَلَيْنَا أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمّا مَا لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ وَأَسْأَلُ لَكُمْ النّاسَ وَإِذَا صَلّيْت الظّهْرَ بِالنّاسِ فَقُولُوا : إنّا لَنَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللّهِ إلَى الْمُسْلِمِينَ وَبِالْمُسْلِمِينَ إلَى رَسُولِ اللّهِ فَإِنّي سَأَقُولُ لَكُمْ مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ وَسَأَطْلُبُ لَكُمْ إلَى النّاسِ . فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الظّهْرَ بِالنّاسِ قَامُوا فَتَكَلّمُوا بِاَلّذِي أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالُوا : إنّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللّهِ إلَى الْمُسْلِمِينَ وَبِالْمُسْلِمِينَ إلَى رَسُولِ اللّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ . فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ : فَمَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللّهِ قَالَتْ الْأَنْصَارُ : مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللّهِ قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ أَمّا أَنَا وَبَنُو تَمِيمٍ فَلَا وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ [ ص 952 ] أَمّا أَنَا وَفَزَارَةُ فَلَا وَقَالَ عَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ السّلَمِيّ : أَمّا أَنَا وَبَنُو سُلَيْمٍ فَلَا قَالَتْ بَنُو سُلَيْمٍ : مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللّهِ فَقَالَ الْعَبّاسُ وَهّنْتُمُونِي ثُمّ قَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي النّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ إنّ كُلّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ جَاءُوا مُسْلِمِينَ . وَقَدْ كُنْت اسْتَأْنَيْت بِهِمْ فَخَيّرْتهمْ بَيْنَ النّسَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْأَمْوَالِ . فَلَمْ يَعْدِلُوا بِالنّسَاءِ وَالْأَبْنَاءِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنّ شَيْءٌ فَطَابَتْ نَفْسُهُ أَنْ يَرُدّهُ فَلْيُرْسِلْ - وَمَنْ أَبَى مِنْكُمْ وَتَمَسّكَ بِحَقّهِ فَلْيَرُدّ عَلَيْهِمْ . وَلْيَكُنْ فَرْضًا عَلَيْنَا سِتّ فَرَائِضَ مِنْ أَوّلِ مَا يَفِيءُ اللّهُ بِهِ عَلَيْنَا قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ رَضِينَا وَسَلّمْنَا قَالَ فَمُرُوا عُرَفَاءَكُمْ أَنْ يَدْفَعُوا ذَلِكَ إلَيْنَا حَتّى نَعْلَمَ . فَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يَطُوفُ عَلَى الْأَنْصَارِ يَسْأَلُهُمْ هَلْ سَلّمُوا وَرَضُوا ؟ فَخَبّرُوهُ أَنّهُمْ سَلّمُوا وَرَضُوا . وَلَمْ يَتَخَلّفْ رَجُلٌ وَاحِدٌ وَبَعَثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إلَى الْمُهَاجِرِينَ يَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَتَخَلّفْ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ . وَكَانَ أَبُو رُهْمٍ الْغِفَارِيّ يَطُوفُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ . ثُمّ جَمَعُوا الْعُرَفَاءَ وَاجْتَمَعَ الْأُمَنَاءُ الّذِينَ أَرْسَلَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاتّفَقُوا عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ تَسْلِيمِهِمْ وَرِضَاهُمْ وَدَفَعَ مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ السّبْيِ . فَكَانَتْ الْمَرْأَةُ الّتِي عِنْدَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَدْ خُيّرَتْ تُقِيمُ أَوْ تَرْجِعُ إلَى قَوْمِهَا ، فَاخْتَارَتْ قَوْمَهَا فَرُدّتْ إلَيْهِمْ . وَاَلّتِي عِنْدَ عَلِيّ وَعُثْمَانَ وَطَلْحَةَ وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ وَابْنِ عُمَرَ رَجَعْنَ إلَى قَوْمِهِنّ . وَأَمّا الّتِي عِنْدَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ فَاخْتَارَتْ سَعْدًا وَلَهَا مِنْهُ وَلَدٌ .
(1/950)
وَكَانَ عُيَيْنَةُ قَدْ خَيّرُوهُ فِي السّبْيِ فَأَخَذَ رَأْسًا مِنْهُمْ نَظَرَ إلَى عَجُوزٍ كَبِيرَةٍ فَقَالَ هَذِهِ أُمّ الْحَيّ لَعَلّهُمْ أَنْ يُغْلُوا بِفِدَائِهَا ، فَإِنّهُ عَسَى أَنْ [ ص 953 ] يَكُونَ لَهَا فِي الْحَيّ نَسَبٌ فَجَاءَ ابْنُهَا إلَى عُيَيْنَةَ فَقَالَ هَلْ لَك فِي مِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ ؟ قَالَ لَا . فَرَجَعَ عَنْهُ وَتَرَكَهُ سَاعَةً فَجَعَلَتْ الْعَجُوزُ تَقُولُ لِابْنِهَا : مَا أَرَبُك فِي نَقْدِ مِائَةِ نَاقَةٍ ؟ اُتْرُكْهُ فَمَا أَسْرَعَ مَا يَتْرُكُنِي بِغَيْرِ فِدَاءٍ فَلَمّا سَمِعَهَا عُيَيْنَةُ قَالَ مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ خُدْعَةً وَاَللّهِ مَا أَنَا مِنْ هَذِهِ إلّا فِي غُرُورٍ وَلَا جَرَمَ وَاَللّهِ لَأُبَاعِدَنّ أَثَرَك مِنّي قَالَ ثُمّ مَرّ بِهِ ابْنُهَا فَقَالَ هَلْ لَك فِي الْعَجُوزِ فِيمَا دَعَوْتنِي إلَيْهِ ؟ قَالَ ابْنُهَا : لَا أَزِيدُك عَلَى خَمْسِينَ . قَالَ عُيَيْنَةُ لَا أَفْعَلُ . قَالَ فَلَبِثَ سَاعَةً فَمَرّ بِهِ مَرّةً أُخْرَى وَهُوَ مُعْرِضٌ عَنْهُ . قَالَ عُيَيْنَةُ هَلْ لَك فِي الْعَجُوزِ فِي الّذِي بَذَلْت لِي ؟ قَالَ الْفَتَى : لَا أَزِيدُك عَلَى خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فَرِيضَةً هَذَا الّذِي أَقْوَى عَلَيْهِ . قَالَ عُيَيْنَةُ وَاَللّهِ لَا أَفْعَلُ بَعْدَ مِائَةِ فَرِيضَةٍ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ فَلَمّا تَخَوّفَ عُيَيْنَةُ أَنْ يَتَفَرّقَ النّاسُ وَيَرْتَحِلُوا جَاءَهُ عُيَيْنَةُ فَقَالَ هَلْ لَك إلَى مَا دَعَوْتنِي إلَيْهِ ؟ قَالَ الْفَتَى : هَلْ لَك إلَى عَشْرِ فَرَائِضَ أُعْطِيكهَا ؟ قَالَ عُيَيْنَةُ وَاَللّهِ لَا أَفْعَلُ فَلَمّا رَحَلَ النّاسُ نَادَاهُ عُيَيْنَةُ هَلْ لَك إلَى مَا دَعَوْتنِي إلَيْهِ إنْ شِئْت ؟ قَالَ الْفَتَى : أَرْسِلْهَا وَأَحْمِلُك . قَالَ لَا وَاَللّهِ مَا لِي بِحَمْلِك حَاجَةٌ . قَالَ وَأَقْبَلَ عُيَيْنَةُ عَلَى نَفْسِهِ لَائِمًا لَهَا ، وَيَقُولُ مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ أَمْرًا . قَالَ الْفَتَى : أَنْتَ صَنَعْت هَذَا بِنَفْسِك ، عَمَدْت إلَى عَجُوزٍ كَبِيرَةٍ وَاَللّهِ مَا ثَدْيُهَا بِنَاهِدٍ وَلَا بَطْنُهَا بِوَالِدٍ وَلَا فُوهَا بِبَارِدٍ وَلَا صَاحِبُهَا بِوَاجِدٍ فَأَخَذْتهَا مِنْ بَيْنِ مَنْ تَرَى . فَقَالَ عُيَيْنَةُ خُذْهَا لَا بَارَكَ اللّهُ لَك فِيهَا ، وَلَا حَاجَةَ لِي فِيهَا قَالَ يَقُولُ الْفَتَى : [ ص 954 ] يَا عُيَيْنَةُ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ كَسَا السّبْيَ فَأَخْطَأَهَا مِنْ بَيْنِهِمْ بِالْكُسْوَةِ فَمَا أَنْتَ كَاسِيهَا ثَوْبًا ؟ قَالَ لَا وَاَللّهِ مَا ذَلِكَ لَهَا عِنْدِي قَالَ لَا تَفْعَلْ فَمَا فَارَقَهُ حَتّى أَخَذَ مِنْهُ شَمْلَ ثَوْبٍ ثُمّ وَلّى الْفَتَى وَهُوَ يَقُولُ إنّك لَغَيْرُ بَصِيرٍ بِالْفُرَصِ وَشَكَا عُيَيْنَةُ إلَى الْأَقْرَعِ مَا لَقِيَ فَقَالَ الْأَقْرَعُ إنّك وَاَللّهِ مَا أَخَذْتهَا بِكْرًا غَرِيرَةً وَلَا نَصَفًا وَثِيرَةً وَلَا عَجُوزًا أَصِيلَةً عَمَدْت إلَى أَحْوَجِ شَيْخٍ فِي هَوَازِنَ فَسَبَيْت امْرَأَتَهُ . قَالَ عُيَيْنَةُ هُوَ ذَاكَ .
(1/953)
وَتَمَسّكَتْ بَنُو تَمِيمٍ مَعَ الْأَقْرَعِ بِالسّبْيِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْفِدَاءَ سِتّ فَرَائِضَ ثَلَاثَ حِقَاقٍ وَثَلَاثَ جِذَاعٍ . وَكَانَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَئِذٍ لَوْ كَانَ ثَابِتًا عَلَى أَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ وَلَاءٌ أَوْ رِقّ لَثَبَتَ الْيَوْمَ وَلَكِنْ إنّمَا هُوَ إسَارٌ وَفِدْيَةٌ وَكَانَ أَبُو حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيّ عَلَى مَقَاسِمِ الْمَغْنَمِ . وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلْوَفْدِ مَا فَعَلَ مَالِكٌ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ هَرَبَ فَلَحِقَ بِحِصْنِ الطّائِفِ مَعَ ثَقِيفٍ . قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخْبِرُوهُ أَنّهُ إنْ كَانَ يَأْتِي مُسْلِمًا رَدَدْت عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَأَعْطَيْته مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ [ ص 955 ] بِحَبْسِ أَهْلِ مَالِكٍ بِمَكّةَ عِنْدَ عَمّتِهِمْ أُمّ عَبْدِ اللّهِ بِنْتِ أَبِي أُمَيّةَ . فَقَالَ الْوَفْدُ يَا رَسُولَ اللّهِ أُولَئِكَ سَادَتُنَا وَأَحِبّتُنَا إلَيْنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّمَا أُرِيدُ بِهِمْ الْخَيْر فَوَقَفَ مَالَ مَالِكٍ فَلَمْ يُجْرِ فِيهِ السّهْمَ فَلَمّا بَلَغَ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ الْخَبَرُ ، وَمَا صَنَعَ فِي قَوْمِهِ وَمَا وَعَدَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنّ أَهْلَهُ وَمَالَهُ مَوْقُوفٌ وَقَدْ خَافَ مَالِكٌ ثَقِيفًا عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَعْلَمُوا أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَهُ مَا قَالَ فَيَحْبِسُونَهُ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَقُدّمَتْ حَتّى وُضِعَتْ بِدَحْنَا ، وَأَمَرَ بِفَرَسٍ لَهُ فَأُتِيَ بِهِ لَيْلًا ، فَخَرَجَ مِنْ الْحِصْنِ فَجَلَسَ عَلَى فَرَسِهِ لَيْلًا فَرَكَضَهُ حَتّى أَتَى دَحْنَا ، فَرَكِبَ عَلَى بَعِيرِهِ فَلَحِقَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَيُدْرِكُهُ قَدْ رَكِبَ مِنْ الْجِعِرّانَةِ ، فَرَدّ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَأَعْطَاهُ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ . وَيُقَالُ لَحِقَهُ بِمَكّةَ ، وَاسْتَعْمَلَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ وَمِنْ تِلْكَ الْقَبَائِلِ حَوْلَ الطّائِفِ مِنْ هَوَازِنَ وَفَهْمٍ فَكَانَ قَدْ ضَوَى إلَيْهِ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً فَكَانَ يُقَاتِلُ بِهِمْ مَنْ كَانَ عَلَى الشّرْكِ وَيُغِيرُ بِهِمْ عَلَى ثَقِيفٍ ، يُقَاتِلُهُمْ بِهِمْ وَلَا يَخْرُجُ لِثَقِيفٍ سَرْحٌ إلّا أَغَارَ عَلَيْهِ . وَقَدْ رَجَعَ حِينَ رَجَعَ وَقَدْ سَرّحَ النّاسُ مَوَاشِيَهُمْ وَأَمِنُوا فِيمَا يَرَوْنَ حَيْثُ انْصَرَفَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَكَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى سَرْحٍ إلّا أَخَذَهُ وَلَا عَلَى رَجُلٍ إلّا قَتَلَهُ فَكَانَ قَدْ بَعَثَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْخُمُسِ مِمّا يُغِيرُ بِهِ مَرّةً مِائَةَ بَعِيرٍ وَمَرّةً أَلْفَ شَاةٍ وَلَقَدْ أَغَارَ عَلَى سَرْحٍ لِأَهْلِ الطّائِفِ فَاسْتَاقَ لَهُمْ أَلْفَ شَاةٍ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ . فَقَالَ فِي ذَلِكَ أَبُو مِحْجَنِ بْنُ حَبِيبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ الثّقَفِيّ [ ص 956 ]
تَهَابُ الْأَعْدَاءُ جَانِبَنَا
ثُمّ تَغْزُونَا بَنُو سَلِمَهْ
وَأَتَانَا مَالِكٌ بِهِمُ
نَاقِضًا لِلْعَهْدِ وَالْحُرُمَهْ
وَأَتَوْنَا فِي مَنَازِلِنَا
وَلَقَدْ كَانُوا أُولِي نَقِمَهْ
فَقَالَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ
مَا إنْ رَأَيْت وَلَا سَمِعْت بِمِثْلِهِ
فِي النّاسِ كُلّهِمُ بِمِثْلِ مُحَمّدِ
أَوْفَى وَأَعْطَى لِلْجَزِيلِ إذَا اجْتُدِي
وَمَتَى تَشَاءُ يُخْبِرْك عَمّا فِي غَدِ
وَإِذَا الْكَتِيبَةُ عَرّدَتْ أَنْيَابَهَا
بِالْمَشْرَفِيّ وَضَرْبِ كُلّ مُهَنّدِ
فَكَأَنّهُ لَيْثٌ عَلَى أَشْبَالِهِ
وَسْطَ الْهَبَاءَةِ خَادِرٌ فِي مَرْصَدِ
(1/955)
قَالُوا : لَمّا أَعْطَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي قُرَيْشٍ وَفِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى كَثُرَتْ الْقَالَةُ حَتّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَوْمَهُ أَمّا حِينَ الْقِتَالِ فَنَحْنُ أَصْحَابُهُ وَأَمّا حِينَ الْقَسْمِ فَقَوْمُهُ وَعَشِيرَتُهُ وَوَدِدْنَا أَنّا نَعْلَمُ مِمّنْ كَانَ هَذَا إنْ كَانَ هَذَا مِنْ اللّهِ [ ص 957 ] صَبَرْنَا ، وَإِنْ كَانَ هَذَا مِنْ رَأْيِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اسْتَعْتَبْنَاهُ . فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَغَضِبَ مِنْ ذَلِكَ غَضَبًا شَدِيدًا ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا يَقُولُ فِيّ قَوْمُك ؟ قَالَ وَمَا يَقُولُونَ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ يَقُولُونَ أَمّا حِينَ الْقِتَالِ فَنَحْنُ أَصْحَابُهُ وَأَمّا حِينَ الْقَسْمِ فَقَوْمُهُ وَعَشِيرَتُهُ وَوَدِدْنَا أَنّا نَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ هَذَا إنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ اللّهِ صَبَرْنَا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَأْيِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اسْتَعْتَبْنَاهُ . فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ ؟ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا أَنَا إلّا كَأَحَدِهِمْ وَإِنّا لَنُحِبّ أَنْ نَعْلَمَ مِنْ أَيْنَ هَذَا ؟ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاجْمَعْ مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ الْأَنْصَارِ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ . فَجَمَعَ الْأَنْصَارَ فِي تِلْكَ الْحَظِيرَةِ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا ، وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدّهُمْ فَلَمّا اجْتَمَعُوا لَهُ جَاءَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ قَدْ اجْتَمَعَ لَك هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ . فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْغَضَبُ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِاَلّذِي هُوَ أَهْلُهُ ثُمّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، مَقَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلّالًا فَهَدَاكُمْ اللّهُ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللّهُ وَأَعْدَاءً فَأَلّفَ اللّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ، اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنّ وَأَفْضَلُ قَالَ أَلَا تُجِيبُونِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ؟ قَالُوا : وَمَاذَا نُجِيبُك يَا رَسُولَ اللّهِ وَلِرَسُولِ اللّهِ الْمَنّ وَالْفَضْلُ ؟ قَالَ أَمَا وَاَللّهِ لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ فَصَدَقْتُمْ أَتَيْتنَا مُكَذّبًا فَصَدّقْنَاك ، وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاك ، [ ص 958 ] وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاك ، وَعَائِلًا فَآسَيْنَاك وَجَدْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي شَيْءٍ مِنْ الدّنْيَا تَأَلّفْت بِهِ قَوْمًا لِيُسْلِمُوا ، وَوَكَلْتُكُمْ إلَى إسْلَامِكُمْ أَفَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاءِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُوا بِرَسُولِ اللّهِ إلَى رِحَالِكُمْ ؟ وَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْت امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَلَوْ سَلَكَ النّاسُ شِعْبًا وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْت شِعْبَ الْأَنْصَارِ . أَكْتُبُ لَكُمْ بِالْبَحْرَيْنِ كِتَابًا مِنْ بَعْدِي تَكُونُ لَكُمْ خَاصّةً دُونَ النّاسِ فَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَفْضَلُ مَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَنْصَارِ . قَالُوا : وَمَا حَاجَتُنَا بِالدّنْيَا بَعْدَك يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ إمّا لَا فَسَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتّى تَلْقَوْا اللّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنّ مَوْعِدَكُمْ الْحَوْضُ . وَهُوَ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَعُمَانَ ، وَآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ النّجُومِ . اللّهُمّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا : رَضِينَا يَا رَسُولَ اللّهِ حَظّا وَقَسْمًا . وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَفَرّقُوا
(1/957)
وَانْتَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْجِعِرّانَةِ لَيْلَةَ الْخَمِيسِ لِخَمْسِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فَأَقَامَ بِالْجِعِرّانَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فَلَمّا أَرَادَ الِانْصِرَافَ إلَى الْمَدِينَةِ خَرَجَ مِنْ الْجِعِرّانَةِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ لَيْلًا ; فَأَحْرَمَ مِنْ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الّذِي تَحْتَ الْوَادِي [ ص 959 ] بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى ، وَكَانَ مُصَلّى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا كَانَ بِالْجِعِرّانَةِ - فَأَمّا هَذَا الْمَسْجِدُ الْأَدْنَى ، فَبَنَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَاِتّخَذَ ذَلِكَ الْحَائِطَ عِنْدَهُ - وَلَمْ يَجُزْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْوَادِيَ إلّا مُحْرِمًا ، فَلَمْ يَزَلْ يُلَبّي حَتّى اسْتَلَمَ الرّكْنَ . وَيُقَالُ لَمّا نَظَرَ إلَى الْبَيْتِ قَطَعَ التّلْبِيَةَ فَلَمّا أَتَى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ عَلَى بَابِ بَنِي شَيْبَةَ ، وَدَخَلَ وَطَافَ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ يَرْمُلُ مِنْ الْحَجَرِ إلَى الْحَجَرِ ، ثُمّ خَرَجَ فَطَافَ بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ حَتّى إذَا انْتَهَى إلَى الْمَرْوَةِ فِي الطّوَافِ السّابِعِ حَلَقَ رَأْسَهُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ ، حَلَقَهُ أَبُو هِنْدٍ عَبْدُ بَنِي بَيَاضَةَ وَيُقَالُ حَلَقَهُ خِرَاشُ بْنُ أُمَيّةَ ، وَلَمْ يَسُقْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهَا هَدْيًا . ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْجِعِرّانَةِ مِنْ لَيْلَتِهِ فَكَانَ كَبَائِتٍ بِهَا ، فَلَمّا رَجَعَ إلَى الْجِعِرّانَةِ خَرَجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ فَسَلَكَ فِي وَادِي الْجِعِرّانَةِ ، وَسَلَكَ مَعَهُ حَتّى خَرَجَ عَلَى سَرِفَ ، ثُمّ أَخَذَ الطّرِيقَ حَتّى انْتَهَى إلَى مَرّ الظّهْرَانِ .
(1/959)
وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَتّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكّةَ ، وَخَلّفَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَأَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ يُعَلّمَانِ النّاسَ الْقُرْآنَ وَالْفِقْهَ فِي الدّينِ . وَقَالَ لَهُ أَتَدْرِي عَلَى مَنْ أَسْتَعْمِلُك ؟ قَالَ اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ اسْتَعْمَلْتُك عَلَى أَهْلِ اللّهِ بَلّغْ عَنّي أَرْبَعًا : لَا يَصْلُحُ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ وَلَا بَيْعٌ وَسَلَفٌ وَلَا بَيْعٌ مَا لَمْ يُضْمَنْ وَلَا تَأْكُلْ رِبْحَ مَا لَيْسَ عِنْدَك أَقَامَ لِلنّاسِ الْحَجّ عَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ تِلْكَ السّنَةَ - وَهِيَ سَنَةُ ثَمَانٍ - بِغَيْرِ تَأْمِيرٍ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْحَجّ وَلَكِنّهُ أَمِيرُ مَكّةَ ، وَحَجّ [ ص 960 ] نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ عَلَى مُدّتِهِمْ وَيُقَالُ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْحَجّ . وَقَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ .
(1/960)
قُدُومُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ قَالُوا : كَانَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ حِينَ حَاصَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَهْلَ الطّائِفِ بِجُرَش َ يَتَعَلّمُ عَمَلَ الدّبّابَاتِ وَالْمَنْجَنِيقِ ثُمّ رَجَعَ إلَى الطّائِفِ بَعْدَ أَنْ وَلّى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَعَمِلَ الدّبّابَاتِ وَالْمَنْجَنِيقَ وَالْعَرّادَاتِ وَأَعَدّ ذَلِكَ حَتّى قَذَفَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِي قَلْبِهِ الْإِسْلَامَ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَسْلَمَ ثُمّ قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ اِيذَنْ لِي فَآتِيَ قَوْمِي فَأَدْعُوَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَوَاَللّهِ مَا رَأَيْت مِثْلَ هَذَا الدّينِ ذَهَبَ عَنْهُ ذَاهِبٌ . فَأَقْدَمُ عَلَى أَصْحَابِي وَقَوْمِي بِخَيْرِ قَادِمٍ وَمَا قَدِمَ وَافِدٌ قَطّ عَلَى قَوْمِهِ إلّا مَنْ قَدِمَ بِمِثْلِ مَا قَدِمْت بِهِ وَقَدْ سَبَقْت يَا رَسُولَ اللّهِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ .
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّهُمْ إذًا قَاتِلُوك قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ لَأَنَا أَحَبّ إلَيْهِمْ مِنْ أَبْكَارِ أَوْلَادِهِمْ . ثُمّ اسْتَأْذَنَهُ الثّانِيَةَ فَأَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلَامَ الْأَوّلَ وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّهُمْ إذًا قَاتِلُوك قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ لَوْ وَجَدُونِي نَائِمًا مَا أَيْقَظُونِي . وَاسْتَأْذَنَهُ الثّالِثَةَ فَقَالَ إنْ شِئْت فَاخْرُجْ فَخَرَجَ إلَى الطّائِفِ فَسَارَ إلَيْهَا خَمْسًا ، فَقَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ عِشَاءً فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ فَأَنْكَرَ قَوْمُهُ دُخُولَهُ مَنْزِلَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الرّبّةَ ثُمّ قَالُوا : السّفَرُ قَدْ حَصَرَهُ فَجَاءُوا [ ص 961 ] مَنْزِلَهُ فَحَيّوْهُ تَحِيّةَ الشّرْكِ فَكَانَ أَوّلَ مَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ تَحِيّةُ الشّرْكِ فَقَالَ عَلَيْكُمْ تَحِيّةُ أَهْلِ الْجَنّةِ .
ثُمّ دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَقَالَ يَا قَوْمِ أَتَتّهِمُونَنِي ؟ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنّي أَوْسَطُكُمْ نَسَبًا ، وَأَكْثَرُكُمْ مَالًا ، وَأَعَزّكُمْ نَفَرًا ؟ فَمَا حَمَلَنِي عَلَى الْإِسْلَامِ إلّا أَنّي رَأَيْت أَمْرًا لَا يَذْهَبُ عَنْهُ ذَاهِبٌ فَاقْبَلُوا نُصْحِي ، وَلَا تَسْتَعْصُونِي . فَوَاَللّهِ مَا قَدِمَ وَافِدٌ عَلَى قَوْمٍ بِأَفْضَلَ مِمّا قَدِمْت بِهِ عَلَيْكُمْ فَاتّهَمُوهُ وَاسْتَغَشّوهُ وَقَالُوا : قَدْ وَاللّاتِ وَقَعَ فِي أَنْفُسِنَا حَيْثُ لَمْ تَقْرَبْ الرّبّةَ . وَلَمْ تَحْلِقْ رَأْسَك عِنْدَهَا أَنّك قَدْ صَبَوْت فَآذَوْهُ وَنَالُوا مِنْهُ وَحَلُمَ عَلَيْهِمْ فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ يَأْتَمِرُونَ كَيْفَ يَصْنَعُونَ بِهِ حَتّى إذْ طَلَعَ الْفَجْرُ أَوْفَى عَلَى غُرْفَةٍ لَهُ فَأَذّنَ بِالصّلَاةِ فَرَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ رَهْطِهِ مِنْ الْأَحْلَافِ يُقَالُ لَهُ وَهْبُ بْنُ جَابِرٍ - وَيُقَالُ رَمَاهُ أَوْسُ بْنُ عَوْفٍ مِنْ بَنِي مَالِكٍ ، وَهَذَا أَثْبَتُ عِنْدَنَا - وَكَانَ عُرْوَةُ رَجُلًا مِنْ الْأَحْلَافِ ، فَأَصَابَ أَكْحَلَهُ فَلَمْ يَرْقَأْ دَمُهُ وَحُشِدَ قَوْمُهُ فِي السّلَاحِ . وَجُمِعَ الْآخَرُونَ وَتَجَايَشُوا ، فَلَمّا رَأَى عُرْوَةُ مَا يَصْنَعُونَ قَالَ لَا تَقْتَتِلُوا فِيّ فَإِنّي قَدْ تَصَدّقْت بِدَمِي عَلَى صَاحِبِهِ لِيُصْلِحَ بِذَلِكَ بَيْنَكُمْ فَهِيَ كَرَامَةُ اللّهِ أَكْرَمَنِي اللّهُ بِهَا الشّهَادَةُ سَاقَهَا اللّهُ إلَيّ أَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللّهِ خَبّرَنِي عَنْكُمْ هَذّ أَنّكُمْ تَقْتُلُونَنِي ثُمّ قَالَ لِرَهْطِهِ ادْفِنُونِي مَعَ الشّهَدَاءِ الّذِينَ قُتِلُوا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ عَنْكُمْ .
قَالَ فَدَفَنُوهُ مَعَهُمْ . وَبَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَتْلُهُ فَقَالَ مَثَلُ عُرْوَةَ مَثَلُ صَاحِبِ يَاسِينَ دَعَا قَوْمَهُ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ فَقَتَلُوه
وَيُقَالُ إنّ عُرْوَةَ لَمْ يَقْدَمْ الْمَدِينَةَ ، وَإِنّمَا لَحِقَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ [ ص 962 ] عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَ مَكّةَ وَالْمَدِينَةِ فَأَسْلَمَ ثُمّ انْصَرَفَ وَالْقَوْلُ الْأَوّلُ أَثْبَتُ عِنْدَنَا . فَلَمّا قُتِلَ عُرْوَةُ قَالَ ابْنُهُ أَبُو مُلَيْحٍ بْنُ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنُ أَخِيهِ قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ لِأَهْلِ الطّائِفِ : لَا نُجَامِعُكُمْ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا ، وَقَدْ قَتَلْتُمْ عُرْوَةَ . ثُمّ لَحِقَا بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَسْلَمَا ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَوَلّيَا مَنْ شِئْتُمَا . قَالَا : نَتَوَلّى اللّهَ وَرَسُولَهُ . قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَخَالُكُمَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْب حَالِفَاهُ . فَفَعَلَا ، وَنَزَلَا عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ، وَأَقَامَا بِالْمَدِينَةِ حَتّى قَدِمَ وَفْدُ ثَقِيفٍ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ .
(1/961)
قَالُوا : وَكَانَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ أَحَدَ بَنِي عِلَاجٍ وَكَانَ مِنْ أَدْهَى الْعَرَبِ ، وَأَنْكَرِهِمْ وَكَانَ مُهَاجِرًا لِعَبْدِ يَالَيْل بْنِ عَمْرٍو ، وَتَمَشّى إلَى عَبْدِ يَالَيْل ظُهْرًا حَتّى دَخَلَ دَارَهُ ثُمّ أَرْسَلَ إلَيْهِ إنّ عَمْرًا يَقُولُ اُخْرُجْ إلَيّ فَلَمّا جَاءَ الرّسُولُ إلَى عَبْدِ يَالَيْل قَالَ وَيْحَك عَمْرٌو أَرْسَلَك ؟ قَالَ نَعَمْ وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الدّارِ . وَكَانَ عَبْدُ يَالَيْل يُحِبّ صُلْحَهُ وَيَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ إلَيْهِ فَقَالَ عَبْدُ يَالَيْل : إنّ هَذَا لَشَيْءٌ مَا كُنْت أَظُنّهُ بِعَمْرٍو ، وَمَا هُوَ إلّا عَنْ أَمْرٍ قَدْ حَدَثَ وَكَانَ أَمْرًا سُوءًا ، مَا لَمْ يَكُنْ مِنْ نَاحِيَةِ مُحَمّدٍ . فَخَرَجَ إلَيْهِ عَبْدُ يَالَيْل ، فَلَمّا رَآهُ رَحّبَ بِهِ فَقَالَ عَمْرٌو : قَدْ نَزَلَ بِنَا أَمْرٌ لَيْسَتْ مَعَهُ هِجْرَةٌ إنّهُ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذَا الرّجُلِ مَا قَدْ رَأَيْت ، وَقَدْ أَسْلَمَتْ الْعَرَبُ كُلّهَا وَلَيْسَتْ لَكُمْ بِهِمْ طَاقَةٌ وَإِنّمَا نَحْنُ فِي حِصْنِنَا هَذَا ، مَا بَقَاؤُنَا فِيهِ هَذَا أَطْرَافُنَا تُصَابُ وَلَا نَأْمَنُ مِنْ أَحَدٍ مِنّا يَخْرُجُ شِبْرًا وَاحِدًا مِنْ حِصْنِنَا هَذَا ، فَانْظُرُوا فِي أَمْرِكُمْ قَالَ عَبْدُ يَالَيْل : قَدْ وَاَللّهِ رَأَيْت [ ص 963 ] مَا رَأَيْت ، فَمَا اسْتَطَعْت أَنْ أَتَقَدّمَ بِاَلّذِي تَقَدّمْت بِهِ وَإِنّ الْحَزْمَ وَالرّأْيَ الّذِي فِي يَدَيْك . قَالَ فَائْتَمَرَتْ ثَقِيفٌ بَيْنَهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَلَا تَرَوْنَ أَنّهُ لَا يَأْمَنُ لَكُمْ سِرْبٌ وَلَا يَخْرُجُ مِنْكُمْ أَحَدٌ إلّا اُقْتُطِعَ ؟ فَائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ فَأَرَادُوا أَنْ يُرْسِلُوا رَسُولًا إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَمَا خَرَجَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . قَالَ فَابْعَثُوا رَأْسَكُمْ عَبْدَ يَالَيْل . فَكَلّمُوا عَبْدَ يَالَيْل بْنَ عَمْرِو بْنِ حَبِيبٍ وَكَانَ سِنّ عُرْوَةَ فَأَبَى أَنْ يَفْعَلَ وَخَشِيَ إنْ رَجَعَ إلَى قَوْمِهِ مُسْلِمًا أَنْ يُصْنَعَ بِهِ إذَا رَجَعَ مِنْ عِنْدِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا صُنِعَ بِعُرْوَةَ حَتّى يَبْعَثُوا مَعَهُ رِجَالًا ، فَأَجْمَعُوا عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَحْلَافِ وَثَلَاثَةٍ مِنْ بَنِي مَالِكٍ فَبَعَثُوا مَعَ عَبْدِ يَالَيْل الْحَكَمَ بْنَ عَمْرِو بْنِ وَهْبِ بْنِ مُعَتّبٍ ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ غَيْلَانَ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ مُعَتّبٍ وَهَؤُلَاءِ الْأَحْلَافُ رَهْطُ عُرْوَةَ . وَبَعَثُوا فِي بَنِي مَالِكٍ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ ، وَأَوْسَ بْنَ عَوْفٍ ، وَنُمَيْرَ بْنَ خَرَشَةَ ، سِتّةٌ . وَيُقَالُ إنّ الْوَفْدَ كَانَ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ، فِيهِمْ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ . قَالُوا : فَخَرَجَ بِهِمْ عَبْدُ يَالَيْل وَهُوَ رَأْسُهُمْ وَصَاحِبُ أَمْرِهِمْ وَلَكِنّهُ أَحَبّ إنْ رَجَعُوا أَنْ يُسَهّلَ كُلّ رَجُلٍ رَهْطَهُ فَلَمّا كَانُوا بِوَادِي قَنَاةَ مِمّا يَلِي دَارَ حُرُضٍ نَزَلُوا ، فَيَجِدُونَ نَشَرًا مِنْ الْإِبِلِ فَقَالَ قَائِلُهُمْ لَوْ سَأَلْنَا صَاحِبَ الْإِبِلِ لِمَنْ الْإِبِلُ وَخَبّرَنَا مِنْ خَبَرِ مُحَمّدٍ . فَبَعَثُوا عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ ، فَإِذَا هُوَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يَرْعَى فِي نَوْبَتِهِ رِكَابَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَتْ رِعْيَتُهَا نُوَبًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ [ ص 964 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا رَآهُمْ سَلّمَ عَلَيْهِمْ وَتَرَكَ الرّكَابَ عِنْدَهُمْ وَخَرَجَ يَشْتَدّ ، يُبَشّرُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقُدُومِهِمْ حَتّى انْتَهَى إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَيَلْقَى أَبَا بَكْرٍ الصّدّيقَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ قَوْمِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : أَقَسَمْت بِاَللّهِ عَلَيْك لَا تَسْبِقْنِي إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِخَبَرِهِمْ حَتّى أَكُونَ أَنَا أُخْبِرُهُ - وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ ذَكَرَهُمْ بِبَعْضِ الذّكْرِ - فَأُبَشّرُهُ بِمَقْدَمِهِمْ . فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرَهُ وَالْمُغِيرَةُ عَلَى الْبَابِ ثُمّ خَرَجَ إلَى الْمُغِيرَةِ فَدَخَلَ الْمُغِيرَةُ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ مَسْرُورٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ قَدْ قَدِمَ قَوْمِي يُرِيدُونَ الدّخُولَ فِي الْإِسْلَامِ بِأَنْ تَشْرُطَ لَهُمْ شُرُوطًا ، وَيَكْتُبُونَ كِتَابًا عَلَى مَنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ وَبِلَادِهِمْ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يَسْأَلُونَ شَرْطًا وَلَا كِتَابًا أَعْطَيْته أَحَدًا مِنْ النّاسِ إلّا أَعْطَيْتهمْ فَبَشّرْهُمْ فَخَرَجَ الْمُغِيرَةُ رَاجِعًا فَخَبّرَهُمْ مَا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَشّرَهُمْ وَعَلّمَهُمْ كَيْفَ يُحَيّونَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَكُلّ مَا أَمَرَهُمْ الْمُغِيرَةُ فَعَلُوا إلّا التّحِيّةَ فَإِنّهُمْ قَالُوا : أَنْعِمْ صَبَاحًا وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ فَقَالَ النّاسُ يَا رَسُولَ اللّهِ يَدْخُلُونَ الْمَسْجِدَ وَهُمْ مُشْرِكُونَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ الْأَرْضَ لَا يُنَجّسُهَا شَيْءٌ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ : يَا رَسُولَ اللّهِ أُنْزِلُ قَوْمِي عَلَيّ وَأُكْرِمُهُمْ فَإِنّي حَدِيثُ الْجُرْمِ فِيهِمْ . فَقَالَ لَا آمَنُك أَنْ تُكْرِمَ قَوْمَك وَكَانَ جُرْمُ الْمُغِيرَةِ أَنّهُ خَرَجَ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَالِكٍ فَقَدِمُوا عَلَى الْمُقَوْقَسِ فَحَيّا بَنِي مَالِكٍ وَجَفَاهُ وَهُوَ مِنْ الْأَحْلَافِ ، وَكَانَ مَعَهُ رَجُلَانِ الشّرِيدُ وَدَمّونُ فَلَمّا كَانُوا بِسَبَاقٍ وَضَعُوا شَرَابًا لَهُمْ فَسَقَاهُمْ الْمُغِيرَةُ بِيَدِهِ [ ص 965 ] فَجَعَلَ يُخَفّفُ عَنْ نَفْسِهِ وَيَنْزِعُ لِبَنِي مَالِكٍ حَتّى ثَمِلُوا وَنَامُوا ، فَلَمّا نَامُوا وَثَبَ إلَيْهِمْ لِيَقْتُلَهُمْ فَشَرَدَ الشّرِيدُ مِنْهُمْ لَيْلَتَئِذٍ وَفَرِقَ دَمّونُ أَنْ يَكُونَ هَذَا سُكْرًا مِنْهُ فَتَغَيّبَ فَجَعَلَ يَصِيحُ يَا دَمّونُ يَا دَمّونُ فَلَا دَمّونُ فَجَعَلَ يَبْكِي ، وَخَافَ أَنْ يَكُونَ قَتَلَهُ بَعْضُهُمْ فَطَلَعَ دَمّونُ فَقَالَ أَيْنَ كُنْت ؟ قَالَ تَغَيّبْت حِينَ رَأَيْتُك صَنَعْت بِبَنِي مَالِكٍ مَا صَنَعْت ، فَخَشِيت أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ذَهَابَ عَقْلٍ . قَالَ إنّمَا صَنَعْت ذَلِكَ بِهِمْ لَمّا حَيّاهُمْ الْمُقَوْقَسُ وَجَفَانِي . ثُمّ أَقْبَلَ بِأَمْوَالِهِمْ حَتّى أَتَى بِهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ ، فَقَالَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اُخْمُسْ هَذِهِ الْأَمْوَالَ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَسْنَا نَغْدِرُ وَلَا يَنْبَغِي لَنَا الْغَدْرُ فَأَبَى أَنْ يَخْمُسَ أَمْوَالَهُمْ .
(1/963)
وَأَنْزَلَ الْمُغِيرَةُ ثَقِيفًا فِي دَارِهِ بِالْبَقِيعِ وَهِيَ خُطّةٌ خَطّهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهُ فَأَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِخَيْمَاتٍ ثَلَاثٍ مِنْ جَرِيدٍ فَضُرِبَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَكَانُوا يَسْمَعُونَ الْقِرَاءَةَ بِاللّيْلِ وَتَهَجّدَ أَصْحَابِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيَنْظُرُونَ إلَى الصّفُوفِ فِي الصّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَيَرْجِعُونَ إلَى مَنْزِلِ الْمُغِيرَةِ فَيُطْعَمُونَ وَيَتَوَضّئُونَ وَيَكُونُونَ فِيهِ مَا أَرَادُوا ، وَهُمْ يَخْتَلِفُونَ إلَى الْمَسْجِدِ . وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُجْرِي لَهُمْ الضّيَافَةَ فِي دَارِ الْمُغِيرَةِ وَكَانُوا يَسْمَعُونَ خُطْبَةَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَا يَسْمَعُونَهُ يَذْكُرُ نَفْسَهُ . فَقَالُوا : أَمَرَنَا بِالتّشَهّدِ أَنّهُ رَسُولُ اللّهِ وَلَا يَشْهَدُ بِهِ فِي خُطْبَتِهِ فَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَوْلُهُمْ قَالَ أَنَا أَوّلُ [ ص 966 ] مَنْ شَهِدَ أَنّي رَسُولُ اللّهِ ثُمّ قَامَ فَخَطَبَ وَشَهِدَ أَنّهُ رَسُولُ اللّهِ فِي خُطْبَتِهِ . فَمَكَثُوا عَلَى هَذَا أَيّامًا يَغْدُونَ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كُلّ يَوْمٍ يُخَلّفُونَ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ عَلَى رِحَالِهِمْ وَكَانَ أَصْغَرَهُمْ فَكَانَ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِ وَنَامُوا بِالْهَاجِرَةِ خَرَجَ فَعَمَدَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ الدّينِ وَاسْتَقْرَأَهُ الْقُرْآنَ وَأَسْلَمَ سِرّا مِنْ أَصْحَابِهِ فَاخْتَلَفَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِرَارًا حَتّى فَقِهَ وَسَمِعَ الْقُرْآنَ وَقَرَأَ مِنْ الْقُرْآنِ سُوَرًا مِنْ فِي رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِذَا وَجَدَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَائِمًا عَمَدَ إلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَسَأَلَهُ وَاسْتَقْرَأَهُ - وَيُقَالُ إذَا وَجَدَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَائِمًا جَاءَ إلَى أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ فَاسْتَقْرَأَهُ - فَبَايَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ الْوَفْدِ وَقَبْلَ الْقَضِيّةِ ، وَكَتَمَ ذَلِكَ عُثْمَانُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأُعْجِبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ سَلّمَ بِهِ وَأَحَبّهُ . فَمَكَثَ الْوَفْدُ أَيّامًا يَخْتَلِفُونَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالنّبِيّ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ يَالَيْل : هَلْ أَنْتَ مُقَاضِينَا حَتّى نَرْجِعَ إلَى أَهْلِنَا وَقَوْمِنَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَعَمْ إنْ أَنْتُمْ أَقْرَرْتُمْ بِالْإِسْلَامِ قَاضَيْتُكُمْ وَإِلّا فَلَا قَضِيّةَ وَلَا صُلْحَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ قَالَ عَبْدُ يَالَيْل : أَرَأَيْت الزّنَا ؟ فَإِنّا قَوْمٌ عُزّابٌ بِغَرْبٍ لَا بُدّ لَنَا مِنْهُ وَلَا يَصْبِرُ أَحَدُنَا عَلَى الْعُزْبَةِ . قَالَ هُوَ مِمّا حَرّمَ اللّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَقُولُ اللّهُ تَعَالَى : وَلَا تَقْرَبُوا الزّنَا إِنّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا قَالَ أَرَأَيْت الرّبَا ؟ قَالَ الرّبَا حَرَامٌ قَالَ فَإِنّ أَمْوَالَنَا كُلّهَا رِبًا . قَالَ لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ يَقُولُ اللّهُ تَعَالَى : يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قَالَ أَفَرَأَيْت الْخَمْرَ ؟ فَإِنّهَا عَصِيرُ أَعْنَابِنَا ، لَا بُدّ لَنَا مِنْهَا . قَالَ فَإِنّ اللّهَ قَدْ حَرّمَهَا ثُمّ تَلَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَذِهِ الْآيَةَ إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ
الْآيَةَ [ ص 967 ] قَالَ فَارْتَفَعَ الْقَوْمُ وَخَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَقَالَ عَبْدُ يَالَيْل : وَيْحَكُمْ نَرْجِعُ إلَى قَوْمِنَا بِتَحْرِيمِ هَذِهِ الْخِصَالِ الثّلَاثِ وَاَللّهِ لَا تَصْبِرُ ثَقِيفٌ عَنْ الْخَمْرِ أَبَدًا ، وَلَا عَنْ الزّنَا أَبَدًا . قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ أَيّهَا الرّجُلُ إنْ يُرِدْ اللّهُ بِهَا خَيْرًا تَصْبِرْ عَنْهَا قَدْ كَانَ هَؤُلَاءِ الّذِينَ مَعَهُ عَلَى مِثْلِ هَذَا ، فَصَبَرُوا وَتَرَكُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ مَعَ أَنّا نَخَافُ هَذَا الرّجُلَ قَدْ أَوْطَأَ الْأَرْضَ غَلَبَةً وَنَحْنُ فِي حِصْنٍ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ الْأَرْضِ وَالْإِسْلَامُ حَوْلَنَا فَاشٍ وَاَللّهِ لَوْ قَامَ عَلَى حِصْنِنَا شَهْرًا لَمُتْنَا جُوعًا ; وَمَا أَرَى إلّا الْإِسْلَامَ وَأَنَا أَخَافُ يَوْمًا مِثْلَ يَوْمِ مَكّةَ
(1/966)
وَكَانَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ هُوَ الّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى كَتَبُوا الْكِتَابَ كَانَ خَالِدٌ هُوَ الّذِي كَتَبَهُ . وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ بِالطّعَامِ فَلَا يَأْكُلُونَ مِنْهُ شَيْئًا حَتّى يَأْكُلَ مِنْهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى أَسْلَمُوا . قَالُوا : أَرَأَيْت الرّبّةَ مَا تَرَى فِيهَا ؟ قَالَ هَدْمَهَا . قَالُوا : هَيْهَاتَ لَوْ تَعْلَمُ الرّبّةُ أَنّا أَوْضَعْنَا فِي هَدْمِهَا قَتَلَتْ أَهْلَنَا . قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَيْحَك يَا عَبْدَ يَالَيْل إنّ الرّبّةَ حَجَرٌ لَا يَدْرِي مَنْ عَبَدَهُ مِمّنْ لَا يَعْبُدُهُ . قَالَ عَبْدُ يَالَيْل : إنّا لَمْ نَأْتِك يَا عُمَرُ فَأَسْلَمُوا ، وَكَمُلَ [ ص 968 ] الصّلْحُ وَكَتَبَ ذَلِكَ الْكِتَابَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ . فَلَمّا كَمُلَ الصّلْحُ كَلّمُوا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَدَعُ الرّبّةَ ثَلَاثَ سِنِينَ لَا يَهْدِمُهَا ، فَأَبَى . قَالُوا : سَنَتَيْنِ فَأَبَى . قَالُوا : سَنَةً فَأَبَى . قَالُوا : شَهْرًا وَاحِدًا فَأَبَى أَنْ يُوَقّتَ لَهُمْ وَقْتًا . وَإِنّمَا يُرِيدُونَ بِتَرْكِ الرّبّةِ لِمَا يَخَافُونَ مِنْ سُفَهَائِهِمْ وَالنّسَاءِ وَالصّبْيَانِ وَكَرِهُوا أَنْ يُرَوّعُوا قَوْمَهُمْ بِهَدْمِهَا ، فَسَأَلُوا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُعْفِيَهُمْ مِنْ هَدْمِهَا . قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَعَمْ أَنَا أَبْعَثُ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَهْدِمَانِهَا . وَاسْتَعْفَوْا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَكْسِرُوا أَصْنَامَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ . وَقَالَ أَنَا آمُرُ أَصْحَابِي أَنْ يَكْسِرُوهَا . وَسَأَلُوا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُعْفِيَهُمْ مِنْ الصّلَاةِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا صَلَاةَ فِيه فَقَالُوا : يَا مُحَمّدُ أَمّا الصّلَاةُ فَسَنُصَلّي ، وَأَمّا الصّيَامُ فَسَنَصُومُ . وَتَعَلّمُوا فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ وَشَرَائِعَهُ وَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَصُومُوا مَا بَقِيَ مِنْ الشّهْرِ وَكَانَ بِلَالٌ يَأْتِيهِمْ بِفِطْرِهِمْ . وَيُخَيّلُ إلَيْهِمْ [ أَنّ ] الشّمْسَ لَمْ تَغِبْ فَيَقُولُونَ مَا هَذَا مِنْ رَسُولِ اللّهِ إلّا اسْتِبَارٌ لَنَا ، يَنْظُرُ كَيْفَ إسْلَامُنَا . فَيَقُولُونَ يَا بِلَالُ مَا غَابَتْ الشّمْسُ بَعْدُ . فَيَقُولُ بِلَالٌ مَا جِئْتُكُمْ حَتّى أَفْطَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَكَانَ الْوَفْدُ يَحْفَظُونَ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ تَعْجِيلِ فِطْرِهِ . وَكَانَ بِلَالٌ يَأْتِيهِمْ بِسَحُورِهِمْ قَالَ فَأَسْتُرُهُمْ مِنْ الْفَجْرِ فَلَمّا أَرَادُوا الْخُرُوجَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ أَمّرْ عَلَيْنَا رَجُلًا مِنّا يَؤُمّنَا . فَأَمّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ ، وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ . لِمَا رَأَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ . قَالَ عُثْمَانُ وَكَانَ آخِرَ عَهْدٍ عَهِدَهُ [ ص 969 ] إلَيّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ اتّخِذْ مُؤَذّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا ، وَإِذَا أَمَمْت قَوْمًا فَاقْدُرْهُمْ بِأَضْعَفِهِمْ وَإِذَا صَلّيْت لِنَفْسِك فَأَنْتَ وَذَاكَ . ثُمّ خَرَجَ الْوَفْدُ عَامِدِينَ إلَى الطّائِفِ ، فَلَمّا دَنَوْا مِنْ ثَقِيفٍ قَالَ عَبْدُ يَالَيْل : أَنَا أَعْلَمُ النّاسِ بِثَقِيفٍ فَاكْتُمُوهَا الْقَضِيّةَ - وَخَوّفُوهُمْ بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ وَأَخْبِرُوهُمْ أَنّ مُحَمّدًا سَأَلَنَا أُمُورًا عَظّمْنَاهَا فَأَبَيْنَاهَا عَلَيْهِ . يَسْأَلُنَا تَحْرِيمَ الزّنَا وَالْخَمْرِ . وَأَنْ نُبْطِلَ أَمْوَالَنَا فِي الرّبَا . وَأَنْ نَهْدِمَ الرّبّةَ . وَخَرَجَتْ ثَقِيفٌ حِينَ دَنَا الْوَفْدُ فَلَمّا رَآهُمْ الْوَفْدُ سَارُوا الْعَنَقَ وَقَطّرُوا الْإِبِلَ . وَتَغَشّوْا بِثِيَابِهِمْ كَهَيْئَةِ الْقَوْمِ قَدْ حَزِنُوا وَكَرَبُوا ، فَلَمْ يَرْجِعُوا بِخَيْرٍ . فَلَمّا رَأَتْ ثَقِيفٌ مَا فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ حَزِنُوا وَكَرَبُوا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَا جَاءَ وَفْدُكُمْ بِخَيْرٍ وَدَخَلَ الْوَفْدُ فَكَانَ أَوّلَ مَا بَدَءُوا بِهِ عَلَى اللّاتِ ، فَقَالَ الْقَوْمُ حِينَ نَزَلَ الْوَفْدُ إلَيْهَا ، وَكَانُوا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ فَدَخَلَ الْقَوْمُ وَهُمْ مُسْلِمُونَ فَنَظَرُوا فِيمَا خَرَجُوا يَدْرَءُونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَقَالَتْ ثَقِيفٌ : كَأَنّهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِهَا عَهْدٌ وَلَا بِرُؤْيَتِهَا ثُمّ رَجَعَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى أَهْلِهِ وَأَتَى رِجَالًا مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ ثَقِيفٍ فَسَأَلُوهُمْ مَاذَا رَجَعْتُمْ بِهِ ؟ وَقَدْ كَانَ الْوَفْدُ قَدْ اسْتَأْذَنُوا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَنَالُوا مِنْهُ فَرَخّصَ لَهُمْ فَقَالُوا : جِئْنَاكُمْ مِنْ عِنْدِ رَجُلٍ فَظّ غَلِيظٍ يَأْخُذُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ قَدْ ظَهَرَ بِالسّيْفِ وَأَدَاخَ الْعَرَبَ ، وَدَانَ لَهُ النّاسُ وَرُعِبَتْ مِنْهُ بَنُو الْأَصْفَرِ فِي حُصُونِهِمْ وَالنّاسُ فِيهِ إمّا رَاغِبٌ فِي دِينِهِ . وَإِمّا خَائِفٌ مِنْ السّيْفِ [ ص 970 ] فَعَرَضَ عَلَيْنَا أُمُورًا شَدِيدَةً أَعْظَمْنَاهَا ، فَتَرَكْنَاهَا عَلَيْهِ حَرّمَ عَلَيْنَا الزّنَا ، وَالْخَمْرَ وَالرّبَا ، وَأَنْ نَهْدِمَ الرّبّةَ . فَقَالَتْ ثَقِيفٌ : لَا نَفْعَلُ هَذَا أَبَدًا . فَقَالَ الْوَفْدُ لَعَمْرِي قَدْ كَرِهْنَا ذَلِكَ وَأَعْظَمْنَاهُ وَرَأَيْنَا أَنْ لَمْ يُنْصِفْنَا ، فَأَصْلِحُوا سِلَاحَكُمْ وَرُمّوا حِصْنَكُمْ وَانْصِبُوا الْعَرّادَاتِ عَلَيْهِ وَالْمَنْجَنِيقَ وَأَدْخِلُوا طَعَامَ سَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ فِي حِصْنِكُمْ لَا يُحَاصِرُكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَنَتَيْنِ وَاحْفِرُوا خَنْدَقًا مِنْ وَرَاءِ حِصْنِكُمْ وَعَاجِلُوا ذَلِكَ فَإِنّ أَمْرَهُ قَدْ ظَلّ لَا نَأْمَنُهُ . فَمَكَثُوا بِذَلِكَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ يُرِيدُونَ الْقِتَالَ ثُمّ أَدْخَلَ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ فَقَالُوا : مَا لَنَا بِهِ طَاقَةٌ قَدْ أَدَاخَ الْعَرَبَ كُلّهَا ، فَارْجِعُوا إلَيْهِ فَأَعْطُوهُ مَا سَأَلَ وَصَالِحُوهُ وَاكْتُبُوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ كِتَابًا قَبْلَ أَنْ يَسِيرَ إلَيْنَا وَيَبْعَثَ الْجُيُوشَ . فَلَمّا رَأَى الْوَفْدُ أَنْ قَدْ سَلّمُوا بِالْقَضِيّةِ وَرُعِبُوا مِنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَرَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ وَاخْتَارُوا الْأَمْنَ عَلَى الْخَوْفِ قَالَ الْوَفْدُ فَإِنّنَا قَدْ قَاضَيْنَاهُ وَأَعْطَانَا مَا أَحْبَبْنَاهُ وَشَرَطَ لَنَا مَا أَرَدْنَا ، وَوَجَدْنَاهُ أَتْقَى النّاسِ وَأَبَرّ النّاسِ وَأَوْصَلَ النّاسِ وَأَوْفَى النّاسِ وَأَصْدَقَ النّاسِ وَأَرْحَمَ النّاسِ وَقَدْ تَرَكَنَا مِنْ هَدْمِ الرّبّةِ وَأَبَيْنَا أَنْ نَهْدِمَهَا ، وَقَالَ أَبْعَثُ مَنْ يَهْدِمُهَا وَهُوَ يَبْعَثُ مَنْ يَهْدِمُهَا . قَالَ يَقُولُ شَيْخٌ مِنْ ثَقِيفٍ قَدْ بَقِيَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الشّرْكِ بَعْدُ بَقِيّةٌ فَذَاكَ وَاَللّهِ مِصْدَاقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ إنْ قَدَرَ عَلَى هَدْمِهَا فَهُوَ مُحِقّ وَنَحْنُ مُبْطِلُونَ وَإِنْ امْتَنَعَتْ فَفِي النّفْسِ مِنْ هَذَا بَعْدُ شَيْءٌ فَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الْعَاصِ مَنّتْك نَفْسُك الْبَاطِلَ وَغَرّتْك الْغُرُورَ وَمَا الرّبّةُ ؟ وَمَا تَدْرِي الرّبّةُ مَنْ عَبَدَهَا وَمَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا ؟ كَمَا كَانَتْ الْعُزّى مَا تَدْرِي مَنْ عَبَدَهَا وَمَنْ لَمْ يَعْبُدْهَا ، جَاءَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَحْدَهُ فَهَدَمَهَا ; وَكَذَلِك إِسَافُ وَنَائِلَةُ وَهُبَلُ وَمَنَاةُ خَرَجَ إلَيْهَا رَجُلٌ وَاحِدٌ فَهَدَمَهَا ; وَسُوَاعٌ خَرَجَ إلَيْهِ رَجُلٌ [ ص 971 ] وَاحِدٌ فَهَدَمَهُ فَهَلْ امْتَنَعَ شَيْءٌ مِنْهُمْ ؟ قال الثقفي : إن الربة لا تشبه شيئا مما ذكرت . قال عثمان : سترى
(1/968)
وَأَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً ثُمّ خَرَجُوا وَقَدْ تَحَكّمَ أَبُو مُلَيْحٍ بْنُ عُرْوَةَ ، وَقَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَهُمَا يُرِيدَانِ يَسِيرَانِ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ وَالْمُغِيرَةِ إلَى هَدْمِ الرّبّةِ فَقَالَ أَبُو مُلَيْحٍ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ أَبِي قُتِلَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مِائَتَا مِثْقَالِ ذَهَبٍ فَإِنْ رَأَيْت أَنْ تَقْضِيَهُ مِنْ حُلِيّ الرّبّةِ فَعَلْت . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَعَمْ . فَقَالَ قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ : يَا رَسُولَ اللّهِ وَعَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ مَسْعُودٍ أَبِي ، فَإِنّهُ قَدْ تَرَكَ دَيْنًا مِثْلَ دَيْنِ عُرْوَةَ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ الْأَسْوَدَ مَاتَ وَهُوَ كَافِرٌ . فَقَالَ قَارِبٌ تَصِلُ بِهِ قَرَابَةً إنّمَا الدّيْنُ عَلَيّ وَأَنَا مَطْلُوبٌ بِهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذًا أَفْعَلُ . فَقَضَى عَنْ عُرْوَةَ وَالْأَسْوَدِ دَيْنَهُمَا مِنْ مَالِ الطّاغِيَةِ .
وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُغِيرَةُ وَأَصْحَابُهُمَا لِهَدْمِ الرّبّةِ فَلَمّا دَنَوْا مِنْ الطّائِفِ قَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ تَقَدّمْ فَادْخُلْ لِأَمْرِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بَلْ تَقَدّمْ أَنْتَ عَلَى قَوْمِك فَتَقَدّمَ الْمُغِيرَةُ وَأَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بِمَالِهِ ذِي الْهَرْمِ وَدَخَلَ الْمُغِيرَةُ فِي بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا يَهْدِمُونَ الرّبّةَ . فَلَمّا نَزَلُوا بِالطّائِفِ نَزَلُوا عِشَاءً فَبَاتُوا ، ثُمّ غَدَوْا عَلَى الرّبّةِ يَهْدِمُونَهَا . فَقَالَ الْمُغِيرَةُ لِأَصْحَابِهِ الّذِينَ قَدِمُوا مَعَهُ لَأُضْحِكَنّكُمْ الْيَوْمَ مِنْ ثَقِيفٍ . فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ وَاسْتَوَى عَلَى رَأْسِ الرّبّةِ وَمَعَهُ الْمِعْوَلُ وَقَامَ وَقَامَ قَوْمُهُ بَنُو مُعَتّبٍ دُونَهُ مَعَهُمْ السّلَاحُ مَخَافَةَ أَنْ يُصَابَ كَمَا فُعِلَ بِعَمّهِ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ . وَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ وَهُوَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ كَلّا زَعَمْت تُقَدّمُنِي أَنْتَ إلَى الطّاغِيَةِ ، تُرَانِي لَوْ قُمْت أَهْدِمُهَا كَانَتْ بَنُو مُعَتّبٍ تَقُومُ [ ص 972 ] دُونِي ؟ قَالَ الْمُغِيرَةُ إنّ الْقَوْمَ قَدْ وَاضَعُوهُمْ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَقْدَمَ فَأَحَبّوا الْأَمْنَ عَلَى الْخَوْفِ . وَقَدْ خَرَجَ نِسَاءُ ثَقِيفٍ حُسّرًا يَبْكِينَ عَلَى الطّاغِيَةِ ، وَالْعَبِيدُ وَالصّبْيَانُ وَالرّجَالُ مُنْكَشِفُونَ . وَالْأَبْكَارُ خَرَجْنَ . فَلَمّا ضَرَبَ الْمُغِيرَةُ ضَرْبَةً بِالْمِعْوَلِ سَقَطَ مَغْشِيّا عَلَيْهِ يَرْتَكِضُ فَصَاحَ أَهْلُ الطّائِفِ صَيْحَةً وَاحِدَةً كَلّا زَعَمْتُمْ أَنّ الرّبّةَ لَا تَمْتَنِعُ بَلَى وَاَللّهِ لَتَمْتَنِعَنّ وَأَقَامَ الْمُغِيرَةُ مَلِيّا وَهُوَ عَلَى حَالِهِ تِلْكَ ثُمّ اسْتَوَى جَالِسًا فَقَالَ يَا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ ، كَانَتْ الْعَرَبُ تَقُولُ مَا مِنْ حَيّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَعْقَلُ مِنْ ثَقِيفٍ ، وَمَا مِنْ حَيّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَحْمَقُ مِنْكُمْ وَيْحَكُمْ وَمَا اللّاتُ وَالْعُزّى ، وَمَا الرّبّةُ ؟ حَجَرٌ مِثْلُ هَذَا الْحَجَرِ ، لَا يَدْرِي مَنْ عَبَدَهُ وَمَنْ لَمْ يَعْبُدْهُ وَيْحَكُمْ أَتَسْمَعُ اللّاتُ أَوْ تُبْصِرُ أَوْ تَنْفَعُ أَوْ تَضُرّ ؟ ثُمّ هَدَمَهَا وَهَدَمَ النّاسُ مَعَهُ فَجَعَلَ السّادِنُ يَقُولُ - وَكَانَتْ سَدَنَةَ اللّاتِ مِنْ ثَقِيفٍ بَنُو الْعِجْلَانِ بْنِ عَتّابِ بْنِ مَالِكٍ . وَصَاحِبُهَا مِنْهُمْ عَتّابُ بْنُ مَالِكِ بْنِ كَعْبٍ ثُمّ بَنُوهُ بَعْدَهُ - يَقُولُ سَتَرَوْنَ إذَا انْتَهَى إلَى أَسَاسِهَا ، يَغْضَبُ الْأَسَاسُ غَضَبًا يَخْسِفُ بِهِمْ . فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ الْمُغِيرَةُ وَلِيَ حَفْرَ الْأَسَاسِ حَتّى بَلَغَ نِصْفَ قَامَةٍ وَانْتَهَى إلَى الْغَبْغَبِ خِزَانَتِهَا . وَانْتَزَعُوا حِلْيَتَهَا وَكُسْوَتَهَا وَمَا فِيهَا مِنْ طِيبٍ وَمِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضّةٍ . قَالَ تَقُولُ عَجُوزٌ مِنْهُمْ أَسْلَمَهَا الرّضّاعُ وَتَرَكُوا الْمِصَاعَ وَأَعْطَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِمّا وَجَدَ فِيهَا أَبَا مُلَيْحٍ وَقَارِبًا ، وَنَاسًا ، وَجَعَلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَفِي السّلَاحِ مِنْهَا ، ثُمّ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَتَبَ لِثَقِيفٍ
[
ص 973 ] بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ هَذَا كِتَابٌ مِنْ النّبِيّ رَسُولِ اللّهِ إلَى الْمُؤْمِنِينَ إنّ عِضَاهَ وَجّ وَصَيْدَهُ لَا يُعْضَدُ وَمَنْ وُجِدَ يَفْعَلُ ذَلِكَ يُجْلَدُ وَتُنْزَعُ ثِيَابُهُ فَإِنْ تَعَدّى ذَلِكَ فَإِنّهُ يُؤْخَذُ فَيُبَلّغُ مُحَمّدًا . فَإِنّ هَذَا أَمْرُ النّبِيّ مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم وَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بِأَمْرِ النّبِيّ الرّسُولِ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ . فَلَا يَتَعَدّاهُ أَحَدٌ ، فَيَظْلِمَ نَفْسَهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ مُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَنَهَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ قَطْعِ عِضَاهِ وَجّ وَعَنْ صَيْدِهِ وَكَانَ الرّجُلُ يُوجَدُ يَفْعَلُ ذَلِكَ فَتُنْزَعُ ثِيَابُهُ . وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى حِمَى وَجّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ .(1/972)


===============
بَعْثَةُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُصَدّقِينَ قَالَ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ الزّهْرِيّ ، وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَا : لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الْجِعِرّانَةِ قَدِمَ الْمَدِينَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِثَلَاثِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فَأَقَامَ بَقِيّةَ ذِي الْقَعْدَةِ وَذِي الْحِجّةِ فَلَمّا رَأَى هِلَالَ الْمُحَرّمِ بَعَثَ الْمُصَدّقِينَ فَبَعَثَ بُرَيْدَةُ بْنُ الْحُصَيْبِ إلَى أَسْلَمَ وَغِفَارٍ بِصَدَقَتِهِمْ وَيُقَالُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ; وَبَعَثَ عَبّادَ بْنَ بِشْرٍ الْأَشْهَلِيّ إلَى سُلَيْمٍ وَمُزَيْنَةَ ; وَبَعَثَ رَافِعَ بْنَ مَكِيثٍ فِي جُهَيْنَةَ ; وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إلَى فَزَارَةَ وَبَعَثَ الضّحّاكَ بْنَ سُفْيَانَ الْكِلَابِيّ إلَى بَنِي كِلَابٍ وَبَعَثَ بُسْرَ بْنَ سُفْيَانَ الْكَعْبِيّ إلَى بَنِي كَعْبٍ وَبَعَثَ ابْنَ اللّتْبِيّةِ الْأَزْدِيّ إلَى بَنِي ذُبْيَانَ وَبَعَثَ رَجُلًا مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ هُذَيْمٍ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ . فَخَرَجَ بُسْرُ بْنُ سُفْيَانَ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي كَعْبٍ . وَيُقَالُ إنّمَا سَعَى عَلَيْهِمْ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ [ ص 974 ] النّحّامُ الْعَدَوِيّ ، فَجَاءَ وَقَدْ حَلّ بِنَوَاحِيهِمْ بَنُو جُهَيْمٍ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنُو عَمْرِو بْنِ جُنْدُبِ بْنِ الْعُتَيْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ فَهُمْ يَشْرَبُونَ مَعَهُمْ عَلَى غَدِيرٍ لَهُمْ بِذَاتِ الْأَشْطَاطِ وَيُقَالُ وَجَدَهُمْ عَلَى عُسْفَانَ . ثُمّ أَمَرَ بِجَمْعِ مَوَاشِي خُزَاعَةَ لِيَأْخُذَ مِنْهَا الصّدَقَةَ . قَالَ فَحَشَرَتْ خُزَاعَةُ الصّدَقَةَ مِنْ كُلّ نَاحِيَةٍ . فَاسْتَنْكَرَتْ ذَلِكَ بَنُو تَمِيمٍ وَقَالُوا : مَا هَذَا ؟ تُؤْخَذُ أَمْوَالُكُمْ مِنْكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتَجَيّشُوا ، وَتَقَلّدُوا الْقِسِيّ وَشَهَرُوا السّيُوفَ فَقَالَ الْخُزَاعِيّونَ نَحْنُ قَوْمٌ نَدِينُ بِدِينِ الْإِسْلَامِ وَهَذَا مِنْ دِينِنَا . قَالَ التّمِيمِيّونَ وَاَللّهِ لَا يَصِلُ إلَى بَعِيرٍ مِنْهَا أَبَدًا فَلَمّا رَآهُمْ الْمُصَدّقُ هَرَبَ مِنْهُمْ وَانْطَلَقَ مُوَلّيًا وَهُوَ يَخَافُهُمْ وَالْإِسْلَامُ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَعُمّ الْعَرَبَ ، قَدْ بَقِيَتْ بَقَايَا مِنْ الْعَرَبِ وَهُمْ يَخَافُونَ السّيْفَ لِمَا فَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَكّةَ وَحُنَيْنٍ
(1/974)
الصفحة السابقة // الصفحة التالية
يتبع إن شاء الله
===




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق