حمل مباشرة من السهم النازل المصدر نداء الإيمان

الجامع لمؤلفات الشيخ الألباني /.الجنى الداني من دوحة الألباني /الـذاكـر /القرآن الكريم مع الترجمة /القرآن الكريم مع التفسير/القرآن الكريم مع التلاوة /المكتبة اللغوية الإلكترونية /الموسوعة الحديثية المصغرة ./برنامج الأسطوانة الوهمية /برنامج المنتخب فى تفسير القرآن الكريم /برنامج الموسوعة الفقهية الكويتية /برنامج الموسوعة القرآنية المتخصصة /برنامج حقائق الإسلام في مواجهة المشككين /برنامج فتاوى دار الإفتاء في مائة عام ولجنة الفتوى بالأزهر /برنامج مكتبة السنة /برنامج موسوعة المفاهيم الإسلامية /اللإمام اللكنوى /خلفيات إسلامية رائعة /مجموع فتاوى ابن تيمية /مكتبة الإمام ابن الجوزي /مكتبة الإمام ابن حجر العسقلاني /مكتبة الإمام ابن حجر الهيتمي /مكتبة الإمام ابن حزم الأندلسي /مكتبة الإمام ابن رجب الحنبلي /مكتبة الإمام ابن كثير /مكتبة الإمام الذهبي /مكتبة الإمام السيوطي /مكتبة الإمام محمد بن علي الشوكاني /مكتبة الشيخ تقي الدين الهلالي /مكتبة الشيخ حافظ بن أحمد حكمي /موسوعة أصول الفقه /.موسوعة التاريخ الإسلامي /موسوعة الحديث النبوي الشريف /موسوعة السيرة النبوية /موسوعة المؤلفات العلمية لأئمة الدعوة النجدية /موسوعة توحيد رب العبيد /موسوعة رواة الحديث /موسوعة شروح الحديث /موسوعة علوم الحديث /موسوعة علوم القرآن /موسوعة علوم اللغة /موسوعة مؤلفات الإمام ابن القـم /موسوعة مؤلفات الإمام ابن تيمية /موسوعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب

الثلاثاء، 1 مايو 2018

7.المغازي للواقدي سابع الشاملة



الصفحة التالية 7 المغازي للواقدي
وَقَالُوا : أَتَيْنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ فِي رَهْطٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قُعُودًا ، وَمَرّ بِهِمْ أَنَسُ بْنُ النّضْرِ بْنِ ضَمْضَمٍ عَمّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَقَالَ مَا يُقْعِدُكُمْ ؟ قَالُوا : قُتِلَ رَسُولُ اللّهِ . قَالَ فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ثُمّ جَالَدَ بِسَيْفِهِ حَتّى قُتِلَ .
فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ : إنّي لَأَرْجُو أَنْ يَبْعَثَهُ اللّهُ أُمّةً وَحْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . وَوُجِدَ بِهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةً فِي وَجْهِهِ مَا عُرِفَ حَتّى عَرَفَتْ أُخْتُهُ حُسْنَ بَنَانِهِ وَيُقَالُ حُسْنَ ثَنَايَاهُ .
(1/280)
قَالُوا : وَمَرّ مَالِكُ بْنُ الدّخْشُمِ عَلَى خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ وَهُوَ قَاعِدٌ فِي حَشْوَتِهِ بِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ جُرْحًا ، كُلّهَا قَدْ خَلَصَتْ إلَى مَقْتَلٍ فَقَالَ أَمَا عَلِمْت أَنّ مُحَمّدًا قَدْ قُتِلَ ؟ قَالَ خَارِجَةُ فَإِنْ كَانَ قَدْ قُتِلَ فَإِنّ اللّهَ حَيّ لَا يَمُوتُ فَقَدْ بَلّغَ مُحَمّدٌ ، فَقَاتِلْ عَنْ دِينِك
(1/280)
وَمَرّ عَلَى سَعْدِ بْنِ الرّبِيعِ وَبِهِ اثْنَا عَشَرَ جُرْحًا ، كُلّهَا قَدْ خَلَصَ إلَى مَقْتَلٍ فَقَالَ عَلِمْت أَنّ مُحَمّدًا قَدْ قُتِلَ ؟ قَالَ سَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ : أَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا قَدْ بَلّغَ رِسَالَةَ رَبّهِ فَقَاتِلْ عَنْ دِينِك ، فَإِنّ اللّهَ حَيّ لَا يَمُوتُ وَقَالَ مُنَافِقٌ إنّ رَسُولَ اللّهِ قَدْ قُتِلَ فَارْجِعُوا إلَى قَوْمِكُمْ فَإِنّهُمْ دَاخِلُو الْبُيُوتِ . [ ص 281 ]
(1/281)
حَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمّارٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ الْفُضَيْلِ الْخِطْمِيّ قَالَ أَقْبَلَ ثَابِتُ بْنُ الدّحْدَاحَةِ يَوْمَئِذٍ وَالْمُسْلِمُونَ أَوْزَاعٌ قَدْ سَقَطَ فِي أَيْدِيهِمْ فَجَعَلَ يَصِيحُ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، إلَيّ إلَيّ أَنَا ثَابِتُ بْنُ الدّحْدَاحَةِ إنْ كَانَ مُحَمّدٌ قَدْ قُتِلَ فَإِنّ اللّهَ حَيّ لَا يَمُوتُ فَقَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ فَإِنّ اللّهَ مُظْهِرُكُمْ وَنَاصِرُكُمْ فَنَهَضَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَجَعَلَ يَحْمِلُ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ وَقَفَتْ لَهُمْ كَتِيبَةٌ خَشْنَاءُ فِيهَا رُؤَسَاؤُهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، وَضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ ، فَجَعَلُوا يُنَاوِشُونَهُمْ . وَحَمَلَ عَلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِالرّمْحِ فَطَعَنَهُ فَأَنْفَذَهُ فَوَقَعَ مَيّتًا ، وَقُتِلَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ الْأَنْصَارِ .
فَيُقَالُ إنّ هَؤُلَاءِ لَآخِرُ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ . وَوَصَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الشّعْبِ مَعَ أَصْحَابِهِ فَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ قِتَالٌ .
كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَبْلَ أُحُدٍ قَدْ خَاصَمَ إلَيْهِ يَتِيمٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أَبَا لُبَابَةَ فِي عَذْقٍ بَيْنَهُمَا ، فَقَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَبِي لُبَابَةَ ، فَجَزَعَ الْيَتِيمُ عَلَى الْعَذْقِ وَطَلَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَذْقَ إلَى أَبِي لُبَابَة َ لِلْيَتِيمِ فَأَبَى أَبُو لُبَابَةَ فَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ لِأَبِي لُبَابَةَ لَك بِهِ عَذْقٌ فِي الْجَنّةِ . فَأَبَى أَبُو لُبَابَةَ فَقَالَ ابْنُ الدّحْدَاحَةِ يَا رَسُولَ اللّهِ أَرَأَيْت إنْ أَعْطَيْت الْيَتِيمَ عَذْقَهُ مَالِي ؟ قَالَ عَذْقٌ فِي الْجَنّةِ . قَالَ فَذَهَبَ ثَابِتُ بْنُ الدّحْدَاحَةِ فَاشْتَرَى مِنْ أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ ذَلِكَ الْعَذْقَ بِحَدِيقَةِ نَخْلٍ ، ثُمّ رَدّ عَلَى الْغُلَامِ الْعَذْقَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رُبّ عَذْقٍ مُذَلّلٍ لِابْنِ الدّحْدَاحَةِ فِي الْجَنّةِ [ ص 282 ] فَكَانَتْ تُرْجَى لَهُ الشّهَادَةُ لِقَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى قُتِلَ بِأُحُدٍ .
(1/282)
وَيُقْبِلُ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ فَارِسًا ، يَجُرّ قَنَاةً لَهُ طَوِيلَةً فَيَطْعَنُ عَمْرَو بْنَ مُعَاذٍ فَأَنْفَذَهُ وَيَمْشِي عَمْرٌو إلَيْهِ حَتّى غُلِبَ فَوَقَعَ لِوَجْهِهِ . يَقُولُ ضِرَارٌ : لَا تَعْدَمَن رَجُلًا زَوّجَك مِنْ الْحُورِ الْعِينِ . وَكَانَ يَقُولُ زَوّجْت عَشَرَةً مِنْ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ .
قَالَ ابْنُ وَاقِدٍ : سَأَلْت ابْنَ جَعْفَرٍ هَلْ قَتَلَ عَشَرَةً ؟ فَقَالَ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنّهُ قَتَلَ إلّا ثَلَاثَةً . وَقَدْ ضَرَبَ يَوْمَئِذٍ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ حَيْثُ جَالَ الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الْجَوْلَةَ بِالْقَنَاةِ . قَالَ يَا ابْنَ الْخَطّابِ إنّهَا نِعْمَةٌ مَشْكُورَةٌ وَاَللّهِ مَا كُنْت لِأَقْتُلَك وَكَانَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطّابِ يُحَدّثُ وَيَذْكُرُ وَقْعَةَ أُحُدٍ، وَيَذْكُرُ الْأَنْصَارَ وَيَتَرَحّمُ عَلَيْهِمْ وَيَذْكُرُ غِنَاءَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَشَجَاعَتَهُمْ وَتَقَدّمَهُمْ عَلَى الْمَوْتِ ثُمّ يَقُولُ لَمّا قُتِلَ أَشْرَافُ قَوْمِي بِبَدْرٍ جَعَلْت أَقُولُ مَنْ قَتَلَ أَبَا الْحَكَمِ ؟ يُقَالُ ابْنُ عَفْرَاءَ .
مَنْ قَتَلَ أُمَيّةَ بْنَ خَلَفٍ ؟ يُقَالُ خُبَيْبٌ بْنُ يَسَافٍ . مَنْ قَتَلَ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ ؟ قَالُوا : عَاصِمُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ أَبِي الْأَقْلَحِ . مَنْ قَتَلَ فُلَانًا ؟ فَيُسَمّى لِي . مَنْ أَسَرَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو ؟ قَالُوا : مَالِكُ بْنُ الدّخْشُمِ . فَلَمّا خَرَجْنَا إلَى أُحُدٍ وَأَنَا أَقُولُ إنْ أَقَامُوا فِي صَيَاصِيِهِمْ فَهِيَ مَنِيعَةٌ لَا سَبِيلَ لَنَا إلَيْهِمْ نُقِيمُ أَيّامًا ثُمّ نَنْصَرِفُ وَإِنْ خَرَجُوا إلَيْنَا مِنْ صَيَاصِيِهِمْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ - مَعَنَا عَدَدٌ كَثِيرٌ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِهِمْ وَقَوْمٌ مَوْتُورُونَ خَرَجْنَا بِالظّعُنِ يُذَكّرْنَنَا قَتْلَى بَدْرٍ، وَمَعَنَا كُرَاعٌ وَلَا كُرَاعَ مَعَهُمْ وَمَعَنَا سِلَاحٌ أَكْثَرُ مِنْ سِلَاحِهِمْ . فَقُضِيَ لَهُمْ أَنْ خَرَجُوا ، فَالْتَقَيْنَا ، فَوَاَللّهِ [ ص 283 ] مَا أَقَمْنَا لَهُمْ حَتّى هُزِمْنَا وَانْكَشَفْنَا مُوَلّينَ فَقُلْت فِي نَفْسِي : هَذِهِ أَشَدّ مِنْ وَقْعَةِ بَدْرٍ وَجَعَلْت أَقُولُ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ : كُرّ عَلَى الْقَوْمِ فَجَعَلَ يَقُولُ وَتَرَى وَجْهًا نَكُرّ فِيهِ ؟ حَتّى نَظَرْت إلَى الْجَبَلِ الّذِي كَانَ عَلَيْهِ الرّمَاةُ خَالِيًا ، فَقُلْت : أَبَا سُلَيْمَانَ اُنْظُرْ وَرَاءَك فَعَطَفَ عَنَانَ فَرَسِهِ فَكّرَ وَكَرَرْنَا مَعَهُ فَانْتَهَيْنَا إلَى الْجَبَلِ فَلَمْ نَجِدْ عَلَيْهِ أَحَدًا لَهُ بَالٌ وَجَدْنَا نُفَيْرًا فَأَصَبْنَاهُمْ ثُمّ دَخَلْنَا الْعَسْكَرَ وَالْقَوْمُ غَارّونَ يَنْتَهِبُونَ الْعَسْكَرَ فَأَقْحَمْنَا الْخَيْلَ عَلَيْهِمْ فَتَطَايَرُوا فِي كُلّ وَجْهٍ وَوَضَعْنَا السّيُوفَ فِيهِمْ حَيْثُ شِئْنَا . وَجَعَلْت أَطْلُبُ الْأَكَابِرَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ قَتَلَةَ الْأَحِبّةِ فَلَا أَرَى أَحَدًا ، قَدْ هَرَبُوا ، فَمَا كَانَ حَلْبَ نَاقَةٍ حَتّى تَدَاعَتْ الْأَنْصَارُ بَيْنَهَا ، فَأَقْبَلَتْ فَخَالَطُونَا وَنَحْنُ فُرْسَانٌ فَصَبَرُوا لَنَا ، وَبَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ حَتّى عَقَرُوا فَرَسِي وَتَرَجّلْت ، فَقَتَلْت مِنْهُمْ عَشَرَةً . وَلَقِيت مِنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ الْمَوْتَ النّاقِعَ حَتّى وَجَدْت رِيحَ الدّمِ وَهُوَ مُعَانِقِي ، مَا يُفَارِقُنِي حَتّى أَخَذَتْهُ الرّمَاحُ مِنْ كُلّ نَاحِيَةٍ وَوَقَعَ فَالْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أُكْرِمهُمْ بِيَدِي وَلَمْ يُهِنّي بِأَيْدِيهِمْ .
(1/283)
وَقَالُوا : إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ : مَنْ لَهُ عِلْمٌ بِذَكْوَانِ بْنِ عَبْدِ قَيْسٍ ؟ قَالَ عَلِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ أَنَا رَأَيْت يَا رَسُولَ اللّهِ فَارِسًا يَرْكُضُ فِي أَثَرِهِ حَتّى لَحِقَهُ وَهُوَ يَقُولُ لَا نَجَوْت إنْ نَجَوْت فَحَمَلَ عَلَيْهِ بِفَرَسِهِ وَذَكْوَانُ رَاجِلٌ فَضَرَبَهُ وَهُوَ يَقُولُ خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ عِلَاجٍ فَأَهْوَيْت إلَيْهِ وَهُوَ فَارِسٌ ، فَضَرَبْت رِجْلَهُ بِالسّيْفِ حَتّى قَطَعْتهَا عَنْ نِصْفِ الْفَخِذِ ثُمّ طَرَحْته مِنْ فَرَسِهِ فَذَفَفْت عَلَيْهِ وَإِذَا هُوَ أَبُو الْحَكَمِ بْنُ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقِ بْنِ عِلَاجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثّقَفِيّ . [ ص 284 ]
(1/284)
وَحَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ خَوّاتٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ ، قَالَ قَالَ خَوّاتُ بْنُ جُبَيْرٍ : لَمّا كَرّ الْمُشْرِكُونَ انْتَهَوْا إلَى الْجَبَلِ وَقَدْ عَرِيَ مِنْ الْقَوْمِ ; وَبَقِيَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جُبَيْرٍ فِي عَشَرَةِ نَفَرٍ فَهُمْ عَلَى رَأْسِ عَيْنَيْنِ .
فَلَمّا طَلَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَعِكْرِمَةُ فِي الْخَيْلِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ انْبَسِطُوا نَشْرًا لِئَلّا يَجُوزَ الْقَوْمُ فَصَفّوا وَجْهَ الْعَدُوّ . وَاسْتَقْبَلُوا الشّمْسَ فَقَاتَلُوا سَاعَةً حَتّى قُتِلَ أَمِيرُهُمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَقَدْ جُرِحَ عَامّتُهُمْ . فَلَمّا وَقَعَ جَرّدُوهُ وَمَثّلُوا بِهِ أَقْبَحَ الْمَثْلِ وَكَانَتْ الرّمَاحُ قَدْ شَرَعَتْ فِي بَطْنِهِ حَتّى خَرَقَتْ مَا بَيْنَ سُرّتِهِ إلَى خَاصِرَتِهِ إلَى عَانَتِهِ فَكَانَتْ حَشْوَتُهُ قَدْ خَرَجَتْ مِنْهَا . فَلَمّا جَالَ الْمُسْلِمُونَ تِلْكَ الْجَوْلَةَ مَرَرْت بِهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَلَقَدْ ضَحِكْت فِي مَوْضِعٍ مَا ضَحِكَ فِيهِ أَحَدٌ قَطّ ، وَنَعَسْت فِي مَوْضِعٍ مَا نَعَسَ فِيهِ أَحَدٌ ، وَبَخِلْت فِي مَوْضِعٍ مَا بَخِلَ فِيهِ أَحَدٌ . فَقِيلَ مَا هِيَ ؟ قَالَ حَمَلْته فَأَخَذْت بِضَبُعَيْهِ وَأَخَذَ أَبُو حَنّةَ بِرِجْلَيْهِ وَقَدْ شَدَدْت جُرْحَهُ بِعِمَامَتِي ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَحْمِلُهُ وَالْمُشْرِكِينَ نَاحِيَةً إلَى أَنْ سَقَطَتْ عِمَامَتِي مِنْ جُرْحِهِ فَخَرَجَتْ حَشْوَتُهُ فَفَزِعَ صَاحِبِي وَجَعَلَ يَلْتَفِتُ وَرَاءَهُ يَظُنّ أَنّهُ الْعَدُوّ ، فَضَحِكْت .
وَلَقَدْ شَرَعَ لِي رَجُلٌ بِرُمْحٍ يَسْتَقْبِلُ بِهِ ثُغْرَةَ نَحْرِي ، فَغَلَبَنِي النّوْمُ وَزَالَ الرّمْحُ . وَلَقَدْ رَأَيْتنِي حِينَ انْتَهَيْت إلَى الْحَفْرِ لَهُ وَمَعِي قَوْسِي ، وَغَلُظَ عَلَيْنَا الْجَبَلُ فَهَبَطْنَا بِهِ الْوَادِيَ فَحَفَرْت بِسِيَةِ الْقَوْسِ وَفِيهَا الْوَتَرُ فَقُلْت : لَا أُفْسِدُ [ ص 285 ] الْوَتَرَ فَحَلَلْته ثُمّ حَفَرْت بِسِيَتِهَا حَتّى أَنْعَمْنَا ، ثُمّ غَيّبْنَاهُ وَانْصَرَفْنَا ، وَالْمُشْرِكُونَ بَعْدُ نَاحِيَةً وَقَدْ تَحَاجَزْنَا ، فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ وَلّوْا .
(1/285)
قَالُوا : وَكَانَ وَحْشِيّ عَبْدًا لِابْنَةِ الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ - وَيُقَالُ كَانَ لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - فَقَالَتْ ابْنَةُ الْحَارِثِ إنّ أَبِي قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَإِنْ أَنْتَ قَتَلْت أَحَدَ الثّلَاثَةِ فَأَنْتَ حُرّ ، إنْ قَتَلْت مُحَمّدًا ، أَوْ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَوْ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ . فَإِنّي لَا أَرَى فِي الْقَوْمِ كُفُؤًا لِأَبِي غَيْرَهُمْ .
بَدْرٍ ، فَإِنْ أَنْتَ قَتَلْت أَحَدَ الثّلَاثَةِ فَأَنْتَ حُرّ ، إنْ قَتَلْت مُحَمّدًا ، أَوْ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَوْ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ . فَإِنّي لَا أَرَى فِي الْقَوْمِ كُفُؤًا لِأَبِي غَيْرَهُمْ .
الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَل ٍ- وَيُقَالُ كَانَ لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ - فَقَالَتْ ابْنَةُ الْحَارِثِ : إنّ أَبِي قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَإِنْ أَنْتَ قَتَلْت أَحَدَ الثّلَاثَةِ فَأَنْتَ حُرّ ، إنْ قَتَلْت مُحَمّدًا ، أَوْ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، أَوْ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ . فَإِنّي لَا أَرَى فِي الْقَوْمِ كُفُؤًا لِأَبِي غَيْرَهُمْ .
قَالَ وَحْشِيّ : أَمّا رَسُولُ اللّهِ فَقَدْ عَلِمْت أَنّي لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ وَأَنّ أَصْحَابَهُ لَنْ يُسْلِمُوهُ . وَأَمّا حَمْزَةُ فَقُلْت : وَاَللّهِ لَوْ وَجَدْته نَائِمًا مَا أَيْقَظْته مِنْ هَيْبَتِهِ وَأَمّا عَلِيّ فَقَدْ كُنْت أَلْتَمِسُهُ . قَالَ فَبَيْنَا أَنَا فِي النّاسِ أَلْتَمِسُ عَلِيّا إلَى أَنْ طَلَعَ عَلَيّ فَطَلَعَ رَجُلٌ حَذِرٌ مَرِسٌ كَثِيرُ الِالْتِفَاتِ .
فَقُلْت : مَا هَذَا صَاحِبِي الّذِي أَلْتَمِسُ إذْ رَأَيْت حَمْزَةَ يَفْرِي النّاسَ فَرْيًا ، فَكَمَنْت إلَى صَخْرَةٍ وَهُوَ مُكَبّسٌ لَهُ كَثِيبٌ ، فَاعْتَرَضَ لَهُ سِبَاعُ بْنُ أُمّ أَنْمَارٍ - وَكَانَتْ أُمّهُ خَتّانَةً بِمَكّةَ مَوْلَاةً لِشَرِيفِ بْنِ عِلَاجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثّقَفِيّ وَكَانَ سِبَاعٌ يُكَنّى أَبَا نِيَارٍ - فَقَالَ لَهُ حَمْزَةُ وَأَنْتَ أَيْضًا يَا ابْنَ مُقَطّعَةِ الْبُظُورِ مِمّنْ يُكْثِرُ عَلَيْنَا . هَلُمّ إلَيّ فَاحْتَمَلَهُ حَتّى إذَا بَرَقَتْ قَدَمَاهُ رَمَى بِهِ فَبَرَكَ عَلَيْهِ فَشَحَطَهُ شَحْطَ الشّاةِ . ثُمّ أَقْبَلَ إلَيّ مِكْبَسًا حِينَ رَآنِي ، فَلَمّا بَلَغَ الْمَسِيلَ وَطِئَ عَلَى جُرُفٍ فَزَلّتْ قَدَمُهُ فَهَزَزْت حَرْبَتِي [ ص 286 ] حَتّى رَضِيت مِنْهَا ، فَأَضْرِبُ بِهَا فِي خَاصِرَتِهِ حَتّى خَرَجْت مِنْ مَثَانَتِهِ .
وَكَرّ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَسْمَعُهُمْ يَقُولُونَ أَبَا عُمَارَةَ فَلَا يُجِيبُ فَقُلْت : قَدْ وَاَللّهِ مَاتَ الرّجُلُ وَذَكَرْت هِنْدًا وَمَا لَقِيَتْ عَلَى أَبِيهَا وَعَمّهَا وَأَخِيهَا ، وَانْكَشَفَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ حِينَ أَيْقَنُوا مَوْتَهُ وَلَا يَرَوْنِي ، فَأَكُرّ عَلَيْهِ فَشَقَقْت بَطْنَهُ فَأَخْرَجْت كَبِدَهُ فَجِئْت بِهَا إلَى هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ ، فَقُلْت : مَاذَا لِي إنْ قَتَلْت قَاتِلَ أَبِيك ؟ قَالَتْ سَلَبِي فَقُلْت : هَذِهِ كَبِدُ حَمْزَةَ . فَمَضَغَتْهَا ثُمّ لَفَظَتْهَا ، فَلَا أَدْرِي لَمْ تُسِغْهَا أَوْ قَذَرَتْهَا . فَنَزَعَتْ ثِيَابَهَا وَحُلِيّهَا فَأَعْطَتْنِيهِ ثُمّ قَالَتْ إذَا جِئْت مَكّةَ فَلَك عَشَرَةُ دَنَانِيرَ .
ثُمّ قَالَتْ أَرِنِي مَصْرَعَهُ فَأَرَيْتهَا مَصْرَعَهُ فَقَطَعَتْ مَذَاكِيرَهُ وَجَدَعَتْ أَنْفَهُ وَقَطَعَتْ أُذُنَيْهِ ثُمّ جَعَلَتْ مَسَكَتَيْنِ وَمِعْضَدَيْنِ وَخَدَمَتَيْنِ حَتّى قَدِمَتْ بِذَلِكَ مَكّةَ ، وَقَدِمَتْ بِكَبِدِهِ مَعَهَا .
فَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَعْفَرٍ ، عَنْ ابْنِ أَبِي عَوْنٍ عَنْ الزّهْرِيّ ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ حَدّثَنَا عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ عَدِيّ بْنِ الْخِيَارِ قَالَ غَزَوْنَا الشّامَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَمَرَرْنَا بِحِمْصٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَقُلْنَا : وَحْشِيّ فَقَالُوا : لَا تَقْدِرُونَ عَلَيْهِ هُوَ الْآنَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حَتّى يُصْبِحَ . فَبِتْنَا مِنْ أَجْلِهِ وَإِنّا لَثَمَانُونَ رَجُلًا ، فَلَمّا صَلّيْنَا الصّبْحَ جِئْنَا إلَى مَنْزِلِهِ فَإِذَا شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ طُرِحَتْ لَهُ زِرْبِيّةٌ قَدْرَ مَجْلِسِهِ فَقُلْنَا لَهُ أَخْبِرْنَا عَنْ قَتْلِ حَمْزَةَ وَعَنْ مُسَيْلِمَةَ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ وَأَعْرَضَ عَنْهُ فَقُلْنَا لَهُ مَا بِتْنَا هَذِهِ اللّيْلَةَ إلّا مِنْ أَجْلِك .
فَقَالَ إنّي كُنْت عَبْدًا لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِي ّ فَلَمّا خَرَجَ النّاسُ إلَى أُحُدٍ دَعَانِي فَقَالَ قَدْ رَأَيْت مَقْتَلَ طُعَيْمَةَ بْنِ عَدِيّ ، قَتَلَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَلَمْ تَزَلْ نِسَاؤُنَا فِي حُزْنٍ شَدِيدٍ إلَى يَوْمِي هَذَا ; [ ص 287 ] فَإِنْ قَتَلْت حَمْزَةَ فَأَنْتَ حُرّ . قَالَ فَخَرَجْت مَعَ النّاسِ وَلِي مَزَارِيقُ وَكُنْت أَمُرّ بِهِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ فَتَقُولُ إيه أَبَا دَسِمَةَ اشْفِ وَاشْتَفِ فَلَمّا وَرَدْنَا أُحُدًا نَظَرْت إلَى حَمْزَةَ يَقْدُمُ النّاسَ يَهُدّهُمْ هَدّا فَرَآنِي وَأَنَا قَدْ كَمَنْت لَهُ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَأَقْبَلَ نَحْوِي وَيَعْتَرِضُ لَهُ سِبَاعٌ الْخُزَاعِيّ ، فَأَقْبَلَ إلَيْهِ فَقَالَ وَأَنْتَ أَيْضًا [ يَا ] ابْنَ مُقَطّعَةِ الْبُظُورِ مِمّنْ يُكْثِرُ عَلَيْنَا ، هَلُمّ إلَيّ قَالَ وَأَقْبَلَ حَمْزَةُ فَاحْتَمَلَهُ حَتّى رَأَيْت بَرَقَانَ رِجْلَيْهِ ثُمّ ضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ ثُمّ قَتَلَهُ .
وَأَقْبَلَ نَحْوِي سَرِيعًا حَتّى يَعْتَرِضَ لَهُ جُرُفٌ فَيَقَعُ فِيهِ وَأَزْرُقُهُ بِمِزْرَاقِي فَيَقَعُ فِي ثُنّتِهِ حَتّى خَرَجَ مِنْ بَيْن رِجْلَيْهِ فَقَتَلْته ، وَأَمُرّ بِهِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ فَأَعْطَتْنِي حُلِيّهَا وَثِيَابَهَا . وَأَمّا مُسَيْلِمَةُ فَإِنّا دَخَلْنَا حَدِيقَةَ الْمَوْتِ فَلَمّا رَأَيْته زَرَقْته بِالْمِزْرَاقِ وَضَرَبَهُ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِالسّيْفِ فَرَبّك أَعْلَمُ أَيّنَا قَتَلَهُ إلّا أَنّي سَمِعْت امْرَأَةً تَصِيحُ فَوْقَ الدّيْرِ قَتَلَهُ الْعَبْدُ الْحَبَشِيّ . قَالَ عُبَيْدُ اللّهِ فَقُلْت : أَتَعْرِفُنِي ؟ قَالَ فَأَكَرّ بَصَرَهُ عَلَيّ وَقَالَ ابْنُ عَدِيّ وَلِعَاتِكَةِ بِنْتِ أَبِي الْعِيصِ قَالَ قُلْت : نَعَمْ . قَالَ أَمَا وَاَللّهِ مَا لِي بِك عَهْدٌ بَعْدَ أَنْ رَفَعْتُك إلَى أُمّك فِي مِحَفّتِهَا الّتِي تُرْضِعُك فِيهَا ، وَنَظَرْت إلَى بَرَقَانِ قَدَمَيْك حَتّى كَأَنّ الْآنَ .
[ ص 288 ] وَكَانَ فِي سَاقَيْ هِنْدٍ خَدَمَتَانِ مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ ، وَمَسَكَتَانِ مِنْ وَرِقٍ وَخَوَاتِمَ مِنْ وَرِقٍ كُنّ فِي أَصَابِعِ رِجْلَيْهَا ، فَأَعْطَتْنِي ذَلِكَ .
(1/286)
وَكَانَتْ صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَقُولُ رُفِعْنَا فِي الْآطَامِ وَمَعَنَا حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَنَحْنُ فِي فَارِعٍ ، فَجَاءَ نَفَرٌ مِنْ الْيَهُودِ يَرْمُونَ الْأُطُمَ فَقُلْت : عِنْدَك يَا ابْنَ الْفُرَيْعَةِ فَقَالَ لَا وَاَللّهِ مَا أَسْتَطِيعُ مَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَخْرُجَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى أُحُدٍ وَيَصْعَدُ يَهُودِيّ إلَى الْأُطُمِ فَقُلْت : شُدّ عَلَى يَدِي السّيْفَ ثُمّ بَرِئَتْ فَفَعَلَ . قَالَتْ فَضَرَبْت عُنُقَهُ ثُمّ رَمَيْت بِرَأْسِهِ إلَيْهِمْ فَلَمّا رَأَوْهُ انْكَشَفُوا . قَالَتْ وَإِنّي فِي فَارِعٍ أَوّلَ النّهَارِ مُشْرِفَةٌ عَلَى الْأُطُمِ فَرَأَيْت الْمِزْرَاقَ يُزْرَقُ بِهِ فَقُلْت : أَوَمِنْ سِلَاحِهِمْ الْمَزَارِيقُ ؟ أَفَلَا أَرَاهُ هَوَى إلَى أَخِي وَلَا أَشْعُرُ .
قَالَتْ ثُمّ خَرَجْت آخِرَ النّهَارِ حَتّى جِئْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَكَانَتْ تُحَدّثُ تَقُولُ كُنْت أَعْرِفُ انْكِشَافَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنَا عَلَى الْأُطُمِ يَرْجِعُ حَسّانٌ إلَى أَقْصَى الْأُطُمِ فَإِذَا رَأَى الدّوْلَةَ لِأَصْحَابِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَقْبَلَ حَتّى يَقِفَ عَلَى جِدَارِ الْأُطُمِ . قَالَتْ وَلَقَدْ خَرَجْت وَالسّيْفُ فِي يَدِي ، حَتّى إذَا كُنْت فِي بَنِي حَارِثَةَ أَدْرَكْت نِسْوَةً مِنْ الْأَنْصَارِ وَأُمّ أَيْمَنَ مَعَهُنّ فَكَانَ الْجَمْزُ مِنّا حَتّى [ ص 289 ] انْتَهَيْنَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ أَوْزَاعٌ فَأَوّلُ مَنْ لَقِيت عَلِيّ ابْنُ أَخِي ، فَقَالَ ارْجِعِي يَا عَمّةِ فَإِنّ فِي النّاسِ تَكَشّفًا فَقُلْت : رَسُولَ اللّهِ ؟ فَقَالَ صَالِحٌ بِحَمْدِ اللّهِ قُلْت : اُدْلُلْنِي عَلَيْهِ حَتّى أَرَاهُ . فَأَشَارَ لِي إلَيْهِ إشَارَةً خَفِيّةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَانْتَهَيْت إلَيْهِ وَبِهِ الْجِرَاحَةُ . قَالَ وَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ مَا فَعَلَ عَمّي ؟ مَا فَعَلَ عَمّي حَمْزَةُ ؟ فَخَرَجَ الْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ فَأَبْطَأَ فَخَرَجَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ يَا رَبّ إنّ الْحَارِثَ بْنَ الصّمّهْ كَانَ رَفِيقًا وَبِنَا ذَا ذِمّهْ قَدْ ضَلّ فِي مَهَامِهٍ مُهِمّهْ يَلْتَمِسُ الْجَنّةَ فِيمَا تَمّهْ قَالَ الْوَاقِدِيّ : سَمِعْتهَا مِنْ الْأَصْبَغِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَنَا غُلَامٌ وَكَانَ بِسِنّ أَبِي الزّنَادِ - حَتّى انْتَهَى إلَى الْحَارِثِ وَوَجَدَ حَمْزَةَ مَقْتُولًا ، فَأَخْبَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَخَرَجَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَمْشِي حَتّى وَقَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ مَا وَقَفْت مَوْقِفًا قَطّ أَغْيَظَ إلَيّ مِنْ هَذَا الْمَوْقِفِ فَطَلَعَتْ صَفِيّةُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا زُبَيْرُ أَغْنِ عَنّي أُمّك ، وَحَمْزَةُ يُحْفَرُ لَهُ . فَقَالَ يَا أُمّهُ إنّ فِي النّاسِ تَكَشّفًا [ فَارْجِعِي ] .
فَقَالَتْ مَا أَنَا بِفَاعِلَةٍ حَتّى أَرَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَلَمّا رَأَتْ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ أَيْنَ ابْنَ أُمّي حَمْزَةَ ؟ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هُوَ فِي النّاسِ . قَالَتْ لَا أَرْجِعُ حَتّى أَنْظُرَ إلَيْهِ . قَالَ الزّبَيْرُ فَجَعَلْت أَطِدُهَا إلَى الْأَرْضِ حَتّى دُفِنَ حَمْزَةُ . وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَوْلَا أَنْ يُحْزِنَ ذَلِكَ نِسَاءَنَا ، لَتَرَكْنَاهُ لِلْعَافِيَةِ - يَعْنِي السّبَاعَ وَالطّيْرَ - حَتّى يُحْشَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ بُطُونِ السّبَاعِ وَحَوَاصِلِ الطّيْرِ . [ ص 290 ] وَنَظَرَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ إلَى حَمْزَةَ يَوْمَئِذٍ وَهُوَ يَهُدّ النّاسَ فَقَالَ مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ . فَقَالَ مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ رَجُلًا أَسْرَعَ فِي قَوْمِهِ - وَكَانَ يَوْمَئِذٍ مُعْلِمًا بِرِيشَةِ نِسْرٍ . وَيُقَالُ لَمّا أُصِيبَ حَمْزَةُ جَاءَتْ صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَطْلُبُهُ فَحَالَتْ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ الْأَنْصَارُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَعُوهَا فَجَلَسَتْ عِنْدَهُ فَجَعَلَتْ إذَا بَكَتْ بَكَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِذَا نَشَجَتْ يَنْشِجُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَبْكِي ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا بَكَتْ بَكَى ، وَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ لَنْ أُصَابَ بِمِثْلِك أَبَدًا ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبْشِرَا أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنّ حَمْزَةَ مَكْتُوبٌ فِي أَهْلِ السّمَوَاتِ السّبْعِ - حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَسَدُ اللّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ .
(1/289)
قَالَ وَرَأَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَثْلًا شَدِيدًا فَأَحْزَنَهُ ذَلِكَ الْمَثْلُ ثُمّ قَالَ لَئِنْ ظَفِرْت بِقُرَيْشٍ لَأُمَثّلَن بِثَلَاثِينَ مِنْهُمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ . فَعَفَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمْ يُمَثّلْ بِأَحَدٍ [ ص 291 ]
وَجَعَلَ أَبُو قَتَادَةَ يُرِيدُ أَنْ يَنَالَ مِنْ قُرَيْش ٍ ، لِمَا رَأَى مِنْ غَمّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي قَتْلِ حَمْزَةَ وَمَا مُثّلَ بِهِ كُلّ ذَلِكَ يُشِيرُ إلَيْهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ اجْلِسْ ثَلَاثًا - وَكَانَ قَائِمًا - فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَحْتَسِبُك عِنْدَ اللّهِ . ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا أَبَا قَتَادَة َ ، إنّ قُرَيْشًا أَهْلُ أَمَانَةٍ مَنْ بَغَاهُمْ الْعَوَاثِرَ كَبّهُ اللّهُ لِفِيهِ وَعَسَى إنْ طَالَتْ بِك مُدّةٌ أَنْ تَحْقِرَ عَمَلَك مَعَ أَعْمَالِهِمْ وَفَعَالَك مَعَ فَعَالِهِمْ لَوْلَا أَنْ تَبْطَرَ قُرَيْشٌ لَأَخْبَرْتهَا بِمَا لَهَا عِنْدَ اللّهِ . قَالَ أَبُو قَتَادَةَ : وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا غَضِبْت إلّا لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ حِينَ نَالُوا مِنْهُ مَا نَالُوا قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَدَقْت ، بِئْسَ الْقَوْمُ كَانُوا لِنَبِيّهِمْ
(1/291)
وَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَحْشٍ : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ هَؤُلَاءِ قَدْ نَزَلُوا حَيْثُ تَرَى ، وَقَدْ سَأَلْت اللّهَ عَزّ وَجَلّ وَرَسُولَهُ فَقُلْت : اللّهُمّ إنّي أُقْسِمُ عَلَيْك أَنْ نَلْقَى الْعَدُوّ غَدًا فَيَقْتُلُونَنِي وَيَبْقُرُونَنِي وَيُمَثّلُونَ بِي ، فَأَلْقَاك مَقْتُولًا قَدْ صُنِعَ هَذَا بِي ، فَتَقُول : فِيمَ صُنِعَ بِك هَذَا ؟ فَأَقُول : فِيك وَأَنَا أَسْأَلُك أُخْرَى : أَنْ تَلِي تَرِكَتِي مِنْ بَعْدِي .
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَعَمْ . فَخَرَجَ عَبْدُ اللّهِ وَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ وَمُثّلَ بِهِ كُلّ الْمَثْلِ وَدُفِنَ وَدُفِنَ هُوَ وَحَمْزَةُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ . وَوَلِيَ تَرِكَتَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاشْتَرَى لِأُمّهِ مَالًا بِخَيْبَرَ .
وَأَقْبَلَتْ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ وَهِيَ أُخْتُهُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا حَمْنُ احْتَسِبِي قَالَتْ مَنْ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ خَالُك حَمْزَةُ . قَالَتْ إنّا لِلّهِ وَإِنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، غَفَرَ اللّهُ لَهُ وَرَحِمَهُ هَنِيئًا لَهُ الشّهَادَةَ ثُمّ قَالَ لَهَا : احْتَسِبِي قَالَتْ مَنْ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ أَخُوك . قَالَتْ إنّا لِلّهِ وَإِنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، غَفَرَ اللّهُ لَهُ وَرَحِمَهُ هَنِيئًا لَهُ الْجَنّةَ ثُمّ قَالَ لَهَا : احْتَسِبِي قَالَتْ مَنْ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ . قَالَتْ وَاحُزْنَاه وَيُقَالُ إنّهَا قَالَتْ وَاعَقْرَاه فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ لِلزّوْجِ مِنْ الْمَرْأَةِ مَكَانًا مَا هُوَ لِأَحَدٍ . ثُمّ قَالَ لَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِمَ قُلْت هَذَا ؟ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ ذَكَرْت يُتْمَ بَنِيهِ فَرَاعِنِي . فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِوَلَدِهِ أَنْ يُحْسَنَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْخَلَفِ فَتَزَوّجَتْ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللّهِ فَوَلَدَتْ لَهُ مُحَمّدَ بْنَ طَلْحَةَ ، وَكَانَ أَوْصَلَ النّاسِ لِوَلَدِهِ . وَكَانَتْ حَمْنَةُ خَرَجَتْ يَوْمَئِذٍ إلَى أُحُدٍ مَعَ النّسَاءِ يَسْقِينَ الْمَاءَ [ ص 292 ]
(1/292)
وَخَرَجَتْ السّمَيْرَاءُ بِنْتُ قَيْسٍ إحْدَى نِسَاءِ بَنِي دِينَارٍ ، وَقَدْ أُصِيبَ ابْنَاهَا مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأُحُدٍ النّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ عَمْرٍو ، وَسُلَيْمُ بْنُ الْحَارِثِ فَلَمّا نُعِيَا لَهَا قَالَتْ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ قَالُوا : خَيْرًا ، هُوَ بِحَمْدِ اللّهِ صَالِحٌ عَلَى مَا تُحِبّينَ . قَالَتْ أَرُونِيهِ أَنْظُرُ إلَيْهِ فَأَشَارُوا لَهَا إلَيْهِ فَقَالَتْ كُلّ مُصِيبَةٍ بَعْدَك يَا رَسُولَ اللّهِ جَلَلٌ . وَخَرَجَتْ تَسُوقُ بِابْنَيْهَا بَعِيرًا تَرُدّهُمَا إلَى الْمَدِينَةِ ، فَلَقِيَتْهَا عَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا فَقَالَتْ مَا وَرَاءَك ؟ قَالَتْ أَمّا رَسُولُ اللّهِ بِحَمْدِ اللّهِ فَبِخَيْرٍ لَمْ يَمُتْ وَاِتّخَذَ اللّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ شُهَدَاءَ وَرَدّ اللّهُ الّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ . قَالَتْ مَنْ هَؤُلَاءِ مَعَك ؟ قَالَتْ ابْنَايَ . .. حَلْ حَلْ
(1/292)
وَقَالُوا : وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ يَأْتِينِي بِخَبَر ِ سَعْدِ بْنِ رَبِيعٍ ؟ فَإِنّي قَدْ رَأَيْته - وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْوَادِي - وَقَدْ شَرَعَ فِيهِ اثْنَا عَشَرَ سِنَانًا . قَالَ فَخَرَجَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ - وَيُقَالُ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ - فَخَرَجَ نَحْوَ تِلْكَ النّاحِيَةِ . قَالَ وَأَنَا وَسْطَ الْقَتْلَى أَتَعَرّفُهُمْ إذْ مَرَرْت بِهِ صَرِيعًا فِي الْوَادِي ، فَنَادَيْته فَلَمْ يُجِبْ ثُمّ قُلْت : إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَرْسَلَنِي إلَيْك فَتَنَفّسَ كَمَا يَتَنَفّسُ الْكِيرُ ثُمّ قَالَ وَإِنّ رَسُولَ اللّهِ لَحَيّ ؟ قَالَ قُلْت : نَعَمْ وَقَدْ أَخْبَرَنَا أَنّهُ شُرِعَ لَك اثْنَا عَشَرَ سِنَانًا . قَالَ طُعِنْت اثْنَتَيْ عَشْرَةَ طَعْنَةً كُلّهَا أَجَافَتْنِي ; أَبْلِغْ قَوْمَك الْأَنْصَارَ السّلَامَ وَقُلْ لَهُمْ اللّهَ اللّهَ وَمَا عَاهَدْتُمْ عَلَيْهِ رَسُولَ اللّهِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ وَاَللّهِ مَا لَكُمْ عُذْرٌ عِنْدَ اللّهِ إنْ خُلِصَ إلَى نَبِيّكُمْ وَمِنْكُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ وَلَمْ أَرِمْ مِنْ عِنْدِهِ حَتّى مَاتَ . قَالَ فَرَجَعْت إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرْته . قَالَ فَرَأَيْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ رَافِعًا يَدَيْهِ يَقُولُ اللّهُمّ الْقَ سَعْدَ بْنَ الرّبِيعِ وَأَنْتَ عَنْهُ رَاضٍ [ ص 293 ]
(1/293)
قَالُوا : وَلَمّا صَاحَ إبْلِيسُ « إنّ مُحَمّدًا قَدْ قُتِلَ » يُحْزِنُهُمْ بِذَلِكَ تَفَرّقُوا فِي كُلّ وَجْهٍ وَجَعَلَ النّاسُ يَمُرّونَ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يَلْوِي عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَدْعُوهُمْ فِي أُخْرَاهُمْ حَتّى انْتَهَى مَنْ انْتَهَى مِنْهُمْ إلَى الْمِهْرَاسِ ، وَوَجّهَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُرِيدُ أَصْحَابَهُ فِي الشّعْبِ .
فَحَدّثَنِي مُوسَى بْنُ مُحَمّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمّا صَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَيْهِمْ كَانُوا فِئَتَهُ .
وَحَدّثَنِي الضّحّاكُ بْنُ عُثْمَانَ ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ لَمّا انْتَهَى إلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانُوا فِئَتَهُ فَانْتَهَى إلَى الشّعْبِ وَأَصْحَابُهُ فِي الْجَبَلِ أَوْزَاعٌ يَذْكُرُونَ مَقْتَل مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ وَيَذْكُرُونَ مَا جَاءَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . قَالَ كَعْبٌ وَكُنْت أَوّلَ مَنْ عَرَفَهُ وَعَلَيْهِ [ ص 294 ] الْمِغْفَرُ . قَالَ فَجَعَلْت أَصِيحُ هَذَا رَسُولُ اللّهِ حَيّا سَوِيّا وَأَنَا فِي الشّعْبِ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُومِئُ إلَيّ بِيَدِهِ عَلَى فِيهِ أَنْ اُسْكُتْ ثُمّ دَعَا بِلَأْمَتِي - وَكَانَتْ صَفْرَاءَ أَوْ بَعْضَهَا - فَلَبِسَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَنَزَعَ لَأْمَتَهُ . قَالَ وَطَلَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي الشّعْبِ بَيْنَ السّعْدَيْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، يَتَكَفّأُ فِي الدّرْعِ وَكَانَ إذَا مَشَى تَكَفّأَ تَكَفّؤًا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَيُقَالُ إنّهُ كَانَ يَتَوَكّأُ عَلَى طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ - وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ جُرِحَ يَوْمَئِذٍ فَمَا صَلّى الظّهْرَ إلّا جَالِسًا . قَالَ فَقَالَ لَهُ طَلْحَةُ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ بِي قُوّةً فَحَمَلَهُ حَتّى انْتَهَى إلَى الصّخْرَةِ عَلَى طَرِيقِ أُحُدٍ - مَنْ أَرَادَ شِعْبَ الْجَزّارِينَ - لَمْ يَعْدُهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى غَيْرِهَا ; ثُمّ حَمَلَهُ طَلْحَةُ حَتّى ارْتَفَعَ عَلَيْهَا ، ثُمّ مَضَى إلَى أَصْحَابِهِ وَمَعَهُ النّفَرُ الّذِينَ ثَبَتُوا مَعَهُ . فَلَمّا نَظَرَ الْمُسْلِمُونَ مَنْ مَعَهُ جَعَلُوا يُوَلّونَ فِي الشّعْبِ ، ظَنّوا أَنّهُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ حَتّى جَعَلَ أَبُو دُجَانَةَ يُلِيحُ إلَيْهِمْ بِعِمَامَةٍ حَمْرَاءَ عَلَى رَأْسِهِ فَعَرَفُوهُ فَرَجَعُوا ، أَوْ بَعْضُهُمْ .
وَيُقَالُ إنّهُ لَمّا طَلَعَ فِي النّفَرِ الّذِينَ ثَبَتُوا مَعَهُ الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ - سَبْعَةٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَسَبْعَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ - وَجَعَلُوا يُوَلّونَ فِي الْجَبَلِ جَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَتَبَسّمُ إلَى أَبِي بَكْر ٍ وَهُوَ إلَى جَنْبِهِ وَيَقُولُ لَهُ أَلِحْ إلَيْهِمْ فَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يُلِيحُ وَلَا يَرْجِعُونَ حَتّى نَزَعَ أَبُو دُجَانَةَ عِصَابَةً حَمْرَاءَ عَلَى رَأْسِهِ فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ فَجَعَلَ يَصِيحُ وَيُلِيحُ فَوَقَفُوا حَتّى تَلَاحَقَ الْمُسْلِمُونَ . وَلَقَدْ وَضَعَ أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ سَهْمًا عَلَى كَبِدِ قَوْسِهِ [ ص 295 ] فَأَرَادَ أَنْ يَرْمِيَ بِهِ الْقَوْمَ فَلَمّا تَكَلّمُوا وَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَكَأَنّهُمْ لَمْ يُصِبْهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ مُصِيبَةٌ حِينَ أَبْصَرُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ عَرَضَ الشّيْطَانُ بِوَسْوَسَتِهِ وَتَخْزِيَتِهِ لَهُمْ حِينَ أَبْصَرُوا عَدُوّهُمْ قَدْ انْفَرَجُوا عَنْهُمْ . قَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ : إنّي إلَى جَنْبِ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيّ وَهُوَ يَذْكُرُ مَنْ قُتِلَ مِنْ قَوْمِهِ وَيَسْأَلُ عَنْهُمْ فَيُخْبَرُ بِرِجَالٍ مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ رَبِيعٍ وَخَارِجَةُ بْنُ زُهَيْرٍ ، وَهُوَ يَسْتَرْجِعُ وَيَتَرَحّمُ عَلَيْهِمْ وَبَعْضُهُمْ يَسْأَلُ بَعْضًا عَنْ حَمِيمِهِ فَهُمْ يُخْبِرُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا . فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ رَدّ اللّهُ الْمُشْرِكِينَ لِيَذْهَبَ بِالْحُزْنِ عَنْهُمْ فَإِذَا عَدُوّهُمْ فَوْقَهُمْ قَدْ عَلَوْا ، وَإِذَا كَتَائِبُ الْمُشْرِكِينَ . فَنَسُوا مَا كَانُوا يَذْكُرُونَ وَنَدَبَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَحَضّنَا عَلَى الْقِتَالِ وَإِنّي لَأَنْظُرُ إلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ فِي عُرْضِ الْجَبَلِ يَعْدُونَ . فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لَمّا صَاحَ الشّيْطَانُ « قُتِلَ مُحَمّدٌ » أَقْبَلْت أَرْقَى فِي الْجَبَلِ كَأَنّي أُرْوِيّةٌ فَانْتَهَيْت إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ يَقُولُ وَمَا مُحَمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ . . الْآيَةَ وَأَبُو سُفْيَانَ فِي سَفْحِ الْجَبَلِ . قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اللّهُمّ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَعْلُوَنَا فَانْكَشَفُوا
(1/294)
قَالَ أَبُو أُسَيْدٍ السّاعِدِيّ : لَقَدْ رَأَيْتنَا قَبْلَ أَنْ يُلْقَى عَلَيْنَا النّعَاسُ وَإِنّا لَسِلْمٌ لِمَنْ أَرَادَنَا ، لِمَا بِنَا مِنْ الْحُزْنِ فَأُلْقِيَ عَلَيْنَا النّعَاسُ فَنِمْنَا حَتّى [ ص 296 ] تَنَاطَحَ الْحَجَفُ وَفَزِعْنَا وَكَأَنّا لَمْ يُصِبْنَا قَبْلَ ذَلِكَ نَكْبَةٌ .
وَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ : غَشِيَنَا النّعَاسُ حَتّى كَانَ حَجَفُ الْقَوْمِ تَنَاطَحَ .
وَقَالَ الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ : غَشِيَنَا النّعَاسُ فَمَا مِنّا رَجُلٌ إلّا وَذَقَنُهُ فِي صَدْرِهِ مِنْ النّوْمِ فَأَسْمَعُ مُعَتّبَ بْنَ قُشَيْرٍ يَقُولُ - وَإِنّي لَكَالْحَالِمِ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا .
قَالَ أَبُو الْيُسْرِ لَقَدْ رَأَيْتنِي يَوْمَئِذٍ فِي أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي إلَى جَنْبِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَدْ أَصَابَنَا النّعَاسُ أَمَنَةً مِنْهُ مَا مِنْهُمْ رَجُلٌ إلّا يَغُطّ غَطِيطًا حَتّى إنّ الْحَجَفَ لَتَنَاطَحَ . وَلَقَدْ رَأَيْت سَيْفَ بِشْرِ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ سَقَطَ مِنْ يَدِهِ وَمَا يَشْعُرُ بِهِ وَأَخَذَهُ بَعْدَ مَا تَثَلّمَ وَإِنّ الْمُشْرِكِينَ لَتَحْتنَا . وَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أُلْقِيَ عَلَيْنَا النّعَاسُ فَكُنْت أَنْعَسُ حَتّى سَقَطَ سَيْفِي مِنْ يَدِي . وَكَانَ النّعَاسُ لَمْ يُصِبْ أَهْلَ النّفَاقِ وَالشّكّ يَوْمَئِذٍ فَكُلّ مُنَافِقٍ يَتَكَلّمُ بِمَا فِي نَفْسِهِ وَإِنّمَا أَصَابَ النّعَاسُ أَهْلَ الْيَقِينِ وَالْإِيمَانِ .
(1/296)
وَقَالُوا : لَمّا تَحَاجَزُوا أَرَادَ أَبُو سُفْيَانَ الِانْصِرَافَ وَأَقْبَلَ يَسِيرُ عَلَى فَرَسٍ لَهُ حَوّاءُ أُنْثَى ، فَأَشْرَفَ عَلَى أَصْحَابِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عُرْضِ الْجَبَلِ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ اُعْلُ هُبَلُ ثُمّ يَصِيحُ أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ ؟ أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ؟ أَيْنَ ابْنُ الْخَطّابِ ؟ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، أَلَا إنّ الْأَيّامَ دُوَلٌ وَإِنّ الْحَرْبَ سِجَالٌ وَحَنْظَلَةُ بِحَنْظَلَةَ
فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللّهِ أُجِيبُهُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَلَى ، فَأَجِبْهُ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : اُعْلُ هُبَلُ فَقَالَ عُمَرُ اللّهُ أَعْلَى وَأَجَلّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : إنّهَا قَدْ أَنْعَمَتْ فَعَالِ عَنْهَا ثُمّ قَالَ أَيْنَ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ ؟ أَيْنَ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ؟ أَيْنَ ابْنُ الْخَطّابِ ؟
فَقَالَ عُمَرُ هَذَا رَسُولُ اللّهِ وَهَذَا أَبُو بَكْرٍ ، وَهَذَا عُمَرُ . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : يَوْمُ بِيَوْمِ بَدْرٍ، أَلَا إنّ الْأَيّامَ دُوَلٌ وَإِنّ الْحَرْبَ سِجَالٌ .
فَقَالَ عُمَرُ لَا سَوَاءَ قَتْلَانَا فِي الْجَنّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النّارِ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ إنّكُمْ لَتَقُولُونَ ذَلِكَ لَقَدْ خِبْنَا إذَنْ وَخَسِرْنَا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لَنَا الْعُزّى وَلَا عُزّى لَكُمْ فَقَالَ عُمَرُ اللّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ إنّهَا قَدْ أَنْعَمَتْ يَا ابْنَ الْخَطّابِ فَعَالِ عَنْهَا . ثُمّ قَالَ قُمْ إلَيّ يَا ابْنَ الْخَطّابِ أُكَلّمْك . فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ أَنْشُدُك بِدِينِك ، هَلْ قَتَلْنَا مُحَمّدًا ؟ قَالَ عُمَرُ اللّهُمّ لَا ، وَإِنّهُ لَيَسْمَعُ كَلَامَك الْآنَ . قَالَ أَنْتَ عِنْدِي أَصْدَقُ مِنْ ابْنِ قَمِيئَةَ - وَكَانَ ابْنُ قَمِيئَةَ أَخْبَرَهُمْ أَنّهُ قَتَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . ثُمّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَرَفَعَ صَوْتَهُ إنّكُمْ وَاجِدُونَ فِي قَتْلَاكُمْ عَيْثًا وَمَثْلًا ، أَلَا إنّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عَنْ رَأْيِ سَرَاتِنَا . ثُمّ أَدْرَكَتْهُ حَمِيّةُ الْجَاهِلِيّةِ فَقَالَ أَمّا إذْ كَانَ ذَلِكَ فَلَمْ نَكْرَهْهُ . ثُمّ نَادَى : أَلَا إنّ مَوْعِدَكُمْ بَدْرٌ الصّفْرَاءُ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ فَوَقَفَ عُمَرُ وَقْفَةً يَنْتَظِرُ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قُلْ نَعَمْ . فَقَالَ عُمَرُ نَعَمْ ثُمّ انْصَرَفَ أَبُو سُفْيَانَ [ ص 298 ] إلَى أَصْحَابِهِ وَأَخَذُوا فِي الرّحِيلِ فَأَشْفَقَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْمُسْلِمُونَ فَاشْتَدّتْ شَفَقَتُهُمْ مِنْ أَنْ يُغِيرَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى الْمَدِينَةِ فَتَهْلِكَ الذّرَارِيّ وَالنّسَاءُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاص ٍ ائْتِنَا بِخَبَرِ الْقَوْمِ إنْ رَكِبُوا الْإِبِلَ وَجَنّبُوا الْخَيْلَ فَهُوَ الظّعْنُ وَإِنْ رَكِبُوا الْخَيْلَ وَجَنّبُوا الْإِبِلَ فَهِيَ الْغَارَةُ عَلَى الْمَدِينَةِ . وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ سَارُوا إلَيْهَا لَأَسِيرَن إلَيْهِمْ ثُمّ لَأُنَاجِزَنهُمْ .
قَالَ سَعْدٌ : فَوَجّهْت أَسْعَى ، وَأَرْصَدْتُ فِي نَفْسِي إنْ أَفْزَعَنِي شَيْءٌ رَجَعَتْ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَنَا أَسْعَى ، فَبَدَأْت بِالسّعْيِ حِينَ ابْتَدَأْت ، فَخَرَجْت فِي آثَارِهِمْ حَتّى إذَا كَانُوا بِالْعَقِيقِ وَكُنْت حَيْثُ أَرَاهُمْ وَأَتَأَمّلُهُمْ فَإِذَا هُمْ قَدْ رَكِبُوا الْإِبِل وَجَنّبُوا الْخَيْلَ فَقُلْت : إنّهُ الظّعْنُ إلَى بِلَادِهِمْ . فَوَقَفُوا وَقْفَةً بِالْعَقِيقِ وَتَشَاوَرُوا فِي دُخُولِ الْمَدِينَةِ ، فَقَالَ لَهُمْ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ : قَدْ أَصَبْتُمْ الْقَوْمَ فَانْصَرِفُوا فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ وَأَنْتُمْ كَالّونَ وَلَكُمْ الظّفَرُ فَإِنّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا يَغْشَاكُمْ . قَدْ وَلّيْتُمْ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَاَللّهِ مَا تَبِعُوكُمْ وَالظّفَرُ لَهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَاهُمْ صَفْوَانُ
فَلَمّا رَآهُمْ سَعْدٌ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ مُنْطَلِقِينَ قَدْ دَخَلُوا فِي الْمُكَيْمِنِ رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ كَالْمُنْكَسِرِ فَقَالَ وَجّهَ الْقَوْمُ يَا رَسُولَ اللّهِ إلَى مَكّةَ ، امْتَطَوْا الْإِبِلَ وَجَنّبُوا الْخَيْلَ . فَقَالَ مَا تَقُولُ ؟ فَقُلْت ذَلِكَ ثُمّ خَلَا بِي فَقَالَ حَقّا مَا تَقُولُ ؟ قُلْت : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللّهِ . فَقَالَ مَا لِي رَأَيْتُك مُنْكَسِرًا ؟ قَالَ فَقُلْت : كَرِهْت أَنْ آتِيَ الْمُسْلِمِينَ فَرِحًا بِقُفُولِهِمْ إلَى بِلَادِهِمْ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ سَعْدًا لَمُجَرّبٌ وَيُقَالُ إنّ سَعْدًا لَمّا رَجَعَ جَعَلَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِأَنْ جَنّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ فَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُشِيرُ إلَى سَعْدٍ أَنْ اخْفِضْ صَوْتَك قَالَ ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ فَلَا تُرِي النّاسَ مِثْلَ هَذَا الْفَرَحَ بِانْصِرَافِهِمْ فَإِنّمَا رَدّهُمْ اللّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى [ ص 297 ] [ ص 299 ]
قَالَ الْوَاقِدِيّ : حَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ يَحْيَى بْنِ شِبْلٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنْ رَأَيْت الْقَوْمَ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ فَأَخْبِرْنِي فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَك ، وَلَا تَفُتّ أَعْضَادَ الْمُسْلِمِينَ . فَذَهَبَ فَرَآهُمْ قَدْ امْتَطَوْا الْإِبِلَ فَرَجَعَ فَمَا مَلَكَ أَنْ جَعَلَ يَصِيحُ سُرُورًا بِانْصِرَافِهِمْ .
فَلَمّا قَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى قُرَيْشٍ بِمَكّةَ لَمْ يَصِلْ إلَى بَيْتِهِ حَتّى أَتَى هُبَلَ فَقَالَ قَدْ أَنْعَمَتْ وَنَصَرْتنِي وَشَفَيْت نَفْسِي مِنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَحَلَقَ رَأْسَهُ .
(1/298)
وَقِيلَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ كَيْفَ كَانَ افْتِرَاقُ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ ؟ فَقَالَ مَا تُرِيدُ إلَى ذَلِكَ ؟ قَدْ جَاءَ اللّهُ بِالْإِسْلَامِ وَنَفَى الْكُفْرَ وَأَهْلَهُ . ثُمّ قَالَ لَمّا كَرَرْنَا عَلَيْهِمْ أَصَبْنَا مَنْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ وَتَفَرّقُوا فِي كُلّ وَجْهٍ . وَفَاءَتْ لَهُمْ فِئَةٌ بَعْدُ فَتَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ فَقَالُوا : لَنَا الْغَلَبَةُ فَلَوْ انْصَرَفْنَا فَإِنّهُ بَلَغَنَا أَنّ ابْنَ أُبَيّ انْصَرَفَ بِثُلُثِ النّاسِ وَقَدْ تَخَلّفَ نَاسٌ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ، وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُرّوا عَلَيْنَا وَفِينَا جِرَاحٌ وَخَيْلُنَا عَامّتُهَا قَدْ عُقِرَتْ مِنْ النّبْلِ . فَمَضَوْا ، فَمَا بَلَغْنَا الرّوْحَاءَ حَتّى قَامَ عَلَيْنَا عِدّةٌ مِنْهَا ، وَمَضَيْنَا . [ ص 300 ]
(1/300)
ذِكْرُ مَنْ قُتِلَ بِأُحُدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ شُجَاعٍ قَالَ حَدّثَنَا الْوَاقِدِيّ قَالَ حَدّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ ، قَالَ قُتِلَ مِنْ الْأَنْصَارِ بِأُحُدٍ سَبْعُونَ .
وَحَدّثَنِي ابْنُ أَبِي سَبْرَةَ عَنْ رُبَيْحِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ مِثْلَهُ . وَحَدّثَنِي عُمَرُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُبَيْدٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ قُرَيْش ٍ وَسَائِرُهُمْ مِنْ الْأَنْصَارِ - الْمُزَنِيّ ، وَابْنُ أَخِيهِ وَابْنَا الْهَبِيتِ - أَرْبَعَةٌ وَسَبْعُونَ هَذَا الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ .
وَمِنْ بَنِي هَاشِمٍ : حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، قَتَلَهُ وَحْشِيّ ، هَذَا الْأَصَحّ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَنَا .
وَمِنْ بَنِي أُمَيّة َ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ قَتَلَهُ أَبُو الْحَكَمِ بْنُ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ .
وَيُقَالُ خَمْسَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ - مِنْ بَنِي أَسَدٍ : سَعْدٌ مَوْلَى حَاطِبٍ وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ شَمّاسُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الشّرِيدِ ، قَتَلَهُ أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ . وَيُقَالُ إنّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الْأَسَدِ أَصَابَهُ جُرْحٌ بِأُحُدٍ فَلَمْ يَزَلْ جَرِيحًا حَتّى مَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ فَغُسِلَ بِبَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ بِالْعَالِيَةِ بَيْنَ قَرْنَيْ الْبِئْرِ الّتِي صَارَتْ لِعَبْدِ الصّمَدِ بْنِ عَلِيّ الْيَوْمَ .
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ : مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ ، قَتَلَهُ ابْنُ قَمِيئَةَ . وَمِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ عَبْدُ اللّهِ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ ابْنَا الْهَبِيتِ .
(1/300)





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق