حمل مباشرة من السهم النازل المصدر نداء الإيمان

الجامع لمؤلفات الشيخ الألباني /.الجنى الداني من دوحة الألباني /الـذاكـر /القرآن الكريم مع الترجمة /القرآن الكريم مع التفسير/القرآن الكريم مع التلاوة /المكتبة اللغوية الإلكترونية /الموسوعة الحديثية المصغرة ./برنامج الأسطوانة الوهمية /برنامج المنتخب فى تفسير القرآن الكريم /برنامج الموسوعة الفقهية الكويتية /برنامج الموسوعة القرآنية المتخصصة /برنامج حقائق الإسلام في مواجهة المشككين /برنامج فتاوى دار الإفتاء في مائة عام ولجنة الفتوى بالأزهر /برنامج مكتبة السنة /برنامج موسوعة المفاهيم الإسلامية /اللإمام اللكنوى /خلفيات إسلامية رائعة /مجموع فتاوى ابن تيمية /مكتبة الإمام ابن الجوزي /مكتبة الإمام ابن حجر العسقلاني /مكتبة الإمام ابن حجر الهيتمي /مكتبة الإمام ابن حزم الأندلسي /مكتبة الإمام ابن رجب الحنبلي /مكتبة الإمام ابن كثير /مكتبة الإمام الذهبي /مكتبة الإمام السيوطي /مكتبة الإمام محمد بن علي الشوكاني /مكتبة الشيخ تقي الدين الهلالي /مكتبة الشيخ حافظ بن أحمد حكمي /موسوعة أصول الفقه /.موسوعة التاريخ الإسلامي /موسوعة الحديث النبوي الشريف /موسوعة السيرة النبوية /موسوعة المؤلفات العلمية لأئمة الدعوة النجدية /موسوعة توحيد رب العبيد /موسوعة رواة الحديث /موسوعة شروح الحديث /موسوعة علوم الحديث /موسوعة علوم القرآن /موسوعة علوم اللغة /موسوعة مؤلفات الإمام ابن القـم /موسوعة مؤلفات الإمام ابن تيمية /موسوعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب

الخميس، 3 مايو 2018

8 الروض الانف من قصة إسلام الطّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدّوْسِيّ الي ذكر حَدِيثَ الْمُسْتَهْزِئِينَ

8 الروض الانف من قصة إسلام الطّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدّوْسِيّ الي ذكر حديثِ الْمُسْتَهْزِئِينَ

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - عَلَى مَا يَرَى مِنْ قَوْمِهِ يَبْذُلُ لَهُمْ النّصِيحَةَ وَيَدْعُوهُمْ إلَى النّجَاةِ مِمّا هُمْ فِيهِ . وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ ، حِينَ مَنَعَهُ اللّهُ مِنْهُمْ يُحَذّرُونَهُ النّاسَ وَمَنْ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَرَبِ [ ص 169 ] وَكَان الطّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدّوْسِيّ يُحَدّثُ أَنّهُ قَدِمَ مَكّةَ - وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِهَا - فَمَشَى إلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ - وَكَانَ الطّفَيْلُ رَجُلًا شَرِيفًا شَاعِرًا لَبِيبًا - فَقَالُوا لَهُ يَا طُفَيْلُ إنّك قَدِمْت بِلَادَنَا ، وَهَذَا الرّجُلُ الّذِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَدْ أَعْضَلَ بِنَا ، وَقَدْ فَرّقَ جَمَاعَتَنَا ، وَشَتّتْ أَمْرَنَا ، وَإِنّمَا قَوْلُهُ كَالسّحْرِ يُفَرّقُ بَيْنَ الرّجُلِ وَبَيْنَ أَبِيهِ وَبَيْنَ الرّجُلِ وَبَيْنَ أَخِيهِ وَبَيْنَ الرّجُلِ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ وَإِنّا نَخْشَى عَلَيْك وَعَلَى قَوْمِك مَا قَدْ دَخَلَ عَلَيْنَا ، فَلَا تُكَلّمَنّهُ وَلَا تَسْمَعَنّ مِنْهُ شَيْئًا . قَالَ فَوَاَللّهِ مَا زَالُوا بِي حَتّى أَجْمَعْت أَنْ لَا أَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئًا ، وَلَا أُكَلّمَهُ حَتّى حَشَوْت فِي أُذُنِي حِينَ غَدَوْت إلَى الْمَسْجِدِ كُرْسُفًا فَرَقًا مِنْ أَنْ يَبْلُغَنِي شَيْءٌ مِنْ قَوْلِهِ وَأَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَهُ . قَالَ فَغَدَوْت إلَى الْمَسْجِدِ ، فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَائِمٌ يُصَلّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ . قَالَ فَقُمْت مِنْهُ قَرِيبًا ، فَأَبَى اللّهُ إلّا أَنْ يُسْمِعَنِي بَعْضَ قَوْلِهِ . قَالَ فَسَمِعْت كَلَامًا حَسَنًا . قَالَ فَقُلْت فِي نَفْسِي : وَاثُكْلَ أُمّي وَاَللّهِ إنّي لَرَجُلٌ لَبِيبٌ شَاعِرٌ مَا يَخْفَى عَلَيّ الْحَسَنُ مِنْ الْقَبِيحِ فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَسْمَعَ مِنْ هَذَا الرّجُلِ مَا يَقُولُ فَإِنْ كَانَ الّذِي يَأْتِي بِهِ حَسَنًا قِبْلَتَهُ وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا تَرَكْته . قَالَ فَمَكَثْت حَتّى انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إلَى بَيْتِهِ فَاتّبَعْته ، حَتّى إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ دَخَلْت عَلَيْهِ فَقُلْت : يَا مُحَمّدُ إنّ قَوْمَك قَالُوا لِي كَذَا وَكَذَا - لِلّذِي قَالُوا - فَوَاَللّهِ مَا بَرِحُوا يُخَوّفُونَنِي أَمْرَك حَتّى سَدّدْت أُذُنِي بِكُرْسُفِ لِئَلّا أَسْمَعَ قَوْلَك ، ثُمّ أَبَى اللّهُ إلّا أَنْ يُسْمِعَنِي قَوْلَك ، فَسَمِعْته قَوْلًا حَسَنًا ، فَاعْرُضْ عَلَيّ أَمْرَك . قَالَ فَعَرَضَ عَلَيّ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - الْإِسْلَامَ وَتَلَا عَلَيّ الْقُرْآنَ فَلَا وَاَللّهِ مَا سَمِعْت قَوْلًا قَطّ أَحْسَنَ مِنْهُ وَلَا أَمْرًا أَعَدْلَ مِنْهُ قَالَ فَأَسْلَمْت ، وَشَهِدْت شَهَادَةَ الْحَقّ وَقُلْت : يَا نَبِيّ اللّهِ إنّي امْرِئِ مُطَاعٌ فِي قَوْمِي ، وَأَنَا رَاجِعٌ إلَيْهِمْ وَدَاعِيهمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَادْعُ اللّهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي آيَةً تَكُونُ لِي عَوْنًا عَلَيْهِمْ فِيمَا أَدْعُوهُمْ إلَيْهِ فَقَالَ اللّهُمّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً . قَالَ فَخَرَجْت إلَى قَوْمِي ، حَتّى إذَا كُنْت بِثَنِيّةِ تَطْلُعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ وَقَعَ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْ مِثْلَ الْمِصْبَاحِ فَقُلْت : اللّهُمّ فِي غَيْرِ وَجْهِي ، إنّي أَخْشَى ، أَنْ يَظُنّوا أَنّهَا مُثْلَةٌ وَقَعَتْ فِي وَجْهِي لِفِرَاقِ دِينِهِمْ . قَالَ فَتَحَوّلَ فَوَقَعَ فِي رَأْسِ سَوْطِي . قَالَ فَجَعَلَ الْحَاضِرُ يَتَرَاءَوْنَ ذَلِكَ النّورَ فِي سَوْطِي كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلّقِ وَأَنَا أَهْبِطُ إلَيْهِمْ مِنْ الثّنِيّةِ ، قَالَ حَتّى جِئْتهمْ فَأَصْبَحْت فِيهِمْ [ ص 170 ]
إسْلَامُ وَالِدِ الطّفَيْلِ وَزَوْجَتِهِ
قَالَ فَلَمّا نَزَلَتْ أَتَانِي أَبِي ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا ، قَالَ فَقُلْت : إلَيْك عَنّي يَا أَبَتْ فَلَسْت مَعَك ، وَلَسْت مِنّي ، قَالَ وَلِمَ يَا بُنَيّ ؟ قَالَ قُلْت : أَسْلَمْت ، وَتَابَعْت دِينَ مُحَمّدٍ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ أَيْ بُنَيّ فَدِينِي دِينُك ، قَالَ فَقُلْت : فَاذْهَبْ فَاغْتَسِلْ وَطَهّرْ ثِيَابَك ، ثُمّ تَعَالَ حَتّى أُعَلّمَك مَا عُلّمْت . قَالَ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ وَطَهّرَ ثِيَابَهُ . قَالَ ثُمّ جَاءَ فَعَرَضْت عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ . قَالَ ثُمّ أَتَتْنِي صَاحِبَتِي ، فَقُلْت : إلَيْك عَنّي ، فَلَسْت مِنْك وَلَسْت مِنّي ، قَالَتْ لِمَ ؟ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي ، قَالَ قُلْت : قَدْ فَرّقَ بَيْنِي وَبَيْنَك الْإِسْلَامُ وَتَابَعْت دِينَ مُحَمّدٍ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَتْ فَدِينِي دِينُك ، قَالَ قُلْت : فَاذْهَبِي إلَى حِنَا ذِي الشّرَى - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُقَالُ حِمَى ذِي الشّرَى - فَتَطَهّرِي مِنْهُ . ذُو الشّرَى صَنَمًا لِدَوْسِ ، وَكَانَ الْحِمَى حِمًى حَمَوْهُ لَهُ بِهِ وَشَلّ مِنْ مَاءٍ يَهْبِطُ مِنْ جَبَلٍ . قَالَ قَالَتْ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي ، أَتَخْشَى عَلَى الصّبِيّةِ مِنْ ذِي الشّرَى شَيْئًا ، قَالَ قُلْت : لَا ، أَنَا ضَامِنٌ لِذَلِكَ فَذَهَبَتْ فَاغْتَسَلَتْ ثُمّ جَاءَتْ فَعَرَضْت عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَتْ . ثُمّ دَعَوْت دَوْسًا إلَى الْإِسْلَامِ فَأَبْطَئُوا عَلَيّ ثُمّ جِئْت رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بِمَكّةَ ، فَقُلْت لَهُ يَا نَبِيّ اللّهِ أَنّهُ قَدْ غَلَبَنِي عَلَى دَوْسٍ الزّنَا ، فَادْعُ اللّهَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ اللّهُمّ اهْدِ دَوْسًا ، ارْجِعْ إلَى قَوْمِك فَادْعُهُمْ وَارْفُقْ بِهِمْ قَالَ فَلَمْ أَزَلْ بِأَرْضِ دَوْسٍ أَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتّى هَاجَرَ رَسُولُ اللّه ِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إلَى الْمَدِينَةِ ، وَمَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ ، ثُمّ قَدِمْت عَلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بِمَنْ أَسْلَمَ مَعِي مِنْ قَوْمِي ، وَرَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بِخَيْبَرِ حَتّى نَزَلْت الْمَدِينَةَ بِسَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ بَيْتًا مِنْ دَوْسٍ ، ثُمّ لَحِقْنَا بِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بِخَيْبَرِ فَأَسْهَمَ لَنَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ [ ص 171 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حَتّى إذَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْهِ مَكّةَ ، قَالَ قُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ ابْعَثْنِي إلَى ذِي الْكَفّيْنِ صَنَمِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ حَتّى أُحَرّقْهُ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَخَرَجَ إلَيْهِ فَجَعَلَ طُفَيْلٌ يُوقِدُ عَلَيْهِ النّارَ وَيَقُولُ
يَا ذَا الْكَفّيْنِ لَسْت مِنْ عُبّادِكَا ... مِيلَادُنَا أَقْدَمُ مِنْ مِيلَادِكَا
إنّي حَشَوْت النّارَ فِي فُؤَادِكَا
قَالَ ثُمّ رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَكَانَ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ ، حَتّى قَبَضَ اللّهُ رَسُولَهُ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَلَمّا ارْتَدّتْ الْعَرَبُ ، خَرَجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَسَارَ مَعَهُمْ حَتّى فَرَغُوا مِنْ طُلَيْحَةَ ، وَمِنْ أَرْضِ نَجْدٍ كُلّهَا . ثُمّ سَارَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْيَمَامَةِ - وَمَعَهُ ابْنُهُ عَمْرُو بْنُ الطّفَيْلِ - فَرَأَى رُؤْيَا وَهُوَ مُتَوَجّهٌ إلَى الْيَمَامَةِ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ إنّي قَدْ رَأَيْت رُؤْيَا ، فَاعْبُرُوهَا لِي ، رَأَيْت أَنّ رَأْسِي حُلِقَ وَأَنّهُ خَرَجَ مِنْ فَمِي طَائِرٌ وَأَنّهُ لَقِيَتْنِي امْرَأَةٌ فَأَدْخَلَتْنِي فِي فَرْجِهَا ، وَأَرَى ابْنِي يَطْلُبُنِي طَلَبًا حَثِيثًا ، ثُمّ رَأَيْته حُبِسَ عَنّي ، قَالُوا : خَيْرًا . قَالَ أَمّا أَنَا وَاَللّهِ فَقَدْ أَوّلْتهَا ، قَالُوا : مَاذَا ؟ قَالَ أَمّا حَلْقُ رَأْسِي فَوَضْعُهُ وَأَمّا الطّائِرُ الّذِي خَرَجَ مِنْ فَمِي فَرُوحِيّ وَأَمّا الْمَرْأَةُ الّتِي أَدَخَلَتْنِي فَرْجَهَا ، فَالْأَرْضُ تُحْفَرُ لِي ، فَأَغِيبُ فِيهَا ، أَمّا طَلَبُ ابْنِي إيّايَ ثُمّ حَبْسُهُ عَنّي ، فَإِنّي أَرَاهُ سَيَجْهَدُ أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَنِي ، فَقُتِلَ رَحِمَهُ اللّهُ شَهِيدًا بِالْيَمَامَةِ ، وَجُرِحَ ابْنُهُ جِرَاحَةً شَدِيدَةً ثُمّ اسْتَبَلّ مِنْهَا ، ثُمّ قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ شَهِيدًا
Sحَوْلَ حَدِيثِ طُفَيْلٍ الدّوْسِيّ وَذِي الْكَفّيْنِ
فَصْلٌ
وَذَكَرَ حَدِيثَ طُفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدّوْسِيّ ، وَهُوَ طُفَيْلُ بْنُ عَمْرِو بْنِ طَرِيفِ بْنِ الْعَاصِي بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ جَهْمِ بْنِ دَوْسٍ إلَى آخِرِهِ وَلَيْسَ فِيهِ إشْكَالٌ إلّا قَوْلُهُ [ ص 169 ] ذِي الشّرَى ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : هُوَ حُمّى ، وَهُوَ مَوْضِعُ حَمْوِهِ لِصَنَمِهِمْ ذِي الشّرَى ، فَإِنْ صَحّتْ رِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ ، فَالنّونُ قَدْ تُبَدّلُ مِنْ الْمِيمِ كَمَا قَالُوا : حُلّانُ وَحُلّامُ لِلْجَدْيِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَنَوْت الْعُودَ وَمِنْ مَحْنِيّةِ الْوَادِي ، وَهُوَ مَا انْحَنَى مِنْهُ . [ ص 170 ] يَا ذَا الْكَفَيْنِ لَسْت مِنْ عُبّادِكَا أَرَادَ الْكَفّيْنِ بِالتّشْدِيدِ فَخَفّفَ لِلضّرُورَةِ غَيْرَ أَنّ فِي نُسْخَةِ الشّيْخِ أَنّ الصّنَمَ كَانَ يُسَمّى : ذَا الْكَفَيْنِ وَخَفّفَ الْفَاءَ بِخَطّهِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُشَدّدَةً فَدَلّ أَنّهُ عِنْدَهُ مُخَفّفٌ فِي غَيْرِ الشّعْرِ فَإِنْ صَحّ هَذَا فَهُوَ مَحْذُوفُ اللّامِ كَأَنّهُ تَثْنِيَةُ كَفْءٍ مِنْ كَفَأْت الْإِنَاءَ أَوْ إذَا كُفِئَ بِمَعْنَى كَفْءٍ ؟ ثُمّ سُهّلَتْ الْهَمْزَةُ وَأُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا عَلَى الْفَاءِ كَمَا يُقَالُ الْخَبْءُ وَالْخَبُ وَفِي الْحَدِيثِ أَنّ أَهْلَ الْحَاضِرِ مِنْ دَوْسٍ كَانُوا يَتَرَاءَوْنَهُ فِي الثّنِيّةِ ، وَفِي سَوْطِهِ كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلّقِ وَذَكَرَهُ الْمُبَرّدُ فَقَالَ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ جَعَلُوا يَنْظُرُونَ [ ص 171 ] وَرَوَى ، أَبُو الزّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمّا قَالَ طُفَيْلٌ لِلنّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إنّ دَوْسًا غَلَبَ عَلَيْهَا الزّنَى وَالرّبَا ، فَادْعُ اللّهَ عَلَيْهِمْ قُلْنَا : هَلَكَتْ دَوْسٌ ، حَتّى قَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - اللّهُمّ اهْدِ دَوْسًا
مِنْ قِصّةِ أَعْشَى بْنِ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : حَدّثَنِي خَلّادُ بْنُ قُرّةَ بْنِ خَالِدٍ الدّوْسِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ، بْنِ قَاسِطِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفَصَى بْنِ دُعْمِيّ بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارٍ ] [ ص 172 ] خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - يُرِيدُ الْإِسْلَامَ فَقَالَ يَمْدَحُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 173 ] [ ص 174 ]
أَلَمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاك لَيْلَةَ أَرْمَدَا ... وَبِتّ كَمَا بَاتَ السّلِيمُ مُسَهّدَا
وَمَا ذَاكَ مِنْ عِشْقِ النّسَاءِ وَإِنّمَا ... تَنَاسَيْت قَبْلَ الْيَوْمِ خُلّةَ مُهَدّدَا
وَلَكِنْ أَرَى الدّهْرَ الّذِي هُوَ خَائِنٌ ... إذَا أَصْلَحَتْ كَفّايَ عَادَ ، فَأَفْسَدَا
كُهُولًا وَشُبّانًا فَقَدْت وَثَرْوَةً ... فَلِلّهِ هَذَا الدّهْرُ كَيْدَ تَرَدّدَا
وَمَا زِلْت أَبْغِي الْمَالَ مُذْ أَنَا يَافِعٌ ... وَلَيَدًا وَكَهْلًا حِينَ شِبْت وَأَمْرَدَا
وَأَبْتَذِلُ الْعِيسَ الْمَرَاقِيلَ تَعْتَلِي ... مَسَافَةَ مَا بَيْنَ النّجَيْرِ فَصَرْخَدَا
أَلَا أَيّهَذَا السّائِلِي أَيْنَ يَمّمَتْ ... فَإِنّ لَهَا فِي أَهْلِ يَثْرِبَ مَوْعِدًا
فَإِنْ تَسْأَلِي عَنّي ، فَيَا رُبّ سَائِلٍ ... حَفِيّ عَنْ الْأَعْشَى بِهِ حَيْثُ أَصْعَدَا
أَجَدّتْ بِرِجْلَيْهَا النّجَاءَ وَرَاجَعَتْ ... يَدَاهَا خِنَافًا لَيّنًا غَيْرَ أَحْرَدَا
وَفِيهَا - إذَا مَا هَجّرَتْ - عَجْرَفِيّةٌ ... إذَا خِلْت حِرْبَاءَ الظّهِيرَةِ أَصْيَدَا
وَآلَيْت لَا آوِي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ ... وَلَا مِنْ حَفًى حَتّى تَلَاقِي مُحَمّدًا
مَتَى مَا تُنَاخَى عِنْدَ بَابِ ابْنِ هَاشِمٍ ... تُرَاحِي ، وَتَلْقَيْ مِنْ فَوَاضِلِهِ نَدَى
نَبِيّا يَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَذِكْرُهُ ... أَغَارَ لَعَمْرِي فِي الْبِلَادِ وَأَنْجَدَا
لَهُ صَدَقَاتٌ مَا تُغِبّ وَنَائِلٌ ... وَلَيْسَ عَطَاءُ الْيَوْمِ مَانِعَهُ غَدَا
أَجَدّك لَمْ تَسْمَعْ وَصَاةَ مُحَمّدٍ ... نَبِيّ الْإِلَهِ حَيْثُ أَوْصَى ، وَأَشْهَدَا
إذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادِ مِنْ التّقَى ... وَلَاقَيْت بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوّدَا
نَدِمَتْ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ كَمِثْلِهِ ... فَتُرْصِدُ لِلْأَمْرِ الّذِي كَانَ أَرْصَدَا
فَإِيّاكَ وَالْمَيْتَاتُ لَا تَقْرَبَنّهَا ... وَلَا تَأْخُذَنْ سَهْمًا حَدِيدًا ، لَتُفْصِدَا
وَذَا النّصُبَ الْمَنْصُوبَ لَا تَنْسُكَنّهُ ... وَلَا تَعْبُدْ الْأَوْثَانَ وَاَللّهَ فَاعْبُدَا
وَلَا تَقْرَبَنّ حُرّةً كَانَ سِرّهَا ... عَلَيْك حَرَامًا فَانْحَكَنْ أَوْ تَأَبّدَا
وَذَا الرّحِمِ الْقُرْبَى فَلَا تَقْطَعَنّهُ ... لِعَاقِبَةِ وَلَا الْأَسِيرَ الْمُقَيّدَا
وَسَبّحْ عَلَى حِينِ الْعَشِيّاتِ وَالضّحَى ... وَلَا تَحْمَدْ الشّيْطَانَ وَاَللّهَ فَاحْمَدَا
وَلَا تَسْخَرَا مِنْ بَائِسٍ ذِي ضَرَارَةٍ ... وَلَا تَحْسِبَنّ الْمَالَ لِلْمَرْءِ مُخْلِدَا
مُصِيرُ الْأَعْشَى
[ ص 176 ] كَانَ بِمَكّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا ، اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ فَأَخْبَرَهُ أَنّهُ جَاءَ يُرِيدُ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - لِيُسْلِمَ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا بَصِيرٍ ، إنّهُ يُحَرّمُ الزّنَا ، فَقَالَ الْأَعْشَى : وَاَللّهِ إنّ ذَلِكَ لَأَمْرٌ مَا لِي فِيهِ مِنْ أَرَبٍ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا بَصِيرٍ ، فَإِنّهُ يُحَرّمُ الْخَمْرَ فَقَالَ الْأَعْشَى : أَمّا هَذِهِ فَوَاَللّهِ إنّ فِي النّفْسِ مِنْهَا لَعُلَالَاتٍ وَلَكِنّي مُنْصَرِفٌ فَأَتَرَوّى مِنْهَا عَامِي هَذَا ، ثُمّ آتِيهِ فَأُسْلِمُ . فَانْصَرَفَ فَمَاتَ فِي عَامِهِ ذَلِكَ وَلَمْ يَعُدْ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
Sالْأَعْشَى وَدَالِيّتُهُ وَحَمْزَةُ وَالشّرَفُ
فَصْلٌ
وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ حَدِيثَ الْأَعْشَى وَقَصِيدَتَهُ إلَى آخِرِهَا ، فَلَمّا كَانَ قَرِيبًا مِنْ مَكّةَ لَقِيَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ إلَى أَيْنَ يَا أَبَا بِصَيْرِ ؟ الْحَدِيثَ وَذَكَرَ تَحْرِيمَهُ الْخَمْرَ وَتَحْرِيمَهُ [ ص 172 ] وَقَوْلُ الْأَعْشَى : أَمّا الْخَمْر فَفِي النّاسِ مِنْهَا عُلَالَاتٌ وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ هِشَامٍ : كَانَ الْقَائِلُ لِلْأَعْشَى هَذِهِ الْمَقَالَةُ أَبُو جُهّلَ . قَالَهَا فِي دَارِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَكَانَ نَازِلًا عِنْدَهُ قَالَ الْمُؤَلّفُ وَهَذِهِ غَفْلَةٌ مِنْ ابْنِ هِشَامٍ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ فَإِنّ النّاسَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنّ الْخَمْرَ لَمْ يَنْزِلْ تَحْرِيمُهَا إلّا بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ أَنْ مَضَتْ بَدْرٌ وَأُحُدٌ ، وَحُرّمَتْ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ وَفِي الصّحِيحَيْنِ مِنْ ذَلِكَ قِصّةُ حَمْزَةَ حِينَ شَرِبَهَا وَغَنّتْهُ الْقَيْنَتَانِ أَلَا يَا حَمْزَ لِلشّرُفِ النّوَاءِ فَبَقَرَ خَوَاصِرَ الشّارِفَيْنِ وَاجْتَنَبَ أَسْنِمَتَهَا . وَقَوْلُهُ لِلنّبِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ هَلْ أَنْتُمْ إلّا عَبِيدٌ لِآبَائِي ، وَهُوَ ثَمِلٌ . الْحَدِيثُ بِطُولِهِ . فَإِنْ صَحّ خَبَرُ الْأَعْشَى ، وَمَا ذُكِرَ لَهُ فِي الْخَمْرِ فَلَمْ يَكُنْ هَذَا بِمَكّةَ ، وَإِنّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، وَيَكُونُ الْقَائِلُ لَهُ أَمَا عَلِمْت أَنّهُ يُحَرّمُ الْخَمْرَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ أَوْ مِنْ الْيَهُودِ ، فَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْقَصِيدَةِ مَا يَدُلّ عَلَى هَذَا قَوْلِهِ فَإِنّ لَهَا فِي أَهْلِ يَثْرِبَ مَوْعِدًا ، وَقَدْ أَلْفَيْت لِلْقَالِي رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ لَقِيَ الْأَعْشَى عَامِرَ بْنَ الطّفَيْلِ فِي بِلَادِ قَيْسٍ ، وَهُوَ مُقْبِلٌ إلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَذَكَرَ لَهُ أَنّهُ يُحَرّمُ الْخَمْرَ فَرَجَعَ فَهَذَا أَوْلَى بِالصّوَابِ وَقَوْلُ الْأَعْشَى : أَتَرَوّى مِنْهَا هَذَا الْعَامَ ثُمّ أَعُودُ فَأَسْلَمَ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْكُفْرِ بِإِجْمَاعِ قَالَ الْإِسْفَرَايِينِي فِي عَقِيدَتِهِ إذَا قَالَ الْمُؤْمِنُ سَأُكَفّرُ غَدًا أَوْ بَعْدَ غَد ، فَهُوَ كَافِرٌ لِحِينِهِ بِإِجْمَاعِ وَإِذَا قَالَ الْكَافِرُ سَأُومِنُ غَدًا ، أَوْ بَعْدُ فَهُوَ عَلَى كُفْرِهِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ الْكُفْرِ إلّا إيمَانَهُ إذَا آمَنَ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا وَاَللّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَقَوْلُهُ أَلَمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاك لَيْلَةَ أَرْمَدَا
لَمْ يَنْصِبْ لَيْلَةً عَلَى الظّرْفِ لِأَنّ ذَلِكَ يُفْسِدُ مَعْنَى الْبَيْتِ وَلَكِنْ أَرَادَ الْمَصْدَرَ فَحَذَفَهُ وَالْمَعْنَى : اغْتِمَاضُ لَيْلَةَ أَرْمَدَ فَحَذَفَ الْمُضَافَ إلَى اللّيْلَةِ وَأَقَامَهَا مَقَامَهُ فَصَارَ إعْرَابُهَا كَإِعْرَابِهِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْبَيْتُ لَيْلُك بِالْكَافِ وَمَعْنَاهُ غَمْضُ أَرْمَدَ وَقِيلَ بَلْ أَرْمَدُ عَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ مِنْ صِفّةِ اللّيْلِ أَيْ حَالٌ مِنْهُ عَلَى الْمَجَازِ كَمَا تَقُولُ لَيْلُك سَاهِرٌ . وَقَوْلُهُ تَنَاسَيْت قَبْلَ الْيَوْمِ خُلّةَ مُهَدّدَا
[ ص 173 ] كَانَ أَوّلُهَا مِيمًا أَوْ هَمْزَةً فَحَمَلَهَا عَلَى الزّيَادَةِ إلّا أَنْ يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهَا أَصْلِيّةٌ وَالدّلِيلُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَةِ ظُهُورُ التّضْعِيفِ فِي الدّالِ إذْ لَوْ كَانَتْ الْمِيمُ زَائِدَةً لَمَا ظَهَرَ التّضْعِيفُ وَلَقُلْت فِيهِ مَهَدّ كَمَا تَقُولُ مَرَدّ وَمَكَرّ وَمَفَرّ فِي كُلّ مَا وَزْنُهُ مَفْعَل مِنْ الْمُضَاعَفِ وَإِنّمَا الدّالُ فِي مُهَدّدٌ ضُوعِفَتْ لِيَلْحَقَ بِبِنَاءِ جَعْفَرٍ . وَقَوْلُهُ إذَا خِلْت حِرْبَاءُ الظّهِيرَةِ أَصْيَدَا
وَالْأَصْيَدُ الْمَائِلُ الْعُنُقِ وَلَمّا كَانَتْ الْحِرْبَاءُ تَدُورُ بِوَجْهِهَا مَعَ الشّمْسِ كَيْفَمَا دَارَتْ كَانَتْ فِي وَسَطِ السّمَاءِ فِي أَوّلِ الزّوَالِ كَالْأَصِيدِ وَذَلِكَ أَحَرّ مَا تَكُونُ الرّمْضَاءُ . يَصِفُ نَاقَتَهُ بِالنّشَاطِ وَقُوّةِ الْمَشْيِ فِي ذَلِكَ الْوَقْت . وَقَوْلُهُ خِنَافًا لَيّنًا . فِي الْعَيْن : خَنِفَتْ النّاقَةُ تَخْنِفُ بِيَدَيْهَا فِي السّيْرِ إذَا مَالَتْ بِهِمَا نَشَاطًا ، وَنَاقَةٌ خَنُوفٌ قَالَ الرّاجِزُ
إنّ الشّوَاءَ وَالنّسِيلَ وَالرّغُفْ ... وَالْقَيْنَةَ الْحَسْنَاءَ وَالْكَأْسَ الْأُنُفْ
لِلظّاعِنِينَ الْخَيْلَ وَالْخَيْلُ خُلُفٌ
وَقَوْله : لَيّنًا غَيْرَ أَحْرَدَا ، أَيْ تَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ حَرَدٍ فِي يَدَيْهَا ، أَيْ اعْوِجَاجٌ وَالنّجَيْرُ وَصَرْخَدُ بَلَدَانِ وَأَهْلُ النّجَيْرِ أَوّلُ مَنْ ارْتَدّ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ أَهْلِ دَبّا وَكَانَ أَهْل دُبّا قَدْ [ ص 174 ] أُسَيْدٍ وَحَاصَرَ أَهْلَ النّجَيْرِ زِيَادُ بْنُ لَبِيدٍ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ ، حَتّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ . وَأَمّا صَرْخَدُ فَبَلَدٌ طَيّبُ الْأَعْنَابِ وَإِلَيْهِ تُنْسَبُ الْخَمْرُ الصّرْخَدِيّةُ . وَفِي الْأَمَالِي : وَلَذّ كَطَعْمِ الصّرْخَدِيّ تَرَكْته . وَقَوْلُهُ وَآلَيْت لَا آوِي لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ
وَلَا مِنْ وَجَى ، أَيْ لَا أَرْقِ لَهَا ، يُقَالُ آوَيْت لِلضّعِيفِ إيّة وَمَأْوِيَة إذَا رَقّتْ لَهُ كَبِدُك . وَقَوْلُهُ أَغَارَ لَعَمْرِي فِي الْبِلَادِ وَأَنْجَدَا
الْمَعْرُوفُ فِي اللّغَةِ غَارَ وَأَنْجَدَ وَقَدْ أَنْشَدُوا هَذَا الْبَيْتَ لَعَمْرِي غَارَ فِي الْبِلَادِ وَأَنْجَدَا
. وَالْغَوْرُ : مَا انْخَفَضَ مِنْ الْأَرْضِ وَالنّجْدُ مَا ارْتَفَعَ مِنْهَا ، وَإِنّمَا تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِي الْغَوْرِ ، وَلَمْ يَأْتِ عَلَى أَفْعَلَ إلّا قَلِيلًا ، وَكَانَ قِيَاسُهُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ أَنْجَدَ وَأَتْهَمَ لِأَنّهُ مِنْ أُمّ الْغَوْرِ ، فَقَدْ هَبَطَ وَنَزَلَ فَصَارَ مِنْ بَابِ غَارَ الْمَاءُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَدْت : أَشْرَفَ عَلَى الْغَوْرِ ، قُلْت : أَغَارَ وَلَا يَكُونُ خَارِجًا عَنْ الْقِيَاسِ . وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ عَطَاءُ الْيَوْمِ مَانِعَهُ غَدًا
مَعْنَاهُ عَلَى رَفْعِ الْعَطَاءِ وَنَصْبِ مَانِعٍ أَيْ لَيْسَ الْعَطَاءُ الّذِي يُعْطِيهِ الْيَوْمَ مَانِعًا لَهُ غَدًا مِنْ أَنْ يُعْطِيَهُ فَالْهَاءُ عَائِدَةٌ عَلَى الْمَمْدُوحِ فَلَوْ كَانَتْ عَائِدَةً عَلَى الْعَطَاءِ لَقَالَ وَلَيْسَ عَطَاءُ الْيَوْمِ مَانِعَهُ هُوَ بِإِبْرَازِ الضّمِيرِ الْفَاعِلِ لِأَنّ الصّفَةَ إذَا جَرَتْ عَلَى غَيْرِ مَنْ هِيَ لَهُ بَرَزَ الضّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ بِخِلَافِ الْفِعْلِ وَذَلِكَ لِسِرّ بَيّنّاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ لَمْ يَذْكُرْهُ النّاسُ وَلَوْ نُصِبَ الْعَطَاءُ لَجَازَ عَلَى إضْمَارِ الْفِعْلِ الْمَتْرُوكِ إظْهَارُهُ لِأَنّهُ مِنْ بَابِ اشْتِغَالِ الْفِعْلِ عَنْ الْمَفْعُولِ بِضَمِيرِهِ وَيَكُونُ اسْمُ لَيْسَ عَلَى هَذَا مُضْمَرًا فِيهَا عَائِدًا عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . [ ص 175 ] فَانْكَحَنْ أَوْ تَأَبّدَا . يُرِيدُ أَوْ تَرَهّبَ لِأَنّ الرّاهِبَ أَبَدًا عَزَبٌ فَقِيلَ لَهُ مُتَأَبّدًا اُشْتُقّ مِنْ لَفْظِ الْأَبَدِ . وَقَوْلُهُ فَاَللّهَ فَاعْبُدَا ، وَقَفَ عَلَى النّونِ الْخَفِيفَةِ بِالْأَلِفِ وَكَذَلِكَ فَانْكَحَنْ أَوْ تَأَبّدَا ، وَلِذَلِكَ كَتَبْت فِي الْخَطّ بِأَلْفِ لِأَنّ الْوُقْفَ عَلَيْهَا بِالْأَلِفِ وَقَدْ قِيلَ فِي مِثْلِ هَذَا : إنّهُ لَمْ يَرُدّ النّونَ الْخَفِيفَةَ وَإِنّمَا خَاطَبَ الْوَاحِد بِخِطَابِ الِاثْنَيْنِ وَزَعَمُوا أَنّهُ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، وَأَنْشَدُوا فِي ذَلِكَ
فَإِنْ تَزْجُرَانِي يَا ابْنَ عَفّانَ أَزْدَجِرُ ... وَإِنْ تَدَعَانِي أَحْمِ عِرْضًا مُمَنّعًا
وَأَنْشَدُوا أَيْضًا فِي هَذَا الْمَعْنَى :
وَقُلْت لِصَاحِبِي : لَا تَحْبِسَانَا ... بِنَزْعِ أُصُولِهَا وَاجْتَثّ شِيحَا
وَلَا يُمْكِنُ إرَادَةُ النّونِ الْخَفِيفَةِ فِي هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ لِأَنّهَا لَا تَكُونُ أَلِفًا ، إلّا فِي الْوَقْفِ وَهَذَا الْفِعْلُ قَدْ اتّصَلَ بِهِ الضّمِيرُ فَلَا يَصِحّ اعْتِقَادُ الْوُقْفِ عَلَيْهِ دُونَ الضّمِيرِ وَحُكِيَ أَنّ الْحَجّاجِ قَالَ يَا حَرَسِي اضْرِبَا عُنُقَهُ وَقَدْ يُمْكِنُ فِيهِ حَمْلُ الْوَصْلِ عَلَى الْوَقْفِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدُ اضْرِبْ أَنْتَ وَصَاحِبُك : وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { أَلْقِيَا فِي جَهَنّمَ } إنّ الْخِطَابَ لِمَالِكِ وَحْدَهُ حَمْلًا عَلَى هَذَا الْبَابِ وَقِيلَ بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { سَائِقٌ وَشَهِيدٌ } وَفِي الْقَصِيدَةِ زِيَادَةٌ لَمْ تَقَعْ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ وَهِيَ قَوْلُهُ فِي وَصْفِ النّاقَةِ
فَأَمّا إذَا مَا أَدْلَجَتْ فَتَرَى لَهَا ... رَقِيبَيْنِ نَجْمًا لَا يَغِيبُ وَفَرْقَدَا
[ ص 176 ] وَقَعَ هَذَا الْبَيْتُ بَعْدَ قَوْلِهِ لَيّنًا غَيْرَ أَحْرَدَا . وَقَوْلُهُ فِي صِفّةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَغَارَ لَعَمْرِي فِي الْبِلَادِ وَأَنْجَدَا
وَبَعْدَهُ
بِهِ أَنْقَذَ اللّهُ الْأَنَامَ مِنْ الْعَمَى ... وَمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَرِيعُ إلَى هُدَى
ذِلّةُ أَبِي جَهْلٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَدْ كَانَ عَدُوّ اللّهِ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ مَعَ عَدَاوَتِهِ لِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَبُغْضُهُ إيّاهُ وَشِدّتُهُ عَلَيْهِ يُذِلّهُ اللّهُ لَهُ إذَا رَآهُ .
أَبُو جَهْلٍ وَالْإِرَاشِيّ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَدّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الثّقَفِيّ وَكَانَ وَاعِيَةً قَالَ قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ إرَاشَ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُقَالُ إرَاشَةُ - بِإِبِلِ لَهُ مَكّةَ ، فَابْتَاعَهَا مِنْهُ أَبُو جَهْلٍ فَمَطَلَهُ بِأَثْمَانِهَا . فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَرَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ جَالِسٌ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَنْ رَجُلٌ يُؤَدّينِي عَلَى أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ فَإِنّي رَجُلٌ غَرِيبٌ ابْنُ سَبِيلٍ وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقّي ؟ : فَقَالَ لَهُ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ أَتَرَى ذَلِكَ الرّجُلَ الْجَالِسَ - لِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَهُمْ يَهْزَءُونَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي جَهْلٍ مِنْ الْعَدَاوَةِ - اذْهَبْ إلَيْهِ فَإِنّهُ يُؤَدّيك عَلَيْهِ [ ص 177 ] فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَقَالَ يَا عَبْدَ اللّهِ إنّ أَبَا الْحَكَمِ بْنَ هِشَامٍ قَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقّ لِي قِبَلَهُ وَأَنَا غَرِيبٌ ابْنُ سَبِيلٍ وَقَدْ سَأَلْت هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ عَنْ رَجُلٍ يُؤَدّينِي عَلَيْهِ يَأْخُذُ لِي حَقّي مِنْهُ فَأَشَارُوا لِي إلَيْك ، فَخُذْ لِي حَقّي مِنْهُ يَرْحَمْك اللّهُ ، قَالَ انْطَلِقْ إلَيْهِ وَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَلَمّا رَأَوْهُ قَامَ مَعَهُ قَالُوا لِرَجُلِ مِمّنْ مَعَهُمْ اتّبِعْهُ فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُ . قَالَ وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حَتّى جَاءَهُ فَضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَقَالَ مَنْ هَذَا ؟ قَالَ مُحَمّدٌ فَاخْرُجْ إلَيّ فَخَرَجَ إلَيْهِ وَمَا فِي وَجْهِهِ مِنْ رَائِحَةٍ قَدْ انْتَقَعَ لَوْنُهُ فَقَالَ أَعْطِ هَذَا الرّجُلَ حَقّهُ قَالَ نَعَمْ لَا تَبْرَحْ حَتّى أُعْطِيَهُ الّذِي لَهُ قَالَ فَدَخَلَ فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقّهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ . قَالَ ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَقَالَ لِلْإِرَاشِيّ الْحَقْ بِشَأْنِك ، فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَقَالَ جَزَاهُ اللّهُ خَيْرًا ، فَقَدْ وَاَللّهِ أَخَذَ لِي حَقّي . قَالَ وَجَاءَ الرّجُلُ الّذِي بَعَثُوا مَعَهُ فَقَالُوا : وَيْحَك مَاذَا رَأَيْت ؟ قَالَ عَجَبًا مِنْ الْعَجَبِ وَاَللّهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَخَرَجَ إلَيْهِ وَمَا مَعَهُ رُوحُهُ فَقَالَ لَهُ أَعْطِ هَذَا حَقّهُ فَقَالَ نَعَمْ لَا تَبْرَحْ حَتّى أُخْرِجَ إلَيْهِ حَقّهُ فَدَخَلَ فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقّهِ فَأَعْطَاهُ إيّاهُ . قَالَ ثُمّ لَمْ يَلْبَثْ أَبُو جَهْلٍ أَنْ جَاءَ فَقَالُوا لَهُ وَيْلَك مَا لَك ؟ وَاَللّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَنَعْت قَطّ قَالَ وَيْحَكُمْ وَاَللّهِ مَا هُوَ إلّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيّ بَابِي ، وَسَمِعْت صَوْتَهُ فَمُلِئْت رُعْبًا ، ثُمّ خَرَجْت إلَيْهِ وَإِنّ فَوْقَ رَأْسِهِ لَفَحْلًا مِنْ الْإِبِلِ مَا رَأَيْت مِثْلَ هَامَتِهِ وَلَا قَصَرَتِهِ وَلَا أَنْيَابِهِ لِفَحْلِ قَطّ ، وَاَللّهِ لَوْ أَبَيْت لَأَكَلَنِي
Sحَدِيثُ الْإِرَاشِيّ
فَصْلٌ وَذَكَرَ حَدِيثَ الْإِرَاشِيّ الّذِي قَدِمَ مَكّةَ ، وَاسْتَعْدَى عَلَى أَبِي جَهْلٍ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : هُوَ مِنْ إرَاشَ وَهُوَ ابْنُ الْغَوْثِ أَوْ ابْنُ عَمْرِو ، بْنِ الْغَوْثِ بْنِ نَبْت بْنِ [ ص 177 ] مَالِكِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلَانَ بْنِ سَبَأٍ ، وَهُوَ وَالِدُ أَنْمَارٍ الّذِي وَلَدَ بَحِيلَةَ وَخَثْعَمَ . وَإِرَاشَةَ الّذِي ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ : بَطْنٌ مِنْ خَثْعَمَ ، وَإِرَاشَةُ مَذْكُورَةٌ فِي الْعَمَالِيقِ فِي نَسَبِ فِرْعَوْنَ صَاحِبِ مِصْرَ ، وَفِي بَلِيّ أَيْضًا بَنُو إرَاشَةَ وَقَوْلُهُ مِنْ [ رَجُلٍ ] يُؤَدّينِي عَلَى أَبِي الْحَكَمِ أَيْ يُعِينُنِي عَلَى أَخْذِ حَقّي مَعَهُ وَهُوَ مِنْ الْأَدَاةِ الّتِي تُوَصّلُ الْإِنْسَانَ إلَى مَا يُرِيدُ كَأَدَاةِ الْحَرْبِ وَأَدَاةِ الصّانِعِ فَالْحَاكِمُ يُؤَدّي الْخَصْمَ أَيْ يُوَصّلُهُ إلَى مَطْلَبِهِ وَقَدْ قِيلَ إنّ الْهَمْزَةَ بَدَلٌ مِنْ عَيْنٍ وَيُؤَدّي وَبَعْدِي بِمَعْنَى وَاحِدٍ أَيْ يُزِيلُ الْعُدْوَانَ وَالْعَدَاءَ وَهُوَ الظّلْمُ كَمَا تَقُولُ هُوَ يُشْكِيك أَيْ يُزِيلُ شَكْوَاك ، وَفِي حَدِيثِ خَبّابٍ شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حَرّ الرّمْضَاءِ فَلَمْ يُشْكِنَا مَعْنَاهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ لَمْ يَرْفَعْ شَكَوَانَا وَلَمْ يُزِلْهَا . وَقَوْلُهُ فَخَرَجَ إلَيْهِ وَمَا فِي وَجْهِهِ رَائِحَةٌ أَيْ بَقِيّةُ رُوحٍ فَكَانَ مَعْنَاهُ رُوحٌ بَاقِيَةٌ فَلِذَلِكَ جَاءَ بِهِ عَلَى وَزْنِ فَاعِلِهِ وَالدّلِيلُ عَلَى أَنّهُ أَرَادَ مَعْنَى الرّوحِ وَإِنْ جَاءَ بِهِ عَلَى بِنَاءِ فَاعِلَة قَوْلُ الْإِرَاشِيّ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ خَرَجَ إلَيّ وَمَا عِنْدَهُ رُوحُهُ .
رُكَانَةُ وَمُصَارَعَتُهُ
[ ص 178 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ ، قَالَ كَانَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَشَدّ قُرَيْشٍ ، فَخَلَا يَوْمًا بِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِي بَعْضِ شِعَابِ مَكّةَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا رُكَانَةُ أَلَا تَتّقِي اللّهَ ، وَتَقْبَلُ مَا أَدْعُوك إلَيْهِ ؟ قَالَ إنّي لَوْ أَعْلَمُ أَنّ الّذِي تَقُولُ حَقّ لَاتّبَعْتُك ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَفَرَأَيْت إنْ صَرَعْتُك ، أَتَعْلَمُ أَنّ مَا أَقُولُ حَقّ ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَقُمْ حَتّى أُصَارِعَك . قَالَ فَقَامَ إلَيْهِ رُكَانَةُ يُصَارِعُهُ فَلَمّا بَطَشَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَضْجَعَهُ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا ، ثُمّ قَالَ عُدْ يَا مُحَمّدُ فَعَادَ فَصَرَعَهُ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ وَاَللّهِ إنّ هَذَا لَلْعَجَبُ أَتَصْرَعُنِي فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ إنْ شِئْت أَنْ أُرِيكَهُ إنْ اتّقَيْت اللّهَ وَاتّبَعْت أَمْرِي ، قَالَ مَا هُوَ ؟ قَالَ أَدْعُو لَك هَذِهِ الشّجَرَةَ الّتِي تَرَى فَتَأْتِينِي ، قَالَ اُدْعُهَا ، فَدَعَاهَا ، فَأَقْبَلَتْ حَتّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ فَقَالَ لَهَا : ارْجِعِي إلَى مَكَانِك . قَالَ فَرَجَعَتْ إلَى مَكَانِهَا قَالَ فَذَهَبَ رُكَانَةُ إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ سَاحِرُوا بِصَاحِبِكُمْ أَهْلَ الْأَرْضِ فَوَاَللّهِ مَا رَأَيْت أَسْحَرَ مِنْهُ قَطّ ، ثُمّ أَخْبَرَهُمْ بِاَلّذِي رَأَى ، وَاَلّذِي صَنَعَ [ ص 179 ]
Sمُصَارَعَةُ رُكَانَةَ
[ ص 178 ] عَبْدِ الْمُطّلِبِ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ وَتُوُفّيَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَهُوَ الّذِي طَلّقَ امْرَأَتَهُ أَلْبَتّةَ فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - عَنْ نِيّتِهِ فَقَالَ إنّمَا أَرَدْت وَاحِدَةً فَرَدّهَا عَلَيْهِ وَمِنْ حَدِيثِهِ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ إنّ لِكُلّ دِينٍ خُلُقًا ، وَخُلُقُ هَذَا الدّينِ الْحِيَاءُ وَلِابْنِهِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ صُحْبَةٌ أَيْضًا ، وَيُرْوَى عَنْ يَزِدْ بْنِ رُكَانَةَ ابْنِهِ عَلِيّ ، وَكَانَ عَلِيّ قَدْ أَعْطَى مِنْ الْأَيْدِ وَالْقُوّةِ مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ ، نَزَعَ فِي ذَلِكَ إلَى جَدّ رُكَانَةَ وَلَهُ فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ ذَكَرَهَا الْفَاكِهِيّ ، مِنْهَا : خَبَرُهُ مَعَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ مِنْ أَشَدّ الْعَرَبِ ، فَصَارَعَهُ يَوْمًا ، فَصَرَعَهُ عَلِيّ صَرْعَةً لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهَا ، ثُمّ حَمَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى فَرَسٍ جَمُوحٍ لَا يَطْلِقُ فَعَلِمَ عَلِيّ مَا يُرَادُ بِهِ فَلَمّا جَمَحَ بِهِ الْفَرَسُ ضَمّ عَلَيْهِ فَخِذَيْهِ ضَمّةً نَفَقَ مِنْهَا الْفَرَسُ ، وَذُكِرَ عَنْهُ أَيْضًا أَنّهُ تَأَبّطَ رِجْلَيْنِ أَيّدَيْنِ ثُمّ جَرَى بِهِمَا ، وَهُمَا تَحْتَ إبْطَيْهِ حَتّى صَاحَا : الْمَوْتَ الْمَوْتَ فَأَطْلَقَهُمَا .
قُدُومُ وَفْدِ النّصَارَى مِنْ الْحَبَشَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَهُوَ بِمَكّةَ - عِشْرُونَ رَجُلًا ، أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ النّصَارَى ، حِينَ بَلَغَهُمْ خَبَرُهُ مِنْ الْحَبَشَةِ ، فَوَجَدُوهُ فِي الْمَسْجِدِ فَجَلَسُوا إلَيْهِ وَكَلّمُوهُ وَسَأَلُوهُ وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ ، فَلَمّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَةِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - عَمّا أَرَادُوا ، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إلَى اللّهِ - عَزّ وَجَلّ - وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ فَلَمّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ فَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ مِنْ الدّمْعِ ثُمّ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَآمَنُوا بِهِ وَصَدّقُوهُ وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ . فَلَمّا قَامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالُوا لَهُمْ خَيّبَكُمْ اللّهُ مِنْ رَكْبٍ بَعَثَكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ تَرْتَادُونَ لَهُمْ لِتَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ الرّجُلِ فَلَمْ تَطْمَئِنّ مَجَالِسُكُمْ عِنْدَهُ حَتّى فَارَقْتُمْ دِينَكُمْ وَصَدّقْتُمُوهُ بِمَالِ مَا نَعْلَمُ رَكْبًا أَحْمَقَ مِنْكُمْ أَوْ كَمَا قَالُوا ، فَقَالُوا لَهُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نُجَاهِلُكُمْ لَنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ وَلَكُمْ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَمْ نَأْلُ أَنْفُسَنَا خَيْرًا . وَيُقَالُ إنّ النّفَرَ مِنْ النّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ ، فَاَللّهُ أَعْلَمُ أَيْ ذَلِكَ كَانَ . فَيُقَالُ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - فِيهِمْ نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَات : { الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنّا بِهِ إِنّهُ الْحَقّ مِنْ رَبّنَا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ } إلَى قَوْلِهِ { لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ } [ الْقَصَصُ 52 - 55 ] . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَدْ سَأَلْت ابْنَ شِهَابٍ الزّهْرِيّ عَنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِيمَنْ أُنْزِلْنَ فَقَالَ لِي : مَا سُمِعَ عَنْ عَلْمَائِنَا أَنّهُنّ أُنْزِلْنَ فِي النّجَاشِيّ وَأَصْحَابِهِ وَالْآيَةُ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ [ ص 180 ] { ذَلِكَ بِأَنّ مِنْهُمْ قِسّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } إلَى قَوْله : { فَاكْتُبْنَا مَعَ الشّاهِدِينَ } [ الْمَائِدَةُ 82 ، 83 ] . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إذَا جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ فَجَلَسَ إلَيْهِ الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ خَبّابٌ وَعَمّارٌ وَأَبُو فُكَيْهَةُ يَسَارٌ مَوْلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ مُحَرّثٍ ، وصهيب ، وَأَشْبَاهُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ هَزِئَتْ بِهِمْ قُرَيْشٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ هَؤُلَاءِ أَصْحَابُهُ كَمَا تَرَوْنَ أَهَؤُلَاءِ مَنّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا بِالْهُدَى وَالْحَقّ لَوْ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمّدٌ خَيْرًا مَا سَبَقَنَا هَؤُلَاءِ إلَيْهِ وَمَا خَصّهُمْ اللّهُ بِهِ دُونَنَا . فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِمْ { وَلَا تَطْرُدِ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ وَإِذَا جَاءَكَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرّحْمَةَ أَنّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ الْأَنْعَامُ 52 - 54 ] .
Sوَفْدُ نَصَارَى الْحَبَشَةِ
[ ص 179 ] وَذَكَرَ قُدُومَ وَفْدِ النّصَارَى مِنْ الْحَبَشَةِ وَإِيمَانَهُمْ وَمَا أَنَزَلَ اللّهُ فِيهِمْ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : { الّذِينَ قَالُوا إِنّا نَصَارَى } وَلَمْ يَقُلْ مِنْ النّصَارَى ، وَلَا سَمّاهُمْ هُوَ سُبْحَانَهُ بِهَذَا الِاسْمِ وَإِنّمَا حَكَى قَوْلَهُمْ الّذِي قَالُوهُ حِينَ عَرَفُوا بِأَنْفُسِهِمْ ثُمّ شَهِدَ لَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَذَكَرَ أَنّهُ أَثَابَهُمْ الْجَنّةَ وَإِذَا كَانُوا هَكَذَا فَلَيْسُوا بِنَصَارَى ، هُمْ مِنْ أُمّةِ مُحَمّدٍ - عَلَيْهِ السّلَامُ - وَإِنّمَا عُرِفَ النّصَارَى بِهَذَا الِاسْمِ لِأَنّ مَبْدَأَ دِينِهِمْ كَانَ مِنْ نَاصِرَةَ قَرْيَةٍ بِالشّامِ فَاشْتُقّ اسْمُهُمْ مِنْهُمْ كَمَا اُشْتُقّ اسْمُ الْيَهُودِ مِنْ يَهُودَ بْنِ يَعْقُوبَ ثُمّ لَا يُقَالُ لِمَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ يَهُودِيّ اسْمُ الْإِسْلَامِ أَوْلَى بِهِمْ جَمِيعًا مِنْ ذَلِكَ النّسَبِ .
وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِيمَا بَلَغَنِي - كَثِيرًا مَا يَجْلِسُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ إلَى مَبِيعَةِ غُلَامٍ نَصْرَانِيّ يُقَالُ لَهُ جَبْرٌ عَبْدٌ لِبَنِي الْحَضْرَمِيّ فَكَانُوا يَقُولُونَ وَاَللّهِ مَا يَعْلَمُ مُحَمّدًا كَثِيرًا مِمّا يَأْتِي بِهِ إلّا جَبْرٌ النّصْرَانِيّ ، غُلَامُ بَنِي الْحَضْرَمِيّ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنّهُمْ يَقُولُونَ إِنّمَا يُعَلّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيّ مُبِينٌ } [ النّحْلُ 103 ] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : يُلْحِدُونَ إلَيْهِ يَمِيلُونَ وَالْإِلْحَادُ الْمَيْلُ عَنْ الْحَقّ [ ص 181 ] قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ :
إذَا تَبِعَ الضّحّاكَ كُلّ مُلْحِدٍ
[ وَنَحْنُ ضَرّابُونَ هَامَ الْعُنّدِ ]
ابْنُ هِشَامٍ : يَعْنِي الضّحّاكَ الْخَارِجِيّ ، وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ .
Sعَنْ غُلَامِ الْمَبِيعَةِ وَصُهَيْبٍ وَأَبِي فُكَيْهَةَ
[ ص 180 ] ذَكَرَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - كَانَ يَجْلِسُ إلَى مَبِيعَةِ غُلَامِ . الْمَبِيعَةِ مَفْعَلَة مِثْلَ الْمَعِيشَةِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُلَة بِضَمّ الْعَيْنِ - وَهُوَ قَوْلُ الْأَخْفَشِ وَأَمّا قَوْلُهُمْ سِلْعَةٌ مَبِيعَةٌ فَمَفْعُولَةٌ حُذِفَتْ الْوَاوُ مِنْهَا فِي قَوْلِ سِيبَوَيْهِ حِينَ سَكّنُوا الْيَاءَ اسْتِثْقَالًا لِلضّمّةِ وَفِي قَوْلِ أَبِي الْحَسَنِ الْأَخْفَشِ إنّ الْيَاءَ بَدَلٌ مِنْ الْوَاوِ الزّائِدَةِ فِي مَبْيُوعَة ، وَوَزْنُهَا عِنْدَهُ مَقُولَةٌ بِحَذْفِ الْعَيْنِ وَلِلْكَلَامِ عَلَى هَذَيْنِ الْمَذْهَبَيْنِ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا . وَذَكَرَ صُهَيْبًا وَأَبَا فُكَيْهَةَ وَسَنَذْكُرُ اسْمَ أَبِي فُكَيْهَةَ وَالتّعْرِيفُ بِهِ فِيمَا بَعْدُ لِأَنّهُ بَدْرِيّ ، وَكَذَلِكَ صُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ ، وَنَقْتَصِرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى ذِكْرِ اسْمِهِ وَهُوَ يَسَارٌ مَوْلَى عَبْدِ الدّارِ .
سَبَبُ نُزُولِ سُورَةِ الْكَوْثَرِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السّهْمِيّ - فِيمَا بَلَغَنِي - إذَا ذَكَرَ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ دَعُوهُ فَإِنّمَا هُوَ رَجُلٌ أَبْتَرُ لَا عَقِبَ لَهُ لَوْ مَاتَ لَانْقَطَعَ ذِكْرُهُ وَاسْتَرَحْتُمْ مِنْهُ فَأَنْزَلَ اللّهُ فِي ذَلِكَ { إِنّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } مَا هُوَ خَيْرٌ لَك مِنْ الدّنْيَا وَمَا فِيهَا وَالْكَوْثَرُ : الْعَظِيمُ [ ص 182 ] [ ص 183 ]
Sالْأَبْتَرُ وَالْكَوْثَرُ
[ ص 181 ] وَذَكَرَ قَوْلَ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ إنّ مُحَمّدًا أَبْتَرُ إذَا مَاتَ انْقَطَعَ ذِكْرُهُ وَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِ قَوْلَهُ مِنْ سُورَةِ الْكَوْثَرِ عَلَى قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ ، وَأَكْثَرُ الْمُفَسّرِينَ . وَقِيلَ إنّ أَبَا جَهْلٍ هُوَ الّذِي قَالَ ذَلِكَ . وَقَدْ قِيلَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْأَخِيرِ أَنْ تَكُونَ سُورَةُ الْكَوْثَرِ مَدَنِيّةً وَقَدْ رَوَى يُونُسُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ الْجُعْفِيّ عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيّ ، قَالَ كَانَ الْقَاسِمُ ابْنُ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَدْ بَلَغَ أَنْ يَرْكَبَ الدّابّةَ وَيَسِيرَ عَلَى النّجِيبَةِ فَلَمّا قَبَضَهُ اللّهُ قَالَ الْعَاصِي : أَصْبَحَ مُحَمّدٌ أَبْتَرُ مِنْ ابْنِهِ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَى نَبِيّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ { إِنّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ } عِوَضًا يَا مُحَمّدُ مِنْ مُصِيبَتِك بِالْقَاسِمِ { فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ إِنّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ } وَلَمْ يَقُلْ إنّ شَانِئَك أَبْتَرُ يَتَضَمّنُ اخْتِصَاصَهُ بِهَذَا الْوَصْفِ لِأَنّ هُوَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ تُعْطِي الِاخْتِصَاصَ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ إنّ زَيْدًا فَاسِقٌ فَلَا يَكُونُ مَخْصُوصًا بِهَذَا الْوَصْفِ دُونَ غَيْرِهِ فَإِذَا قُلْت : إنّ زَيْدًا هُوَ الْفَاسِقُ فَمَعْنَاهُ هُوَ الْفَاسِقُ الّذِي زَعَمَتْ فَدَلّ عَلَى أَنّ بِالْحَضْرَةِ مَنْ يَزْعُمُ غَيْرَ ذَلِكَ وَهَكَذَا قَالَ الْجُرْجَانِيّ وَغَيْرُهُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ أَنّ هُوَ تُعْطِي الِاخْتِصَاصَ وَكَذَلِكَ قَالُوا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { وَأَنّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى } لَمّا كَانَ الْعِبَادُ يُتَوَهّمُونَ أَنّ غَيْرَ اللّهِ قَدْ يُغْنِي ، قَالَ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى ، أَيْ لَا غَيْرُهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَأَنّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا } إذْ كَانُوا قَدْ يَتَوَهّمُونَ فِي الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ مَا تَوَهّمَ النّمْرُودُ حِينَ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ أَيْ أَنَا أَقْتُلُ مَنْ شِئْت ، وَأَسْتَحْيِي مَنْ شِئْت ، فَقَالَ عَزّ وَجَلّ { وَأَنّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا } أَيْ لَا غَيْرُهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى [ ص 182 ] { وَأَنّهُ هُوَ رَبّ الشّعْرَى } أَيْ هُوَ الرّبّ لَا غَيْرُهُ إذْ كَانُوا قَدْ اتّخَذُوا أَرْبَابًا مِنْ دُونِهِ مِنْهَا : الشّعْرَى ، فَلَمّا قَالَ وَإِنّهُ خَلَقَ الزّوْجَيْنِ وَأَنّهُ أَهْلَكَ عَادًا اسْتَغْنَى الْكَلَامُ عَنْ هُوَ الّتِي تُعْطِي مَعْنَى الِاخْتِصَاصِ لِأَنّهُ فِعْلٌ لَمْ يَدَعْهُ أَحَدٌ ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ { إِنّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ } أَيْ لَا أَنْتَ . وَالْأَبْتَرُ الّذِي لَا عَقِبَ لَهُ يَتْبَعُهُ فَعَدَمُهُ كَالْبَتْرِ الّذِي هُوَ عَدَمُ الذّنْبِ فَإِذَا مَا قُلْت هَذَا ، وَنَظَرْت إلَى الْعَاصِي ، وَكَانَ ذَا وَلَدٍ وَعَقِبٍ وَوَلَدُهُ عَمْرٌو وَهِشَامٌ ابْنَا الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ فَكَيْفَ يَثْبُتُ لَهُ الْبَتْرُ وَانْقِطَاعُ الْوَلَدِ وَهُوَ ذُو وَلَدٍ وَنَسْلٍ وَنَفْيُهُ عَنْ نَبِيّهِ وَهُوَ يَقُولُ { مَا كَانَ مُحَمّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ } [ الْأَحْزَابُ : 40 ] الْآيَة . فَالْجَوَابُ أَنّ الْعَاصِيَ - وَإِنْ كَانَ ذَا وَلَدٍ - فَقَدْ انْقَطَعَتْ الْعِصْمَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَلَيْسُوا بِأَتْبَاعِ لَهُ لِأَنّ الْإِسْلَامَ قَدْ حَجَزَهُمْ عَنْهُ فَلَا يَرِثُهُمْ وَلَا يَرِثُونَهُ وَهُمْ مِنْ أَتْبَاعِ مُحَمّدٍ عَلَيْهِ السّلَامُ ، وَأَزْوَاجُهُ أُمّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ . كَمَا قَرَأَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ : " وَأَزْوَاجُهُ أُمّهَاتُهُمْ وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ وَالنّبِيّ أَوْلَى بِهِمْ " كَمَا قَالَ اللّهُ سُبْحَانَهُ فَهُمْ وَجَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ أَتْبَاعُ النّبِيّ فِي الدّنْيَا ، وَأَتْبَاعُهُ فِي الْآخِرَةِ إلَى حَوْضِهِ وَهَذَا مَعْنَى الْكَوْثَرِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الدّنْيَا لِكَثْرَةِ أَتْبَاعِهِ فِيهَا ، لِيُغَذّيَ أَرْوَاحَهُمْ بِمَا فِيهِ حَيَاتُهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَكَثْرَةِ أَتْبَاعِهِ فِي الْآخِرَةِ لِيَسْقِيَهُمْ مِنْ حَوْضِهِ مَا فِيهِ الْحَيَاةُ الْبَاقِيَةُ وَعَدُوّ اللّهِ الْعَاصِي عَلَى هَذَا هُوَ الْأَبْتَرُ عَلَى الْحَقِيقَةِ إذْ قَدْ انْقَطَعَ ذَنَبُهُ وَأَتْبَاعُهُ وَصَارُوا تَبَعًا لِمُحَمّدِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَلِذَلِكَ قُوبِلَ تَعْيِيرُهُ لِلنّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بِالْبَتْرِ بِمَا هُوَ ضِدّهُ مِنْ الْكَوْثَرِ ؛ فَإِنّ الْكَثْرَةَ تُضَادّ مَعْنَى الْقِلّةِ وَلَوْ قَالَ فِي جَوَابِ اللّعِينِ إنّا أَعْطَيْنَاك الْحَوْضَ الّذِي مِنْ صِفَتِهِ كَذَا وَكَذَا لَمْ يَكُنْ رَدّا عَلَيْهِ وَلَا مُشَاكِلًا لِجَوَابِهِ وَلَكِنْ جَاءَ بِاسْمِ يَتَضَمّنُ الْخَيْرَ الْكَثِيرَ وَالْعَدَدَ الْجَمّ الْغَفِيرَ الْمُضَادّ لِمَعْنَى الْبَتْرِ وَأَنّ ذَلِكَ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ بِسَبَبِ الْحَوْضِ الْمَوْرُودِ الّذِي أَعْطَاهُ فَلَا يَخْتَصّ لَفْظُ الْكَوْثَرِ بِالْحَوْضِ بَلْ يَجْمَعُ هَذَا الْمَعْنَى كُلّهُ وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ كَانَتْ آنِيَتُهُ كَعَدَدِ النّجُومِ وَيُقَال : هَذِهِ الصّفَةُ فِي الدّنْيَا : عُلَمَاءُ الْأُمّةِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَمِنْ بَعْدِهِمْ فَقَدْ قَالَ أَصْحَابِي كَالنّجُومِ وَهُمْ يَرْوُونَ الْعِلْمَ عَنْهُ وَيُؤَدّونَهُ إلَى مَنْ بَعْدَهُمْ كَمَا تَرْتَوِي الْآنِيّةُ فِي الْحَوْضِ وَتَسْقِي الْوَارِدَةُ عَلَيْهِ تَقُولُ رَوَيْت الْمَاءَ أَيْ اسْتَقَيْته كَمَا تَقُولُ رَوَيْت الْعِلْمَ وَكِلَاهُمَا فِيهِ حَيَاةٌ وَمِنْهُ قِيلَ لِمَنْ رَوَى عِلْمًا أَوْ شِعْرًا : رَاوِيَةً تَشْبِيهًا بِالْمَزَادَةِ أَوْ الدّابّةِ [ ص 183 ] عَلّامَةٍ وَنَسّابَةٍ وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ فِي صِفَةِ الْحَوْضِ أَنّهَا تَنْزُو فِي أَكُفّ الْمُؤْمِنِينَ يَعْنِي الْآنِيّةَ وَحَصْبَاءُ الْحَوْضِ اللّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتِ وَيُقَابِلُهُمَا فِي الدّنْيَا الْحِكَمُ الْمَأْثُورَةُ عَنْهُ أَلّا تَرَى أَنّ اللّؤْلُؤَ فِي عِلْمِ التّعْبِيرِ حِكَمٌ وَفَوَائِدُ عِلْمٍ وَفِي صِفَةِ الْحَوْضِ لَهُ الْمِسْكُ أَيْ حَمْأَتُهُ وَيُقَابِلُهُ فِي الدّنْيَا : طِيبُ الثّنَاءِ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَأَتْبَاعِ النّبِيّ الْأَتْقِيَاءِ كَمَا أَنّ الْمِسْكَ فِي عِلْمِ التّعْبِيرِ ثَنَاءٌ حَسَنٌ وَعِلْمٌ التّعْبِيرِ مِنْ عِلْمِ النّبُوءَةِ مُقْتَبَسٌ . وَذَكَرَ فِي صِفَةِ الْحَوْضِ الطّيْرَ الّتِي تَرُدّهُ كَأَعْنَاقِ الْبُخْتِ وَيُقَابِلُهُ مِنْ صِفَةِ الْعِلْمِ فِي الدّنْيَا وُرُودُ الطّالِبِينَ مِنْ كُلّ صُقْعٍ وَقُطْرٍ عَلَى حَضْرَةِ الْعِلْمِ وَانْتِيَابِهِمْ إيّاهَا فِي زَمَنِ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَبَعْدَهُ فَتَأَمّلْ صِفَةَ الْكَوْثَرِ مَعْقُولَةٌ فِي الدّنْيَا ، مَحْسُوسَةٌ فِي الْآخِرَةِ مُدْرَكَةٌ بِالْعِيَانِ - هُنَالِكَ يُبَيّنُ لَك إعْجَازَ التّنْزِيلِ وَمُطَابَقَةَ السّورَةِ - لِسَبَبِ - نُزُولِهَا ، وَلِذَلِكَ قَالَ فُضَيْل : { فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ } أَيْ تَوَاضَعْ لِمَنْ أَعْطَاك الْكَوْثَرَ بِالصّلَاةِ لَهُ فَإِنّ الْكَثْرَةَ فِي الدّنْيَا تَقْتَضِي فِي أَكْثَرِ الْخَلْقِ الْكِبْرَ وَتَحْدُو إلَى الْفَخْرِ والمحيرية ، فَلِذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ السّلَامُ طَأْطَأَ رَأْسَهُ عَام الْفَتْحِ حِينَ رَأَى كَثْرَةَ أَتْبَاعِهِ وَهُوَ عَلَى الرّاحِلَةِ حَتّى أَلْصَقَ عُثْنُونَهُ بِالرّحْلِ امْتِثَالًا لِأَمْرِ رَبّهِ وَكَذَلِكَ أَمَرَهُ بِالنّحْرِ شُكْرًا لَهُ وَرَفَعَ الْيَدَيْنِ إلَى النّحْرِ فِي الصّلَاةِ عِنْدَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ الّتِي عِنْدَهَا يَنْحَرُ وَإِلَيْهَا يَهْدِي مَعْنَاهُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْفِعْلَيْنِ . النّحْرُ الْمَأْمُورُ بِهِ يَوْمَ الْأَضْحَى ، وَالْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي الصّلَاةِ بِرَفْعِ الْيَدَيْنِ إلَى النّحْرِ كَمَا أَنّ الْقِبْلَةَ مَحْجُوجَةٌ مُصَلّى إلَيْهَا ، فَكَذَلِكَ يَنْحَرُ عِنْدَهَا ، وَيُشَارُ إلَى النّحْرِ عِنْدَ اسْتِقْبَالِهَا ، وَإِلَى هَذَا الْتَفَتَ عَلَيْهِ السّلَامُ حِينَ قَالَ مَنْ صَلّى صَلَاتَنَا ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا ، وَنَسَكَ نُسُكَنَا فَهُوَ مُسْلِمٌ وَقَدْ قَالَ اللّهُ سُبْحَانَهُ { قُلْ إِنّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوّلُ الْمُسْلِمِينَ } [ الْأَنْعَامُ 162 ، 163 ] فَقَرَنَ بَيْنَ الصّلَاةِ إلَى الْكَعْبَةِ ، وَالنّسُكِ إلَيْهَا ، كَمَا قَرَنَ بَيْنَهُمَا حِينَ قَالَ { فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ } وَذَكَرَ فِي صِفَةِ الْحَوْضِ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَأَيْلَةَ وَقَدْ جَاءَ فِيهِ أَيْضًا فِي الصّحِيحِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ وَبَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ بَعِيدَةٌ وَفِي الصّحِيحِ أَيْضًا فِي صِفَتِهِ كَمَا بَيْنَ عَدَنِ أَبْيَنَ إلَى عَمّانَ وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ أَبْيَنَ وَأَنّهُ ابْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَيْمَنَ بْنِ حِمْيَرَ ، وَأَنّ عَدَنَ سُمّيَتْ بِرَجُلِ مِنْ حَمِيرَ عَدَنَ بِهَا ، أَيْ أَقَامَ وَتَقَدّمَ أَيْضًا مَا قَالَهُ الطّبَرِيّ أَنّ عَدَنَ وَأَبْيَنَ هُمَا ابْنَا عَدْنَانَ أَخَوَا مَعَدّ وَأَمّا عَمّانَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ فَهِيَ بِالشّامِ قُرْبُ دِمَشْقَ ، سُمّيَتْ بِعَمّانَ بْنِ لُوطِ بْنِ هَارَانَ كَانَ سَكَنَهَا - فِيمَا ذَكَرُوا - وَأَمّا عُمَانُ [ ص 184 ] الْكُوفَةِ وَمَكّةَ ، وَكَمَا بَيْنَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَالْكَعْبَةِ ، وَهَذِهِ كُلّهَا رِوَايَاتٌ مُتَقَارِبَةُ الْمَعَانِي ، وَإِنْ كَانَتْ الْمَسَافَاتُ بَعْضُهَا أَبْعَدُ مِنْ بَعْضٍ فَكَذَلِكَ الْحَوْضُ أَيْضًا لَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ وَزَوَايَا وَأَرْكَانٌ فَيَكُونُ اخْتِلَافُ هَذِهِ الْمَسَافَاتِ الّتِي فِي الْحَدِيث عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ جَعَلَنَا اللّهُ مِنْ الْوَارِدِينَ عَلَيْهِ وَلَا أَظْمَأَ أَكْبَادَنَا فِي الْآخِرَةِ إلَيْهِ . وَمِمّا جَاءَ فِي مَعْنَى الْكَوْثَرِ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ - قَالَتْ الْكَوْثَرُ نَهْرٌ فِي الْجَنّةِ لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ إلّا سَمِعَ خَرِيرَ ذَلِكَ النّهَرِ وَقَعَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي السّيرَةِ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ وَرَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ عَنْ الشّعْبِيّ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إنّ اللّهَ أَعْطَانِي نَهَرًا يُقَالُ لَهُ الْكَوْثَرُ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ مِنْ أُمّتِي أَنْ يَسْمَعَ خَرِيرَ ذَلِكَ الْكَوْثَرِ إلّا سَمِعَهُ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ وَكَيْفَ ذَلِكَ ؟ قَالَ أَدْخِلِي أُصْبُعَيْك فِي أُذُنَيْك وَشِدّي ، فَاَلّذِي تَسْمَعِينَ فِيهِمَا مِنْ خَرِيرِ الْكَوْثَرِ . وَرَوَى الدّارَقُطْنِيّ مِنْ طَرِيقِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ لِعَلِيّ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّك لَذَائِدٌ عَنْ حَوْضِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَذُودُ عَنْهُ كُفّارَ الْأُمَمِ كَمَا تُذَادُ الْإِبِلُ الضّالّةُ عَنْ الْمَاءِ بِعَصَا مِنْ عَوْسَجٍ إلّا أَنّ هَذَا الْحَدِيثَ يَرْوِيهِ حَرَامُ بْن عُثْمَانَ عَنْ ابْنَيْ جَابِرٍ وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْهُ فَقَالَ لَيْسَ بِثِقَةِ وَأَغْلَظَ فِيهِ الشّافِعِيّ الْقَوْلَ وَأَمّا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السّلَامُ - وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي فَقَدْ قِيلَ فِي مَعْنَاهُ أَقْوَالٌ وَيُفَسّرُهُ عِنْدِي الْحَدِيثُ الْآخَرُ وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السّلَامُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ إنّي لَأَنْظُرُ إلَى حَوْضِي الْآنَ مِنْ مَقَامِي هَذَا فَتَأَمّلْهُ .
الْكَوْثَرُ فِي الشّعْرِ
[ ص 184 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الْكِلَابِيّ وَصَاحِبُ مَلْحُوبٍ فُجِعْنَا بِيَوْمِهِ وَعِنْدَ الرّدَاعِ بَيْتُ آخِرِ كَوْثَرِ
[ ص 185 ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ . وَصَاحِبُ مَلْحُوبٍ : عَوْفُ بْنُ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ مَاتَ بِمَلْحُوبِ . وَقَوْله : عِنْدَ الرّدَاعِ بَيْتُ آخِرِ كَوْثَرِ يَعْنِي شُرَيْح بْنَ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ مَاتَ بِالرّدَاعِ . وَكَوْثَرُ أَرَادَ الْكَثِيرَ وَلَفْظُهُ مُشْتَقّ مِنْ لَفْظِ الْكَثِيرِ . قَالَ الْكُمَيْت بْنُ زَيْدٍ يَمْدَحُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ : وَأَنْتَ كَثِيرٌ يَا بْنَ مَرْوَانَ طَيّبٌ وَكَانَ أَبُوك ابْنُ الْعَقَائِلِ كَوْثَرَ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ . وَقَالَ أُمَيّةُ بْنُ أَبِي عَائِذٍ الْهُذَلِيّ يَصِفُ حِمَارَ وَحْشٍ يُحَامِي الْحَقِيقَ إذَا مَا احْتَدَمْن وَحَمْحَمْنَ فِي كَوْثَرٍ كَالْجِلَالِ
يَعْنِي بِالْكَوْثَرِ الْغُبَارَ الْكَثِيرَ شَبّهَهُ لِكَثْرَتِهِ عَلَيْهِ بِالْجِلَالِ . وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَدّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرٍو - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : هُوَ جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ - عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي مُحَمّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا الْكَوْثَرُ الّذِي أَعْطَاك اللّهُ ؟ قَالَ " نَهَرٌ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إلَى أَيْلَةَ ، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السّمَاءِ تَرِدُهُ طُيُورٌ لَهَا كَأَعْنَاقِ الْإِبِلِ . قَالَ يَقُولُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ : إنّهَا يَا رَسُولَ اللّهِ لَنَاعِمَةٌ قَالَ " آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَدْ سَمِعْت فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ غَيْرِهِ أَنّهُ قَالَ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَا يَظْمَأُ أَبَدًا
Sاسْتِشْهَادُ ابْنِ هِشَامٍ عَلَى مَعْنَى الْكَوْثَرِ
وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي الِاسْتِشْهَادِ عَلَى مَعْنَى الْكَوْثَرِ قَوْلَ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ : وَصَاحِبُ مَلْحُوبٍ فُجِعْنَا بِيَوْمِهِ وَعِنْدَ الرّدَاعِ بَيْتُ آخِرِ كَوْثَرِ
وَبِالْفَوْرَةِ الْحَرّابِ ذُو الْفَضْلِ عَامِرٌ فَنِعْمَ ضِيَاءُ الطّارِقِ الْمُتَنَوّر
[ ص 185 ] لَبِيدٍ وَسَنَذْكُرُ لِمَ سُمّيَ مُلَاعِبَ الْأَسِنَةِ إذَا جَاءَ ذِكْرُهُ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى . وَصَاحِبُ مَلْحُوبٍ : عَوْفُ بْنُ الْأَحْوَصِ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ هِشَامٍ . وَاَلّذِي عِنْدَ الرّدَاعِ : شُرَيْح بْنُ الْأَحْوَصِ فِي قَوْله ، وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ حِبّانُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ . وَالرّدَاعُ : مِنْ أَرْضِ الْيَمَامَةِ . وَمَلْحُوبٌ : مَفْعُولٌ مِنْ لَحَبْت الْعُودَ إذَا قَشّرْته ، فَكَأَنّ هَذَا الْمَوْضِعَ سُمّيَ مَلْحُوبًا ، لِأَنّهُ لَا أَكَمٌ فِيهِ وَلَا شَجَرٌ .
نُزُولُ { وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ }
[ ص 186 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَدَعَا رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَوْمَهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَكَلّمَهُمْ فَأَبْلَغَ إلَيْهِمْ فَقَالَ لَهُ زَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَالنّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ ، وَأُبَيّ بْنُ خَلَفٍ ، وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ لَوْ جُعِلَ مَعَك يَا مُحَمّدُ مَلَكٌ يُحَدّثُ عَنْك النّاسَ وَيَرَى مَعَك فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلُهُ { وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمّ لَا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ } [ الْأَنْعَامُ 8 ، 9 ] .
نُزُولُ وَلَقَدْ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلِ مِنْ قَبْلِك
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَمَرّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِيمَا بَلَغَنِي - بِالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ ، وَبِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ فَغَمَزُوهُ وَهَمَزُوهُ وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ فَغَاظَهُ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ { وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } [ الْأَنْبِيَاءُ 41 ]
Sذَكَرَ حَدِيثَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
[ ص 186 ] { وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ } [ الْأَنْبِيَاءُ 41 ] الْآيَةَ . فَقَالَ فِيهَا : اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلِ ثُمّ قَالَ فَحَاقَ بِاَلّذِينَ سَخِرُوا مَعَهُمْ وَلَمْ يَقُلْ اسْتَهْزَءُوا ، ثُمّ قَالَ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ وَلَمْ يَقُلْ يَسْخَرُونَ . وَلَا بُدّ فِي حِكْمَةٍ فِي هَذَا مِنْ جِهَةِ الْبَلَاغَة وَتَنْزِيلِ الْكَلَامِ مَنَازِلَهُ فَقَوْلُهُ اُسْتُهْزِئَ بِرُسُلِ أَيْ أُسْمِعُوا مِنْ الْكَلَامِ الّذِي يُسَمّى اسْتِهْزَاءً مَا سَاءَهُمْ تَأْنِيسًا لَهُ لِيَتَأَسّى بِمَنْ قَبْلَهُ مِنْ الرّسُلِ وَإِنّمَا سُمّيَ اسْتِهْزَاءً إذَا كَانَ مَسْمُوعًا ، وَهُوَ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِينَ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { أَتَتّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } [ الْبَقَرَةُ 67 ] . وَأَمّا السّخْرُ وَالسّخْرَى ، فَقَدْ يَكُونُ فِي النّفْسِ غَيْرُ مَسْمُوعٍ وَلِذَلِكَ تَقُولُ سَخِرْت مِنْهُ كَمَا تَقُولُ عَجِبْت مِنْهُ إلّا أَنّ الْعُجْبَ لَا يَخْتَصّ بِالْمَعْنَى الْمَذْمُومِ كَمَا يَخْتَصّ السّخْرُ وَفِي التّنْزِيلِ خَبَرًا عَنْ نُوحٍ { إِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإِنّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ } [ هُودٌ : 28 ] وَلَمْ يَقُلْ نَسْتَهْزِئُ بِكَمْ كَمَا تَسْتَهْزِئُونَ لِأَنّ الِاسْتِهْزَاءَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ الْأَنْبِيَاءِ إنّمَا هُوَ مِنْ فِعْلِ الْجَاهِلِينَ كَمَا قَدّمْنَا مِنْ قَوْلِ مُوسَى عَلَيْهِ السّلَامُ فَالنّبِيّ يَسْخَرُ أَيْ يَعْجَبُ مِنْ كُفْرِ مَنْ يَسْخَرُ بِهِ وَمَنْ سُخْرِ عُقُولِهِمْ فَإِنْ قُلْت : فَقَدْ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ } قُلْنَا : الْعَرَبُ تُسَمّي الْجَزَاءَ عَلَى الْفِعْلِ بِاسْمِ الْفِعْلِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ } وَهُوَ مَجَازٌ حَسَنٌ وَأَمّا [ ص 187 ] كُنّا بِصَدَدِهِ فَهُوَ الْمُسَمّى اسْتِهْزَاءُ حَقِيقَةٍ وَلَا يَرْضَى بِهِ إلّا جَهُولٌ . ثُمّ قَالَ سُبْحَانَهُ { فَحَاقَ بِالّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } أَيْ حَاقَ بِهِمْ مِنْ الْوَعِيدِ الْمُبَلّغِ لَهُمْ عَلَى أَلْسِنَةِ الرّسُلِ مَا كَانُوا يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ بِأَلْسِنَتِهِمْ فَنَزَلَتْ كُلّ كَلِمَةٍ مَنْزِلَهَا ، وَلَمْ يَحْسُنْ فِي حُكْمِ الْبَلَاغَةِ وَضْعُ وَاحِدَةٍ مَكَانَ الْأُخْرَى . وَذَكَرَ أَيْضًا قَوْله سُبْحَانَهُ { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا } أَيْ لَوْ جَعَلْنَا الرّسُولَ إلَيْهِمْ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لَمْ يَكُنْ إلّا عَلَى صُورَةِ رَجُلٍ وَلَدَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ اللّبْسِ فِيهِ مَا دَخَلَ فِي أَمْرِ مُحَمّدٍ وَقَوْلُهُ لَبِسْنَا يَدُلّ عَلَى أَنّ الْأَمْرَ كُلّهُ مِنْهُ سُبْحَانَهُ فَهُوَ يُعْمِي مَنْ شَاءَ عَنْ الْحَقّ وَيَفْتَحُ بَصِيرَةَ مَنْ شَاءَ وَقَوْلُهُ مَا يَلْبَسُونَ مَعْنَاهُ يَلْبَسُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ لِأَنّ أَكْثَرَهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنّهُ الْحَقّ ، وَلَكِنْ جَحَدُوا بِهَا ، وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ فَجَعَلُوا ، يَلْبَسُونَ أَيْ يَلْبَسُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَيَلْبَسُونَ عَلَى أَهْلِيهِمْ وَأَتْبَاعِهِمْ أَيْ يَخْلِطُونَ عَلَيْهِمْ بِالْبَاطِلِ تَقُولُ الْعَرَبُ : لَبِسْت عَلَيْهِمْ الْأَمْرَ أَلْبِسُهُ أَيْ سَتَرْته وَخَلَطْته ، وَمِنْ لُبْسِ الثّيَابِ لَبِسْت أَلْبَسُ لِأَنّهُ فِي مَعْنَى كَسِيت ، وَفِي مُقَابَلَةِ عَرِيت ، فَجَاءَ عَلَى وَزْنِهِ وَالْآخَرُ فِي مَعْنَى : خَلَطْت أَوْ سَتَرْت ، فَجَاءَ عَلَى وَزْنِهِ .
ذِكْرُ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ
[ ص 187 ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : حَدّثْنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْبَكّائِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطّلِبِيّ قَالَ ثُمّ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ، وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنْ إيلِيَاءَ ، وَقَدْ فَشَا الْإِسْلَامُ بِمَكّةَ فِي قُرَيْشٍ ، وَفِي الْقَبَائِلِ كُلّهَا . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : كَانَ مِنْ الْحَدِيثِ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ مَسْرَاهُ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ وَعَائِشَةَ زَوْجِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصَرِيّ ، وَابْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ [ ص 188 ] وَأُمّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ، مَا اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كُلّ يُحَدّثُ عَنْهُ بَعْضُ مَا ذُكِرَ مِنْ أَمْرِهِ حِين أُسْرِيَ بِهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَكَانَ فِي مَسْرَاهُ وَمَا ذُكِرَ عَنْهُ بَلَاءٌ وَتَمْحِيصٌ وَأَمْرٌ مِنْ أَمْرِ اللّهِ فِي قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ فِيهِ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ وَثَبَاتٌ لِمَنْ آمَنَ وَصَدّقَ وَكَانَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى يَقِينٍ فَأُسْرِيَ بِهِ كَيْفَ شَاءَ لِيُرِيَهُ مِنْ آيَاتِهِ مَا أَرَادَ حَتّى عَايَنَ مَا عَايَنَ مِنْ أَمْرِهِ وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ وَقُدْرَتِهِ الّتِي يَصْنَعُ بِهَا مَا يُرِيدُ .
رَاوِيَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ
فَكَانَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ - فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُ - يَقُولُ أُتِيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْبُرَاقِ - وَهِيَ الدّابّةُ الّتِي كَانَتْ تُحْمَلُ عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ تَضَعُ حَافِرَهَا فِي مُنْتَهَى طَرَفِهَا - فَحُمِلَ عَلَيْهَا ، ثُمّ خَرَجَ بِهِ صَاحِبُهُ يَرَى الْآيَاتِ فِيمَا بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتّى انْتَهَى إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَوَجَدَ فِيهِ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ وَمُوسَى وَعِيسَى فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَدْ جَمَعُوا لَهُ فَصَلّى بِهِمْ . ثُمّ أُتِيَ بِثَلَاثَةِ آنِيّةٍ إنَاءٍ فِيهِ لَبَنٌ [ ص 189 ] قَالَ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " فَسَمِعْت قَائِلًا يَقُولُ حِينَ عُرِضَتْ عَلَيّ إنْ أَخَذَ الْمَاءَ غَرِقَ وَغَرِقَتْ أُمّتُهُ وَإِنْ أَخَذَ الْخَمْرَ غَوَى ، وَغَوَتْ أُمّتُهُ وَإِنْ أَخَذَ اللّبَن هُدِيَ وَهُدِيَتْ أُمّتُهُ . قَالَ فَأَخَذْت إنَاءَ اللّبَنِ فَشَرِبْت مِنْهُ فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ : هُدِيت وَهُدِيَتْ أُمّتُك يَا مُحَمّدُ
حَدِيثُ الْحَسَنِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحُدّثْت عَنْ الْحَسَنِ أَنّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنًا أَنَا نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ ، إذْ جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ فَجَلَسْت فَلَمْ أَرَ شَيْئًا ، فَعُدْت إلَى مَضْجَعِي ، فَجَاءَنِي الثّانِيَةَ فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ فَجَلَسْت فَلَمْ أَرَ شَيْئًا ، فَعُدْت إلَى مَضْجَعِي ، فَجَاءَنِي الثّالِثَةَ فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ فَجَلَسْت ، فَأَخَذَ بِعَضُدِي ، فَقُمْت مَعَهُ فَخَرَجَ إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَإِذَا دَابّةٌ أَبْيَض ، بَيْنَ الْبَغْلِ - وَالْحِمَار - فِي فَخِذَيْهِ جَنَاحَانِ يَحْفِرُ بِهِمَا رِجْلَيْهِ يَضَعُ يَدَهُ فِي مُنْتَهَى طَرَفِهِ فَحَمَلَنِي عَلَيْهِ ثُمّ خَرَجَ مَعِي لَا يَفُوتُنِي وَلَا أَفُوتُهُ
حَدِيثُ قَتَادَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ ، وَحُدّثْت عَنْ قَتَادَةَ أَنّهُ قَالَ حُدّثْت أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَمّا دَنَوْت مِنْهُ لِأَرْكَبَهُ شَمَسَ فَوَضَعَ جِبْرِيلُ يَدَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ ثُمّ قَالَ أَلَا تَسْتَحِي يَا بُرَاقُ مِمّا تَصْنَعُ فَوَاَللّهِ مَا رَكِبَك عَبْدٌ لِلّهِ قَبْلَ مُحَمّدٍ أَكْرَمُ عَلَى اللّهِ مِنْهُ . قَالَ فَاسْتَحْيَا حَتّى ارْفَضّ عَرَقًا ، ثُمّ قَرّ حَتّى رَكِبْته
Sشَرْحُ مَا فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِنْ الْمُشْكِلِ اتّفَقَتْ الرّوَاةُ عَلَى تَسْمِيَتِهِ إسْرَاءً وَلَمْ يُسَمّهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ سُرًى ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ اللّغَةِ قَدْ قَالُوا : سَرَى وَأَسْرَى بِمَعْنَى وَاحِدٍ فَدَلّ عَلَى أَنّ أَهْلَ اللّغَةِ لَمْ يُحَقّقُوا الْعَبّارَةَ وَذَلِكَ أَنّ الْقُرّاءَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي التّلَاوَةِ مِنْ قَوْلِهِ { سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ } وَلَمْ يَقُلْ سَرَى ، [ ص 188 ] وَقَالَ { وَاللّيْلِ إِذَا يَسْرِ } وَلَمْ يَقُلْ يَسْرِي ، فَدَلّ عَلَى أَنّ السّرَى مِنْ سَرَيْت إذَا سِرْت لَيْلًا ، وَهِيَ مُؤَنّثَةٌ تَقُولُ طَالَتْ سُرَاك اللّيْلَةَ وَالْإِسْرَاءُ مُتَعَدّ فِي الْمَعْنَى ، وَلَكِنْ حُذِفَ مَفْعُولُهُ كَثِيرًا حَتّى ظَنّ أَهْلُ اللّغَةِ أَنّهُمَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ لَمّا رَأَوْهُمَا غَيْرَ مُتَعَدّيَيْنِ إلَى مَفْعُولٍ فِي اللّفْظِ وَإِنّمَا أَسْرَى بِعَبْدِهِ أَيْ جَعَلَ الْبُرَاق يَسْرِي ، كَمَا تَقُولُ أَمَضَيْته ، أَيْ جَعَلْته يَمْضِي ، لَكِنْ كَثُرَ حَذْفُ الْمَفْعُولِ لَقُوّةِ الدّلَالَةِ عَلَيْهِ أَوْ لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْ ذِكْرِهِ إذْ الْمَقْصُودُ بِالْخَبَرِ ذِكْرُ مُحَمّدٍ لَا ذِكْرُ الدّابّةِ الّتِي سَارَتْ بِهِ وَجَازَ فِي قِصّةِ لُوطٍ عَلَيْهِ السّلَامُ . أَنْ يُقَالَ لَهُ فَأَسْرِ بِأَهْلِك : أَيْ فَاسْرِ بِهِمْ وَأَنْ يَقْرَأَ فَأَسْرِ بِأَهْلِك بِالْقِطْعِ أَيْ فَأَسْرِ بِهِمْ مَا يَتَحَمّلُونَ عَلَيْهِ مِنْ دَابّةٍ أَوْ نَحْوِهَا ، وَلَمْ يُتَصَوّرْ ذَلِكَ فِي السّرَى بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ سَرَى بِعَبْدِهِ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَأْتِ التّلَاوَةُ إلّا بِوَجْهِ وَاحِدٍ فِي هَذِهِ الْقِصّةِ فَتَدَبّرْهُ . وَكَذَلِكَ تَسَامَحَ النّحْوِيّونَ أَيْضًا فِي الْبَاءِ وَالْهَمْزَةِ وَجَعَلُوهُمَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ فِي حُكْمِ التّعْدِيَةِ وَلَوْ كَانَ مَا قَالُوهُ أَصْلًا لَجَازَ فِي : أَمْرَضْته أَنْ تَقُولَ مَرِضْت بِهِ وَفِي أَسْقَمْته : أَنْ تَقُولَ سَقِمْت بِهِ وَفِي أَعْمَيْته أَنْ تَقُولَ عَمِيت بِهِ قِيَاسًا عَلَيّ أَذْهَبْته وَأَذْهَبْت بِهِ وَيَأْبَى اللّهُ ذَلِكَ وَالْعَالِمُونَ فَإِنّمَا الْبَاءُ تُعْطِي مَعَ التّعْدِيَةِ طَرَفًا مِنْ الْمُشَارَكَةِ فِي الْفِعْلِ وَلَا تُعْطِيهِ الْهَمْزَةَ فَإِذَا قُلْت : أَقْعَدْته ، فَمَعْنَاهُ جَعَلْته يَقْعُدُ وَلَكِنّك شَارَكْته فِي الْقُعُودِ فَجَذَبْته بِيَدِك إلَى الْأَرْضِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلَا بُدّ مِنْ طَرَفٍ مِنْ الْمُشَارَكَةِ إذَا قَعَدْت بِهِ وَدَخَلْت بِهِ وَذَهَبْت بِهِ بِخِلَافِ أَدْخَلْته وَأَذْهَبْته . [ ص 189 ] قَالَ اللّهُ سُبْحَانَهُ { ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ } { لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ } وَيَتَعَالَى - سُبْحَانَهُ - عَنْ أَنْ يُوصَفَ بِالذّهَابِ وَيُضَافُ إلَيْهِ طَرَفٌ مِنْهُ وَإِنّمَا مَعْنَاهُ أَذَهَبَ نُورَهُمْ وَسَمْعَهُمْ . قُلْنَا : فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا : أَنّ النّورَ وَالسّمْعَ وَالْبَصَرَ كَانَ بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ وَقَدْ قَالَ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهَذَا مِنْ الْخَيْرِ الّذِي بِيَدِهِ وَإِذَا كَانَ بِيَدِهِ فَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ ذَهَبَ بِهِ عَلَى الْمَعْنَى الّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ كَائِنًا مَا كَانَ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، فَعَلَيْهِ يَنْبَنِي ذَلِكَ الْمَعْنَى الْآخَرُ الّذِي فِي قَوْلِهِ { ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ } مَجَازًا كَانَ أَوْ حَقِيقَةً أَلَا تَرَى أَنّهُ لَمّا ذَكَرَ الرّجْسَ كَيْفَ قَالَ { لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرّجْسَ } [ الْأَحْزَابُ : 33 ] . وَلَمْ يَقُلْ يُذْهِبُ بِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ { وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشّيْطَانِ } [ ص 190 ] حُسْنَ الْأَدَبِ مَعَهُ حَتّى لَا يُضَافُ إلَى الْقُدّوسِ سُبْحَانَهُ - لَفْظًا وَمَعْنًى شَيْءٌ مِنْ الْأَرْجَاسِ وَإِنْ كَانَتْ خَلْقًا لَهُ وَمِلْكًا فَلَا يُقَالُ هِيَ بِيَدِهِ عَلَى الْخُصُوصِ تَحْسِينًا لِلْعِبَارَةِ وَتَنْزِيهًا لَهُ وَفِي مِثْلِ النّورِ وَالسّمْعِ وَالْبَصَرِ يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ هِيَ بِيَدِهِ فَحَسُنَ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَال : ذَهَبَ بِهِ وَأَمّا أَسْرَى بِعَبْدِهِ فَإِنّ دُخُولَ الْبَاءِ فِيهِ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فَإِنّهُ فِعْلٌ يَتَعَدّى إلَى مَفْعُولٍ وَذَلِكَ الْمَفْعُولُ الْمُسَرّى هُوَ الّذِي سَرَى بِالْعَبْدِ فَشَارَكَهُ بِالسّرَى ، كَمَا قَدّمْنَا فِي قَعَدْت بِهِ أَنّهُ يُعْطَى الْمُشَارَكَةُ فِي الْفِعْلِ أَوْ فِي طَرَفٍ مِنْهُ فَتَأَمّلْهُ .
مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ
قَالَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ فَمَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَضَى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ مَعَهُ حَتّى انْتَهَى بِهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَوَجَدَ فِيهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ [ ص 190 ] فَأَمّهُمْ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَصَلّى بِهِمْ ثُمّ أُتِيَ بِإِنَاءَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا : خَمْرٌ وَفِي الْآخَرِ لَبَنٌ . قَالَ فَأَخَذَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنَاءَ اللّبَنِ فَشَرِبَ مِنْهُ وَتَرَكَ إنَاءَ الْخَمْرِ . قَالَ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هُدِيت لِلْفِطْرَةِ وَهُدِيَتْ أُمّتُك يَا مُحَمّدُ وَحُرّمَتْ عَلَيْكُمْ الْخَمْرُ ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إلَى مَكّةَ ، فَلَمّا أَصْبَحَ غَدًا عَلَى قُرَيْشٍ ، فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ . فَقَالَ أَكْثَرُ النّاسِ هَذَا وَاَللّهِ الْأَمْرُ الْبَيّنُ وَاَللّهِ إنّ الْعِيرَ لَتُطْرَدُ شَهْرًا مِنْ مَكّةَ إلَى الشّامِ مُدْبِرَةً وَشَهْرًا مُقْبِلَةً أَفَيَذْهَبُ ذَلِكَ مُحَمّدٌ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَيَرْجِعُ إلَى مَكّةَ قَالَ فَارْتَدّ كَثِيرٌ مِمّنْ كَانَ أَسْلَمَ ، وَذَهَبَ النّاسُ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالُوا لَهُ هَلْ لَك يَا أَبَا بَكْرٍ فِي صَاحِبِك ، يَزْعُمُ أَنّهُ قَدْ جَاءَ هَذِهِ اللّيْلَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَصَلّى فِيهِ وَرَجَعَ إلَى مَكّةَ . قَالَ فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ إنّكُمْ تَكْذِبُونَ عَلَيْهِ فَقَالُوا : بَلَى ، هَا هُوَ ذَاكَ فِي الْمَسْجِدِ يُحَدّثُ بِهِ النّاسَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاَللّهِ لَئِنْ كَانَ قَالَهُ لَقَدْ صَدَقَ فَمَا يُعْجِبُكُمْ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَوَاَللّهِ إنّهُ لَيُخْبِرُنِي أَنّ الْخَبَرَ لَيَأْتِيهِ مِنْ السّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَأُصَدّقُهُ فَهَذَا أَبْعَدُ مِمّا تَعْجَبُونَ مِنْهُ ثُمّ أَقْبَلَ حَتّى انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَقَالَ يَا نَبِيّ اللّهِ . أَحَدّثْت هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ أَنّك أَتَيْت الْمَقْدِسَ هَذِهِ اللّيْلَةَ ؟ قَالَ " نَعَمْ " ، قَالَ يَا نَبِيّ اللّهِ فَصِفْهُ لِي ، فَإِنّي قَدْ جِئْته - قَالَ الْحَسَنُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " فَرُفِعَ لِي حَتّى نَظَرْت إلَيْهِ " - فَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - يَصِفُهُ لِأَبِي بَكْرٍ وَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ صَدَقْت ، أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللّهِ كَلَمّا وَصَفَ لَهُ مِنْهُ شَيْئًا ، قَالَ صَدَقْت ، أَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللّهِ حَتّى انْتَهَى ، قَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - لِأَبِي بَكْرٍ وَأَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ الصّدّيقُ ، فَيَوْمئِذٍ سَمّاهُ الصّدّيقَ قَالَ الْحَسَنُ وَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيمَنْ ارْتَدّ عَنْ إسْلَامِهِ لِذَلِكَ { وَمَا جَعَلْنَا الرّؤْيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ إِلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ وَالشّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلّا طُغْيَانًا كَبِيرًا } [ الْإِسْرَاءُ 60 ] . فَهَذَا حَدِيثُ الْحَسَنِ عَنْ مَسْرَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَمَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ
الْإِسْرَاءُ رُؤْيَا
[ ص 191 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي بَعْضُ آلِ أَبِي بَكْرٍ : أَنّ عَائِشَةَ زَوْجَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَتْ تَقُولُ مَا فُقِدَ جَسَدُ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَلَكِنّ اللّهَ أَسْرَى بِرُوحِهِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْن الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ أَنّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ، كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ مَسْرَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ كَانَتْ رُؤْيَا مِنْ اللّهِ تَعَالَى صَادِقَةً فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا ، لِقَوْلِ الْحَسَنِ إنّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللّهِ تُبَارَك وَتَعَالَى : { وَمَا جَعَلْنَا الرّؤْيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ إِلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ } [ الْإِسْرَاءُ 60 ] . وَلِقَوْلِ اللّهِ [ ص 192 ] الْخَبَرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلَامُ إذْ قَالَ لَابْنِهِ { يَا بُنَيّ إِنّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنّي أَذْبَحُكَ } [ الصّافّاتُ 102 ] . ثُمّ مَضَى عَلَى ذَلِكَ . فَعَرَفْت أَنّ الْوَحْيَ مِنْ اللّهِ يَأْتِي الْأَنْبِيَاءَ أَيْقَاظًا وَنِيَامًا . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِيمَا بَلَغَنِي - يَقُولُ تَنَامُ عَيْنَايَ وَقَلْبِي يَقْظَانُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ قَدْ جَاءَهُ وَعَايَنَ فِيهِ مَا عَايَنَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ عَلَى أَيّ حَالَيْهِ كَانَ نَائِمًا ، أَوْ يَقْظَانَ كُلّ ذَلِكَ حَقّ وَصِدْقٌ [ ص 193 ] [ ص 194 ] [ ص 195 ] [ ص 196 ]
Sأَكَانَ الْإِسْرَاءُ يَقَظَةً أَمْ مَنَامًا
[ ص 191 ] كَانَ الْإِسْرَاءُ فِي يَقَظَةٍ بِجَسَدِهِ أَوْ كَانَ فِي نُوُمِهِ بِرُوحِهِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ { اللّهُ يَتَوَفّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا } [ الزّمَرُ 43 ] وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ عَنْ عَائِشَةَ وَمُعَاوِيَةَ أَنّهَا كَانَتْ رُؤْيَا حَقّ ، وَأَنّ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمْ تَفْقِدْ بَدَنَهُ وَإِنّمَا عُرِجَ بِرُوحِهِ تِلْكَ اللّيْلَةَ وَيَحْتَجّ قَائِلُ هَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { وَمَا جَعَلْنَا الرّؤْيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ إِلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ } [ الْإِسْرَاءُ 60 ] . وَلَمْ يَقُلْ الرّؤْيَةَ وَإِنّمَا يُسَمّى رُؤْيَا مَا كَانَ فِي النّوُمِ فِي عُرْفِ اللّغَةِ وَيَحْتَجّونَ أَيْضًا بِحَدِيثِ الْبُخَارِيّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مِنْ مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ أَنّهُ جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، فَقَالَ أَوّلُهُمْ أَيّهُمْ هُوَ ؟ فَقَالَ أَوْسَطُهُمْ هُوَ هَذَا ، وَهُوَ خَيْرُهُمْ فَقَالَ آخِرُهُمْ خُذُوا خَيْرَهُمْ فَكَانَ تِلْكَ اللّيْلَةَ فَلَمْ يَرَهُمْ حَتّى أَتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرَى ، فِيمَا يَرَى قَلْبُهُ وَتَنَامُ عَيْنُهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ السّلَامُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ فَلَمْ يُكَلّمُوهُ حَتّى احْتَمَلُوهُ فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ ، فَتَوَلّاهُ مِنْهُمْ جِبْرِيلُ . الْحَدِيثُ بِطُولِهِ وَقَالَ فِي آخِرِهِ وَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَهَذَا نَصّ لَا إشْكَالَ فِيهِ أَنّهَا كَانَتْ رُؤْيَا صَادِقَةً وَقَالَ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الثّانِي : قَدْ تَكُونُ الرّؤْيَا بِمَعْنَى الرّؤْيَةِ فِي الْيَقَظَةِ وَأَنْشَدُوا لِلرّاعِي يَصِفُ صَائِدًا : وَكَبّرَ لِلرّؤْيَا ، وَهَشّ فُؤَادُهُ وَبَشّرَ قَلْبًا كَانَ جَمّا بَلَابِلُهُ
قَالُوا : وَفِي الْآيَةِ بَيَانُ أَنّهَا كَانَتْ فِي الْيَقَظَةِ لِأَنّهُ قَالَ { وَمَا جَعَلْنَا الرّؤْيَا الّتِي أَرَيْنَاكَ إِلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ } وَلَوْ كَانَتْ رُؤْيَا نَوْمٍ مَا افْتَتَنَ بِهَا النّاسُ حَتّى ارْتَدّ كَثِيرٌ مِمّنْ أَسْلَمَ ، وَقَالَ [ ص 192 ] بَيْت الْمَقْدِسِ ، وَرَجَعَ إلَى مَكّةَ لَيْلَتَهُ وَالْعِيرُ تَطْرُدُ إلَيْهَا شَهْرًا مُقْبِلَةً وَشَهْرًا مُدْبِرَةً وَلَوْ كَانَتْ رُؤْيَا نَوْمٍ لَمْ يَسْتَبْعِدْ أَحَدٌ مِنْهُمْ هَذَا ، فَمَعْلُومٌ أَنّ النّائِمَ قَدْ يَرَى نَفْسَهُ فِي السّمَاءِ وَفِي الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَلَا يُسْتَبْعَدُ مِنْهُ ذَلِكَ وَاحْتَجّ هَؤُلَاءِ أَيْضًا بِشُرْبِهِ الْمَاءَ مِنْ الْإِنَاءِ الّذِي كَانَ مُغَطّى عِنْدَ الْقَوْمِ وَوَجَدُوهُ حِينَ أَصْبَحَ لَا مَاء فِيهِ وَبِإِرْشَادِهِ لِلّذِينَ نَدّ بَعِيرُهُمْ حِين أَنْفَرَهُمْ حِسّ الدّابّةِ وَهُوَ الْبُرَاقُ حَتّى دَلّهُمْ عَلَيْهِ فَأَخْبَرَ أَهْلَ مَكّةَ بِأَمَارَةِ ذَلِكَ حَتّى ذَلِكَ الْغِرَارَتَيْنِ السّوْدَاء وَالْبَرْقَاءِ كَمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ أَنّهُ وَعَدَ قُرَيْشًا بِقُدُومِ الْعِيرِ الّتِي أَرْشَدَهُمْ إلَى الْبَعِيرِ وَشَرِبَ إنَاءَهُمْ وَأَنّهُمْ سَيَقْدُمُونَ وَيُخْبَرُونَ بِذَلِكَ فَقَالُوا : يَا مُحَمّدُ مَتَى يَقْدُمُونَ ؟ فَقَالَ " يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ " ، فَلَمّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ وَلَمْ يَقْدُمُوا ، حَتّى كَرَبَتْ الشّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ فَدَعَا اللّهَ فَحَبَسَ الشّمْسَ حَتّى قَدِمُوا كَمَا وَصَفَ قَالَ وَلَمْ يَحْبِسْ الشّمْسَ إلّا لَهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ وَهَذَا كُلّهُ لَا يَكُونُ إلّا يَقَظَةً وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ مِنْهُمْ شَيْخُنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ [ بْنُ الْعَرَبِيّ ] رَحِمَهُ اللّهُ إلَى تَصْدِيقِ الْمَقَالَتَيْنِ وَتَصْحِيحِ الْحَدِيثَيْنِ وَأَنّ الْإِسْرَاءَ كَانَ مَرّتَيْنِ إحْدَاهُمَا : كَانَ فِي نُوُمِهِ وَتَوْطِئَةً لَهُ وَتَيْسِيرًا عَلَيْهِ كَمَا كَانَ بَدْءُ نُبُوّتِهِ الرّؤْيَا الصّادِقَةُ لِيَسْهُلَ عَلَيْهِ أَمْرُ النّبُوّةِ فَإِنّهُ عَظِيمٌ تَضْعُفُ عَنْهُ الْقُوَى الْبَشَرِيّةُ وَكَذَلِكَ الْإِسْرَاءُ سَهّلَهُ عَلِيّه بِالرّؤْيَا ، لِأَنّ هَوْلَهُ عَظِيمٌ فَجَاءَهُ فِي الْيَقَظَةِ عَلَى تَوْطِئَةٍ وَتَقْدِمَةٍ رِفْقًا مِنْ اللّهِ بِعَبْدِهِ وَتَسْهِيلًا عَلَيْهِ وَرَأَيْت الْمُهَلّبَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيّ قَدْ حَكَى هَذَا الْقَوْلَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَأَنّهُمْ قَالُوا : كَانَ الْإِسْرَاءُ مَرّتَيْنِ مَرّةً فِي نُوُمِهِ وَمَرّةً فِي يَقَظَتِهِ بِبَدَنِهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ الْمُؤَلّفُ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الّذِي يَصِحّ ، وَبِهِ تَتّفِقُ مَعَانِي الْأَخْبَارِ أَلَا تَرَى أَنّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الّذِي قَدّمْنَا ذِكْرَهُ أَتَاهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ وَمَعْلُومٌ أَنّ الْإِسْرَاءَ كَانَ بَعْدَ النّبُوّةِ وَحَيْنَ فُرِضَتْ الصّلَاةُ كَمَا قَدّمْنَا فِي الْجُزْءِ قَبْلَ هَذَا ، وَقِيلَ كَانَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِعَامِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ فَارْتَدّ كَثِيرٌ مِمّنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ ، وَرُوَاةُ الْحَدِيثَيْنِ حُفّاظٌ فَلَا يَسْتَقِيمُ [ ص 193 ] يَكُونَ الْإِسْرَاءُ مَرّتَيْنِ وَكَذَلِكَ ذُكِرَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنّهُ لَقِيَ إبْرَاهِيمَ فِي السّمَاءِ السّادِسَةِ وَمُوسَى فِي السّابِعَةِ وَفِي أَكْثَرِ الرّوَايَاتِ الصّحِيحَةِ أَنّهُ رَأَى إبْرَاهِيمَ عِنْدَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ فِي السّمَاءِ السّابِعَةِ وَلَقِيَ مُوسَى فِي السّادِسَةِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ أُتِيَ بِثَلَاثَةِ آنِيّةٍ أَحَدُهَا مَاءٌ فَقَالَ قَائِلٌ إنْ أَخَذَ الْمَاءَ غَرِقَ وَغَرِقَتْ أُمّتُهُ وَفِي إحْدَى رِوَايَاتِ الْبُخَارِيّ فِي الْجَامِعِ الصّحِيحِ أَنّهُ أُتِيَ بِإِنَاءِ فِيهِ عَسَلٌ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَاءَ وَالرّوَاةُ أَثَبَاتٌ وَلَا سَبِيلَ إلَى تَكْذِيبِ بَعْضِهِمْ وَلَا تَوْهِينِهِمْ فَدَلّ عَلَى صِحّةِ الْقَوْلِ بِأَنّهُ كَانَ مَرّتَيْنِ وَعَادَ الِاخْتِلَافُ إلَى أَنّهُ كَانَ كُلّهُ حَقّا ، وَلَكِنْ فِي حَالَتَيْنِ وَوَقْتَيْنِ مَعَ مَا يَشْهَدُ لَهُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ فَإِنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ { ثُمّ دَنَا فَتَدَلّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى } ثُمّ قَالَ { مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى } [ النّجْمُ 8 - 11 ] فَهَذَا نَحْوُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ قَوْلِهِ فِيمَا يَرَاهُ قَلْبُهُ وَعَيْنُهُ نَائِمَةٌ وَالْفُؤَادُ هُوَ الْقَلْبُ ثُمّ قَالَ أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَمْ يَقُلْ مَا قَدْ رَأَى ، فَدَلّ عَلَى أَنّ ثَمّ رُؤْيَةٌ أُخْرَى بَعْدَ هَذِهِ ثُمّ قَالَ { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى } أَيْ فِي نَزْلَةٍ نَزَلَهَا جِبْرِيلُ إلَيْهِ مَرّةً فَرَآهُ فِي صُورَتِهِ الّتِي هُوَ عَلَيْهَا { عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى } قَالَ يَغْشَاهَا فِرَاشٌ مِنْ ذَهَبٍ وَفِي رِوَايَةٍ يَنْتَثِرُ مِنْهَا الْيَاقُوتُ وَثَمَرُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ ثُمّ قَالَ { مَا زَاغَ الْبَصَرُ } وَلَمْ يَقُلْ الْفُؤَادُ كَمَا قَالَ فِي الّتِي قَبْلَ هَذِهِ فَدَلّ عَلَى أَنّهَا رُؤْيَةُ عَيْنٍ وَبَصَرٍ فِي النّزْلَةِ الْأُخْرَى ، ثُمّ قَالَ { لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبّهِ الْكُبْرَى } وَإِذَا كَانَتْ رُؤْيَةَ عَيْنٍ فَهِيَ مِنْ الْآيَاتِ الْكُبْرَى ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْبَرَاهِينِ وَالْعِبَرِ ، وَصَارَتْ الرّؤْيَا الْأُولَى بِالْإِضَافَةِ إلَى الْأُخْرَى لَيْسَتْ مِنْ الْكِبْرِ لِأَنّ مَا يَرَاهُ الْعَبْدُ فِي مَنَامِهِ دُونَ مَا يَرَاهُ فِي يَقَظَتِهِ لَا مَحَالَةَ وَكَذَلِكَ قَالَ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ إنّهُ رَأَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى نَهَرَيْنِ ظَاهِرَيْنِ وَنَهَرَيْنِ بَاطِنِينَ وَأَخْبَرَهُ جِبْرِيل أَنّ الظّاهِرَيْنِ النّيلُ وَالْفُرَاتُ ، وَذَكَرَ فِي حَدِيثِ أَنَس أَنّهُ رَأَى هَذَيْنِ النّهَرَيْنِ فِي السّمَاءِ الدّنْيَا ، وَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ هُمَا النّيلُ وَالْفُرَاتُ ، أَصُلْهُمَا وَعُنْصُرُهُمَا ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رَأَى فِي حَالِ الْيَقَظَةِ مَنْبَعَهُمَا ، وَرَأَى فِي الْمَرّةِ الْأُولَى النّهَرَيْنِ دُونَ أَنْ يَرَى أَصْلَهُمَا وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَقَدْ جَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَأَنْزَلْنَا مِنَ السّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنّاهُ فِي الْأَرْضِ } [ الْمُؤْمِنُونَ 18 ] أَنّهُمَا النّيلُ وَالْفُرَاتُ أُنْزِلَا مِنْ الْجَنّة مِنْ أَسْفَلِ دَرَجَةٍ مِنْهَا عَلَى جُنَاح جِبْرِيل ، فَأُودَعهُمَا بُطُون الْجِبَالَ ثُمّ إنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ سَيَرْفَعُهُمَا ، وَيَذْهَبُ بِهِمَا عِنْدَ رَفْعِ الْقُرْآنِ وَذَهَابِ الْإِيمَانِ فَلَا يَبْقَى عَلَى الْأَرْض خَيْر ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ } [ ص 194 ] ذَكَرَهُ النّحَاسُ فِي الْمَعَانِي بِأَتَمّ مِنْ هَذَا فَاخْتَصَرَهُ وَوَقَعَ فِي كِتَابِ الْمُعَلّمِ لِلْمَازَرِيّ قَوْلٌ رَابِعٌ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ قَالَ كَانَ الْإِسْرَاءُ بِجَسَدِهِ فِي الْيَقَظَةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَكَانَتْ رُؤْيَا عَيْنٍ ثُمّ أُسْرِيَ بِرُوحِهِ إلَى فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ وَلِذَلِكَ شَنّعَ الْكُفّارُ قَوْلَهُ وَأَتَيْت بَيْتَ الْمَقْدِسِ فِي لَيْلَتِي هَذِهِ وَلَمْ يُشَنّعُوا قَوْلَهُ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ .
شِمَاسُ الْبُرَاقِ
فَصْلٌ وَمِمّا يُسْأَلُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ شِمَاسُ الْبُرَاقِ حِينَ رَكِبَهُ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ أَمَا تَسْتَحْيِي يَا بُرَاقُ فَمَا رَكِبَك عَبْدٌ لِلّهِ قَبْلَ مُحَمّدٍ هُوَ أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ فَقَدْ قِيلَ فِي نُفْرَتِهِ مَا قَالَهُ ابْنُ بَطّالٍ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصّحِيحِ قَالَ كَانَ ذَلِكَ لِبُعْدِ عَهْدِ الْبُرَاقِ بِالْأَنْبِيَاءِ وَطُولِ الْفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسَى وَمُحَمّدٍ عَلَيْهِمَا السّلَامُ وَرَوَى غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ سَبَبًا آخَرَ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ قَالَ جِبْرِيلُ لِمُحَمّدِ عَلَيْهِ السّلَامُ حِينَ شَمَسَ بِهِ الْبُرَاقُ لَعَلّك يَا مُحَمّدُ مَسِسْت الصّفْرَاءَ الْيَوْمَ فَأَخْبَرَهُ النّبِيّ - صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَنّهُ مَا مَسّهَا إلّا أَنّهُ مَرّ بِهَا ، فَقَالَ تَبّا لِمَنْ يَعْبُدَك مِنْ دُونِ اللّهِ وَمَا مَسّهَا إلّا لِذَلِكَ وَذَكَرَ هَذِهِ الرّوَايَةَ أَبُو سَعِيدٍ النّيْسَابُورِيّ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى ، فَاَللّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُ الصّفْرَاءِ فِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ ، وَأَنّهَا كَانَتْ صَنَمًا بَعْضُهُ مِنْ ذَهَبٍ فَكَسُرّهَا رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - يَوْمَ الْفَتْحِ وَفِي الْحَدِيثِ الّذِي خَرّجَهُ التّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقِ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيّ أَنّهُ - عَلَيْهِ السّلَامُ - حِينَ انْتَهَى إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، قَالَ جِبْرِيلُ بِإِصْبَعِهِ إلَى الصّخْرَةِ فَخَرَقَهَا فَشَدّ بِهَا الْبُرَاقَ وَصَلّى ، وَأَنّ حُذَيْفَةَ أَنْكَرَ هَذِهِ الرّوَايَةَ وَقَالَ لَمْ يَفِرّ مِنْهُ وَقَدْ سَخّرَهُ لَهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ وَفِي هَذَا مِنْ الْفِقْهِ عَلَى رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ التّنْبِيه عَلَى الْأَخْذِ بِالْحَزْمِ مَعَ صِحّة التّوَكّل ، وَأَنّ الْإِيمَانَ بِالْقَدَرِ كَمَا - رُوِيَ عَنْ وَهْب بْن مُنَبّهٍ - لَا يَمْنَعُ الْحَازِمُ مِنْ تُوقِي الْمَهَالِك . قَالَ وَهْب : وَجَدَتْهُ فِي سَبْعِينَ كِتَابًا مِنْ كُتُبِ اللّهِ الْقَدِيمَةِ [ ص 195 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَيّدْهَا وَتَوَكّلْ فَإِيمَانُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأَنّهُ قَدْ سُخّرَ لَهُ كَإِيمَانِهِ بِقَدَرِ اللّهِ وَعِلْمِهِ بِأَنّهُ سَبَقَ فِي عِلْمِ الْكِتَابِ مَا سَبَقَ وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يَتَزَوّدُ فِي أَسْفَارِهِ وَيَعُدّ السّلَاحَ فِي حُرُوبِهِ حَتّى لَقَدْ ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ . وَرَبْطُهُ لِلْبُرَاقِ فِي حَلْقَةِ الْبَابِ مِنْ هَذَا الْفَنّ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ بُرَيْدَةَ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِمَا أَعْنِي رَبْطَهُ لِلْبُرَاقِ فِي الْحَلْقَةِ الّتِي كَانَتْ تَرْبُطُهُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ غَيْرَ أَنّ الْحَدِيثَ يَرْوِيهِ دَاوُدُ بْنُ الْمُحَبّرِ وَهُوَ ضَعِيفٌ .
مَعْنَى قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ مَنْ مَعَك
مَعْنَى قَوْلِ الْمَلَائِكَةِ مَنْ مَعَك وَمِمّا يُسْأَلُ عَنْهُ قَوْلُ الْمَلَائِكَةِ فِي كُلّ سَمَاءٍ لِجِبْرِيلَ مَنْ مَعَك ، فَيَقُولُ مُحَمّدٌ فَيَقُولُونَ أَوَقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ فَيَقُولُ نَعَمْ هَكَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ فِي الصّحَاحِ ، وَمَعْنَى سُؤَالِهِمْ عَنْ الْبَعْثِ إلَيْهِ فِيمَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَيْ قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ إلَى السّمَاءِ كَمَا قَدْ وَجَدُوا فِي الْعِلْمِ أَنّهُ سَيُعْرَجُ بِهِ وَلَوْ أَرَادُوا بَعْثَهُ إلَى الْخَلْقِ لَقَالُوا : أَوَقَدْ بُعِثَ وَلَمْ يَقُولُوا إلَيْهِ مَعَ أَنّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَخْفَى عَنْ الْمَلَائِكَةِ بَعْثُهُ إلَى الْخَلْقِ فَلَا يَعْلَمُونَ بِهِ إلَى لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ . وَفِي الْحَدِيثِ الّذِي تَقَدّمَ فِي هَذَا الْكِتَابِ بَيَانٌ أَيْضًا حِينَ ذَكَرَ تَسْبِيحَ مَلَائِكَةِ السّمَاءِ السّابِعَةِ ثُمّ تَسْبِيحُ مَلَائِكَةِ كُلّ سَمَاءٍ ثُمّ يَسْأَلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا : مِمّ سَبّحْتُمْ حَتّى يَنْتَهِي السّؤَالُ إلَى مَلَائِكَةِ السّمَاءِ السّابِعَةِ فَيَقُولُونَ قَضَى رَبّنَا فِي خَلْفِهِ كَذَا ، ثُمّ يَنْتَهِي الْخَبَرُ إلَى سَمَاءِ الدّنْيَا - الْحَدِيثُ بِطُولِهِ وَفِي هَذَا مَا يَدُلّ عَلَى أَنّ الْمَلَائِكَةَ قَدْ عَلِمَتْ بِنُبُوّةِ مُحَمّدٍ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حِينَ نُبّئَ وَإِنّمَا قَالَتْ أَوَقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ أَيْ قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ بِالْبُرَاقِ كَمَا تَقَدّمَ عَلَى أَنّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنّ مَلَائِكَةَ سَمَاءِ الدّنْيَا قَالَتْ لِجِبْرِيلَ أَوَقَدْ بُعِثَ كَمَا وَقَعَ فِي السّيرَةِ وَلَيْسَ فِي أَوّلِ الْحَدِيثِ إلَيْهِ هَذَا إنّمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الرّؤْيَا الّتِي رَآهَا بِقَلْبِهِ كَمَا قَدّمْنَا ، وَأَنّ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ وَفِي هَذَا قُوّةٌ لِمَا تَقَدّمَ مِنْ أَنّ الْإِسْرَاءَ كَانَ رُؤْيَا ، ثُمّ كَانَ رُؤْيَةً وَلِذَلِكَ لَمْ نَجِدْ فِي رِوَايَةٍ مِنْ الرّوَايَاتِ أَنّ الْمَلَائِكَةَ قَالُوا : أَوَقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ إلّا فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ فَاَللّهُ أَعْلَمُ .
بَابُ الْحَفَظَةِ
[ ص 196 ] وَذَكَرَ بَابَ الْحَفَظَةِ وَأَنّ عَلَيْهِ مَلَكًا يُقَالُ لَهُ إسْمَاعِيلُ وَقَدْ جَاءَ ذِكْرُهُ فِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ وَفِيهِ أَنّ تَحْتَ يَدِهِ سَبْعُونَ أَلْفِ مَلَكٍ تَحْتَ يَدِ كُلّ مَلَكٍ سَبْعُونَ أَلْفِ مَلَكٍ هَكَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ فِي رِوَايَةِ الْحَارِثِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ : اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ مَلَكٍ هَكَذَا لَفْظُ الْحَدِيثِ وَفِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ أَيْضًا . وَذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى ، فَقَالَ لَوْ غُطّيَتْ بِوَرَقَةِ مِنْ وَرَقِهَا هَذِهِ الْأُمّةُ لَغَطّتْهُمْ وَفِي صِفَتِهَا مِنْ رِوَايَةِ الْجَمِيعِ فَإِذَا ثَمَرُهَا كَقِلَالِ هَجَرَ ، وَفِي حَدِيثِ الْقِلّتَيْنِ مِنْ كِتَابِ الطّهَارَةِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْج : إذَا كَانَ الْمَاءُ قِلّتَيْنِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ قَالُوا : وَالْقِلّتَانِ مِنْهَا تِسْعَانِ خَمْسمِائَةِ رِطْلٍ قَالَ التّرْمِذِيّ : وَذَلِكَ نَحْوٌ مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ سَلّامٍ قَالَ عَنْ بَعْضِ السّلَفِ إنّهَا سُمّيَتْ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى ، لِأَنّ رُوحَ الْمُؤْمِنِ يَنْتَهِي بِهِ إلَيْهَا ، فَتُصَلّي عَلَيْهِ هُنَالِكَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرّبُونَ . قَالَ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ عِلّيّينَ . آدَم فِي سَمَاءِ الدّنْيَا وَالْأَسْوِدَةُ الّتِي رَآهَا فَصْلٌ وَفِيهِ أَنّهُ رَأَى آدَم فِي سَمَاءِ الدّنْيَا ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَسْوِدَةٌ وَعَنْ شِمَالِهِ أَسْوِدَةٌ وَأَنّ جِبْرِيلَ أَعْلَمَهُ أَنّ الْأَسْوِدَةَ الّتِي عَنْ يَمِينِهِ هُمْ أَصْحَابُ الْيَمِينِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ : تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرّيّتِهِ فَإِذَا نَظَرَ إلَى الّذِينَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ هَذَا ، فَقِيلَ كَيْفَ رَأَى عَنْ يَمِينِهِ أَرْوَاحَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَلَمْ يَكُنْ إذْ ذَاكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ إلّا نَفَرٌ قَلِيلٌ وَلَعَلّهُ لَمْ يَكُنْ مَاتَ تِلْكَ اللّيْلَةَ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْضِي أَنّهُمْ كَانُوا جَمَاعَةً . فَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ الْإِسْرَاءُ رُؤْيَا بِقَلْبِهِ فَتَأْوِيلُهَا أَنّ ذَلِكَ سَيَكُونُ وَإِنْ كَانَتْ رُؤْيَا عَيْنٍ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ وَغَيْرُهُ بِمَعْنَاهُ أَنّ ذَلِكَ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ رَآهَا هُنَالِكَ لِأَنّ اللّهَ تَعَالَى يَتَوَفّى الْخَلْقَ فِي مَنَامِهِمْ كَمَا قَالَ فِي التّنْزِيلِ { اللّهُ يَتَوَفّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا } [ الزّمَرُ 43 ] فَصَعِدَ بِالْأَرْوَاحِ إلَى هُنَالِكَ فَرَآهَا ثُمّ أُعِيدَتْ إلَى أَجْسَادِهَا . وَجَوَابٌ آخَرُ وَهُوَ أَنّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ الّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُدّثّرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : [ ص 197 ] { إِلّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ فِي جَنّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ } [ 39 : 45 ] . قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : هُمْ الْأَطْفَالُ الّذِينَ مَاتُوا صِغَارًا ، وَلِذَلِكَ سَأَلُوا الْمُجْرِمِينَ { مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ } لِأَنّهُمْ مَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِكُفْرِ الْكَافِرِينَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصّحِيحِ أَنّ أَطْفَالَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي كِفَالَةِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلَامُ وَأَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ لِجِبْرِيلَ حِينَ رَآهُمْ فِي الرّوْضَةِ مَعَ إبْرَاهِيمَ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ فَقَالَ أَوْلَادُ الْمُؤْمِنِينَ الّذِينَ يَمُوتُونَ صِغَارًا ، فَقَالَ لَهُ وَأَوْلَادُ الْكَافِرِينَ قَالَ وَأَوْلَادُ الْكَافِرِين خَرّجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الْحَدِيثِ الطّوِيلِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ وَخَرّجَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَقَالَ فِيهِ أَوْلَادُ النّاسِ فَهُوَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوّلِ نَصّ ، وَفِي الثّانِي عُمُومٌ وَقَدْ رُوِيَ فِي أَطْفَالِ الْكَافِرِينَ أَنّهُمْ خَدَمٌ لِأَهْلِ الْجَنّةِ فَعَلَى هَذَا لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ الّذِي رَآهُ عَنْ يَمِينِ آدَم مِنْ نَسَمِ ذُرّيّتِهِ أَرْوَاحُ هَؤُلَاءِ وَفِي هَذَا مَا يَدْفَعُ تَشْعِيبَ هَذَا السّؤَالِ وَالِاعْتِرَاضِ مِنْهُ .
مِنْ حُكْمِ الْمَاءِ
فَصْلٌ وَفِيهِ شُرْبُهُ مِنْ إنَاءِ الْقَوْمِ وَهُوَ مُغَطّى ، وَالْمَاءُ وَإِنْ كَانَ لَا يُمْلَكُ وَالنّاسُ شُرَكَاءُ فِيهِ وَفِي النّارِ وَالْكَلَأِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ لَكِنْ الْمُسْتَقَى إذَا أَحْرَزَهُ فِي وِعَائِهِ فَقَدْ مَلَكَهُ فَكَيْفَ اسْتَبَاحَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شُرْبَهُ وَهُوَ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ وَأَمْلَاكُ الْكُفّارِ لَمْ تَكُنْ أُبِيحَتْ يَوْمئِذٍ وَلَا دِمَاؤُهُمْ . فَالْجَوَابُ أَنّ الْعَرَبَ فِي الْجَاهِلِيّةِ كَانَ فِي عُرْفِ الْعَادَةِ عِنْدَهُمْ إبَاحَةُ الرّسُلِ لَابْنِ السّبِيلِ فَضْلًا عَنْ الْمَاءِ وَكَانُوا يَعْهَدُونَ بِذَلِكَ إلَى رِعَائِهِمْ وَيَشْتَرِطُونَهُ عَلَيْهِمْ عِنْدَ عَقْدِ إجَارَتِهِمْ أَلّا يَمْنَعُوا الرّسُلَ وَهُوَ اللّبَنُ مِنْ أَحَدٍ مَرّ بِهِمْ وَلِلْحُكْمِ فِي الْعُرْفِ فِي الشّرِيعَةِ أُصُولٌ تَشْهَدُ لَهُ وَقَدْ تَرْجَمَ الْبُخَارِيّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ وَخَرّجَ حَدِيثَ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ ، وَفِيهِ خُذِي مَا يَكْفِيك وَوَلَدَك بِالْمَعْرُوف
الصّفّاتُ الّتِي وَصَفَ بِهَا النّبِيّ بَعْضَ الرّسُلِ
[ ص 197 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَزَعَمَ الزّهْرِيّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَصَفَ [ ص 198 ] وَمُوسَى وَعِيسَى حِينَ رَآهُمْ فِي تِلْكَ اللّيْلَةِ فَقَالَ أَمّا إبْرَاهِيمُ فَلَمْ أَرَ رَجُلًا أَشْبَهَ بِصَاحِبِكُمْ وَلَا صَاحِبُكُمْ أَشْبَهَ بِهِ مِنْهُ وَأَمّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَم طَوِيلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ أَفَتَى كَأَنّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ وَأَمّا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، فَرَجُلٌ أَحْمَرُ بَيْنَ الْقَصِيرِ وَالطّوِيلِ سَبْطُ الشّعْرِ كَثِيرُ خِيلَانِ الْوَجْهِ كَأَنّهُ خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ تَخَالُ رَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً وَلَيْسَ بِهِ مَاءٌ أَشَبَهُ رِجَالِكُمْ بِهِ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثّقَفِيّ
Sعَنْ دُخُولِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَصِفَةُ الْأَنْبِيَاءِ
فَصْلٌ وَذَكَرَ فِيهِ أَنّهُ دَخَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ ، وَوَجَدَ فِيهِ نَفَرًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَصَلّى بِهِمْ وَفِي [ ص 198 ] أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ صَلّى بِهِمْ وَقَالَ مَا زَالَ مِنْ ظَهْرِ الْبُرَاقِ حَتّى رَأَى الْجَنّةَ وَالنّارَ وَمَا وَعَدَهُ اللّهُ تَعَالَى ، ثُمّ عَادَ إلَى الْأَرْضِ وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ مَقْبُولَةٌ وَرِوَايَةُ مَنْ أَثْبَتَ مُقَدّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ مَنْ نَفَى ، وَذَكَرَ فِيهِ صِفَةَ الْأَنْبِيَاءِ وَقَالَ فِي عِيسَى : كَأَنّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ مَاءً وَلَيْسَ بِهِ مَاءٌ وَكَأَنّهُ خَرَجَ مِنْ دِيمَاس وَالدّيمَاسُ الْحَمّامُ وَأَصْلُهُ دِمَاسٌ وَيُجْمَعُ عَلَى دَمَامِيسَ وَقَدْ قِيلَ فِي جَمْعِهِ دَيَامِيسُ وَمِثْلُهُ قِيرَاطٌ وَدِينَارٌ وَدِيبَاجٌ الْأَصْلُ فِيهَا كُلّهَا : التّضْعِيفُ ثُمّ قُلِبَ الْحَرْفُ الْمُدْغَمُ يَاءً فَلَمّا جَمَعُوا وَصَغّرُوا ، رَدّوهُ إلَى أَصْلِهِ فَقَالُوا : قَرَارِيطُ وَدَنَانِيرُ [ وَقُرَيْرِيطٌ وَدُنَيْنِيرٌ ] ، غَيْرَ أَنّهُمْ لَمْ يَقُولُوا : دَنَانِيرُ وَلَا قَيَارِيط ، كَمَا قَالُوا : دَيَامِيسُ وَقَالُوا : دَبَابِيجُ وَدَبَابِيجُ وَأَصْلُ الدّمْسِ التّغْطِيَةُ وَمِنْهُ لَيْلٌ دَامِسٌ وَفِي هَذِهِ الصّفّةِ مِنْ صِفَاتِ عِيسَى عَلَيْهِ السّلَامُ إشَارَةٌ إلَى الرّيّ وَالْخِصْبِ الّذِي يَكُونُ فِي أَيّامِهِ إذْ أُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ فِي صِفَةِ مُوسَى أَنّهُ آدَم طُوَالٌ وَلِوَصْفِهِ إيّاهُ بِالْأَدْمَةِ أَصْلٌ فِي كِتَابِ اللّهِ تَعَالَى ، قَالَهُ الطّبَرِيّ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ { تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ } قَالَ فِي خُرُوجِ يَدِهِ بَيْضَاءَ آيَةٌ فِي أَنْ خَرَجَتْ بَيْضَاءَ مُخَالِفًا لَوْنُهَا لِسَائِرِ لَوْنِ جَسَدِهِ وَذَلِكَ دَلِيلٌ بَيْنَ عَلَى الْأَدْمَةِ الّتِي هِيَ خِلَافُ الْبَيَاضِ . وَذَكَرَ إبْرَاهِيمَ فَقَالَ لَمْ أَرَ رَجُلًا أَشَبَهَ بِصَاحِبِكُمْ وَلَا صَاحِبُكُمْ أَشَبَهَ بِهِ مِنْه يَعْنِي : نَفْسَهُ وَفِي آخِرِ هَذَا الْكَلَامِ إشْكَالٌ مِنْ أَجْلِ أَنْ أَشَبَهَ مَنْصُوبٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلَكِنْ إذَا فَهِمْت مَعْنَاهُ عَرَفْت إعْرَابَهُ وَمَعْنَاهُ لَمْ أَرَ رَجُلًا أَشَبَهَ بِصَاحِبِكُمْ وَلَا صَاحِبُكُمْ بِهِ مِنْهُ ثُمّ كَرّرَ أَشَبَهَ تَوْكِيدًا فَصَارَتْ لَغْوًا كَالْمُقْحَمِ وَصَاحِبُكُمْ مَعْطُوفٌ عَلَى الضّمِيرِ الّذِي فِي أَشَبَهَ الْأَوّلِ الّذِي هُوَ نَعْتٌ لِرَجُلِ وَحَسُنَ الْعَطْفُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُؤَكّدْ بِهُوَ كَمَا حَسُنَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : [ ص 199 ] { مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا } مِنْ أَجْلِ الْفَصْلِ بِلَا النّافِيَةِ وَلَوْ أُسْقِطَ مِنْ الْكَلَامِ أَشَبَهَ الثّانِي ، لَكَانَ حَسَنًا جِدّا ، وَلَوْ أَخّرَ صَاحِبُكُمْ فَقَالَ وَلَا أَشَبَهَ بِهِ صَاحِبُكُمْ مِنْهُ لَجَازَ وَيَكُونُ فَاعِلًا بِأَشْبَهَ الثّانِيَةِ وَيَكُونُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِمْ مَا رَأَيْت رَجُلًا أَحْسَنَ فِي عَيْنِهِ الْكُحْلُ مِنْ زَيْدٍ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ عَذْرَاءُ لَمْ تَفْتَرِعْهَا أَيْدِي النّحَاةِ بَعْدُ وَلَمْ يَشْفِ مِنْهَا مُتَقَدّمٌ مِنْهُمْ وَلَا مُتَأَخّرٌ مَنْ رَأَيْنَا كَلَامَهُ فِيهَا وَقَدْ أَمْلَيْنَا فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ فِيهَا تَحْقِيقًا شَافِيًا .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ [ ص 199 ] وَكَانَتْ صِفَةُ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِيمَا - ذَكَرَ عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ كَانَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السّلَامُ إذَا نَعَتَ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ لَمْ يَكُنْ بِالطّوِيلِ الْمُمّغِطِ ، وَلَا الْقَصِيرِ الْمُتَرَدّدِ وَكَانَ رَبْعَةً مِنْ الْقَوْمِ ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَلَا السّبْطِ كَانَ جَعْدًا رَجُلًا ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهّمِ وَلَا الْمُكَلْثَمِ وَكَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا ، أَدْعَجَ الْعَيْنَيْنِ أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ جَلِيلَ الْمُشَاشِ الْكَتَدِ دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ أَجْرَدَ شَثْنَ الْكَفّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ إذَا مَشَى تَقَلّعَ ، كَأَنّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النّبُوّةِ وَهُوَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَاتَمُ النّبِيّينَ أَجْوَدَ النّاسِ كَفّا ، وَأَجْرَأَ النّاسِ صَدْرًا ، وَأَصْدَقَ النّاسِ لَهْجَةً وَأَوْفَى النّاسِ ذِمّةً وَأَلْيَنَهُمْ عَرِيكَةً وَأَكْرَمَهُمْ عِشْرَةً مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً هَابَهُ وَمَنْ خَالَطَهُ أَحَبّهُ يَقُولُ نَاعَتْهُ لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَSصِفَةُ النّبِيّ فَصْلٌ وَذَكَرَ فِي صِفَةِ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مِمّا نَعَتَهُ بِهِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - فَقَالَ لَمْ يَكُنْ بِالطّوِيلِ الْمُمّغِطِ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَذَكَرَ الْأَوْصَافَ إلَى آخِرِهَا وَقَدْ شَرَحَهَا أَبُو عُبَيْدٍ ، فَقَالَ عَنْ الْأَصْمَعِيّ ، وَالْكِسَائِيّ وَأَبِي عَمْرٍو وَغَيْرِ وَاحِدٍ قَوْلُهُ لَيْسَ بِالطّوِيلِ الْمُمّعِطِ أَيْ لَيْسَ بِالْبَائِنِ الطّوِيلِ وَلَا الْقَصِيرِ الْمُتَرَدّدِ يَعْنِي : الّذِي تَرَدّدَ خَلْقُهُ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَهُوَ مُجْتَمَعٌ لَيْسَ بِسَبْطِ الْخَلْقِ يَقُولُ فَلَيْسَ هُوَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ رَبْعَةٌ بَيْنَ الرّجُلَيْنِ وَهَكَذَا صِفَتُهُ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ ضَرَبَ اللّحْمُ بَيْنَ الرّجُلَيْنِ . وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِالْمُطَهّمِ قَالَ الْأَصْمَعِيّ : هُوَ التّامّ كُلّ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى حِدَتِهِ فَهُوَ بَارِعُ الْجَمَالِ وَقَالَ غَيْرُ الْأَصْمَعِيّ الْمُكَلْثَمُ الْمُدَوّرُ الْوَجْهُ يَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنّهُ مَسْنُونٌ وَقَوْله : مُشْرَبٌ يَعْنِي الّذِي أُشْرِبَ حُمْرَةً وَالْأَدْعَجُ الْعَيْنُ الشّدِيدُ سَوَادِ الْعَيْنِ قَالَ الْأَصْمَعِيّ : الدّعْجَةُ هِيَ السّوَادُ وَالْجَلِيلُ الْمُشَاشُ : الْعَظِيمُ الْعِظَامِ مِثْلَ الرّكْبَتَيْنِ وَالْمِرْفَقَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ وَقَوْلُهُ الْكَتَدُ هُوَ الْكَاهِلُ وَمَا يَلِيهِ مِنْ جَسَدِهِ وَقَوْلُهُ شَثْنُ الْكَفّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ يَعْنِي : أَنّهُمَا [ ص 200 ] وَقَوْلُهُ لَيْسَ بِالسّبْطِ وَلَا الْجَعْدِ الْقَطَطِ فَالْقَطَطُ الشّدِيدُ الْجُعُودَةُ مِثْلُ شُعُورِ الْحَبَشَةِ ، وَوَقَعَ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِأَبِي عُبَيْدٍ التّامّ كُلّ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى حِدَتِهِ . يَقُول : لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنّهُ بَارِعُ الْجَمَالِ فَهَذِهِ الْكَلِمَةُ أَعْنِي : لَيْسَ كَذَلِكَ مُخِلّةً بِالشّرْحِ وَقَدْ وَجَدْته فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ بِإِسْقَاطِ يَقُولُ كَذَلِكَ وَلَكِنْ عَلَى نَصّ ذَكَرْنَاهُ آنِفًا . [ ص 201 ]
رُؤْيَةُ النّبِيّ رَبّهُ
فَصْلٌ وَقَدْ تَكَلّمَ الْعُلَمَاءُ فِي رُؤْيَةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِرَبّهِ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ فَرَوَى مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ أَنّهَا أَنْكَرَتْ أَنْ يَكُونَ رَآهُ وَقَالَتْ مَنْ زَعَمَ أَنّ مُحَمّدًا رَأَى رَبّهُ ، فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللّهِ الْفِرْيَةَ وَاحْتَجّتْ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ } [ الْأَنْعَامَ 103 ] وَفِي مُصَنّفِ التّرْمِذِي ّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنّهُ رَآهُ قَالَ كَعْبٌ إنّ اللّهَ قَسّمَ رُؤْيَتَهُ وَكَلَامَهُ بَيْنَ مُوسَى وَمُحَمّدٍ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي ذَرّ قُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ هَلْ رَأَيْت رَبّك ؟ قَالَ رَأَيْت نُورًا ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مِنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ أَنّهُ قَالَ نُورًا أَنّى أَرَاهُ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ شَافٍ أَنّهُ رَآهُ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيّ أَنّهُ قَالَ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ وَفِي تَفْسِيرِ النّقّاشِ عَنْ ابْنِ حَنْبَلٍ أَنّهُ سُئِلَ هَلْ رَأَى مُحَمّدٌ رَبّهُ فَقَالَ رَآهُ رَآهُ رَآهُ حَتّى انْقَطَعَ صَوْتُهُ وَفِي تَفْسِيرِ عَبْدِ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزّهْرِيّ وَذَكَرَ إنْكَارَ عَائِشَةَ أَنّهُ رَآهُ فَقَالَ الزّهْرِيّ : لَيْسَتْ عَائِشَةُ أَعْلَمَ عِنْدَنَا مِنْ ابْنِ عَبّاسٍ ، وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ سَلَامٍ عَنْ عُرْوَةَ أَنّهُ كَانَ إذْ ذُكِرَ إنْكَارُ عَائِشَةَ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - رَأَى رَبّهُ يَشْتَدّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ رَآهُ ؟ رَوَى يُونُسُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ قَالَ سَأَلَ مَرْوَانُ أَبَا هُرَيْرَةَ هَلْ رَأَى مُحَمّدٌ رَبّهُ ؟ قَالَ نَعَمْ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ أَنّ ابْنَ عُمَرَ أَرْسَلَ إلَى ابْنِ عَبّاسٍ يَسْأَلُهُ هَلْ رَأَى مُحَمّدٌ رَبّهُ ؟ فَقَالَ نَعَمْ رَآهُ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَكَيْفَ رَآهُ فَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ كَلَامًا كَرِهْت أَنْ أُورِدَهُ بِلَفْظِهِ لِمَا يُوهِمُ مِنْ التّشْبِيهِ وَلَوْ صَحّ لَكَانَ لَهُ تَأْوِيلٌ وَاَللّهُ أَعْلَمُ وَالتّحْصِيلُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - أَنّهُ رَآهُ لَا عَلَى أَكْمَلِ مَا تَكُونُ الرّؤْيَةُ عَلَى نَحْوِ مَا يَرَاهُ فِي حَظِيرَةِ الْقُدْسِ عِنْدَ الْكَرَامَةِ الْعُظْمَى وَالنّعِيمِ الْأَكْبَرِ وَلَكِنْ دُونَ ذَلِكَ وَإِلَى هَذَا يُومِي قَوْلُهُ رَأَيْت نُورًا وَنُورًا أَنّى أَرَاهُ فِي الرّؤْيَةِ الْأُخْرَى وَاَللّهُ أَعْلَمُ . [ ص 202 ] وَأَمّا الدّنُوّ وَالتّدَلّي فَهُمَا خَبَرٌ عَنْ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - عَنْ بَعْضِ الْمُفَسّرِينَ وَقِيلَ إنّ الّذِي تَدَلّى هُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ تَدَلّى إلَى مُحَمّدٍ حَتّى دَنَا مِنْهُ وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ أَيْضًا ، وَفِي الْجَامِعِ الصّحِيحِ فِي إحْدَى الرّوَايَاتِ مِنْهُ فَتَدَلّى الْجَبّارُ وَهَذَا مَعَ صِحّةِ نَقْلِهِ لَا يَكَادُ أَحَدٌ مِنْ الْمُفَسّرِينَ يَذْكُرُهُ لِاسْتِحَالَةِ ظَاهِرِهِ أَوْ لِلْغَفْلَةِ عَنْ مَوْضِعِهِ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ لِأَنّ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ إنْ كَانَ رُؤْيَا رَآهَا بِقَلْبِهِ وَعَيْنُهُ نَائِمَةٌ - كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فَلَا إشْكَالَ فِيمَا يَرَاهُ فِي نَوْمِهِ عَلَيْهِ السّلَامُ فَقَدْ رَآهُ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ وَوَضَعَ كَفّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ حَتّى وَجَدَ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ رَوَاهُ التّرْمِذِيّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ وَلَمّا كَانَتْ هَذِهِ رُؤْيَا لَمْ يُنْكِرْهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا اسْتَبْشَعَهَا ، وَقَدْ بَيّنّا آنِفًا أَنّ حَدِيثَ الْإِسْرَاءِ كَانَ رُؤْيَا ثُمّ كَانَ يَقَظَةً فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ فَتَدَلّى الْجَبّارُ فِي الْمَرّةِ الّتِي كَانَ فِيهَا غَيْرَ نَائِمٍ وَكَانَ الْإِسْرَاءُ بِجَسَدِهِ فَيُقَالُ فِيهِ مِنْ التّأْوِيلِ مَا يُقَالُ فِي قَوْلِهِ يَنْزِلُ رَبّنَا كُلّ لَيْلَةٍ إلَى سَمَاءِ الدّنْيَا فَلَيْسَ بِأَبْعَدَ مِنْهُ فِي بَابِ التّأْوِيلِ فَلَا نَكَارَةَ فِيهِ كَانَ فِي نَوْمٍ أَوْ يَقَظَةٍ وَقَدْ أَشَرْنَا إلَى تَمَامِ هَذَا الْمَعْنَى فِي شَرْحِ مَا تَضَمّنَهُ لَفْظُ الْقَوْسَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ قَابَ قَوْسَيْنِ فِي جُزْءٍ أَمْلَيْنَاهُ فِي شَرْحِ سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ تَضَمّنَ لَطَائِفَ مِنْ مَعْنَى التّقْدِيسِ وَالتّسْبِيحِ فَلْيُنْظَرْ هُنَاكَ وَأَمْلَيْنَا أَيْضًا فِي مَعْنَى رُؤْيَةِ الرّبّ سُبْحَانَهُ فِي الْمَنَامِ وَفِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ مَسْأَلَةً لِقِنَاعِ الْحَقِيقَةِ فِي ذَلِكَ كَاشِفَةً فَمَنْ أَرَادَ فَهْمَ الرّؤْيَةِ وَالرّؤْيَا فَلْيَنْظُرْهَا هُنَالِكَ وَيُقَوّي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَعْنَى إضَافَةِ التّدَلّي إلَى الرّبّ سُبْحَانَهُ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبُخَارِيّ مَا رَوَاهُ ابْنُ سُنْجُرَ مُسْنَدًا إلَى شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ ، قَالَ لَمّا صَعِدَ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إلَى السّمَاءِ فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ، فَلَمّا أَحَسّ جِبْرِيلُ بِدُنُوّ الرّبّ خَرّ سَاجِدًا ، فَلَمْ يَزَلْ يُسَبّحُ سُبْحَانَ رَبّ الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ وَالْكِبْرِيَاءِ وَالْعَظَمَةِ حَتّى قَضَى اللّهُ إلَى عَبْدِهِ مَا قَضَى ، قَالَ ثُمّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَرَأَيْته فِي خَلْقِهِ الّذِي خُلِقَ عَلَيْهِ مَنْظُومًا أَجْنِحَتُهُ بِالزّبَرْجَدِ وَاللّؤْلُؤِ وَالْيَاقُوتِ فَخُيّلَ إلَيّ أَنّ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ قَدْ سَدّ الْأُفُقَيْنِ وَكُنْت لَا أَرَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ إلّا عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ وَكُنْت أَكْثَرَ مَا أَرَاهُ عَلَى صُورَةِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ وَكَانَ أَحْيَانًا لَا يَرَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ إلّا كَمَا يَرَى الرّجُلُ صَاحِبَهُ مِنْ وَرَاءِ الْغِرْبَالِ . [ ص 203 ]
لِقَاؤُهُ لِلنّبِيّينَ
فَصْلٌ وَمِمّا سُئِلَ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ وَتَكَلّمَ فِيهِ لِقَاؤُهُ لِآدَمَ فِي السّمَاءِ الدّنْيَا ، وَلِإِبْرَاهِيمَ فِي السّمَاءِ السّابِعَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ الّذِينَ لَقِيَهُمْ فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ السّمَاءَيْنِ وَالْحِكْمَةُ فِي اخْتِصَاصِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالسّمَاءِ الّتِي رَآهُ فِيهَا ، وَسُؤَالٌ آخَرُ فِي اخْتِصَاصِ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ بِاللّقَاءِ دُونَ غَيْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ رَأَى الْأَنْبِيَاءَ كُلّهُمْ فَمَا الْحِكْمَةُ فِي اخْتِصَاصِ هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ بِالذّكْرِ ؟ وَقَدْ تَكَلّمَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ بَطّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيّ عَلَى هَذَا السّؤَالِ فَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا ، وَمَغْزَى كَلَامِهِ الّذِي أَشَارَ إلَيْهِ أَنّ الْأَنْبِيَاءَ لَمّا عَلِمُوا بِقُدُومِهِ عَلَيْهِمْ ابْتَدَرُوا إلَى لِقَائِهِ ابْتِدَارَ أَهْلِ الْغَائِبِ لِلْغَائِبِ الْقَادِمِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَسْرَعَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْطَأَ . إلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ وَاَلّذِي أَقُولُ فِي هَذَا : إنّ مَأْخَذَ فَهْمِهِ مِنْ عِلْمِ التّعْبِيرِ فَإِنّهُ مِنْ عِلْمِ [ ص 204 ] حَالَ ذَلِكَ النّبِيّ مِنْ شِدّةٍ أَوْ رَخَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ الّتِي أُخْبِرَ بِهَا عَنْ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ. وَحَدِيثُ الْإِسْرَاءِ كَانَ بِمَكّةَ وَهِيَ حَرَمُ اللّهِ وَأَمْنُهُ وَقُطّانُهَا جِيرَانُ اللّهِ لِأَنّ فِيهَا بَيْتَهُ فَأَوّلُ مَا رَأَى عَلَيْهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ آدَمُ الّذِي كَانَ فِي أَمْنِ اللّهِ وَجِوَارِهِ فَأَخْرَجَهُ عَدُوّهُ إبْلِيسُ مِنْهَا ، وَهَذِهِ الْقِصّةُ تُشْبِهُهَا الْحَالَةُ الْأُولَى مِنْ أَحْوَالِ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حِينَ أَخْرَجَهُ أَعْدَاؤُهُ مِنْ حَرَمِ اللّهِ وَجِوَارِ بَيْتِهِ فَكَرَبَهُ ذَلِكَ وَغَمّهُ . وَأَشْبَهَتْ قِصّتُهُ فِي هَذَا قِصّةَ آدَمَ مَعَ أَنّ آدَمَ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرّيّتِهِ الْبَرّ وَالْفَاجِرِ مِنْهُمْ فَكَانَ فِي السّمَاءِ الدّنْيَا بِحَيْثُ يَرَى الْفَرِيقَيْنِ لِأَنّ أَرْوَاحَ أَهْلِ الشّقَاءِ لَا تَلِجُ فِي السّمَاءِ وَلَا تُفَتّحُ لَهُمْ أَبْوَابُهَا كَمَا قَالَ اللّهُ تَعَالَى ، ثُمّ رَأَى فِي الثّانِيَةِ عِيسَى وَيَحْيَى وَهُمَا الْمُمْتَحَنَانِ بِالْيَهُودِ أَمَا عِيسَى فَكَذّبَتْهُ الْيَهُودُ وَآذَتْهُ وَهَمّوا بِقَتْلِهِ فَرَفَعَهُ اللّهُ وَأَمّا يَحْيَى فَقَتَلُوهُ وَرَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بَعْدَ انْتِقَالِهِ إلَى الْمَدِينَةِ صَارَ إلَى حَالَةٍ ثَانِيَةٍ مِنْ الِامْتِحَانِ وَكَانَتْ مِحْنَتُهُ فِيهَا بِالْيَهُودِ آذَوْهُ وَظَاهَرُوا عَلَيْهِ وَهَمّوا بِإِلْقَاءِ الصّخْرَةِ عَلَيْهِ لِيَقْتُلُوهُ فَنَجّاهُ اللّهُ تَعَالَى كَمَا نَجّى عِيسَى مِنْهُمْ ثُمّ سَمّوهُ فِي الشّاةِ فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ الْأَكْلَةُ تُعَاوِدُهُ حَتّى قَطَعَتْ أَبْهَرَهُ كَمَا قَالَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَهَكَذَا فَعَلُوا بِابْنَيْ الْخَالَةِ عِيسَى وَيَحْيَى ، لِأَنّ أُمّ يَحْيَى أَشْيَاعُ بِنْتُ عِمْرَانَ أُخْتُ مَرْيَمَ ، أُمّهُمَا : حَنّةُ وَأَمّا لِقَاؤُهُ لِيُوسُفَ فِي السّمَاءِ الثّالِثَةِ فَإِنّهُ يُؤْذِنُ بِحَالَةِ ثَالِثَةٍ تُشْبِهُ حَالَ يُوسُفَ ، وَذَلِك بِأَنّ يُوسُفَ ظَفِرَ بِإِخْوَتِهِ بَعْدَمَا أَخْرَجُوهُ مِنْ بَيْنِ ظَهْرَانَيْهِمْ فَصَفَحَ عَنْهُمْ وَقَالَ { لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ } الْآيَةَ وَكَذَلِك نَبِيّنَا - عَلَيْهِ السّلَامُ - أَسَرَ يَوْمَ بَدْرٍ جُمْلَةً مِنْ أَقَارِبِهِ الّذِينَ أَخْرَجُوهُ فِيهِمْ عَمّهُ الْعَبّاسُ وَابْنُ عَمّهِ عَقِيلٌ فَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ وَمِنْهُمْ مَنْ قَبِلَ فِدَاءَهُ ثُمّ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ عَامَ الْفَتْحِ فَجَمَعَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ أَقُولُ مَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ { لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ } ثُمّ لِقَاؤُهُ لِإِدْرِيسَ فِي السّمَاءِ الرّابِعَةِ وَهُوَ الْمَكَانُ الّذِي سَمّاهُ اللّهُ مَكَانًا عَلِيّا ، وَإِدْرِيسُ أَوّلُ مَنْ آتَاهُ اللّهُ الْخَطّ بِالْقَلَمِ فَكَانَ ذَلِكَ مُؤْذِنًا بِحَالَةِ رَابِعَةٍ وَهِيَ عُلُوّ شَأْنِهِ - عَلَيْهِ السّلَامُ - حَتّى أَخَافَ الْمُلُوكَ وَكَتَبَ إلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إلَى طَاعَتِهِ حَتّى قَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَهُوَ عِنْدَ مَلِكِ الرّومِ ، حِين جَاءَهُ كِتَابٌ لِلنّبِيّ - عَلَيْهِ السّلَامُ - وَرَأَى [ ص 205 ] هِرَقْلَ : لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ ، حَتّى أَصْبَحَ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الْأَصْفَرِ وَكُتِبَ عَنْهُ بِالْقَلَمِ إلَى جَمِيعِ مُلُوكِ الْأَرْضِ فَمِنْهُمْ مَنْ اتّبَعَهُ عَلَى دِينِهِ كَالنّجَاشِيّ وَمَلِكِ عُمَانَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ هَادَنَهُ وَأَهْدَى إلَيْهِ وَأَتْحَفَهُ كَهِرَقْلَ وَالْمُقَوْقَسِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَعَصّى عَلَيْهِ فَأَظْهَرَهُ اللّهُ عَلَيْهِ فَهَذَا مَقَامٌ عَلِيّ ، وَخَطّ بِالْقَلَمِ كَنَحْوِ مَا أُوتِيَ إدْرِيسُ - عَلَيْهِ السّلَامُ - وَلِقَاؤُهُ فِي السّمَاءِ الْخَامِسَةِ لِهَارُونَ الْمُحَبّبِ فِي قَوْمِهِ يُؤْذِنُ بِحُبّ قُرَيْشٍ ، وَجَمِيعِ الْعَرَبِ لَهُ بَعْدَ بُغْضِهِمْ فِيهِ وَلِقَاؤُهُ فِي السّمَاءِ السّادِسَةِ لِمُوسَى يُؤْذِنُ بِحَالَةِ تُشْبِهُ حَالَةَ مُوسَى حِينَ أَمَرَ بِغَزْوِ الشّامِ فَظَهَرَ عَلَى الْجَبَابِرَةِ الّذِينَ كَانُوا فِيهَا ، وَأَدْخَلَ بَنِي إسْرَائِيلَ الْبَلَدَ الّذِي خَرَجُوا مِنْهُ بَعْدَ إهْلَاكِ عَدُوّهِمْ وَكَذَلِك غَزَا رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - تَبُوكَ مِنْ أَرْضِ الشّامِ ، وَظَهَرَ عَلَى صَاحِبِ دَوْمَةَ حَتّى صَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ بَعْد أَنْ أُتِيَ بِهِ أَسِيرًا ، وَافْتَتَحَ مَكّةَ ، وَدَخَلَ أَصْحَابُهُ الْبَلَدَ الّذِي خَرَجُوا مِنْهُ ثُمّ لِقَاؤُهُ فِي السّمَاءِ السّابِعَةِ لِإِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ السّلَامُ - لِحِكْمَتَيْنِ إحْدَاهُمَا : أَنّهُ رَآهُ عِنْدَ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلَيْهِ وَالْبَيْتُ الْمَعْمُورُ حِيَالَ مَكّةَ ، وَإِلَيْهِ تَحُجّ الْمَلَائِكَةُ كَمَا أَنّ إبْرَاهِيمَ هُوَ الّذِي بَنَى الْكَعْبَةَ ، وَأَذّنَ فِي النّاسِ بِالْحَجّ إلَيْهَا وَالْحِكْمَةُ الثّانِيَةُ أَنّ آخِرَ أَحْوَالِ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حَجّهُ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ ، وَحَجّ مَعَهُ نَحْوٌ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرُؤْيَةُ إبْرَاهِيمَ عِنْدَ أَهْلِ التّأْوِيلِ تُؤْذِنُ بِالْحَجّ لِأَنّهُ الدّاعِي إلَيْهِ وَالرّافِعُ لِقَوَاعِدِ الْكَعْبَةِ الْمَحْجُوبَةِ فَقَدْ انْتَظَمَ فِي هَذَا الْكَلَامِ الْجَوَابُ عَنْ السّؤَالَيْنِ الْمُتَقَدّمَيْنِ أَحَدُهُمَا : السّؤَالُ عَنْ تَخْصِيصِ هَؤُلَاءِ بِالذّكْرِ وَالْآخَرُ السّؤَالُ عَنْ تَخْصِيصِهِمْ بِهَذِهِ الْأَمَاكِنِ مِنْ السّمَاءِ الدّنْيَا إلَى السّابِعَةِ وَكَانَ الْحَزْمُ تَرْكَ التّكَلّفِ لِتَأْوِيلِ مَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصّ عَنْ السّلَفِ وَلَكِنْ عَارَضَ هَذَا الْغَرَضُ مَا يَجِبُ مِنْ التّفْكِيرِ فِي حِكْمَةِ اللّهِ وَالتّدَبّرِ لِآيَاتِ اللّهِ وَقَوْلُ اللّهِ تَعَالَى : { إِنّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكّرُونَ } وَقَدْ رُوِيَ أَنّ " تَفَكّرَ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَة " مَا لَمْ يَكُنْ النّظَرُ وَالتّفْكِيرُ مُجَرّدًا مِنْ مُلَاحَظَةِ الْكِتَابِ وَالسّنّةِ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَعِنْدَ [ ص 206 ] عَصَمَنَا اللّهُ - تَعَالَى - مِنْ ذَلِكَ وَجَعَلَنَا مِنْ الْمُمْتَثِلِينَ لِأَمْرِهِ حَيْثُ يَقُولُ { فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ } وَلْيَدّبّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ وَلَوْلَا إسْرَاعُ النّاسِ إلَى إنْكَارِ مَا جَهِلُوهُ وَغِلَظُ الطّبَاعِ عَنْ فَهْمِ كَثِيرٍ مِنْ الْحِكْمَةِ لَأَبْدَيْنَا مِنْ سِرّ هَذَا السّؤَالِ وَكَشَفْنَا عَنْ الْحِكْمَةِ فِي هَؤُلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْمَرَاتِبِ أَكْثَرَ مِمّا كَشَفْنَا .
الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ
فَصْلٌ وَذَكَرَ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ ، وَأَنّهُ يَدْخُلُهُ كُلّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ رَوَى ابْنُ سُنْجُرَ عَنْ عَلِيّ - رَحِمَهُ اللّهُ - قَالَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ بَيْتٌ فِي السّمَاءِ السّابِعَةِ يُقَالُ لَهُ الضّرَاحُ وَاسْمُ السّمَاءِ السّابِعَةِ عَرِيبَا رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ بِإِسْنَادِ صَحِيحٍ إلَى وَهْبِ بْنِ مُنَبّهٍ قَالَ مَنْ قَرَأَ الْبَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَانَ لَهُ نُورٌ يَمْلَأُ مَا بَيْنَ عَرِيبَاءَ وَجَرِيبَاءَ وَجَرِيبَا ، وَهِيَ الْأَرْضُ السّابِعَةُ وَذَكَرَ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي الْهُذَيْلِ قَالَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ دِحْيَةٍ عِنْدَ كُلّ دِحْيَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو التّيّاحِ [ يَزِيدُ الضّبَعِيّ ] قَالَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْت مَا الدّحْيَةُ ؟ قَالَ الرّئِيسُ وَرَوَى ابْنُ سُنْجُرَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ فِي السّمَاءِ السّابِعَةِ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ الْمَعْمُورُ بِحِيَالِ مَكّةَ ، وَفِي السّمَاءِ السّابِعَةِ نَهَرٌ يُقَالُ لَهُ الْحَيَوَانُ يَدْخُلُهُ جِبْرِيلُ كُلّ يَوْمٍ فَيَنْغَمِسُ فِيهِ انْغِمَاسَةً ثُمّ يَخْرُجُ فَيَنْتَفِضُ انْتِفَاضَةً يَخِرّ عَنْهُ سَبْعُونَ أَلْفَ قَطْرَةٍ يَخْلُقُ اللّهُ مِنْ كُلّ قَطْرَةٍ مَلَكًا وَيُؤْمَرُونَ أَنْ يَأْتُوا الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ وَيُصَلّوا فِيهِ فَيَفْعَلُونَ ثُمّ يَخْرُجُونَ فَلَا يَعُودُونَ إلَيْهِ أَبَدًا ، [ وَ ] يُوَلّى عَلَيْهِمْ أَحَدُهُمْ يُؤْمَرُ أَنْ يَقِفَ بِهِمْ مِنْ السّمَاءِ مَوْقِفًا يُسَبّحُونَ اللّهَ [ فِيهِ ] إلَى أَنْ تَقُومَ السّاعَةُ " .
حَدِيثُ أُمّ هَانِئٍ عَنْ الْإِسْرَاءِ
[ ص 200 ] قَالَ مُحَمّدُ بْنُ إسْحَاقَ وَكَانَ - فِيمَا بَلَغَنِي - عَنْ أُمّ هَانِئٍ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا - وَاسْمُهَا : هِنْدٌ - فِي مَسْرَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهَا كَانَتْ تَقُولُ مَا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إلّا وَهُوَ فِي بَيْتِي ، نَائِمٌ عِنْدِي تِلْكَ اللّيْلَةَ فِي بَيْتِي ، فَصَلّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ ثُمّ نَامَ وَنِمْنَا ، فَلَمّا كَانَ قُبَيْلَ الْفَجْرِ أَهَبّنَا رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَلَمّا صَلّى الصّبْحَ وَصَلّيْنَا مَعَهُ قَالَ " يَا أُمّ هَانِئٍ لَقَدْ صَلّيْت مَعَكُمْ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ كَمَا رَأَيْت بِهَذَا الْوَادِي ، ثُمّ جِئْت بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلّيْت فِيهِ ثُمّ قَدْ صَلّيْت صَلَاةَ الْغَدَاةِ مَعَكُمْ الْآنَ كَمَا تَرَيْنَ " ، ثُمّ قَامَ لِيَخْرُجَ فَأَخَذْت بِطَرَفِ رِدَائِهِ فَتَكَشّفَ عَنْ بَطْنِهِ كَأَنّهُ قِبْطِيّةٌ مَطْوِيّةٌ فَقُلْت لَهُ يَا نَبِيّ اللّهِ لَا تُحَدّثُ بِهَذَا النّاسَ فَيُكَذّبُوك وَيُؤْذُوك ، قَالَ " وَاَللّهِ لَأُحدّثُنّهموه " . قَالَتْ فَقُلْت لِجَارِيَةِ لِي حَبَشِيّةٍ وَيْحَك اتّبِعِي رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حَتّى تَسْمَعِي مَا يَقُولُ النّاسُ وَمَا يَقُولُونَ لَهُ . فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إلَى النّاسِ أَخْبَرَهُمْ فَعَجِبُوا وَقَالُوا : مَا آيَةُ ذَلِكَ يَا مُحَمّدُ ؟ فَإِنّا لَمْ نَسْمَعْ بِمِثْلِ هَذَا قَطّ ، قَالَ " آيَةُ ذَلِكَ أَنّي مَرَرْت بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ بِوَادِي كَذَا وَكَذَا ، فَأَنْفَرَهُمْ حِسّ الدّابّةِ فَنَدّ لَهُمْ بَعِيرٌ فَدَلَلْتهمْ عَلَيْهِ وَأَنَا مُوَجّهٌ إلَى الشّامِ . ثُمّ أَقْبَلْت حَتّى إذَا كُنْت بِضَجَنَانَ مَرَرْت بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ فَوَجَدْت الْقَوْمَ نِيَامًا ، وَلَهُمْ إنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ قَدْ غَطّوْا عَلَيْهِ بِشَيْءِ فَكَشَفْت غِطَاءَهُ وَشَرِبْت مَا فِيهِ ثُمّ غَطّيْت عَلَيْهِ كَمَا كَانَ وَآيَةُ ذَلِكَ أَنّ عِيرَهُمْ الْآنَ تَصُوبُ مِنْ الْبَيْضَاءِ ، ثَنِيّةُ التّنْعِيمِ يَقْدَمُهَا جَمْلٌ أَوْرَقُ عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ إحْدَاهُمَا سَوْدَاءُ وَالْأُخْرَى بَرْقَاءُ " . قَالَتْ فَابْتَدَرَ الْقَوْمُ الثّنِيّةَ ، فَلَمْ يَلْقَهُمْ أَوّلُ مِنْ الْجَمَلِ كَمَا وُصِفَ لَهُمْ وَسَأَلُوهُمْ عَنْ الْإِنَاءِ فَأَخْبَرُوهُمْ أَنّهُمْ وَضَعُوهُ مَمْلُوءًا مَاءً ثُمّ غَطّوْهُ وَأَنّهُمْ هَبّوا فَوَجَدُوهُ مُغَطّى كَمَا غَطّوْهُ وَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ مَاءً . وَسَأَلُوا الْآخَرِينَ وَهُمْ بِمَكّةَ فَقَالُوا : صَدَقَ وَاَللّهِ لَقَدْ أُنْفِرْنَا فِي الْوَادِي الّذِي ذَكَرَهُ وَنَدّ لَنَا بَعِيرٌ فَسَمِعْنَا صَوْتَ رَجُلٍ يَدْعُونَا إلَيْهِ حَتّى أَخَذْنَاهُ . فَقُلْت لِجِبْرِيلَ يَا جِبْرِيلُ مُرْهُ فَلْيَرُدّهَا إلَى مَكَانِهَا . قَالَ فَأَمَرَهُ فَقَالَ لَهَا : اُخْبِي ، فَرَجَعَتْ إلَى مَكَانِهَا الّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ . فَمَا شَبّهْت رُجُوعَهَا إلّا وُقُوعِ الظّلّ . حَتّى إذَا دَخَلَتْ مِنْ حَيْثُ خَرَجَتْ رَدّ عَلَيْهَا غِطَاءَهَا [ ص 201 ] قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ فِي حَدِيثِهِ إنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ " لَمّا دَخَلْت السّمَاءَ الدّنْيَا ، رَأَيْت بِهَا رَجُلًا جَالِسًا تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ فَيَقُولُ لِبَعْضِهَا ، إذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَيُسَرّ بِهِ وَيَقُولُ رُوحٌ طَيّبَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ طَيّبٍ وَيَقُولُ لِبَعْضِهَا إذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ أُفّ وَيَعْبِسُ بِوَجْهِهِ وَيَقُولُ رُوحٌ خَبِيثَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ خَبِيثٍ . قَالَ قُلْت : مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ هَذَا أَبُوك آدَمُ ، تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرّيّتِهِ فَإِذَا مَرّتْ بَهْ رُوحُ الْمُؤْمِنِ مِنْهُمْ سُرّ بِهَا : وَقَالَ رُوحٌ طَيّبَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ طَيّبٍ . وَإِذَا مَرّتْ بِهِ رُوحُ الْكَافِرِ مِنْهُمْ أَفّفَ مِنْهَا ، وَكَرِهَهَا ، وَسَاءَ ذَلِكَ وَقَالَ رُوحٌ خَبِيثَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ خَبِيثٍ [ ص 202 ] قَالَ ثُمّ رَأَيْت رِجَالًا لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ الْإِبِلِ فِي أَيْدِيهِمْ قِطَعٌ مِنْ نَارٍ كَالْأَفْهَارِ يَقْذِفُونَهَا فِي أَفْوَاهِهِمْ فَتَخْرُجُ مِنْ أَدْبَارِهِمْ . فَقُلْت : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ظُلْمًا [ ص 203 ] قَالَ ثُمّ رَأَيْت رِجَالًا لَهُمْ بُطُونٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قَطّ بِسَبِيلِ آلِ فِرْعَوْنَ ، يَمُرّونَ عَلَيْهِمْ كَالْإِبِلِ الْمَهْيُومَةِ حِينَ يُعْرَضُونَ عَلَى النّارِ يَطَئُونَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَتَحَوّلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ ذَلِكَ . قَالَ قُلْت : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ الرّبَا . قَالَ ثُمّ رَأَيْت رِجَالًا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَحْمٌ ثَمِينٌ طَيّبٌ إلَى جَنْبِهِ لَحْمٌ غَثّ مُنْتِنٌ يَأْكُلُونَ مِنْ الْغَثّ الْمُنْتِنِ وَيَتْرُكُونَ السّمِينَ الطّيّبَ . قَالَ قُلْت : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ هَؤُلَاءِ الّذِينَ يَتْرُكُونَ مَا أَحَلّ اللّهُ لَهُمْ مِنْ النّسَاءِ وَيَذْهَبُونَ إلَى مَا حَرّمَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْهُنّ . قَالَ ثُمّ رَأَيْت نِسَاءً مُعَلّقَاتٍ بِثُدِيّهِنّ فَقُلْت : مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ هَؤُلَاءِ اللّاتِي أَدْخَلْنَ عَلَى الرّجَالِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرٍو ، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ " اشْتَدّ غَضَبُ اللّهِ عَلَى امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ فَأَكَلَ حَرَائِبَهُمْ وَاطّلَعَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ " . عَوْدٌ إلَى حَدِيثِ الْخُدْرِيّ ثُمّ رَجَعَ إلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ " ثُمّ أَصْعَدَنِي إلَى السّمَاءِ الثّانِيَةِ ، فَإِذَا فِيهَا ابْنَا الْخَالَةِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيّا ، قَالَ ثُمّ أَصْعَدَنِي إلَى السّمَاءِ الثّالِثَةِ فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ صُورَتُهُ كَصُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ قَالَ قُلْت : مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ هَذَا أَخُوك يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ . قَالَ ثُمّ أَصْعَدَنِي [ ص 204 ] الرّابِعَةِ فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ فَسَأَلْته : مَنْ هُوَ ؟ قَالَ هَذَا إدْرِيسُ - قَالَ يَقُولُ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - { وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيّا } - قَالَ ثُمّ أَصْعَدَنِي إلَى السّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَإِذَا فِيهَا كَهْلٌ أَبْيَضُ الرّأْسِ وَاللّحْيَةِ عَظِيمُ الْعُثْلُونِ لَمْ أَرَ كَهْلًا أَجْمَلَ مِنْهُ قَالَ قُلْت : مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ هَذَا الْمُحَبّبُ فِي قَوْمِهِ هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ ، قَالَ ثُمّ أَصْعَدَنِي إلَى السّمَاءِ السّادِسَةِ فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ آدَمُ طَوِيلٌ أَقْنَى كَأَنّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ فَقُلْت لَهُ مَنْ هَذَا يَا [ ص 205 ] قَالَ هَذَا أَخُوك مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ . ثُمّ أَصْعَدَنِي إلَى السّمَاءِ السّابِعَةِ فَإِذَا فِيهَا كَهْلٌ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيّ إلَى بَابِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ ، يَدْخُلُهُ كُلّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَرْجِعُونَ فِيهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . لَمْ أَرَ رَجُلًا أَشْبَهَ بِصَاحِبِكُمْ وَلَا صَاحِبَكُمْ أَشْبَهَ بِهِ مِنْهُ [ ص 206 ] قَالَ قُلْت : مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ هَذَا أَبُوك إبْرَاهِيمُ . قَالَ ثُمّ دَخَلَ بِي الْجَنّةَ فَرَأَيْت فِيهَا جَارِيَةً لَعْسَاءَ فَسَأَلْتهَا : لِمَنْ أَنْتِ ؟ وَقَدْ أَعْجَبَتْنِي حِينَ رَأَيْتهَا ، فَقَالَتْ لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَبَشّرَ بِهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ " [ ص 207 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - عَنْ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِيمَا بَلَغَنِي : أَنّ جِبْرِيلَ لَمْ يَصْعَدْ بِهِ إلَى سَمَاءٍ مِنْ السّمَوَاتِ إلّا قَالُوا لَهُ حِينَ يَسْتَأْذِنُ فِي دُخُولِهَا : مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ فَيَقُولُ مُحَمّدٌ فَيَقُولُونَ أوَ قَدْ بُعِثَ ؟ [ ص 208 ] حَيّاهُ اللّهُ مِنْ أَخ وَصَاحِبٍ حَتّى انْتَهَى بِهِ إلَى السّمَاءِ السّابِعَةِ ثُمّ انْتَهَى بِهِ إلَى رَبّهِ فَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلّ يَوْمٍ
قَالَ [ ص 209 ] قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 210 ] فَأَقْبَلْت رَاجِعًا ، فَلَمّا مَرَرْت بِمُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَنِعْمَ الصّاحِبُ كَانَ لَكُمْ سَأَلَنِي كَمْ فُرِضَ عَلَيْك مِنْ الصّلَاةِ ؟ فَقُلْت خَمْسِينَ صَلَاةً كُلّ يَوْمٍ فَقَالَ إنّ الصّلَاةَ ثَقِيلَةٌ وَإِنّ أُمّتَك ضَعِيفَةٌ فَارْجِعْ إلَى رَبّك ، فَاسْأَلْهُ أَنْ يُخَفّفَ عَنْك وَعَنْ أُمّتِك . فَرَجَعْت فَسَأَلْت رَبّي أَنْ يُخَفّفَ عَنّي ، وَعَنْ أُمّتِي ، فَوَضَعَ عَنّي عَشْرًا . ثُمّ انْصَرَفْت فَمَرَرْت عَلَى مُوسَى فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ فَرَجَعْت فَسَأَلْت رَبّي ، فَوَضَعَ عَنّي عَشْرًا . ثُمّ انْصَرَفْت ، فَمَرَرْت عَلَى مُوسَى ، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ فَرَجَعْت فَسَأَلْته فَوَضَعَ [ ص 211 ] قَالَ فَارْجِعْ فَاسْأَلْ حَتّى انْتَهَيْت إلَى أَنْ وُضِعَ ذَلِكَ عَنّي ، إلّا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ . ثُمّ رَجَعْت إلَى [ ص 212 ] مُوسَى ، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ فَقُلْت : قَدْ رَاجَعْت رَبّي وَسَأَلْته ، حَتّى اسْتَحْيَيْت مِنْهُ فَمَا أَنَا بِفَاعِلِ " ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابِ دَلَائِلِ النّبُوّةِ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ [ ص 213 ] فَمَنْ أَدّاهُنّ مِنْكُمْ إيمَانًا بِهِنّ وَاحْتِسَابًا لَهُنّ كَانَ لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً . رَوَاهُ . وَفِي الْحَدِيثِ غَرَابَةٌ وَنَكَارَةٌSفَرْضُ الصّلَاةِ
فَصْلٌ وَأَمّا فَرْضُ الصّلَاةِ عَلَيْهِ هُنَالِكَ فَفِيهِ التّنْبِيهُ عَلَى فَضْلِهَا ، حَيْثُ لَمْ تُفْرَضْ إلّا فِي الْحَضْرَةِ الْمُقَدّسَةِ وَلِذَلِكَ كَانَتْ الطّهَارَةُ مِنْ شَأْنِهَا ، وَمِنْ شَرَائِطِ أَدَائِهَا ، وَالتّنْبِيهِ عَلَى أَنّهَا مُنَاجَاةُ الرّبّ وَأَنّ الرّبّ تَعَالَى مُقْبِلٌ بِوَجْهِهِ عَلَى الْمُصَلّي يُنَاجِيهِ يَقُولُ حَمِدَنِي عَبْدِي ، [ ص 207 ] زَمْزَمَ كَمَا يَتَطَهّرُ الْمُصَلّي لِلصّلَاةِ وَأُخْرِجَ عَنْ الدّنْيَا بِجِسْمِهِ كَمَا يَخْرُجُ الْمُصَلّي عَنْ الدّنْيَا بِقَلْبِهِ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ كُلّ شَيْءٍ إلّا مُنَاجَاةُ رَبّهِ وَتَوَجّهُهُ إلَى قِبْلَتِهِ فِي ذَلِكَ الْحِينِ وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ ، وَرُفِعَ إلَى السّمَاءِ كَمَا يَرْفَعُ الْمُصَلّي يَدَيْهِ إلَى جِهَةِ السّمَاءِ إشَارَةً إلَى الْقِبْلَةِ الْعُلْيَا فَهِيَ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ، وَإِلَى جِهَةِ عَرْشِ مَنْ يُنَاجِيهِ وَيُصَلّي لَهُ سُبْحَانَهُ .
فَرْضُ الصّلَوَاتِ خَمْسِينَ
فَصْلٌ وَأَمّا فَرْضُ الصّلَوَاتِ خَمْسِينَ ثُمّ حَطّ مِنْهَا عَشْرًا بَعْدَ عَشْرٍ إلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ . وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا أَنّهَا حُطّتْ خَمْسًا بَعْدَ خَمْسٍ وَقَدْ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرّوَايَتَيْنِ لِدُخُولِ الْخَمْسِ فِي الْعَشْرِ فَقَدْ تُكُلّمَ فِي هَذَا النّقْصِ مِنْ الْفَرِيضَةِ أَهُوَ نَسْخٌ أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فَقَالَ قَوْمٌ هُوَ مِنْ بَابِ نَسْخِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ الْعَمَلِ بِهَا ، وَأَنْكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ النّحّاسُ هَذَا الْقَوْلَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْبِنَاءُ عَلَى أَصْلِهِ وَمَذْهَبِهِ فِي أَنّ الْعِبَادَةَ لَا يَجُوزُ نَسْخُهَا قَبْلَ الْعَمَلِ بِهَا ، لِأَنّ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنْ الْبَدَاءِ وَالْبَدَاءُ مُحَالٌ عَلَى اللّهِ سُبْحَانَهُ . الثّانِي : أَنّ الْعِبَادَةَ إنْ جَازَ نَسْخُهَا قَبْلَ الْعَمَلِ بِهَا عِنْدَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ فَلَيْسَ يَجُوزُ عِنْدَ أَحَدٍ نَسْخُهَا قَبْلَ هُبُوطِهَا إلَى الْأَرْضِ وَوُصُولِهَا إلَى الْمُخَاطَبِينَ قَالَ وَإِنّمَا ادّعَى النّسْخَ فِي هَذِهِ الصّلَوَاتِ الْمَوْضُوعَةِ عَنْ مُحَمّدٍ وَأُمّتِهِ الْقَاشَانِيّ ، لِيُصَحّحَ بِذَلِكَ مَذْهَبَهُ فِي أَنّ الْبَيَانَ لَا يَتَأَخّرُ ثُمّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ إنّمَا هِيَ شَفَاعَةٌ شَفَعَهَا رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - لِأُمّتِهِ وَمُرَاجَعَةٌ رَاجَعَهَا رَبّهُ لِيُخَفّفَ عَنْ أُمّتِهِ وَلَا يُسَمّى مِثْلُ هَذَا نَسْخًا . قَالَ الْمُؤَلّفُ أَمّا مَذْهَبُهُ فِي أَنّ الْعِبَادَةَ لَا تُنْسَخُ قَبْلَ الْعَمَلِ بِهَا ، وَأَنّ ذَلِكَ بَدَاءٌ فَلَيْسَ بِصَحِيحِ لِأَنّ حَقِيقَةَ الْبَدَاءِ أَنْ يَبْدُوَ لِلْآمِرِ رَأْيٌ يَتَبَيّنُ لَهُ الصّوَابُ فِيهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ تَبَيّنَهُ وَهَذَا مُحَالٌ فِي حَقّ مَنْ يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ بِعِلْمِ قَدِيمٍ وَلَيْسَ النّسْخُ مِنْ هَذَا فِي شَيْءٍ إنّمَا النّسْخُ تَبْدِيلُ حُكْمٍ بِحُكْمِ وَالْكُلّ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ وَمُقْتَضَى حِكْمَتِهِ كَنَسْخِهِ الْمَرَضَ بِالصّحّةِ وَالصّحّةِ بِالْمَرَضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَيْضًا بِأَنّ الْعَبْدَ الْمَأْمُورَ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ تَوَجّهِ الْأَمْرِ إلَيْهِ [ ص 208 ] كَانَ وَاجِبًا فَإِنْ نُسِخَ الْحُكْمُ قَبْلَ الْفِعْلِ فَقَدْ حَصَلَتْ فَائِدَتَانِ الْعَزْمُ وَاعْتِقَادُ الْوُجُوبِ . وَعَلِمَ اللّهُ ذَلِكَ مِنْهُ فَصَحّ امْتِحَانُهُ لَهُ وَاخْتِبَارُهُ إيّاهُ وَأَوْقَعَ الْجَزَاءَ عَلَى حَسَبِ مَا عَلِمَ مِنْ نِيّتِهِ وَإِنّمَا الّذِي لَا يَجُوزُ نَسْخُ الْأَمْرِ قَبْلَ نُزُولِهِ وَقَبْلَ عِلْمِ الْمُخَاطَبِ بِهِ وَاَلّذِي ذَكَرَ النّحّاسُ مِنْ نَسْخِ الْعِبَادَةِ بَعْدَ الْعَمَلِ بِهَا ، فَلَيْسَ هُوَ حَقِيقَةَ النّسْخِ لِأَنّ الْعِبَادَةَ الْمَأْمُورَ بِهَا قَدْ مَضَتْ وَإِنّمَا جَاءَ الْخِطَابُ بِالنّهْيِ عَنْ عَمَلِهَا لَا عَنْهَا ، وَقَوْلُنَا فِي الْخَمْسِ وَالْأَرْبَعِينَ صَلَاةً الْمَوْضُوعَةِ عَنْ مُحَمّدٍ وَأُمّتِهِ أَحَدُ وَجْهَيْنِ إمّا أَنْ يَكُونَ نُسِخَ مَا وَجَبَ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ أَدَائِهَا وَرُفِعَ عَنْهُ اسْتِمْرَارُ الْعَزْمِ وَاعْتِقَادُ الْوُجُوبِ وَهَذَا قَدْ قَدّمْنَا أَنّهُ نَسْخٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَنُسِخَ عَنْهُ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ التّبْلِيغِ فَقَدْ كَانَ فِي كُلّ مَرّةٍ عَازِمًا عَلَى تَبْلِيغِ مَا أُمِرَ بِهِ وَقَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ إنّمَا كَانَ شَافِعًا وَمُرَاجِعًا يَنْفِي النّسْخَ فَإِنّ النّسْخَ قَدْ يَكُونُ عَنْ سَبَبٍ مَعْلُومٍ فَشَفَاعَتُهُ عَلَيْهِ السّلَامُ لِأُمّتِهِ كَانَتْ سَبَبًا لِلنّسْخِ لَا مُبْطِلَةً لِحَقِيقَتِهِ وَلَكِنّ الْمَنْسُوخَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ التّبْلِيغِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ قَبْلَ النّسْخِ وَحُكْمِ الصّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي خَاصّتِهِ وَأَمّا أُمّتُهُ فَلَمْ يُنْسَخْ عَنْهُمْ حُكْمٌ إذْ لَا يُتَصَوّرُ نَسْخُ الْحُكْمِ قَبْلَ بُلُوغِهِ إلَى الْمَأْمُورِ كَمَا قَدّمْنَا ، وَهَذَا كُلّهُ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي الْحَدِيثِ . وَالْوَجْهُ الثّانِي أَنْ يَكُونَ هَذَا خَبَرًا لَا تَعَبّدًا ، وَإِذَا كَانَ خَبَرًا لَمْ يَدْخُلْهُ النّسْخُ وَمَعْنَى الْخَبَرِ أَنّهُ عَلَيْهِ السّلَامُ أَخْبَرَهُ رَبّهُ أَنّ عَلَى أُمّتِهِ خَمْسِينَ صَلَاةً وَمَعْنَاهُ أَنّهَا خَمْسُونَ فِي اللّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَكَذَلِك قَالَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ هِيَ خَمْسٌ وَهِيَ خَمْسُونَ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَتَأَوّلَهُ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - عَلَى أَنّهَا خَمْسُونَ بِالْفِعْلِ فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُ رَبّهُ حَتّى بَيّنَ لَهُ أَنّهَا خَمْسُونَ فِي الثّوَابِ لَا بِالْعَمَلِ . فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى نَقْضِهَا عَشْرًا بَعْدَ عَشْرٍ ؟ قُلْنَا : لَيْسَ كُلّ الْخَلْقِ يَحْضُرُ قَلْبُهُ فِي الصّلَاةِ مِنْ أَوّلِهَا إلَى آخِرِهَا ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنّهُ يُكْتَبُ لَهُ مِنْهَا مَا حَضَرَ قَلْبُهُ فِيهَا ، وَأَنّ الْعَبْدَ يُصَلّي الصّلَاةَ فَيُكْتَبُ لَهُ نِصْفُهَا رُبُعُهَا حَتّى انْتَهَى إلَى عُشْرِهَا ، وَوَقَفَ فَهِيَ خَمْسٌ فِي حَقّ مَنْ كُتِبَ لَهُ عُشْرُهَا ، وَعَشْرٌ فِي حَقّ مَنْ كُتِبَ لَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَخَمْسُونَ فِي حَقّ مَنْ كَمُلَتْ صَلَاتُهُ وَأَدّاهَا بِمَا يَلْزَمُهُ مِنْ تَمَامِ خُشُوعِهَا وَكَمَالِ سُجُودِهَا وَرُكُوعِهَا .
أَوْصَافٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ
فَصْلٌ وَذَكَرَ أَنّهُ عَلَيْهِ السّلَامُ لَمْ يَلْقَهُ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إلّا ضَاحِكًا مُسْتَبْشِرًا إلّا مَالِكًا خَازِنَ جَهَنّمَ وَذَلِكَ أَنّهُ لَمْ يَضْحَكْ لِأَحَدِ قَبْلَهُ وَلَا هُوَ ضَاحِكٌ لِأَحَدِ وَمِصْدَاقُ هَذَا فِي [ ص 209 ] قَالَ اللّهُ سُبْحَانَهُ { عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ } [ التّحْرِيمَ 60 ] وَهُمْ مُوكَلُونَ بِغَضَبِ اللّهِ تَعَالَى فَالْغَضَبُ لَا يُزَايِلُهُمْ أَبَدًا ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعَارَضَةٌ لِلْحَدِيثِ الّذِي فِي صِفَةِ مِيكَائِيلَ أَنّهُ مَا ضَحِكَ مُنْذُ خَلَقَ اللّهُ جَهَنّمَ وَكَذَلِكَ يُعَارِضُهُ مَا خَرّجَ الدّارَقُطْنِيّ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - تَبَسّمَ فِي الصّلَاةِ فَلَمّا انْصَرَفَ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ " رَأَيْت مِيكَائِيلَ رَاجِعًا مِنْ طَلَبِ الْقَوْمِ عَلَى جَنَاحَيْهِ الْغُبَارُ فَضَحِكَ إلَيّ فَتَبَسّمْت إلَيْه " وَإِذَا صَحّ الْحَدِيثَانِ فَوَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا : أَنْ يَكُونَ لَمْ يَضْحَكْ مُنْذُ خَلَقَ اللّهُ النّارَ إلَى هَذِهِ الْمُدّةِ الّتِي ضَحِكَ فِيهَا لِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَيَكُونُ الْحَدِيثُ عَامّا يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ أَوْ يَكُونُ الْحَدِيثُ الْأَوّلُ حَدّثَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَبْلَ هَذَا الْحَدِيثِ الْأَخِيرِ ثُمّ حَدّثَ بَعْدُ بِمَا حَدّثَ بِهِ مِنْ ضَحِكِهِ إلَيْهِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ وَلَمْ يَرَ مَالِكًا عَلَى الصّورَةِ الّتِي يَرَاهُ عَلَيْهَا الْمُعَذّبُونَ فِي الْآخِرَةِ وَلَوْ رَآهُ عَلَى تِلْكَ الصّورَةِ مَا اسْتَطَاعَ أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ .
أَكَلَةُ الرّبَا فِي رُؤْيَا الْمِعْرَاجِ
وَذَكَرَ أَكَلَةَ الرّبَا وَأَنّهُمْ بِسَبِيلِ آلِ فِرْعَوْنَ يَمُرّونَ عَلَيْهِمْ كَالْإِبِلِ الْمَهْيُومَةِ وَهِيَ الْعِطَاشُ وَالْهُيَامُ شِدّةُ الْعَطَشِ وَكَانَ قِيَاسُ هَذَا الْوَصْفِ أَلّا يُقَالَ فِيهِ مَهْيُومَةٌ كَمَا لَا يُقَالُ مَعْطُوشَةٌ إنّمَا يُقَالُ هَائِمٌ وَهَيْمَانُ وَقَدْ يُقَالُ هَيُومٌ وَيُجْمَعُ عَلَى هِيمٍ وَوَزْنُهُ فُعْلٌ بِالضّمّ لَكِنْ كُسِرَ مِنْ أَجْلِ الْيَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ } [ الْوَاقِعَةَ 55 ] وَلَكِنْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَهْيُومَةٌ كَأَنّهُ شَيْءٌ فُعِلَ بِهَا كَالْمَحْمُومَةِ وَالْمَجْنُونَةِ وَكَالْمَنْهُومِ وَهُوَ الّذِي لَا يَشْبَعُ وَكَانَ قِيَاسُ الْيَاءِ أَنْ تَعْتَلّ فَيُقَالَ مَهِيمَةٌ كَمَا يُقَالُ مَبِيعَةٌ فِي مَعْنَى مَبْيُوعَةٍ وَلَكِنْ صَحّتْ الْيَاءُ لِأَنّهَا فِي مَعْنَى الْهَيُومَةِ كَمَا صَحّتْ الْوَاوُ فِي عُورٍ لِأَنّهُ فِي مَعْنَى أَعْوَرَ كَمَا صَحّتْ فِي اجْتَوَرُوا لِأَنّهُ فِي مَعْنَى : تَجَاوَرُوا ، وَإِنّمَا رَآهُمْ مُنْتَفِخَةً بُطُونُهُمْ لِأَنّ الْعُقُوبَةَ مُشَاكِلَةٌ لِلذّنْبِ فَآكِلُ الرّبَا يَرْبُو بَطْنُهُ كَمَا أَرَادَ أَنْ يَرْبُوَ مَالُهُ بِأَكْلِ مَا حُرّمَ عَلَيْهِ فَمُحِقَتْ الْبَرَكَةُ مِنْ مَالِهِ وَجُعِلَتْ نَفْخًا فِي بَطْنِهِ حَتّى يَقُومَ كَمَا يَقُومُ الّذِي يَتَخَبّطُهُ الشّيْطَانُ مِنْ الْمَسّ وَإِنّمَا جُعِلُوا بِطَرِيقِ آلِ فِرْعَوْنَ يَمُرّونَ عَلَيْهِمْ غُدُوّا وَعَشِيّا لِأَنّ آلَ فِرْعَوْنَ هُمْ أَشَدّ النّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ { أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدّ الْعَذَابِ } [ غَافِرَ 46 ] . فَخُصّوا بِسَبِيلِهِمْ لِيُعْلَمَ أَنّ الّذِينَ هُمْ أَشَدّ النّاسِ عَذَابًا يَطَئُونَهُمْ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفّارِ وَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْقِيَامَ [ ص 210 ] فَيَكُونَ خَيْرًا لَهُمْ وَبَيْنَ أَنْ يَعُودُوا وَيُصِرّوا ، فَيُدْخِلَهُمْ النّارَ وَهَذِهِ صِفَةُ مَنْ هُوَ فِي طَرِيقِ النّارِ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ } [ الْبَقَرَةَ 275 ] . إلَى آخِرِ الْآيَةِ وَفِي بَعْضِ الْمُسْنَدَاتِ أَنّهُ رَأَى بُطُونَهُمْ كَالْبُيُوتِ يَعْنِي : أَكَلَةَ الرّبَا ، وَفِيهَا حَيّاتٌ تُرَى خَارِجَ الْبُطُونِ . فَإِنْ قِيلَ هَذِهِ الْأَحْوَالُ الّتِي وَصَفَهَا عَنْ أَكَلَةِ الرّبَا إنْ كَانَتْ عِبَارَةً عَنْ حَالِهِمْ فِي الْآخِرَةِ قَالَ فِرْعَوْنُ فِي الْآخِرَةِ قَدْ أُدْخِلُوا أَشَدّ الْعَذَابِ وَإِنّمَا يُعْرَضُونَ عَلَى النّارِ غُدُوّا وَعَشِيّا فِي الْبَرْزَخِ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْحَالُ الّتِي رَآهُمْ عَلَيْهَا فِي الْبَرْزَخِ فَأَيّ بُطُونٍ لَهُمْ وَقَدْ صَارُوا عِظَامًا وَرُفَاتًا ، وَمُزّقُوا كُلّ مُمَزّقٍ فَالْجَوَابُ أَنّهُ إنّمَا رَآهُمْ فِي الْبَرْزَخِ لِأَنّهُ حَدِيثٌ عَمّا رَأَى ، وَهَذِهِ الْحَالُ هِيَ حَالُ أَرْوَاحِهِمْ بَعْدَ الْمَوْتِ وَفِيهَا تَصْحِيحٌ لِمَنْ قَالَ الْأَرْوَاحُ أَجْسَادٌ لَطِيفَةٌ قَابِلَةٌ لِلنّعِيمِ وَالْعَذَابِ فَيَخْلُقُ اللّهُ فِي تِلْكَ الْأَرْوَاحِ مِنْ الْآلَامِ مَا يَجِدُهُ مَنْ انْتَفَخَ بَطْنُهُ حَتّى وُطِئَ بِالْأَقْدَامِ وَلَا يَسْتَطِيعُ مِنْ قِيَامٍ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُمْ أَشَدّ عَذَابًا مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ، وَلَكِنْ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُمْ يَطَؤُهُمْ آلُ فِرْعَوْنَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْكُفّارِ الّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا الرّبَا مَا دَامُوا فِي الْبَرْزَخِ إلَى أَنْ يَقُومُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَمَا يَقُومُ الّذِي يَتَخَبّطُهُ الشّيْطَانُ مِنْ الْمَسّ ثُمّ يُنَادِي مُنَادِي اللّهِ { أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدّ الْعَذَابِ } [ غَافِرَ 46 ] وَكَذَلِكَ مَا رَأَى مِنْ النّسَاءِ الْمُعَلّقَاتِ بِثُدِيّهِنّ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأَى أَرْوَاحَهُنّ وَقَدْ خُلِقَ فِيهَا مِنْ الْآلَامِ مَا يَجِدُهُ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ وَيَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ مُثّلَتْ لَهُ حَالُهُنّ فِي الْآخِرَةِ وَذَكَرَ الّذِينَ يَدْعُونَ مَا أَحَلّ اللّهُ مِنْ نِسَائِهِمْ وَيَأْتُونَ مَا حُرّمَ عَلَيْهِمْ وَهَذَا نَصّ عَلَى تَحْرِيمِ إتْيَانِ النّسَاءِ فِي أَعْجَازِهِنّ وَقَدْ قَامَ الدّلِيلُ عَلَى تَحْرِيمِهِ مِنْ الْكِتَابِ وَالسّنّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَوَاضِعَ الّتِي يَقُومُ مِنْهَا التّحْرِيمُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ كِتَابِ اللّهِ وَمِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَذَكَرْنَا مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ مِنْ قَوْلِهِ هُوَ الْكُفْرُ وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ هُوَ اللّوطِيّةُ الصّغْرَى وَأَمّا الْإِجْمَاعُ فَإِنّ الْمَرْأَةَ تُرَدّ بِدَاءِ الْفَرْجِ وَلَوْ جَازَ وَطْؤُهَا فِي الْمَسْلَكِ الْآخَرِ مَا أَجْمَعُوا عَلَى رَدّهَا بِدَاءِ الْفَرْجِ وَقَدْ مَهّدْنَا الْأَدِلّةَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُفْرَدَةً فِي غَيْرِ هَذَا الْإِمْلَاءِ بِمَا فِيهِ شِفَاءٌ وَالْحَمْدُ لِلّهِ . الْوَلَدُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ وَقَوْلُهُ فَأَكَلَ حَرَائِبَهُمْ الْحَرِيبَةُ الْمَالُ وَهُوَ مِنْ الْحَرْبِ وَهُوَ السّلَبُ يُرِيدُ أَنّ الْوَلَدَ إذَا كَانَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ نُسِبَ إلَى الّذِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ فَيَأْكُلُ مِنْ مَالِهِ صَغِيرًا ، وَيَنْظُرُ إلَى بَنَاتِهِ [ ص 211 ] أَخَوَاتِهِ وَلَسْنَ بِعَمّاتِ لَهُ وَإِلَى أُمّهِ وَلَيْسَتْ بِجَدّةِ لَهُ وَهَذَا فَسَادٌ كَبِيرٌ وَإِنّمَا قُدّمَ ذِكْرُ الْأَكْلِ مِنْ حَرِيبَتِهِ وَمَالِهِ قَبْلَ الِاطّلَاعِ عَلَى عَوْرَاتِهِ وَإِنْ كَانَ الِاطّلَاعُ عَلَى الْعَوْرَاتِ أَشْنَعَ لِأَنّ نَفَقَتَهُ عَلَيْهِ أَوّلُ مِنْ حَالِ صِغَرِهِ ثُمّ قَدْ يَبْلُغُ حَدّ الِاطّلَاعِ عَلَى عَوْرَاتِهِ أَوْ لَا يَبْلُغُ وَأَيْضًا فَإِنّ الْأُمّ أَرْضَعَتْهُ بِلِبَانِهَا ، وَلَمْ تَدْفَعْهُ إلَى مُرْضِعَةٍ كَانَ الزّوْجُ أَبًا لَهُ مِنْ الرّضَاعَةِ وَكَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الِابْنِ مِنْ الرّضَاعَةِ وَفِي ذَلِكَ نُقْصَانٌ مِنْ الشّنَاعَةِ فَإِنْ بَلَغَ الصّبِيّ ، وَتَابَتْ الْأُمّ ، وَأَعْلَمَتْهُ أَنّهُ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ لِيَسْتَعِفّ عَنْ مِيرَاثِهِمْ وَيَكُفّ عَنْ الِاطّلَاعِ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ أَوْ عَلِمَ ذَلِكَ بِقَرِينَةِ حَالٍ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ شَرّ الثّلَاثَةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فِي ابْنِ الزّنَا ، وَقَدْ تُؤُوّلَ حَدِيثُ شَرّ الثّلَاثَةِ عَلَى وُجُوهٍ هَذَا أَقْرَبُهَا إلَى الصّوَابِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السّلَامُ أَكَلَ حَرَائِبَهُمْ وَاطّلَعَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ وَمَنْ فَعَلَ هَذَا عَنْ عَمْدٍ وَقَصْدٍ فَهُوَ شَرّ النّاسِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ فَأَكْلُهُ وَاطّلَاعُهُ شَرّ عَمَلٍ وَأَبَوَاهُ حِينَ زَنَيَا فَارَقَا ذَلِكَ الْعَمَلَ الْخَبِيثَ لِحِينِهِمَا وَالِابْنُ فِي عَمَلٍ خَبِيثٍ مِنْ مَنْشَئِهِ إلَى وَفَاتِهِ فَعَمَلُهُ شَرّ عَمَلٍ .
حُكْمُ الْحَاكِمِ لَا يُحِلّ الْحَرَامَ
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفِقْهِ أَيْضًا أَنّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِلّ حَرَامًا ، وَذَلِكَ أَنّ الْوَلَدَ فِي حُكْمِ الشّرِيعَةِ لِلْفِرَاشِ إلّا أَنْ يُنْفَى بِاللّعَانِ فَإِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِهَذَا ، وَعَلِمَ الْوَلَدُ عِنْدَ بُلُوغِهِ خِلَافَ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ لَمْ يَحِلّ لَهُ بِهَذَا الْحُكْمِ مَا حَرّمَ اللّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَكْلِ الْحَرَائِبِ وَالِاطّلَاعِ عَلَى الْعَوْرَاتِ وَفِي هَذَا رَدّ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ قَوْلِهِ إنّ حُكْمَ الْحَاكِمِ قَدْ يُحِلّ مَا يَعْلَمُ أَنّهُ حَرَامٌ مِثْلُ أَنْ يَشْهَدَ شَاهِدَانِ عَلَى رَجُلٍ أَنّهُ طَلّقَ وَهُمَا يَعْلَمَانِ أَنّهُ لَمْ يُطَلّقْ فَيَقْبَلَ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمَا فَيُطَلّقَ الْمَرْأَةَ عَلَى الرّجُلِ فَإِذَا بَانَتْ مِنْهُ كَانَ لِأَحَدِ الشّاهِدَيْنِ أَنْ يَنْكِحَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِأَنّهُ قَدْ شَهِدَ زُورًا ، لَمْ يَقُلْ أَبُو حَنِيفَةَ بِهَذَا الْقَوْلِ فِي الْأَمْوَالِ لِقَوْلِ النّبِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ " إنّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إلَيّ وَلَعَلّ أَحَدَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجّتِهِ مِنْ صَاحِبِهِ فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْت لَهُ بِشَيْءِ مِنْ حَقّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النّارِ " فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ الّذِي تَقَدّمَ رَدّ لِمَذْهَبِهِ وَلَا حُجّةَ لَهُ فِي أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِالْأَمْوَالِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّ الْقِيَاسَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِهِ وَقِيَاسُ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاحِدٌ الثّانِي : أَنّهُ قَالَ مِنْ حَقّ أَخِيهِ وَلَمْ يَقُلْ مِنْ مَالِ أَخِيهِ وَهَذَا لَفْظٌ يَعُمّ الْحُقُوقَ كُلّهَا قَالَ الْمُؤَلّفُ وَعِنْدِي أَنّ أَبَا حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللّهُ إنّمَا بَنَى [ ص 212 ] أَصْلِهِ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ فَإِنّهُ عِنْدَهُ لَازِمٌ فَإِذَا أُكْرِهَ الرّجُلُ عَلَى الطّلَاقِ وَقُلْنَا يَلْزَمُ الطّلَاقُ لَهُ فَقَدْ حُرّمَتْ الْمَرْأَةُ عَلَيْهِ وَإِذَا حُرّمَتْ عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يَنْكِحَهَا مَنْ شَاءَ فَالْإِثْمُ إنّمَا تَعَلّقَ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ بِالشّهَادَةِ دُونَ النّكَاحِ وَقَدْ خَالَفَهُ فُقَهَاءُ الْحِجَازِ فِي طَلَاقِ الْمُكْرَهِ وَقَوْلُهُمْ يُعَضّدُهُ الْأَثَرُ وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ يُعَضّدُهُ النّظَرُ وَالْخَوْضُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَصُدّنَا عَمّا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ . مَكَانُ إدْرِيسَ فَصْلٌ وَذِكْرُهُ لِإِدْرِيسَ فِي السّمَاءِ الرّابِعَةِ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيّا } [ مَرْيَمَ : 57 ] ، مَعَ أَنّهُ قَدْ رَأَى مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ فِي مَكَانٍ أَعْلَى مِنْ مَكَانِ إدْرِيسَ فَذَلِكَ وَاَللّهُ أَعْلَمُ لِمَا ذُكِرَ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنّ إدْرِيسَ خُصّ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ رُفِعَ قَبْلَ وَفَاتِهِ إلَى السّمَاءِ الرّابِعَةِ وَرَفَعَهُ مَلَكٌ كَانَ صَدِيقًا لَهُ وَهُوَ الْمَلَكُ الْمُوَكّلُ بِالشّمْسِ فِيمَا ذُكِرَ وَكَانَ إدْرِيسُ سَأَلَهُ أَنْ يُرِيَهُ الْجَنّةَ فَأَذِنَ لَهُ اللّهُ فِي ذَلِكَ فَلَمّا كَانَ فِي السّمَاءِ الرّابِعَةِ رَآهُ هُنَالِكَ مَلَكُ الْمَوْتِ فَعَجِبَ وَقَالَ أُمِرْت أَنْ أَقْبِضَ رُوحَ أَدَرِيسَ السّاعَةَ فِي السّمَاءِ الرّابِعَةِ فَقَبَضَهُ هُنَالِكَ فَرَفْعُهُ حَيّا إلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ الْعَلِيّ خَاصّ لَهُ دُونَ الْأَنْبِيَاءِ .
قَوْلُ الْأَنْبِيَاءِ فِي كُلّ سَمَاءٍ
فَصْلٌ وَذَكَرَ مِنْ قَوْلِ الْأَنْبِيَاءِ لَهُ فِي كُلّ سَمَاءٍ مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصّالِحِ وَقَوْلِ آدَمَ لِإِبْرَاهِيمَ بِالِابْنِ الصّالِحِ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي أَوّلِ هَذَا الْكِتَابِ حُجّةً لِمَنْ قَالَ إنّ إدْرِيسَ لَيْسَ بِجَدّ لِنُوحِ وَلَا هُوَ مِنْ آبَاءِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - لِأَنّهُ قَالَ مَرْحَبًا بِالْأَخِ الصّالِحِ وَلَمْ يَقُلْ بِالِابْنِ الصّالِحِ .
خَرَافَةُ طَلَبِ مُوسَى أَنْ يَكُونَ مِنْ أُمّةِ أَحْمَدَ
وَأَمّا اعْتِنَاءُ مُوسَى - عَلَيْهِ السّلَامُ - بِهَذِهِ الْأُمّةِ وَإِلْحَاحُهُ عَلَى نَبِيّهَا أَنْ يَشْفَعَ لَهَا ، وَيَسْأَلَ التّخْفِيفَ عَنْهَا ، فَلِقَوْلِهِ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - حِينَ قُضِيَ إلَيْهِ الْأَمْرُ بِجَانِبِ الْغَرْبِيّ وَرَأَى صِفَاتِ أُمّةِ مُحَمّدٍ عَلَيْهِ السّلَامُ فِي الْأَلْوَاحِ وَجَعَلَ يَقُولُ إنّي أَجِدُ فِي الْأَلْوَاحِ أُمّةً صِفَتُهُمْ كَذَا ، اللّهُمّ [ ص 213 ] أُمّتِي ، فَيُقَالُ لَهُ تِلْكَ أُمّةُ أَحْمَدَ وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ فَكَانَ إشْفَاقُهُ عَلَيْهِمْ وَاعْتِنَاؤُهُ بِأَمْرِهِمْ كَمَا يُعْتِنِي بِالْقَوْمِ مَنْ هُوَ مَعَهُمْ لِقَوْلِهِ اللّهُمّ اجْعَلْنِي مِنْهُمْ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
بَعْضُ مَا رَأَى
وَمِمّا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ مِمّا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ أَنّهُ - عَلَيْهِ السّلَامُ - نَادَاهُ مُنَادٍ وَهُوَ عَلَى ظَهْرِ الْبُرَاقِ يَا مُحَمّدُ فَلَمْ يَعْرُجْ عَلَيْهِ ثُمّ نَادَاهُ آخَرُ يَا مُحَمّدُ يَا مُحَمّدُ ثَلَاثًا ، فَلَمْ يَعْرُجْ عَلَيْهِ ثُمّ لَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ عَلَيْهَا مِنْ كُلّ زِينَةٍ نَاشِرَةٌ يَدَيْهَا ، تَقُولُ يَا مُحَمّدُ يَا مُحَمّدُ حَتّى تَغَشّتْهُ فَلَمْ يَعْرُجْ عَلَيْهَا ، ثُمّ سَأَلَ جِبْرِيلَ عَمّا رَأَى ، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ أَمَا الْمُنَادِي الْأَوّلُ فَدَاعِي الْيَهُودِ لَوْ أَجَبْته لَتَهَوّدَتْ أُمّتُك ، وَأَمّا الْآخَرُ فَدَاعِي النّصَارَى ، وَلَوْ أَجَبْته لَتَنَصّرَتْ أُمّتُك ، وَأَمّا الْمَرْأَةُ الّتِي كَانَ عَلَيْهَا مِنْ كُلّ زِينَةٍ فَإِنّهَا الدّنْيَا لَوْ أَجَبْتهَا لَآثَرْت الدّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ
كِفَايَةُ اللّهِ أَمْرَ الْمُسْتَهْزِئِينَ
[ ص 214 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَأَقَامَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - عَلَى أَمْرِ اللّهِ تَعَالَى صَابِرًا مُحْتَسِبًا ، مُؤَدّيًا إلَى قَوْمِهِ النّصِيحَةَ عَلَى مَا يَلْقَى مِنْهُمْ مِنْ التّكْذِيبِ وَالْأَذَى وَالِاسْتِهْزَاءِ . وَكَانَ عُظَمَاءُ الْمُسْتَهْزِئِينَ - كَمَا حَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ خَمْسَةَ نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِمْ وَكَانُوا ذَوِي أَسْنَانٍ وَشَرَفٍ فِي قَوْمِهِمْ . مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابٍ : الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدٍ أَبُو زَمْعَةَ ، وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِيمَا بَلَغَنِي - قَدْ دَعَا عَلَيْهِ لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُ مِنْ أَذَاهُ وَاسْتِهْزَائِهِ بِهِ فَقَالَ اللّهُمّ أَعْمِ بَصَرَهُ وَأَثْكِلْهُ وَلَدَهُ وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ : الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ . وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرّةَ : الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ . وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ : الْعَاصِ بْنُ وَائِلِ بْنِ هِشَامٍ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : الْعَاصِ بْنُ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَهْمٍ [ ص 215 ] بَنِي خُزَاعَةَ : الْحَارِثُ ابْنُ الطّلَاطِلَةِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ لُؤَيّ بْنِ مِلْكَانَ . فَلَمّا تَمَادَوْا مِنْ الشّرّ وَأَكْثَرُوا بِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - الِاسْتِهْزَاءَ أَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } [ الْحِجْرَ : 93 - 95 ] . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنّ جِبْرِيلَ أَتَى رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ فَقَامَ وَقَامَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إلَى جَنْبِهِ فَمَرّ بِهِ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ فَرَمَى فِي وَجْهِهِ بِوَرَقَةِ خَضْرَاءَ فَعَمِيَ وَمَرّ بِهِ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ ، فَأَشَارَ إلَى بَطْنِهِ فَاسْتَسْقَى فَمَاتَ مِنْهُ حَبَنًا . وَمَرّ بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ فَأَشَارَ إلَى أَثَرِ جُرْحٍ بِأَسْفَلَ كَعْبِ رِجْلِهِ كَانَ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسِنِينَ وَهُوَ يَجُرّ سَبَلَهُ وَذَلِكَ أَنّهُ مَرّ بِرَجُلِ مِنْ خُزَاعَةَ ، وَهُوَ يَرِيشُ نَبْلًا لَهُ فَتَعَلّقَ سَهْمٌ مِنْ نَبْلِهِ بِإِزَارِهِ فَخَدَشَ مِنْ رِجْلِهِ ذَلِكَ الْخَدْشَ وَلَيْسَ بِشَيْءِ ، فَانْتَقَضَ بِهِ فَقَتَلَهُ . وَمَرّ بِهِ الْعَاصِ بْنُ [ ص 216 ] وَخَرَجَ عَلَى حِمَارٍ لَهُ يُرِيدُ الطّائِفَ ، فَرَبَضَ بِهِ عَلَى شُبَارِقَةٍ فَدَخَلَتْ فِي أَخْمَصِ رِجْلِهِ شَوْكَةٌ فَقَتَلَتْهُ وَمَرّ بِهِ الْحَارِثُ ابْنُ الطّلَاطِلَةِ فَأَشَارَ إلَى رَأْسِهِ فَامْتَخَضَ قَيْحًا فَقَتَلَهُ .
Sعَنْ الْمُسْتَهْزِئِينَ وَمِلْكَانَ
فَصْلٌ
[ ص 214 ] وَذَكَرَ حَدِيثَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الّذِينَ أَنْزَلَ اللّهُ فِيهِمْ { إِنّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ } [ ص 215 ] الْحِجْرَ : 95 ] وَذَكَرَ فِيهِمْ الْحَارِثَ ابْنَ الطّلَاطِلَةِ وَالطّلَاطِلَةُ أُمّهُ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْوَقَشِيّ ، وَالطّلَاطِلَةُ فِي اللّغَةِ الدّاهِيَةُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : كُلّ دَاءٍ عُضَالٍ فَهُوَ طُلَاطِلَةٌ وَذُكِرَ فِي نَسَبِهِ عَبْدُ عَمْرٍو بْنُ مِلْكَانَ بِالضّبْطَيْنِ جَمِيعًا ، وَفِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ الْحَافِظِ أَبِي بَحْرٍ قَالَ قَدْ تَقَدّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ النّحْوِيّ أَنّ النّاسَ لَيْسَ فِيهِمْ مَلَكَانُ بِفَتْحِ الْمِيمِ إلّا مَلَكَانُ بْنُ جَرْمِ بْنِ زَبّانَ بْنِ حُلْوَانِ عِمْرَانَ بْنِ الْحَافّ بْنِ قُضَاعَةَ ، وَمَلَكَانُ بْنُ عَبّادِ بْنِ عِيَاضِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ السّكُونِ بْنِ أَشْرَسَ وَإِخْوَةُ عَدِيّ هُمْ - تُجِيبُ عُرِفُوا بِأُمّهِمْ تُجِيبَ بِنْتِ دُهْمِ بْنِ ثَوْبَانَ ، وَهُمْ مِنْ كِنْدَةَ ، وَكُلّ مَنْ فِي النّاسِ وَغَيْرِهِمَا مِلْكَانُ مَكْسُورُ الْمِيمِ سَاكِنُ اللّامِ وَقَالَ مَشَايِخُ خُزَاعَةَ : فِي خُزَاعَةَ مَلَكَانُ بِفَتْحِ الْمِيمِ قَالَ الْقَاضِي : يَعْنِي ابْنَ حَبِيبٍ مَلَكَانُ بْنُ أَفْصَى بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ ، وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ حَبِيبٍ كَاَلّذِي يَخْرُجُ مِنْ عِبَارَتِهِ أَنّ الّذِي فِي خُزَاعَةَ إنّمَا هُوَ مِلْكَانُ بْنُ أَفْصَى مِثْلُ مِلْكَانَ بْنِ عَدِيّ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ مِنْ الرّبَابِ الّذِينَ مِنْهُمْ ذُو الرّمّةِ الشّاعِرُ وَمِثْلُ مِلْكَانَ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ مِنْ الرّبَابِ أَيْضًا رَهْطُ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثّوْرِيّ . وَذَكَرَ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ الْأَسْوَدَ بْنَ عَبْدِ يَغُوثَ الزّهْرِيّ رَوَى أَنّهُ لَمّا أَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى : { إِنّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ } [ الْحِجْرَ : 95 ] نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ فَحَنَا ظَهْرَ الْأَسْوَدِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَالِي خَالِي ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ خَلّ عَنْك ، ثُمّ حَنَاهُ حَتّى قَتَلَهُ ذَكَرَهُ الدّارَقُطْنِيّ .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق