Translate ***

الجمعة، 29 أبريل 2022

ج5. وج6. كتاب : الفرج بعد الشدة القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي

 

 ج5.كتاب : الفرج بعد الشدة القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي

ولم أعلم من أمري شيئاً، إلا أنني أفقت فلم أره، ووجدت أعضائي سالمة، ووجدت حولي من الجماجم والعظام أمراً عظيماً، فلم يزل عقلي وقوتي يثوبان إلي إلى أن قمت، ومشيت.

فعثرت بشيء تأملته، فإذا هو هميان، فأخذته، وشددت به وسطي، ومشيت إلى أن بعدت عن الموضع، فوصلت إلى شبيه بوهدة، فجلست فيها، وغطيت نفسي بما أمكنني من القصب بقية ليلتي.
فلما طلعت الشمس أحسست بكلام المجتازين، وحوافر بغالهم، فخرجت وعرفتهم قصتي، وركبت بغل أحدهم.
فلما بعدت عن الأجمة، وأمنت على نفسي، فتحت الهميان، فإذا فيه رقعة بخط أبي، بأصل ما كان في الهميان من الدنانير، وبما أنفقه، فإذا هو هميان أبي الذي كان في وسطه لما افترسه السبع.
فحسبت المصروف، ووزنت الباقي، فإذا هي بأزاء ما بقي من الأصل، ما نقصت شيئاً.
قال: وأخرج الهميان، وفتحه، وأخرج الرقعة، فقال أبو علي: نعم، هذا خط أبيك.
وعجبت الجماعة من ذلك.

نجا من الأسد وافترس مملوكه

وبلغني عن رجل من أهل الأنبار، قال: خرجت إلى ضيعة لي في ظاهر الأنبار، راكباً دابة لي، ومعي مملوك لي أسود في نهاية الشجاعة.
فلما صرنا في بعض الطريق، بالقرب من الموضع الذي أنا طالبه، إذ نشأت سحابة، فأمطرت، وكان المساء قد أدركنا، فملنا إلى قباب كانت في الطريق للسابلة، فلجأنا إليها، فقوي المطر حتى منعنا من الحركة، فأشار الغلام علي بالمبيت.
فقلت له: نخاف اللصوص ويلك.
فقال لي: تخاف وأنا معك ؟ قلت: فالسبع ؟ قال: نصير الدابة داخل القبة، وأنت تليها، وأنا عند الباب، وأشد وسطي بالحبل الذي معنا، وأشد طرفه برجلك، حتى لا يأخذني النوم، فإن جاء الأسد، أخذني دونك.
وما زال يحسن لي ذلك الرأي حتى أطعته، وملنا إلى إحدى القباب، ودخلناها، وفعل ما قال.
فوالله ما مضت قطعة من الليل، حتى جاء الأسد، فأخذ الأسود فدقه، واحتمله، وجر رجلي المشدودة معه في الحبل.
فلم يزل يجرني على الشوك والحجارة، إلى أن صار بي إلى أجمته، وأنا لا أعقل شيئاً من أمري، ولا أحس بأكثر ما يجري، ولا تمييز لي يؤدي بي إلى الاجتهاد في حل الحبل من رجلي.
ثم رمى بالأسود، وربض عليه، وما زال يأكل منه، حتى شبع، وترك ما فضل منه، وليس في من حس الحياة غير النظر فقط، ثم مضى، فنام بالقرب من مكاننا.
وبقيت زماناً على تلك الحال، ثم سكن روعي، ورجعت إلي نفسي، لطول مكث الأسد في نومه، فحللت رجلي من الحبل، وقمت أدب، فعثرت بشيء لا أدري ما هو، فأخذته، فإذا هميان ثقيل، فشددته على وسطي، وخرجت من الأجمة، وقد قارب الصبح أن يسفر.
وصرت إلى القبة التي فيها دابتي، فإذا هي واقفة بحالها، فأخرجتها، وركبتها، وانصرفت إلى منزلي، وفتحت الهميان، فوجدت فيه جملة دنانير.
فحمدت الله تعالى على السلامة وبقي الرعب في قلبي، والتألم في بدني، مدة.
الباب العاشر

فيمن اشتد بلاؤه بمرض ناله فعافاه الله سبحانه بأيسر سبب وأقاله

دعاء يشفي من الوجع

حدثني علي بن عمر بن أحمد الحافظ، من حفظه، قال: حدثنا أبو بكر النيسابوري، قال: حدثنا أبو بشر بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب أن مالكاً، أخبره عن يزيد بن خصيفة، عن عمرو بن عبد الله بن كعب السلمي عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عثمان بن أبي العاص الثقفي، قال: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعاً بي، قد كاد يبطلني، فقال لي: يا عثمان، ضع يدك عليه، وقل: بسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته، من شر هذا الوجع، ومن شر ما أجد وأحاذر، سبع مرات.
قال: فقلتها، فشفاني الله.
وجأ نفسه بسكين فعوفي من مرضهحدثنا أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، قال: حدثنا أحمد بن سليمان الطوسي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني محمد بن الضحاك، عن أبيه، ومحمد بن سلام عن أبي جعدة، قال: برص أبو عزة الجمحي الشاعر، فكانت قريش لا تؤاكله، ولا تجالسه، فقال: الموت خير من هذه الحياة.
فأخذ حديدة، ودخل بعض شعاب مكة، فطعن بها في معده. والمعد: موضع عقبي الراكب من الدابة.
قال أبو جعدة: فمرت الحديدة بين الجلد والصفاق، فسال منه ماء أصفر، وبرئ لوقته، فقال:
ألّلهمّ ربّ وائلٍ ونهد ... والمهمهات والجبال الجرد
قال مؤلف هذا الكتاب: والذي في كتاب الطوسي: لا هم، وهو الصواب عندي.

وربّ من يرعى بياض نجد ... أصبحت عبداً لك وابن عبد
أبرأتني من وضحٍ في جلدي ... من بعد ما طعنت في معدّي

يا قديم الإحسان لك الحمد

حدثنا أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن البهلول التنوخي، قال: كان ينزل بباب الشام من الجانب الغربي من بغداد رجل مشهور بالزهد والعبادة، يقال له: لبيب العابد، لا يعرف إلا بهذا.
وكان الناس ينتابونه، وكان صديقاً لأبي، فحدثني لبيب، قال: كنت مملوكاً رومياً لبعض الجند، فرباني، وعلمني العمل بالسلاح، حتى صرت رجلاً، ومات مولاي بعد أن أعتقني.
فتوصلت إلى أن حصلت رزقه لي، وتزوجت بامرأته، وقد علم الله أنني لم أرد بذلك إلا صيانتها، فأقمت معها مدة.
ثم اتفق أني رأيت يوماً حية داخلة في جحرها، فأمسكت ذنبها، فانثنت علي، فنهشت يدي، فشلت.
ومضى على ذلك زمان طويل، فشلت يدي الأخرى، لغير سبب أعرفه، ثم جفت رجلاي، ثم عميت، ثم خرست.
وكنت على ذلك الحال - ملقىً - سنة كاملة، لم تبق لي جارحة صحيحة، إلا سمعي، أسمع به ما أكره، وأنا طريح على ظهري، لا أقدر على الكلام، ولا على الحركة، وكنت أسقى وأنا ريان، وأترك وأنا عطشان، وأهمل وأنا جائع، وأطعم وأنا شبعان.
فلما كان بعد سنة، دخلت امرأة إلى زوجتي، فقالت: كيف أبو علي، لبيب ؟ فقالت لها زوجتي: لا حي فيرجى، ولا ميت فيسلى.
فأقلقني ذلك، وآلمني ألماً شديداً، وبكيت، ورغبت إلى الله عز وجل في سري بالدعاء.
وكنت في جميع تلك العلل لا أجد ألماً في جسمي، فلما كان في بقية ذلك اليوم، ضرب علي جسمي ضرباناً عظيماً كاد يتلفني، ولم أزل على ذلك الحال، إلى أن دخل الليل وانتصف، فسكن الألم قليلاً، فنمت.
فما أحسست إلا وقد انتبهت وقت السحر، وإحدى يدي على صدري، وقد كانت طول هذه السنة مطروحة على الفراش لا تنشال أو تشال.
ثم وقع في قلبي أن أتعاطى تحريكها، فحركتها، فتحركت، ففرحت بذلك فرحاً شديداً، وقوي طمعي في تفضل الله عز وجل علي بالعافية.
فحركت الأخرى فتحركت، فقبضت إحدى رجلي فانقبضت، فرددتها فرجعت، ففعلت مثل ذلك مراراً.
ثم رمت الانقلاب من غير أن يقلبني أحد، كما كان يفعل بي أولاً، فانقلبت بنفسي، وجلست.
ورمت القيام فأمكنني، فقمت ونزلت عن السرير الذي كنت مطروحاً عليه، وكان في بيت من الدار.
فمشيت ألتمس الحائط في الظلمة، لأنه لم يكن هناك سراج، إلى أن وقعت على الباب، وأنا لا أطمع في بصري.
فخرجت من البيت إلى صحن الدار، فرأيت السماء والكواكب تزهر، فكدت أموت فرحاً.
وانطلق لساني بأن قلت: يا قديم الإحسان، لك الحمد.
ثم صحت بزوجتي، فقالت: أبو علي ؟ فقلت: الساعة صرت أبو علي ؟ أسرجي، فأسرجت.
فقلت: جيئيني بمقراض، فجاءت به، فقصصت شارباً لي كان بزي الجند.
فقالت زوجتي: ما تصنع ؟ الساعة يعيبك رفقاؤك.
فقلت: بعد هذا لا أخدم أحداً غير ربي.
فانقطعت إلى الله عز وجل، وخرجت من الدار، وطلقت الزوجة، ولزمت عبادة ربي.
وقال أبو الحسن: وخبر هذا الرجل معروف مشهور، وكانت هذه الكلمة: يا قديم الإحسان لك الحمد، صارت عادته، يقولها في حشو كلامه.
وكان يقال إنه مجاب الدعوة، فقلت له يوماً: إن الناس يقولون إنك رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في منامك، فمسح يده عليك، فبرئت.
فقال: ما كان لعافيتي سبب غير ما عرفتك.
أبرأ أبو بكر الرازي غلاماً ينفث الدم بإطعامه الطحلب
حدثني أبو الحسن محمد بن لعي الخلال البصري، أحد أبناء القضاة، قال: حدثني بعض أهل الطب الثقات: أن غلاماً من بغداد قدم الري وهو ينفث الدم، وكان لحقه ذلك في طريقه.
فاستدعى أبا بكر الرازي الطبيب المشهور بالحذق، صاحب الكتب المصنفة، فوصف له ما يجد.
فأخذ الرازي مجسه، ورأى قارورته، واستوصف حاله، منذ ابتداء ذلك به، فلم يقم له دليل على سل ولا قرحة، ولم يعرف العلة، فاستنظر الرجل ليفكر في الأمر.
فقامت على العليل قيامته وقال: هذا إياس لي من الحياة، لحذق الطبيب، وجهله بالعلة، فازداد ما به.
وولد الفكر للرازي أن عاد إليه وسأله عن المياه التي شربها في طريقه، فأخبره أنه شرب من مستنقعات وصهاريج.
فقام في نفس الرازي، لحدة الخاطر وجودة الذكاء، أن علقةً كانت في الماء وقد حصلت في معدته، وأن ذلك النفث من فعلها.

فقال له: إذا كان غداً جئتك بعلاجك، ولا أنصرف من عندك حتى تبرأ بإذن الله تعالى، ولكن بشرط أن تأمر غلمانك يطيعونني فيما آمرهم به.
قال: نعم.
وانصرف الرازي، وجمع ملء مركنين كبيرين من طحلب، وأحضرهما من غد معه، وأراه إياهما.
وقال له: أبلع جميع ما في هذين المركنين، فبلع الرجل شيئاً يسيراً، ثم وقف.
فقال له: أبلع.
فقال: لا أستطيع.
فقال للغلمان: خذوه، فنيموه، ففعلوا به ذلك، وفتحوا فاه، وأقبل الرازي يدير الطحلب في حلقه، ويكبسه كبساً شديداً ويطالبه ببلعه، شاء أو أبى، ويتهدده بالضرب، إلى أن بلع كارهاً أحد المركنين، وهو يستغيث فلا ينفعه مع الرازي شيء.
إلى ان قال له العليل: الساعة أقذف ما في بطني، فزاد الرازي فيما يكبسه في حلقه.
فذرعه القيء، فقذف، فتأمل الرازي قذفه، فإذا فيه علقة، وإذا بها لما وصل إليها الطحلب، دبت إليه بالطبع، وتركت موضعها، فلما قذف العليل، خرجت مع الطحلب، ونهض العليل معافى.

أصيب بوجع في المعدة وشفاه لحم جرو سمين

وحكى الحسن بن محمد السطوي، غلام كان يخدم أبي رحمه الله، قال: حدثني أبو الحسن علي بن الحسن الصيدلاني البناتاذري، خليفة القاضي أبي القاسم علي بن محمد التنوخي على القضاء ببناتاذر، قال: كان عندنا بسوق الأربعاء، من بناتاذر، غلام حدث من أولاد التناء، لحقه وجع في معدته شديد، بلا سبب يعرفه، وكانت تضرب عليه في أكثر الأوقات ضرباناً عظيماً، حتى كاد يتلف، وقل أكله، ونحل جسمه.
فحمل إلى الأهواز، فعولج بكل شيء، فما نجع فيه دواء، فرد إلى بيته وقد يئس منه.
فاستدعى والده طبيباً حاذقاً، وأراه ولده، فقال له الطبيب: أقعد وأشرح لي حالك، منذ حال الصحة، فشرحها.
وطاوله في الحديث، إلى أن قال له العليل: إني دخلت بستاناً لنا، وكان في بيت البقر منه، رمان كثير، قد جمع للبيع، فأكلت منه رمانات عدة.
فقال له الطبيب: كيف كنت تأكل ؟ قال: كنت أعض رأس الرمانة بفمي، وأرمي به، وأكسرها، وآكلها، قطعاً قطعاً.
فقال له الطبيب: في غد أعالجك، وتبرأ بإذن الله تعالى، وخرج.
فلما كان من الغد، جاءه بقدر إسفيذباج، قد طبخها بلحم جرو سمين، وقال للعليل: كل هذا.
فقال: ما هو ؟ قال: إذا أكلت عرفتك.
قال: فأكل العليل.
فقال له الطبيب: أمتل من الطعام، ففعل، ثم أطعمه بطيخاً كثيراً، ثم تركه ساعة، وسقاه فقاعاً قد خلط بماء حار وشبث.
ثم قال: أتدري أي شيء أكلت ؟ قال: لا أدري.
قال: أكلت لحم كلب، فحين سمع الغلام ذلك، اندفع فقذف جميع ما في بطنه.
فأمر الطبيب بعينيه ورأسه فأُمسكا، وأقبل يتأمل القذف، إلى أن طرح الغلام شيئاً أسود، كالنواة الكبيرة، يتحرك.
فأخذه الطبيب، وقال له: ارفع رأسك، فقد برئت، وفرج الله تعالى عنك.
فرفع الغلام رأسه، وانقطع القذف، وسقاه الطبيب شيئاً يقطع الغثيان، وصب على رأسه ماء ورد، وسكن نفسه، ثم أخذ ذلك الشيء الذي يشبه النواة، فأراه إياه، فإذا هو قراد.
وقال له: إني قد زكنت أن الموضع الذي كان فيه الرمان، كان فيه قردان من البقر، وأنه قد دخلت واحدة منهن في رأس إحدى الرمانات التي اقتلعت رؤوسها بفيك، فنزل القراد إلى حلقك، وعلق بمعدتك يمتصها.
وعلمت أن القراد يهش إلى لحم الكلب، فأطعمتك إياه، وقلت: إن صح ظني، فسيتعلق القراد بلحم الكلب، تعلقاً يخرج معه إن قذفت، فتبرأ، وإن لم يكن ما ظننت صحيحاً، فما يضرك من أكل لحم الكلب.
فلما أحب الله تعالى من عافيتك صح حدسي، فلا تعاود بعد هذا إدخال شيء في فيك لا ترى ما فيه.
وبريء الغلام، وصح جسمه.
ذكاء طبيب أهوازيوحدثنا الحسن غلامنا، عن ابن الصيدلاني هذا، قال: كان لي أكار حدث، فانتفخ ذكره انتفاخاً عظيماً واحمر، وضرب عليه ضرباناً شديداً، فلم يكن ينام الليل، ولا يهدأ النهار، وعولج فلم يكن إلى برئه سبيل.
قال: فجاء مطبب من الأهواز، يريد البصرة، فسألته أن ينظر إليه.
فقال لي: قل له يصدقني عن خبره في أيام صحته، وإلى الآن، قال: فحدثه.
فقال له: ما صدقتني، ومالي إلى علاجك سبيل، إلا أن تصدقني.
فقال لي الغلام: إن صدقتك يا أستاذ، فأنا آمن من جهتك على نفسي ؟ قلت: نعم.
فقال: أنا غلام حدث، وعزب، فوطئت حماراً لي في الصحراء ذكراً.

فقال له الطبيب: الآن علمت أنك قد صدقت، والساعة تبرأ.
ثم أمر به فأُمسك إمساكاً شديداً، وأخذ ذكره بيده، فجسه جساً شديداً، والغلام ساكت.
إلى أن جس منه موضعاً، فصاح الغلام، فأخذ الطبيب خيط إبريسم، فشد الموضع شداً شديداً، ولم يزل يمرخ إحليل الغلام بيده، ويسلته، إلى أن ندت منه حبة شعير من نقب ذكر الغلام، وقد كبرت وجرحت الموضع، فسال منه شيء يسير كماء اللحم.
فأعطاه مرهماً، وقال له: استعمل هذا أياماً فإنك تبرأ، وتب إلى الله تعالى من هذا الفعل.
فاستعمل الغلام ذلك المرهم، فبرئ.

شج رأسه فمرض ثم شج بعدها فصلح

وحدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبيد الله الدقاق، المعروف بابن العسكري، شيخ مجرب ثقة، كان ينزل في درب الشاكرية من نهر المعلى، في الجانب الشرقي من بغداد، في المذاكرة، قال: كان أبي إذا جلس يفتش في دفاتره، وأنا صبي، أجيء فآخذ منها الشيء بعد الشيء، استحسنه، فألعب به.
وكنت أرى في دفاتره دفتراً فيه خطوط حمر، فأستحسنه وأطلبه فيمنعني منه، حتى بلغت مبلغ الرجال.
فجلس يوماً يفتش كتبه، فرأيت الدفتر، فأغفلت أبي وأخذته، ففتحته أقرؤه، فإذا هو مولدي، وقد عمله بعض المنجمين.
فوجدت فيه، أنني إذا بلغت أربعاً وثلاثين سنة، كان علي فيها قطع.
فالتفت أبي فرأى الدفتر معي، فصاح وأخذه مني، ونظر إلى أي موضع بلغت، فتوقف وأخذ يضعف ذلك في نفسي لئلا أغتم.
ومضت السنون، فلما بلغت السنة التي ذكرها المنجم، ركبت مهراً لي، وخرجت من دار الضرب، وأبي فيها، وكان إليه العيار، فبلغت إلى ساباط بدرب سيما، بدرب الديزج.
فنفر المهر من كلب كان في الطريق رابضاً، فضرب رأسي حائطاً كان في الساباط، فوقعت عن المهر مغشياً علي.
ثم حملت إلى دار الضرب، وأحضر طبيب، وقد انتفخ موضع الضربة من رأسي إنتفاخاً عظيماً، فأشار بفصدي، ففصدت فلم يخرج لي دم.
فحملت إلى بيتنا، ولم أشك في أني ميت لشدة ما لحقني، فاعتللت، وضعفت نفسي خوفاً مما ذكرته من حكم المنجم.
فكنت يوماً جالساً مستنداً إلى سرير، وقد أيست من الحياة، إذ حملتني عيناي، فخفق رأسي، فضرب درابزين السرير، فشج الموضع المنتفخ، فخرج منه أرطال دم، فخف ما بي في الحال، فصلحت، وبرئت، وعشت إلى الآن.
وكان له يوم حدثني بهذا الحديث أربعاً وثمانين سنة وشهور، على ما أخبرني.
القطيعي الطبيب وذكاؤه ومكارم أخلاقهوحدثني أبو الحسن علي بن أبي محمد الحسن بن محمد الصلحي الكاتب، قال: رأيت بمصر طبيباً مشهوراً يعرف بالقطيعي، وكان يقال: إنه يكسب في كل يوم ألف درهم، من جرايات يجريها عليه قوم من رؤساء العسكر، ومن السلطان، وما يأخذه من العامة.
قال: وكان له دار قد جعلها شبه البيمارستان، من جملة داره، يأوي إليها ضعفاء الأعلة، يعالجهم، ويقوم بأودهم وأدويتهم، وأغذيتهم، وخدمتهم، وينفق أكثر كسبه في ذلك.
قال أبو الحسن: فأسكت بعض فتيان الرؤساء بمصر - وأسماه لي فذهب عني اسمه - وكنت هناك، فحمل إليه أهل الطب، وفيهم القطيعي، فأجمعوا على موته، إلا القطيعي، وعمل أهله على غسله ودفنه.
فقال القطيعي: دعوني أعالجه، فإن برئ، وإلا فليس يلحقه أكثر من الموت الذي أجمع هؤلاء عليه.
فخلاه أهله معه، فقال؛ هاتم غلاماً جلداً ومقارع، فأتي بذلك.
فأمر به فمد، وضرب عشر مقارع من أشد الضرب، ثم جس مجسه، وضربه عشراً أخرى شديدة أيضاً، ثم جس مجسه، وضربه عشراً أخرى.
ثم جس مجسه، وقال للطب: أيكون للميت نبض يضرب ؟ فقالوا: لا.
قال: فجسوا نبض هذا.
فجسوه، فإذا به يتحرك، فضرب عشر مقارع أخرى، فصاح.
فقطع الضرب عنه، فجلس العليل يجس بدنه، ويتأوه، وقد ثابت إليه قوته.
فقال له الطبيب: ما تجد ؟ قال: أنا جائع.
قال: أطعموه الساعة، فجاءوه بما أكله، وقمنا وقد رجعت قوته، وبرئ.
فقال له الطب: من أين لك هذا ؟ قال: كنت مسافراً في قافلة فيهم أعراب يخفروننا، فسقط منهم فارس عن فرسه، فأسكت، فعمد شيخ منهم إليه، فضربه ضرباً عظيماً، فما رفع عنه الضرب حتى أفاق، فعلمت أن ذلك الضرب جلب عليه حرارة أزالت سكتته.
فقست عليه أمر هذا العليل.
مريض بالاستسقاء تشفيه أكلة جراد

حدثني بعض المتطببين بالبصرة، قال: حدثنا أبو منصور بن مارية، كاتب أبي مقاتل صالح بن مرداس الكلابي، أمير حلب، وكان أبو منصور من رؤساء أهل الصراة الذين يضربون المثل بنعمتهم وترفههم، وكان ثقة أديباً، وقد شاهدته أنا، ولم أسمع منه هذه الحكاية، قال: أخبرني أحد شيوخنا، قال: كان بعض أهلنا قد استسقى، فأيس من حياته، وحمل إلى بغداد، فشوور أهل الطب فيه، فوصفوا له أدوية كثاراً، فعرفوا أنه قد تناولها بأسرها، فلم تنجع، فأيسوا منه، وقالوا: لا حيلة لنا في برئه.
فلما سمع العليل ذلك، قال لمن معه: دعوني الآن أتزود من الدنيا، وآكل ما أشتهي، ولا تقتلوني قبل أجلي بالحمية.
فقالوا: كل ما تريد.
فكان يجلس على دكان بباب الدار، ومهما رأى ما يجتاز به على الطريق، شراه، وأكله.
فمر به رجل يبيع جراداً مطبوخاً، فاشترى منه عشرة أرطال، وأكلها بأسرها.
فلما كان بعد ساعة، أنحل طبعه، وتواتر قيامه، حتى قام في ثلاثة أيام أكثر من ثلثمائة مجلس، وضعف، وكاد يتلف.
ثم انقطع القيام، وقد زال كل ما في جوفه، وعادت بطنه إلى حالها في الصحة، وثابت إليه قوته، وبرئ.
فخرج برجليه في اليوم الخامس، يتصرف في حوائجه، فرآه أحد الطب، فعجب من أمره، وسأله عن الخبر، فعرفه.
فقال: ليس من شأن الجراد أن يفعل هذا، ولا بد أن يكون في الجراد الذي فعل هذا خاصية، فأحب أن تدلني على الذي باعك الجراد، فلم يزالوا في طلبه حتى وجدوه.
فقال له الطبيب: من أين لك هذا الجراد ؟ فقال: أنا أصيده، وأجمع منه شيئاً كثيراً، وأطبخه، وأبيعه.
فقال: من أين تصيده ؟ فذكر قرية بالقرب من بغداد.
فقال له الطبيب: أعطيك ديناراً، وتدع شغلك، وتجيء معي إلى الموضع.
قال: نعم، فخرجا وعاد الطبيب من غد، فذكر أنه رأى الجراد يرعى في صحراء أكثر نباتها حشيشة يقال لها: مازريون، وهي دواء الاستسقاء.
وإذا دفع إلى العليل منها وزن درهم، أسهله إسهالاً يزيل الإستسقاء، ولكن لا يؤمن أن لا ينظبط، ولا يقف، فيقتله الذرب، والعلاج بها خطر جداً، وهي مذكورة في الكتب الطبية، ولكنها لفرط خطرها لا يصفها الأطباء، فلما وقع الجراد على هذه الحشيشة، وانطبخت في معدته، ثم طبخ الجراد، ضعف فعلها بطبخين اجتمعا عليها، وقضى أن تناولها هذا بالاتفاق، وقد تعدلت بمقدار ما يدفع طبعه دفعاً لا ينقطع، فبرأ.

مريض بالاستسقاء يبرأ بعد أن طعم لحم أفعى

وحدثنا أبو الحسن محمد بن طرطى الواسطي، قال: سمعت أبا علي عمر بن يحيى العلوي الكوفي، قال: كنت في بعض حججي في طريق مكة، فاستسقى رجل كان معنا من أهل الكوفة، وثقل في علته.
وسل الأعراب قطاراً من القافلة كان هذا العليل على جمل منه، ففقد، وجزعنا عليه، وعلى القطار، وكنا راجعين إلى الكوفة.
فلما كان بعد مدة، جاء العليل إلى داري معافىً، فسألته عن قصته وسبب عافيته.
فقال: إن الأعراب لما سلوا القطار، ساقوه إلى محلهم، وكان على فراسخ يسيرة من المحجة، فأنزلوني، ورأوا صورتي، فطرحوني في أواخر بيوتهم.
وتقاسموا ما كان في القطار، فكنت أزحف وأتصدق من البيوت ما آكله، وتمنيت الموت، وكنت أدعو الله تعالى به أو بالعافية.
فرأيتهم يوماً وقد عادوا من ركوبهم، وأخرجوا أفاعي قد اصطادوها، فقطعوا رؤوسها وأذنابها، واشتووها، وأكلوها.
فقلت: هؤلاء يأكلون هذه فلا تضرهم بالعادة التي قد مرنوا عليها، ولعلي إذا أكلت منها شيئاً أن أتلف فأستريح مما أنا فيه.
فقلت لبعضهم: أطعمني من هذه الحيات، فرمى إلي واحدة منها مشوية، فيها أرطال، فأكلتها بأسرها، وأمعنت، طلباً للموت، فأخذني نوم عظيم، فانتبهت وقد عرقت عرقاً عظيماً، فاندفعت طبيعتي، فقمت في بقية يومي وليلتي أكثر من مائة مجلس، إلى أن سقطت طريحاً وجوفي يجري.
فقلت: هذا طريق الموت، فأقبلت أتشهد، وأدعو الله تعالى بالرحمة والمغفرة.
فلما أضاء الصبح، تأملت بطني، فإذا هي قد ضمرت جداً، وزال عنها ما كان بها، فقلت: أي شيء ينفعني هذا، وأنا ميت ؟ فلما أضحى النهار، انقطع القيام، ووجبت صلاة الظهر، فلم أحس بقيام، وجعت، فجئت لأزحف على العادة، فوجدت بدني خفيفاً، وقوتي صالحة، فتحاملت ومشيت، وطلبت منهم مأكولاً فأطعموني، وقويت، وبت في الليلة الثانية معافىً لا أنكر شيئاً من أمري.

فأقمت أياماً، إلى أن وثقت من نفسي بأني إن مشيت نجوت، فأخذت الطريق مع بعضهم، إلى أن صرت على المحجة، ثم سلكتها، منزلاً، منزلاً، إلى الكوفة مشياً.

القاضي أبو الحسين بن أبي عمر يحزن لموت يزيد المائي

حدثني أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المرزبان الشيرازي الكاتب: قال: حدثني أبو بكر الجعابي الحافظ، قال: دخلت يوماً على القاضي أبي الحسين بن أبي عمر، وهو مغموم، فقلت: لا يغم الله قاضي القضاة، ما هذا الحزن الذي أراه به ؟ قال: مات يزيد المائي.
فقلت: يبقي الله قاضي القضاة، ومن يزيد المائي، حتى إذا مات اغتم عليه قاضي القضاة، هذا الغم كله ؟ فقال: ويحك، مثلك يقول هذا في رجل كان أوحد زمانه في صناعته، وقد مات وما ترك أحداً يقاربه في حذقه، وهل فخر البلدان إلا بكثرة رؤساء الصنائع، وحذاق أهل العلوم فيها ؟ فإذا مضى رجل لا مثيل له في صناعة لا بد للناس منها، فهل يدل هذا إلا على نقصان العالم وانحطاط البلدان.
ثم أقبل يعدد فضائله، والأشياء الطريفة التي عالج بها، والعلل الصعبة التي زالت بتدبيره، فذكر من ذلك أشياء كثيرة، منها: قال: أخبرني منذ مدة رجل من جلة أهل البلد، أنه كان حدث بابنة له علة طريفة، فكتمت أمرها، ثم أطلع عليها أبوها، فكتمها هو مديدة، ثم انتهى أمر البنت إلى حد الموت.
قال: وكانت العلة، أن فرج الصبية كان يضرب عليها ضرباناً عظيماً لا تنام معه الليل ولا النهار، وتصرخ أعظم صراخ، ويجري في خلال ذلك منه دم يسير كماء اللحم، وليس هناك جرح يظهر، ولا ورم.
قال: فلما خفت المأثم، أحضرت يزيد، فشاورته.
فقال: أتأذن لي في الكلام، وتبسط عذري فيه.
فقلت له: نعم.
قال: لا يمكنني أن أصف لك شيئاً، دون أن أشاهد الموضع بعيني، وأفتشه بيدي، وأسائل المرأة عن أسباب لعلها كانت الجالبة للعلة.
قال: فلعظم الصورة، وبلوغها حد التلف، أمكنته من ذلك.
فأطال المسائلة، وحدثها بما ليس من جنس العلة، بعد أن جس الموضع من ظاهره، وعرف بقعة الألم، حتى كدت أن أثب به، ثم صبرت، ورجعت إلى ما أعرفه عن سيرته، فصبرت على مضض.
إلى أن قال: تأمر من يمسكها، ففعلت.
فأدخل يده في الموضع دخولاً شديداً، فصاحت الجارية، وأغمي عليها، وانبعث الدم، وأخرج يده وفيها حيوان أقل من الخنفساء، فرمى به.
فجلست الجارية في الحال، وقالت: يا أبة، استرني، فقد عوفيت.
فأخذ يزيد الحيوان بيده، وخرج من الموضع، فلحقته، فأجلسته.
وقلت: أخبرني ما هذا ؟ فقال: إن تلك المسائلة التي لم أشك من أنك أنكرتها، إنما كانت لأطلب دليلاً أستدل به على سبب العلة.
إلى أن قالت لي الصبية: إنها في يوم من الأيام، جلست في بيت دولاب البقر، في بستان لكم، ثم حدثت العلة بها، من غير سبب تعرفه، في غد ذلك اليوم.
فتخيلت أنه قد دب في فرجها من القراد الذي يكون على البقر - وفي بيوت البقر قراد - قد تمكن من أول داخل الفرج، فكلما امتص الدم من موضعه ولد الضربان، وأنه إذا شبع، خف الضربان، لانقطاع مصه، ونقط من الجرح الذي يمتص منه إلى خارج الفرج.
فقلت: أُدخل يدي، وأفتش.
فأدخلت يدي، فوجدت القراد كما حدست، فأخرجته، وهذا هو الحيوان، وقد تغيرت صورته لكثرة ما امتص من الدم، مع طول الأيام.
قال: فتأملنا الحيوان، فإذا هو قراد، وبرئت المرأة.
قال مؤلف هذا الكتاب: ولم يذكر القاضي أبو الحسين في كتابه هذا الخبر، ولعله اعتقد أنه مما لا يجب إدخاله فيه.
زمنة مقعدة يشفيها الحنظلحدثني المؤمل بن يحيى بن هارون، شيخ نصراني يكنى بأبي نصر، كان ينزل بباب الشام، رأيته في سنة خمسين وثلثمائة، قال: حدثني قرة بن السراج العقيلي، وكان ينزل، إذا جاء من البادية، بشارع دار الرقيق بالقرب من درب سليمان، قال: كان عندنا بالبادية، جارية بالغ، زمنة، مقعدة سنين، ومن عادتنا أن نأخذ الحنظل فنقور رؤوسه، ونملأه باللبن الحليب، ونرد على كل واحدة رأسها، وندفنها في الرماد الحار، حتى تغلي، فإذا غلت، حسا كل واحد منا من الحنظلة ما في رأسها من اللبن، فتسهله، وتصلح بدنه.
قال: وقد كنا أخذنا في سنة من السنين، ثلاث حناظل، لثلاثة أنفس، يشربونها، وجعلنا اللبن فيها على الصفة المارة، فرأتها الجارية الزمنة.

فلتبرمها من الحياة، وضجرها من الزمانة، خالفتنا إلى الحناظل الثلاث، فحستها كلها، وعلمنا بذلك بعد أن رأينا من قيامها ما جزعنا منه، وأيسنا من حياتها، وخشينا أن تعدينا، فأبعدناها عن البيوت.
فلما كان الليل، انقطع قيامها، فمشت برجلها إلى أن عادت إلى البيوت لا قلبة بها، وعاشت بعد ذلك سنين، وتزوجت، وولدت.
اشترى الرشيد لطبيبه ضياعاً غلتها ألف ألف درهم
وحدث جبريل بن بختيشوع، قال: كنت مع الرشيد، بالرقة، ومعه المأمون ومحمد، وكان الرشيد رجلاً كثير الأكل والشرب، فأكل في بعض الأيام أشياء خلط فيها، ودخل المستراح، فغشي عليه فيه.
فأخرج وقد قوي عليه الغشي، حتى لم يشك غلمانه في موته، وحضر ابناه، وشاع عند الخاصة والعامة خبره.
وأرسل إلي، فجئت، فجسست عرقه، فوجدت نبضاً خفيفاً، وأخذت عرقاً في رجله فكان كذلك، وقد كان قبل ذلك بأيام يشكو امتلاءً وحركة الدم.
فقلت لهم: إنه لم يمت، والصواب أن يحجم الساعة.
فقال كوثر الخادم، لما يعرف من أمر الخلافة وإفضائها إلى صاحبه محمد: يا ابن الفاعلة، تقول أحجموا رجلاً ميتاً ؟ لا يقبل قولك ولا كرامة.
فقال المأمون: الأمر قد وقع، وليس يضر أن نحجمه.
وأحضر الحجام، فتقدمت، وقلت له: ضع محاجمك، ففعل، فلما مصها رأيت الموضع قد احمر، فطابت نفسي بذلك، وعلمت أنه حي.
فقلت للحجام: أشرط، فشرط، فخرج الدم، فسجدت شكراً لله تعالى، وجعل كلما خرج الدم، تحرك رأسه، وأسفر لونه، إلى أن تكلم.
فقال: أين أنا ؟ فطيبت نفسه، وغديناه بصدر دراج، وسقيناه نبيذاً، وما زلت أسعطه بالطيب في أنفه، حتى تراجعت إليه قوته، وأدخل الخاصة والقواد إليه، فسلموا عليه من بعد، لما كان قد شاع من خبره، ثم تكاملت قوته، ووهب الله له العافية.
فلما برأ من علته، دعا صاحب حرسه، وحاجبه، وصاحب شرطته، فسأل صاحب الحرس عن غلته في كل سنة، فعرفه أنها ألف ألف درهم، وسأل صاحب شرطته عن غلته، فعرفه أنها خمسمائة ألف درهم.
ثم قال: يا جبريل: كم غلتك ؟ فقلت: خمسون ألف درهم.
فقال: ما أنصفناك، حيث غلات هؤلاء وهم يحرسوني، ويحجبوني عن الناس، على ما هي عليه، وتكون غلتك ما ذكرت، وأمر بإقطاعي ما قيمته ألف ألف درهم.
فقلت: يا سيدي مالي حاجة إلى الإقطاع، ولكن تهب لي ما أشتري به ضياعاً غلتها ألف ألف درهم، ففعل، وتقدم بمعاونتي على أبتياعها.
فابتعت بهباته، وجعالاته، ضياعاً غلتها ألف ألف درهم، فجميع ما أمتلكه ضياع لا إقطاع فيها.

الحجامة

الحجامة، استخراج الدم من قفا العنق، أسفل القذال، بالمحجم، بأن يشرط الحجام القفا بموساه، ثم يضع المحجم، وهو أداة كالكأس، فيمتص الدم، ويجتذبه، والحجامة من الطب القديم، وهي أحد ثلاثة أشياء كان الأطباء القدماء يوصون بها في كل سنة، وهي: الحجامة، والفصد، وتناول المسهل، وكان الناس يعتبرون القيام بهذه الثلاثة من الواجبات، ويكون تحت إشراف الطبيب، ويحتفلون بذلك، وإذا احتجم الإنسان، أو افتصد، أو تناول مسهلاً، جاءته الهدايا من أصحابه ومعارفه، وقد أفرد الشيخ الرئيس، ابن سينا، في كتابه القانون، فصلاً للحجامة، أثبت فيه شروطها، وكيفية إجرائها ح 1 - 212 - 213 وفصلاً للفصد ح 1 - 204 - 212، وفصلاً في المسهلات ح 1 - 196 - 200، ومن الطريف أن نذكر أن جهل الأطباء في الماضي بأصول التعقيم، كان يؤدي، في بعض الأحيان إلى إصابة من يفصدونه، إصابة قد تؤدي إلى وفاته، فيتعرض الطبيب للتهمة بأنه قد سم المبضع الذي أجرى به الفصد، ويكون ذلك سبباً لقتله، وللتخلص من هذه التهمة، أصبح الطبيب ملزماً بأن يضع المبضع في فمه، ويمتصه، قبل إجراء الفصد، ثم يمسحه بلحيته، ويقوم بالفصد، فكانت النتيجة، أن زادت نسبة الإصابات، وتعرض الطبيب للاتهام بأنه قد وضع السم في لحيته، وقد أودت هذه التهم بحياة كثير من الأطباء الأبرياء.
لسعته عقرب فعوفيوحدثني أبو جعفر طلحة بن عبيد الله بن قناش الطائي، الجوهري، البغدادي، قال: كان في درب مهرويه، بالجانب الشرقي ببغداد، قديماً، رجل من كبراء الحجرية، وكان متشبباً بغلام من غلمانه، رباه صغيراً.
فاعتل الغلام علة من بلسام، وهو الذي تسميه العامة: البرسام، فبلغ إلى درجة قبيحة، وزال عقله.

فتفرقوا عنه يوماً، وهو في موضع فيه خيش، ووكلوا صبياً بمراعاته، فسمعوا صياح الفتى الموكل به، فبادروا إليه.
فقال: أنظروا إلى ما قد أصابه.
فإذا عقرب قد نزل من المسند على رأس العليل، فلسعته في عدة مواضع، فإذا به قد فتح عينيه وهو لا يشكو ألماً.
فسألوه عن حاله، فطلب ما يأكل، فأطعموه، وبرأ.
فلاموا طبيبه، فقال: علام تلومونني، لو أمرتكم أن تلسعوه بعقرب، أكنتم تفعلون ؟

ابرأته مضيرة لعقت فيها أفعى

حدثني أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد الرازي، المعروف بابن حمدون، قال: حدثني أبو بكر أحمد بن علي الرازي الفقيه رحمه الله، قال: سمعت أبا بكر بن قارون الرازي، وكان تلميذاً لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب، قال أبو بكر بن حمدون: وقد رأيت هذا الرجل بالري، وكان يحسن علوماً كثيرة، منها الحديث، ويرويه، ويكتبه الناس عنه، ويوثقونه، ولم أسمع هذا منه، قال المؤلف رحمه الله: ولم يتهيأ لي مع كثرة ملاقاتي أبا بكر الرازي الفقيه رحمه الله، أن أسمع هذا الخبر منه، قال ابن قارون: حدثنا أبو بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب، بعد رجوعه من عند أمير خراسان، لما استدعاه ليعالجه من علة صعبة، قال: اجتزت في طريقي إلى نيسابور، ببسطام، وهي النصف من طريق نيسابور إلى الري.
قال: فاستقبلني رئيسها، فأنزلني داره، وخدمني أتم خدمة وسألني أن أقف على ابن له به استسقاء.
فأدخلني إلى دار قد افردها له، فشاهدت العليل، ولم أطمع في برئه، فسألني أبوه عن السر في حاله، فصدقته، وآيسته من حياة أبنه.
وقلت له: مكنه من شهواته، فإنه لا يعيش.
ثم خرجت إلى خراسان، فأقمت بها سنة كاملة، وعدت، فاستقبلني الرجل أبو الصبي فلم أشك في وفاته، وتركت مساءلته عن ابنه، فإني كنت نعيته إليه، وخشيت من تثقيلي عليه، فأنزلني داره، ولم أجد عنده ما يدل على ذلك، وكرهت مسائلته عن أبنه لئلا أجدد عليه حزناً.
فقال لي بعد أيام: تعرف هذا الفتى ؟ وأومأ إلى شاب حسن الوجه والسحنة، صحيح البدن، كثير الدم والقوة، قائم مع الغلمان يخدمنا.
فقلت: لا.
فقال: هذا ابني الذي آيستني منه عند مضيك إلى خراسان.
فتحيرت، وقلت له: عرفني سبب برئه.
فقال: إنه كان بعد قيامك من عندي، فطن أنك آيستني منه.
فقال لي: لست أشك أن هذا الرجل - وهو أوحد زمانه في الطب - قد آيسك مني، والذي أسألك، أن تمنع هؤلاء، يعني غلماني الذين كنت قد أخدمته إياهم، فإنهم أترابي، وإذا رأيتهم معافين، وقد علمت أني ميت، تجدد على قلبي الهم والمرض، حتى يعجل لي الموت، فأرحني من هذا بأن لا أراهم، وأفرد لخدمتي دايتي.
ففعلت ما سأل، وكان يحمل إلى الداية في كل يوم ما تأكله، وكانت الداية تأتيه بما يطلب من غير حمية.
فلما كان بعد أيام يسية، حمل إلى الداية مضيرةً لتأكل منها، فتركتها بحيث يقع عليها نظر ابني، ومضت في شغل لها.
فذكرت بعد أن عادت، أن ابني قد نهاها عن أكل ما في الغضارة، ووجدتها قد ذهب كثير مما كان فيها، وبقي بعضه متغير اللون.
قالت: فقلت له: ما السبب ؟ فقال: رأيت أفعى عظيمة قد خرجت من موضع ودبت إليها وأكلت منها ثم قذفت فيها، فصار لونها كما ترين، فقلت: أنا ميت، وهوذا يلحقني ألم شديد، ومتى أظفر بمثل هذا ؟ وجئت، فأكلت من الغضارة ما استطعت، لأموت عاجلاً وأستريح، فلما لم أستطع زيادة أكل رجعت حتى جئت إلى فراشي، وجئت انت.
قالت: ورأيت أنا المضيرة على يده وفمه فصحت.
فقال: لا تعلمي أبي شيئاً، وأدفني الغضارة بما فيها، لئلا يأكلها إنسان فيموت، أو حيوان فيلسع إنساناً فيقتله، ففعلت ما قال، وخرجت إليك.
قال: فلما عرفتني ذلك، ذهب علي أمري، ودخلت إلى ابني، فوجدته نائماً.
فقلت: لا توقظيه، حتى ننظر ما يكون من أمره.
فأتيته آخر النهار، وقد عرق عرقاً شديداً، وهو يطلب المستحم، فأنهضناه إليه، فاندفع بطنه، فقام من ليلته، ومن غده، أكثر من مائة مجلس، فازداد يأسنا منه، وقل القيام، إلا أنه استمر أياماً، ثم انقطع القيام، وقد صار بطنه مثل بطون الأصحاء، فطلب فراريج، فأكل، إلى أن صار كما ترى.

فعجبت من ذلك، وذكرت أن الحكماء الأوائل قالت: إن المستسقي إذا أكل من لحم حية عتيقة مزمنة لها مئون سنين، برأ، ولو قلت لك، إن هذا علاجه، لظننت أني أدافعك، ومن أين يعلم كم عمر الحية إذا وجدت، فسكت عنها.

الباب الحادي عشر

من امتحن من اللصوص بسرق أو قطع

فعوض من الارتجاع والخلف بأجمل صنع

قاطع طريق يرد على القافلة ما أخذ منها

حدثني علي بن شيراز بن سهل القاضي بعسكر مكرم رحمه الله، قال: حدثني أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي ابن بنت ابن المدبر، ببغداد، قال: حدثني محمد بن علي، قال: حدثني الحسن بن دعبل بن علي الشاعر الخزاعي، قال: حدثني أبي قال: لما قلت:
مدارس آيات خلت من تلاوة
قصدت بها أبا الحسن علي بن موسى الرضا، وهو بخراسان، ولي عهد المأمون، فوصلت إليه، وأنشدته إياها، فاستحسنها، وقال: لا تنشدها أحداً حتى آمرك.
واتصل خبري بالمأمون، فأحضرني، وسألني عن خبري، ثم قال لي: يا دعبل، أنشدني: مدارس آيات خلت من تلاوة.
فقلت: لا أعرفها يا أمير المؤمنين.
فقال: يا غلام، أحضر أبا الحسن علي بن موسى، فلم يكن بأسرع من أن حضر.
فقال له: يا أبا الحسن، سألت دعبلاً من مدارس آيات فذكر أنه لا يعرفها.
فالتفت إلي أبو الحسن، وقال: أنشده يا دعبل.
فأنشدت القصيدة، ولم ينكر المأمون ذلك، إلى أن بلغت إلى بيت فيها، وهو:
وآل رسول اللّه هلبٌ رقابهم ... وآل زياد غلّظ القصرات
فقال: والله لأهلبنها.
ثم تممتها إلى آخرها، فاستحسنها، وأمر لي بخمسين ألف درهم، وأمر لي علي بن موسى بقريب منها.
فقلت: يا سيدي، أريد أن تهب لي ثوباً يلي بدنك، أتبرك به، وأجعله كفناً.
فوهب لي قميصاً قد أبتذله، ومنشفة، وأظنه قال: وسراويل.
قال: ووصلني ذو الرئاستين، وحملني على برذون أصفر، وكنت أسايره في يوم مطير، وعليه ممطر خز، فأمر لي به، ودعا بغيره فلبسه، وقال: إني آثرتك به، لأنه خير الممطرين، قال: فأعطيت به ثمانين ديناراً، فلم تطب نفسي ببيعه.
وقضيت حاجتي، وكررت راجعاً إلى العراق.
فلما صرت ببعض الطريق، خرج علينا أكراد يعرفون بالماريخان، فسلبوني، وسلبوا القافلة، وكان ذلك في يوم مطير.
فأعتزلت في قميص خلق قد بقي علي، وأنا متأسف - من جميع ما كان علي - على القميص والمنشفة اللذين وهبهما لي علي بن موسى الرضا، إذ مر بي واحد من الأكراد، وتحته البرذون الأصفر الذي حملني عليه ذو الرياستين، وعليه الممطر الخز، ثم وقف بالقرب مني، وابتدأ ينشد: مدارس آيات، ويبكي.
فلما رأيت ذلك، عجبت من لص كردي يتشيع، ثم طمعت في القميص والمنشفة.
فقلت: يا سيدي لمن هذه القصيدة ؟ فقال: ما أنت وذاك، ويلك.
فقلت له: فيه سبب أخبرك به.
فقال: هي أشهر من أن يجهل صاحبها.
قلت: فمن هو ؟ قال: دعبل بن علي الخزاعي، شاعر آل محمد، جزاه الله خيراً.
فقلت له: يا سيدي، أنا - والله - دعبل، وهذه قصيدتي.
فقال: ويلك، ما تقول ؟ فقلت: الأمر أشهر من ذلك، فسل أهل القافلة، تخبر بصحة ما أخبرتك به.
فقال: لا جرم - والله - لا يذهب لأحد من أهل القافلة خلالة فما فوقها.
ثم نادى في الناس: من أخذ شيئاً فليرده على صاحبه، فرد على الناس أمتعتهم، وعلي جميع ما كان معي، ما فقد أحد عقالاً.
ثم رحلنا إلى مأمننا سالمين.
قال راوي هذا الخبر عن دعبل: فحدثت بهذا الحديث علي بن بهزاد الكردي فقال لي: ذاك - والله - أبي الذي فعل هذا.
قاطع طريق يتفلسفوحدثني عبد الله بن عمر بن الحارث الواسطي السراج، المعروف بأبي أحمد الحارثي، قال: كنت مسافراً في بعض الجبال، فخرج علينا ابن سباب الكردي، فقطع علينا، وكان بزي الأمراء، لا بزي القطاع.
فقربت منه لأنظر إليه وأسمع كلامه، فوجدته يدل على فهم وأدب، فداخلته فإذا برجل فاضل، يروي الشعر، ويفهم النحو، فطمعت فيه، وعملت في الحال أبياتاً مدحته بها.
فقال لي: لست أعلم إن كان هذا من شعرك، ولكن اعمل لي على قافية هذا البيت ووزنه شعراً الساعة، لأعلم أنك قلته، وأنشدني بيتاً.
قال: فعملت في الحال اجازة له ثلاثة أبيات.
فقال لي: أي شيء أخذ منك ؟ لأرده إليك.
قال: فذكرت له ما أخذ مني، وأضفت إليه قماش رفيقين كانا لي.

فرد جميع ذلك، ثم أخذ من أكياس التجار التي نهبها، كيساً فيه ألف درهم، فوهبه لي.
قال: فجزيته خيراً، ورددته عليه.
فقال لي: لم لا تأخذه ؟ فوريت عن ذلك.
فقال: أحب أن تصدقني.
فقلت: وأنا آمن ؟ فقال: أنت آمن.
فقلت: لأنك لا تملكه، وهو من أموال الناس الذين أخذتها منهم الساعة ظلماً، فكيف يحل لي أن آخذه ؟ فقال لي: أما قرأت ما ذكره الجاحظ في كتاب اللصوص، عن بعضهم، قال: إن هؤلاء التجار خانوا أماناتهم، ومنعوا زكاة أموالهم، فصارت أموالهم مستهلكة بها، واللصوص فقراء إليها، فإذا أخذوا أموالهم - وإن كرهوا أخذها - كان ذلك مباحاً لهم، لأن عين المال مستهلكة بالزكاة، وهؤلاء يستحقون أخذ الزكاة، بالفقر، شاء أرباب الأموال أم كرهوا.
قلت: بلى، قد ذكر الجاحظ هذا، ولكن من أين يعلم إن هؤلاء ممن استهلكت أموالهم الزكاة ؟ فقال: لا عليك، أنا أحضر هؤلاء التجار الساعة، وأريك بالدليل الصحيح أن أموالهم لنا حلال.
ثم قال لأصحابه: هاتوا التجار، فجاءوا.
فقال لأحدهم: منذ كم أنت تتجر في هذا المال الذي قطعنا عليه ؟ قال: منذ كذا وكذا سنة.
قال: فكيف كنت تخرج زكاته ؟ فتلجلج، وتكلم بكلام من لا يعرف الزكاة على حقيقتها فضلاً عن أن يخرجها.
ثم دعا آخر، فقال له: إذا كان معك ثلثمائة درهم، وعشرة دنانير، وحالت عليك السنة، فكم تخرج منها للزكاة ؟ فما أحسن أن يجيب.
ثم قال لآخر: إذا كان معك متاع للتجارة، ولك دين على نفسين، أحدهما مليء، والآخر معسر، ومعك دراهم، وقد حال الحول على الجميع، كيف تخرج زكاة ذلك ؟ قال: فما فهم السؤال، فضلاً عن أن يتعاطى الجواب.
فصرفهم، ثم قال لي: بان لك صدق حكاية أبي عثمان الجاحظ ؟ وأن هؤلاء التجار ما زكوا قط؟ خذ الآن الكيس.
قال: فأخذته، وساق القافلة لينصرف بها.
فقلت: إن رأيت أيها الأمير أن تنفذ معنا من يبلغنا المأمن، كان لك الفضل.
ففعل ذلك.

القاضي التنوخي والد المؤلف والكرخي قاطع الطريق

وحدثني أبي رضي الله عنه، قال: لما كنت مقيماً بالكرخ، أتقلد القضاء بها، وبالمرج وأعمالها، كان بوابي رجل من أهل الكرخ، له ابن، هو ابن عشر سنين أو نحوها، وكان يدخل داري بلا إذن، ويمرح مع غلماني، وأهب له في الأوقات دراهم وثياباً، وأحمله، وأرقصه، كما يفعل الناس بأولاد غلمانهم.
ثم صرفت عن الكرخ، ورحلت، ولم أعرف للرجل ولا لولده خبراً.
ومضت السنون، فأنفذني أبو عبد الله البريدي من واسط، برسالة إلى أبي بكر بن رائق، فلقيته بحدود العاقول، وانحدرت أريد واسطاً.
وقد كان قيل لي قبل إصعادي، أن في الطريق لصاً يعرف بالكرخي، مستفحل الأمر.
وكنت خرجت من واسط، بطالع اخترته، على موجب تحويل مولدي لتلك السنة، وقد استظهرت عند نفسي، وكفاني الله تعالى - في إصعادي - أمر اللص، فلم أر له أثراً.
فلما انحدرت إلى واسط، وكنا في بعض الطريق، خرج علينا اللصوص في سفن عدة، بقسي، ونشاب، وسلاح شاك، وهم نحو مائة نفس، كالعسكر العظيم.
وكان معي غلمان يرمون، فحلفت أن من رمى منهم بسهم، ضربته إذا صرت في البلد مائة مقرعة، وذلك أني خفت أن يقصدنا اللصوص، ثم لا يرضون إلا بقتلي.
قال: وبادرت فأخذت ذلك السلاح الذي كان معهم، فرميت جميعه في الماء، واستسلمت للأمر طلباً للسلامة.
وجلست أفكر في الطالع الذي خرجت به، فإذا ليس ما يوجب - عندهم - القطع علي، والناس قد أديروا إلى الشاطئ، وأنا في جملتهم، حيث تفرغ سفنهم، وينقل ما فيها إلى الشط، وهم يخبطون بالسيوف، وكنت في وسط الكار، وما انتهى الأمر إلي.
فجعلت أعجب من حصول القطع، وأن الطالع لا يوجبه، ولست أتهم علمي مع هذا.
فأنا كذلك، وإذا بسفينة فيها رئيسهم قد طرح على زبزبي كما يطرح على سفن التجار، ليشرف على ما يؤخذ منها.
فحين رآني، منع أصحابه من انتهاب شيء من زبزبي، وصعد إلي وحده، فتأملني طويلاً، ثم انكب وقبل يدي، وكان متلثماً، فلم أعرفه.
قال: فارتعت، وقلت: يا هذا مالك ؟ فسفر، وقال: أما تعرفني يا سيدي ؟ فتأملته، وأنا جزع، فلم أعرفه.
فقلت: لا والله.
فقال: بلى، أنا عبدك، ابن فلان الكرخي حاجبك، وأنا الصبي الذي ربيتني في دارك، وكنت تحملني على عنقك، وتطعمني بيدك.

فتاملته، فإذا الخلقة خلقته، إلا أن اللحية غيرته في عيني، فسكن خاطري، وقلت: يا هذا، كيف بلغت إلى هذا الحال ؟ قال: يا سيدي، نشأت، فلم أتعلم غير معالجة السلاح، وجئت إلى بغداد أطلب الديوان، فما قبلني أحد، فانضاف إلي هؤلاء الرجال، وطلبت قطع الطريق ولو كان السلطان أنصفني، ونزلني بحيث أستحق من الشجاعة، وانتفع بخدمتي، ما كنت أفعل هذا بنفسي.
قال: فأقبلت عليه أعظه، وأخوفه الله، ثم خشيت أن يشق ذلك عليه، فيفسد رعايته لي، فأقصرت.
ثم قال: يا سيدي، لا يكون بعض هؤلاء قد أخذ منك شيئاً ؟ قلت: ما ذهب منا إلا سلاح رميته أنا إلى الماء، وشرحت له الصورة.
فضحك، وقال: قد والله أصاب القاضي، فمن في الكار ممن تعنى به حتى أطلقه ؟ قلت: كلهم عندي بمنزلة واحدة، فلو أفرجت عن الجميع كان أحسن بك.
فقال: والله، لولا أن أصحابي قد تفرقوا بما أخذوا، لفعلت، ولكنهم لا يطيعوني في رده، ولكني لا أدع ما بقي من السفن في الكار أن يؤخذ منها شيء، فجزيته خيراً.
فصعد إلى الشط، وأصعد جميع أصحابه، ومنع أن يؤخذ شيء من باقي السفن، فما تعرض لها أحد، ورد على قوم ضعفاء أشياء كثيرة كانت أخذت منهم، وأطلق الكار.
وسار معي في أصحابه، إلى أن صار بيني وبين المأمن شيء يسير ثم ودعني، وانصرف في أصحابه.

ابن حمدي اللص البغدادي وفتوته وظرفه

وحدثني عبد الله بن عمر الحارثي، قال: حدثني بعض التجار البغداديين، قال: خرجت بسلع لي، ومتاع من بغداد أريد واسطاً، وكان البريدي بها، والدنيا مفتتنة جداً.
فقطع علي، وعلى الكار الذي كنت فيه، لص كان في الطريق، يقال له: ابن حمدي، يقطع قريباً من بغداد، فأفقرني، وكان معظم ما أملكه معي، فسهل علي الموت، وطرحت نفسي له.
وكنت أسمع ببغداد، أن أبن حمدي هذا، فيه فتوة، وظرف، وأنه إذا قطع، لم يعرض لأرباب البضائع اليسيرة، التي تكون دون الألف درهم، وإذا أخذ ممن حاله ضعيفة شيئاً، قاسمه عليه، وترك شطر ماله في يديه، وأنه لا يفتش امرأة، ولا يسلبها، وحكايات كثيرة مثل ذلك.
فأطمعني ذلك في أن يرق لي، فصعدت إلى الموضع الذي هو جالس فيه، وخاطبته في أمري، وبكيت، ورققته، ووعظته، وحلفت له أن جميع ما أملكه قد أخذه، وأني أحتاج إلى أن أتصدق من بعده.
فقال لي: يا هذا، الله بيننا وبين هذا السلطان الذي أحوجنا إلى هذا، فإنه قد أسقط أرزاقنا، وأحوجنا إلى هذا الفعل، ولسنا فيما نفعله نرتكب أمراً أعظم مما يرتكبه السلطان.
وأنت تعلم أن أبن شيرزاد ببغداد يصادر الناس ويفقرهم، حتى أنه يأخذ الموسر المكثر، فلا يخرج من حبسه، إلا وهو لا يهتدي إلى شيء غير الصدقة، وكذلك يفعل البريدي بواسط والبصرة، والديلم بالأهواز.
وقد علمت أنهم يأخذون أصول الضياع، والدور، والعقار، ويتجاوزون ذلك إلى الحرم والأولاد، فاحسب أننا نحن مثل هؤلاء، وأن واحداً منهم صادرك.
فقلت: أعزك الله، ظلم الظلمة، لا يكون حجة، والقبيح لا يكون سنة، وإذا وقفت أنا وأنت، بين يدي الله عز وجل، أترضى أن يكون هذا جوابك له ؟ فأطرق ملياً، ولم أشك في أنه يقتلني، ثم رفع رأسه، فقال: كم أخذ منك ؟ فصدقته.
فقال: أحضروه، فأحضر، فكان كما ذكرت، فأعطاني نصفه.
فقلت له: الآن، قد وجب حقي عليك، وصار لي بإحسانك إلي حرمة.
فقال: أجل.
فقلت: إن الطريق فاسد، وما هو إلا أن أتجاوزك حتى يؤخذ هذا مني أيضاً، فأنفذ معي من يوصلني إلى المأمن.
قال: ففعل ذلك، وسلمت بما أفلت معي، فجعل الله فيه البركة، وأخلف.
قطع عليه الطريق فتخلص بخاتم عقيقحدثني الحسن بن صافي، مولى أبن المتوكل القاضي، وكان أبوه يعرف بغلام ابن مقلة قال: لما حصل المتقي لله بالرقة، ومعه أبو الحسين علي بن محمد بن علي، ابن مقلة، وزيره، كاتبني بأن أخرج إليه، فخرجت، ومعي جماعة من أسبابه، وأسباب الخليفة إلى هيت.
وضم إلينا ابن فتيان خفراء، يؤدونا إلى الرقة، ورحلت من هيت، ومعنا الخفراء والغلمان، ومن انحدر معنا من هيت، فصرنا نحواً من مائتي مقاتل.
فلما كان في اليوم الرابع من مسيرنا، ونحن في البر الأقفر، وقد نزلنا نستريح، إذا بسواد عظيم من بعيد، لا نعلم ما هو، فلم نزل نرقبه إلى أن بان لنا، وإذا هو نحواً من مائة مطية، على كل مطية رجلان.

فجمعنا أصحابنا ورجالنا، وقرب القوم منا وأناخوا جمالهم وعقلوها، وأخذوا جحفهم، وسلوا سيوفهم، وتقدمهم رئيس لهم، فقال لنا: يا معشر المسافرين، لا يسلن أحد منكم سيفاً، ولا يرمي بسهم، فمن فعل ذلك فهو مقتول.
ففشل كل من كان معنا، وقاتل قوم منا قتالاً ضعيفاً، وخالطنا الاعراب، وأخذوا جماعة منا، وأخذونا، وجميع ما كان معنا، فأقتسموه، وتركونا مطرحين في الشمس.
فإذا بي قد عريت، وبقي علي خلق لا أتوارى منه بشيء، وليس معي ماء أشربه، ولا ظهر أركبه، وليس بيني وبين الموت إلا ساعات يسيرة، فقامت علي القيامة، واشتد جزعي، ولم يكن لي حيلة، فأيست من الحياة.
فأنا كذلك، إذ وجدت شستجة، كان لي فيها خاتم عقيق، كبير الفص، كثير الماء، فأخذته، ووقع لي في الحال وجه الحيلة، فجعلته في قطن، وخبأته معي وقصدت رئيس القوم، وهو الذي تولى أخذ مالي، وعرف موضعي وقدري.
فقلت له: قد رأيت عظيم ما أخذته مني، وأنا خادم الخليفة أطال الله بقاءه، وقد خرجت لأمر كبير من خدمته، وقد فزت بما أخذته مني، فما قولك في أمر آخر أعظم مما أخذته، أعاملك به، وأسديه إليك حلالاً لا يجري مجرى الغصوب، على أن تؤمنني على نفسي، وترد علي من ثيابي ما يسترني، وترد علي من دوابي دابة، وتسقيني ماء، وتسيرني حتى أحصل في مأمني ؟ فقال: ما هو ؟ قلت: تعطيني أمانك، وعهودك، ومذامك، على الوفاء، ففعل.
فانفردت به، وجعلت يدي مقابلة للشمس، وأريته الخاتم، وأقمت فصه في شعاع الشمس، فكاد يخطف بصره، ورأى ما لم ير مثله.
وقال: استره، وقل لي خبره.
فقلت: هذا خاتم الخلافة، وفصه هذا ياقوت أحمر، وهو الذي يتداوله الخلفاء منذ العهد الطويل، ويعرف بالجبل، ولا يقوم أمر الخلفاء إلا به، وقد كان مخبوءاً ببغداد، فأمرني الخليفة أن أحمله إليه في جملة ما حملته، وحيث حصل هذا الخاتم من بلاد الله، تشبث الخلفاء إلى أخذه بكل ثمن، وإن حصل عندك حتى تمتنع من بيعه إلا بمائة ألف دينار - ولم يقدروا عليك - لأعطوك إياها، والرأي أن تأخذه، وتنفذه إلى ناحية الشام، وتخفي حصول الخاتم في يدك، فإني إذا حضرت بحضرة الخليفة، وعرفته خبره، جاءتك رسله بالرغائب، حتى يرتجع منك بأي ثمن احتكمت.
فقال: إذاً خذ من ثيابك ما تريد.
فأخذت من ثيابي ما احتجت إليه، وأخذ الخاتم فخبأه في جيبه، وأركبني راحلة موطأة، وأعطاني إداوتين كبيرتين ماءً، وسار معي، والناس قد هلكوا من العطش.
ولم يزل يسير معي، إلى أن بلغنا إلى حصن في البرية، يعرف بالزيتونة، من بناء هشام بن عبد الملك، وفيه رجل من بني أمية، يكنى بأبي مروان، معه في الحصن نحواً من مائتي رجل.
فلما حصلت عنده، انصرف الأعرابي، وعرفت أبا مروان خبري في القطع ومن أنا، فأعظم أمري، وأكرمني، وأنفذ معي من أصحابه من بلغني الرقة سالماً

سرق ماله بالبصرة واستعاده بواسط

حدثني محمد بن عمر بن شجاع المتكلم، ويلقب بجنيد، قال: حدثني رجل من الدقاقين، في دار الزبير بالبصرة، قال: أورد علي رجل غريب، سفتجة بأجل، فكان يتردد علي، إلى أن حل ميعاد السفتجة.
ثم قال لي: دعها عندك حتى آخذها متفرقة، فكان يجيء في كل يوم فيأخذ بقدر نفقته إلى أن نفدت، وصار بيننا معرفة، وألف الجلوس عندي، وكان يراني أخرج من كيسي من صندوق لي، فأعطيه منه.
فقال لي يوماً: إن قفل الرجل، صاحبه في سفره، وأمينه في حضره، وخليفته على حفظ ماله، والذي ينفي الظنة عن أهله وعياله، فإن لم يكن وثيقاً تطرقت الحيل عليه، وأرى قفلك هذا وثيقاً، فقل لي ممن ابتعته، لأبتاع مثله.
فقلت: من فلان بن فلان الأقفالي، في جوار باب الصفارين.
قال: فما شعرت يوماً، وقد جئت إلى دكاني، فطلبت صندوقي لأخرج منه شيئاً من الدراهم، فحمله الغلام إلي، ففتحته، فإذا ليس فيه شيء من الدراهم.
فقلت لغلامي، وكان غير متهم عندي: هل أنكرت من الدرابات شيئاً ؟ قال: لا فقلت: فتش، هل ترى في الدكان نقباً ؟ قال: لا.
فقلت: فمن السقف حيلة ؟ قال: لا.
قلت: فاعلم أن الدراهم قد ذهبت.
فقلق الغلام، فسكنت، وقمت لا أدري ما أصنع، وتأخر الرجل عني، فلما غاب اتهمته، وذكرت مسألته عن القفل.
فقلت للغلام، أخبرني كيف تفتح دكاني وتغلقه ؟

قال: رسمي أن ادرب درابتين درابتين، والدرابات في المسجد، فأحملها في دفعات، اثنتين أو ثلاثاً، فأشرجها، ثم أقفل، وكذلك عندما أفتحها.
فقلت: البارحة، واليوم، فعلت ذلك ؟ قال: نعم.
فقلت: فإذا مضيت لترد الدرابات، أو تحضرها، على من تدع الدكان ؟ قال: خالياً.
قلت: فمن هنا دهيت.
ومضيت إلى الصانع الذي ابتعت منه القفل، فقلت: جاءك إنسان منذ أيام، واشترى منك مثل هذا القفل ؟ قال: نعم، رجل من صفته كيت وكيت، فأعطاني صفة صاحبي.
فعلمت أنه احتال على الغلام وقت المساء، لما انصرفت أنا، ومضى الغلام يحمل الدرابات، فدخل هو إلى الدكان فاختبأ فيه، ومعه مفتاح القفل الذي اشتراه، والذي يقع على قفلي، وأنه أخذ الدراهم، وجلس طول ليلته خلف الدرابات. فلما جاء الغلام، وفتح درابتين، وحملها ليرفعها، خرج، وأنه ما فعل ذلك، إلا وقد خرج إلى بغداد.
فسلمت دكاني إلى الغلام، وقلت له: من سأل عني فعرفه أني خرجت إلى ضيعتي.
قال: فخرجت، ومعي قفلي ومفتاحه، وقلت: أبتدئ بطلب الرجل بواسط.
فلما صعدت من السميرية، طلبت خاناً في الكتبيين بواسط، لأنزله، فأرشدت إليه، فصعدت، فإذا بقفل مثل قفلي سواء على بيت.
فقلت لقيم الخان: هذا البيت من ينزله ؟ فقال: رجل قدم من البصرة أمس.
فقلت: أي شيء صفته ؟ فوصف لي صفة صاحبي، فلم أشك أنه هو، وأن الدراهم في بيته.
فاكتريت بيتاً إلى جانبه، ورصدت البيت، حتى انصرف قيم الخان، وقمت ففتحت القفل بمفتاحي، فحين دخلت البيت، وجدت كيسي بعينه، فأخذته، وخرجت وأقفلت الباب، ونزلت في الوقت إلى السفينة التي جئت فيها، وأرغبت الملاح، وأنحدرت إلى البصرة.
فما أقمت بواسط إلا ساعتين من نهار، ورجعت إلى منزلي بمالي بعينه.

وضع السيف على عنقه ثم نجا سالما

ً
وحدثني عبيد الله بن محمد الصروي، قال: حدثني أكار بنهر سابس، قال: خرجت من نهر سابس، إلى موضع في طرف البرية، يقال له: كرخ راذويه، أريد أعمال سقي الفرات.
فبلغني أن رجلاً يقطع الطريق وحده، وحذرت منه.
فلما خرجت من القرية، رأيت رجلاً تدل فراسته على شدته ونجدته، وفي يده زقاية، فجسرني على الطريق.
قال: فترافقنا، حتى انتهينا إلى سقاية في البرية، فخرج علينا اللص متحزماً، متسلحاً، فصاح بنا.
فطرح رفيقي كارة كانت على ظهره، وأخذ زقايته، وبادر إلى اللص.
فلما داخله اللص ليضربه، ضرب بعصاه يد اللص، فعطل اللص الضربة، وضرب الزقاية فقطعها، ثم ضرب بسيفه رجل الرجل فأقعده، ثم وشحه بالسيف حتى قتله، وحمل علي ليقتلني.
فقلت له: ما حاربتك، ولا امتنعت عليك من أخذك ثيابي، فلأي شيء تقتلني ؟ فقال: استكف فاستكتفت، فكتفني بتكتي ثم حمل الثياب وانصرف.
فبقيت متحيراً، مشفياً على التلف، بالعطش، والشمس، والوحوش، فما زلت أتمطى في التكة حتى قطعتها، وقمت أمشي إلى أن جنني الليل.
فرأيت في الصحراء - على بعد - ضوء نار خفياً، فقدرته في قرية، فقصدته، فإذا هو يخرج من قبة في الصحراء، فقربت منها، واطلعت، فإذا اللص جالس في القبة، يشرب نبيذاً، ومعه امرأة.
فلما بصر بي صاح، وتناول سيفه وخرج إلي، فما زلت أناشده الله، وأحلف له أنني ما علمت أنه هو، ولا قصدته عمداً، وإنما رأيت النار فقصدتها، فلم يعبا بقولي.
وحلفته المرأة أن لا يقتلني بحضرتها، فجذبني إلى نهر جاف قريب من القبة، وطرحني تحته، وجرد سيفه ليقتلني.
فسمع صوت الأسد قريباً منه، فارتعدت يده، وسكت، وأخذ يسكتني، فأنست بالسبع وزدت في الصياح.
فما شعرت إلا والسبع قد تناوله من على صدري وهرول في الصحراء.
فقمت، وأخذت السيف، وجئت إلى القبة، فلم تشك المرأة أنني هو، فقالت: قتلته ؟ فقلت: الله عز وجل قتله، لا أنا، وقصصت عليها القصة، وسألتها عن شأنها.
فقالت: أنا امرأة من أهل القرية الفلانية، أسرني هذا الرجل، وخبأني في هذا الموضع، وهو يتردد إلي في كل ليلة.
فأرهبتها، فدلتني على دفائن له في الصحراء، فأخذتها، وحملت المرأة، وبلغت القرية، وسلمتها إلى أهلها.
وفزت بمال عظيم أغناني عن مقصدي، وعدت إلى بلدي.
كيف استعاد التاجر البصري مالهوحدثني أيضاً، قال: حدثني ابن الدنانيري التمار الواسطي، قال: حدثني غلام لي قال:

كنت ناقداً بالأبلة، لرجل تاجر، فاقتضيت له في البصرة نحو خمسمائة دينار عيناً وورقاً، ولففتها في فوطة، وأشفيت على المصير إلى الأبلة.
فما زلت أطلب ملاحاً، حتى رأيت ملاحاً مجتازاً في خيطية خفيفة فارغة، فسألته أن يحملني، فسهل علي الأجرة، وقال: أنا راجع إلى منزلي بالأبلة، فانزل معي، فنزلت، وجعلت الفوطة بين يدي.
وسرنا إلى أن تجاوزنا مسماران، فإذا رجل ضرير على الشط، يقرأ أحسن قراءة تكون.
فلما رآه الملاح كبر، فصاح هو بالملاح: احملني، فقد جنني الليل، وأخاف على نفسي، فشتمه الملاح.
فقلت له: احمله، فدخل إلى الشط فحمله، فلما حصل معنا رجع إلى قراءته، فخلب عقلي بطيبها.
فلما قربنا من الأبلة، قطع القراءة، وقام ليخرج في بعض المشارع في الأبلة، فلم أر الفوطة، فقمت واقفاً، واضطربت، وصحت.
فاستغاث الملاح، وقال: الساعة تقلب الخيطية، وخاطبني خطاب من لا يعلم حالي.
فقلت له: يا هذا، كانت بين يدي فوطة فيها خمسمائة دينار.
فلما سمع الملاح ذلك، بكى، ولطم، وتعرى من ثيابه، وقال: أدخل الشط ففتش، ولا لي موضع أخبئ فيه شيئاً فتتهمني بسرقته، ولي أطفال، وأنا ضعيف، فالله، الله في أمري، وفعل الضرير مثل ذلك.
وفتشت الخيطية فلم أجد شيئاً، فرحمتهما، وقلت: هذه محنة لا أدري كيف التخلص منها، وخرجنا، فعملت على الهرب، وأخذ كل واحد منا طريقً، وبت في بيتي، ولم أمض إلى صاحبي، وأنا بليلة عظيمة.
فلما أصبحت، عملت على الهرب إلى البصرة، لأستخفي فيها أياماً، ثم أخرج إلى بلد شاسع.
فانحدرت، فخرجت في مشرعة بالبصرة، وأنا أمشي وأتعثر وأبكي قلقاً على فراق أهلي وولدي، وذهاب معيشتي وجاهي، إذ أعترضني رجل.
فقال: يا هذا، ما بك ؟ فقلت: أنا في شغل عنك، فاستحلفني، فأخبرته.
فقال: امض إلى السجن ببني نمير، واشتر معك خبزاً كثيراً، وشواءً جيداً، وحلوى، وسل السجان أن يوصلك إلى رجل محبوس، يقال له: أبو بكر النقاش، وقل له: أنا زائره، فإنك لا تمنع، وإن منعت، فهب للسجان شيئاً يسيراً فإنه يدخلك إليه، فإذا رأيته فسلم عليه ولا تخاطبه حتى تجعل بين يديه ما معك، فإن أكل وغسل يديه، فإنه يسألك عن حاجتك، فأخبره خبرك، فإنه سيدلك على من أخذ مالك، ويرتجعه لك.
ففعلت ذلك، ووصلت إلى الرجل، فإذا هو شيخ مثقل بالحديد.
فسلمت عليه، وطرحت ما معي بين يديه، فدعا رفقاءً كانوا معه فأقبلوا يأكلون معه، فلما استوفى وغسل يديه.
قال: من أنت، وما جاء بك ؟ فشرحت له قصتي.
فقال: امض الساعة لوقتك - ولا تتأخر - إلى بني هلال، فاقصد الدرب الفلاني حتى تنتهي إلى آخره، فإنك تشاهد باباً شعثاً، فافتحه وادخل بلا استئذان، فستجد دهليزاً طويلاً يؤدي إلى بابين، فادخل الأيمن منهما، فسيدخلك إلى دار فيها بيت فيه أوتاد وبواري، وعلى كل وتد إزار ومئزر، فانزع ثيابك، وعلقها على الوتد، واتزر بالمئزر واتشح بالإزار، واجلس، فسيجيء قوم يفعلون كما فعلت، إلى أن يتكاملوا، ثم يؤتون بطعام فكل معهم، وتعمد أن تفعل كما يفعلون في كل شيء.
فإذا أتوا بالنبيذ فاشرب معهم أقداحاً يسيرة، ثم خذ قدحاً كبيراً، فاملأه، وقم، وقل: هذا ساري لخالي أبي بكر النقاش، فسيضحكون ويفرحون، ويقولون: هو خالك ؟ فقل: نعم، فسيقومون ويشربون لي، فإذا تكامل شربهم لي، وجلسوا، فقل لهم: خالي يقرأ عليكم السلام، ويقول لكم: بحياتي يا فتيان، ردوا على ابن أختي المئزر الذي أخذتموه أمس من السفينة بنهر الأبلة، فإنهم يردونه عليك.
فخرجت من عنده، ففعلت ما قال لي، وجرت الصورة، على ما ذكر، سواء بسواء، وردت الفوطة علي بعينها، وما حل شدها.
فلما حصلت لي، قلت لهم: يا فتيان، هذا الذي فعلتموه هو قضاء لحق خالي، وأنا لي حاجة تخصني.
فقالوا: مقضية.
فقلت: عرفوني كيف أخذتهم الفوطة ؟ فامتنعوا، فأقسمت عليهم بحياة أبي بكر النقاش.
فقال لي واحد منهم: تعرفني ؟ فتأملته، فإذا هو الضرير الذي كان يقرأ. وإنما كان يتعامى حيلة ومكراً.
وأومأ إلى آخر، وقال: أتعرف هذا ؟ فتأملته، فإذا هو الملاح بعينه.
فقلت: أخبراني كيف فعلكما ؟

فقال الملاح: أنا أدور في المشارع في أول أوقات المساء، وقد سبقت المتعامي فأجلسته حيث رأيت، فإذا رأيت من معه شيء له قدر، ناديته وأرخصت عليه الأجرة وحملته، فإذا بلغ إلى القارئ، وصاح بي، شتمته، حتى لا يشك الراكب في براءة الساحة، فإن حمله الراكب فذاك، وإن لم يحمله رققته حتى يحمله، فإذا حمله، وجلس هذا يقرأ قراءته الطيبة، ذهل الرجل كما ذهلت أنت، فإذا بلغنا إلى موضع نكون قد خلينا فيه رجلاً متوقعاً لنا، يسبح حتى يلاصق السفينة، وعلى رأسه قوصرة، فلا يفطن الراكب، فيستلب هذا الرجل المتعامى - بخفة - الشيء الذي قد عينا عليه، فيلقيه إلى الرجل الذي عليه القوصرة، فيأخذها ويسبح إلى الشط، فإذا أراد الراكب النزول، وافتقد ما معه، عملنا كما رأيت، فلا يتهمنا، ونتفرق، فإذا كان الغد، اجتمعنا واقتسمنا ما أخذناه، واليوم كان يوم القسمة، فلما جئت برسالة خالك أستاذنا، سلمنا إليك الفوطة، قال: فأخذتها، وانصرفت
صادف درء السيل درءاً يصدعه
حدثني عبيد الله بن محمد الصروي، قال: حدثني بعض إخواني: أنه كان ببغداد رجل يطلب التلصص في حداثته، ثم تاب وصار بزازاً.
قال: فانصرف ليلة من دكانه، وقد أغلقه، فجاء لص متزي بزي صاحب الدكان، في كمه شمعة صغيرة، ومفتاح، فصاح بالحارس، وأعطاه الشمعة في الظلمة، وقال: أشعلها وجئني بها، فإن لي في هذه الليلة في دكاني شغلاً.
فحضر الحارس وأشعل الشمعة، وركب اللص المفاتيح على الأقفال ففتحها، ودخل الدكان.
فجاء الحارس بالشمعة مشعلة، فأخذها منه وهو لا يتبين وجهه، وجعلها بين يديه، وفتح سفط الحساب، وأخرج ما فيه، وجعل ينظر في الدفاتر، ويوري بيده أنه يحسب، والحارس يطالعه في تردده، ولا يشك في أنه صاحب الدكان.
إلى أن قارب السحر، فاستدعى اللص الحارس، وكلمه من بعيد، وقال له: أطلب لي حمالاً.
فجاء بحمال، فحمل عليه من متاع الدكان أربع زرم مثمنة، وأقفل الدكان، وانصرف ومعه الحمال، وأعطى الحارس درهمين، فلما أصبح الناس، جاء صاحب الدكان ليفتحه، فقام إليه الحارس يدعو له، ويقول: فعل الله بك وصنع كما أعطيتني البارحة الدرهمين.
فأنكر الرجل ما سمعه، ولم يرد جواباً، وفتح دكانه، فوجد سيلان الشمعة، وحسابه مطروحاً، وفقد الرزم الأربع، فاستدعى الحارس، وقال له: من كان الذي حمل معي الرزم البارحة من دكاني ؟ فقال له الحارس: أليست استدعيت مني حمالاً، فجئتك به، فحملها معك ؟ قال: بلى، ولكني كنت ناعساً متنبذاً، وأريد الحمال، فجئني به، فمضى الحارس فجاءه بالحمال، فأغلق الرجل الدكان، وأخذ الحمال معه، ومشى، وقال: إلى أين حملت الرزم البارحة، فإني كنت متنبذاً.
قال: إلى المشرعة الفلانية، واستدعيت فلاناً الملاح، فركبت معه.
فصعد الرجل المشرعة، فسأل عن الملاح فدل عليه وركب معه. وقال: أين أوصلت اليوم أخي الذي كان معه الأربع رزم ؟ قال: إلى المشرعة الفلانية.
قال: أطرحني إليها، فطرحه.
قال: ومن حملها معه ؟ قال: فلان الحمال.
فدعا به، ولطفه، وقال: أين حملت الرزم الأربع البارحة ؟ واستدله برفق وأعطاه شيئاً، فجاء به إلى باب غرفة، في موضع بعيد عن البلد، قريب من الصحراء، فوجد الباب مقفلاً.
واستوقف الحمال إلى أن فش القفل وفتح الباب، ودخل، فوجد الأربع رزم بحالها، وإذا في البيت بركان معلق على حبل، فلق الرزم فيه، ودعا الحمال فحملها.
فحين خرج من الغرفة، استقبله اللص، وفهم الأمر، فاتبعه إلى الشط، فجاء إلى المشرعة، ودعا الملاح ليعبر.
فدعا الحمال من يحط عنه، فجاء اللص، فحط عنه، كأنه مجتاز متطوع، فأدخل الرزم إلى السفينة مع صاحبها، ثم جعل البركان على كتفه، وقال للتاجر: يا أخي أستودعك الله، فقد استرجعت رزمك، فدع كسائي.
فضحك منه وقال: أنزل ولا خوف عليك.
فنزل معه، فاستتابه، ووهب له شيئاً، وصرفه.

قصة الأخوين عاد وشداد

وحكى عبيد الله بن محمد بن الحسن العبقسي الشاعر، قال: حدثني شاعر كان يعرف بغلام أبي الغوث، قال: كنت من أهل قرية من نواحي الشام، أسكنها أنا وأسلافي، فكنا نطحن أقواتنا في رحى ماء على فراسخ من البلد، يخرج إليها أهل البلد وأهل القرى المجاورة بغلاتهم، فتكثر، فلا يتمكن من الطحن إلا الأقوى فالأقوى.

فمضيت مرة ومعي غلة، وحملت معي خبزاً ولحماً مطبوخاً يكفيني لأيام، وكان الزمان شاتياً، لأقيم على الرحى، حتى يخف الناس فأطحن فيها، على عادتي تلك.
فلما صرت عند الرحى، حططت أعدالي، وجلست في موضع نزه، وفرشت سفرتي لآكل.
واجتاز بي رجل عظيم الخلقة، فدعوته ليأكل، فجلس فأكل كلما كان في سفرتي، حتى لم يدع فيها شيئاً، ولا أوقية واحدة.
فعجبت من ذلك عجباً شديداً بان له في، فأمسك، وغسلنا أيدينا.
فقال لي: على أي شيء مقامك هنا ؟ فقلت: لأطحن هذه الغلة.
فقال لي: فلم لا تطحنها اليوم، فأخبرته بسبب تعذر ذلك علي.
قال: فثار كالجمل، حتى شق الناس وهم مزدحمون على الرحى، وهي تدور، فجعل رجله عليها فوقفت ولم تدر.
فعجب الناس، وقال: من فيكم يتقدم ؟ فجاء رجل أيد شديد، فأخذ بيده، ورمى به كالكرة، وجعله تحت رجله الأخرى، فما قدر أن يتحرك.
وقال: قدموا غلتي إلى الطحن وإلا كسرت الرحى، وكسرت الرحى، وكسرت عظام هذا.
فقالوا: يا هذا هات الغلة، فجئت بها، فطحنت، وفرغت منها، وجعلتها في الأعدال.
وقال لي: قم.
قلت: إلى أين ؟ قال: إلى منزلك.
قلت: لا أسلك الطريق وحدي، فإنه مخوف، ولكن أصبر حتى يفرغ أهل قريتي، وأرجع معهم.
فقال: قم وأنا معك، ولسنا نخاف - بإذن الله عز وجل - شيئاً.
فقلت في نفسي: من كانت تلك القوة قوته يجب أن آنس به، فقمت، وحملت الغلة على الحمير، وسرنا إلى أن جئنا إلى قريتي، ولم نلق في طريقنا بأساً.
فلما دخلت إلى بيتي، خرج والدي وإخوتي، وعجبوا من سرعة ورودي بالغلة، ورأوا الرجل، فسألوني عن القصة، فأخبرتهم.
وسألنا الرجل أن يقيم في ضيافتنا، ففعل، فذبحنا له بقرة، وأصلحنا له سكباجاً، وقدم إليه، فأكل الجميع بنحو المائة رطل خبزاً.
فقال له أبي: يا هذا، ما رأيت مثلك قط، فأي شيء أنت ؟ ومن أين معاشك ؟ قال: أنا رجل من الناحية الفلانية، وأسمي شداد، وكان لي أخ أشد بدناً وقلباً مني، وأسمه عاد، وكنا نبذرق القوافل من قريتنا إلى مواضع كثيرة، ولا نستعين بأحد، وتخرج علينا الرجال الكثيرة، فألقاهم أنا وأخي فقط فنهزمهم، فأشتهر أمرنا، حتى كان إذا قيل قافلة عاد وشداد، لم يعرض لها أحد، فمكثنا كذلك سنين كثيرة.
فخرجنا مرة أنا وأخي، نسير قافلة قد خفرناها، فلما صرنا بالفلاة، رأينا سواداً مقبلاً نحونا، فأستطرفنا أن يقدم علينا أحد، ثم بان لنا شخص رجل أسود، على ناقة حمراء، ثم خالطنا.
وقال: هذه قافلة عاد وشداد ؟ قلنا: نعم.
فترجل ودعانا للبراز، فانتضينا سيوفنا وانقضضنا عليه، فضرب ساق أخي بالسيف ضربة أقعدته، وعدا علي، فقبض على كتفي، فما أطقت الحركة.
فكتفني، ثم كتف أخي، وطرحنا على الناقة كالزاملتين، ثم ركبها وسار بعد أن أخذ من القافلة ما كان فيها من عين، وورق، وحلي، وشيئاً من الزاد، وأوقر الراحلة بذلك.
وسار بنا على غير محجة، في طريق لا نعرفه، بقية يومنا وليلتنا وبعض الثاني، حتى أتى جبلاً لا نعرفه، فأوغل فيه، وبلغ إلى وجه منه فدخله، فانتهى إلى مغارات، فأناخ الراحلة، ثم رمى بنا عنها، وتركنا في الكتاف.
وجاء إلى مغارة على بابها صخرة عظيمة لا يقلعها إلا الجماعة، فنحاها عن الباب واستخرج منها جارية حسناء، فسألها عن خبرها، وجلسا يأكلان مما جاء به من الزاد، ثم شربا، فقال لها: قومي، فقامت، ودخلت الغار.
ثم جاء إلى أخي، فذبحه وأنا أراه، وسلخه، وأكله وحده، حتى لم يدع منه إلا عظامه.
ثم استدعى الجارية، فخرجت، وجعلا يشربان، فلما توسط شربه، جرني، فلم أشك أنه يريد ذبحي، فإذا هو قد طرحني في غار من تلك المغارات، وحل كتافي، وأطبق الباب بصخرة عظيمة، فأيست من الحياة، وعلمت أنه قد أدخرني لغد.
فلما كان في الليل، لم أحس إلا بامرأة تكلمني، فقلت لها: ما بالك ؟ فقالت: إن هذا العبد قد سكر ونام، وهو يذبحك في غد كما ذبح صاحبك، فإن كانت لك قوة فاجهد في دفع الصخرة واخرج فاقتله، وأنج بي وبنفسك.
فقلت: ومن أنت ؟

قالت: أنا امرأة من البلد الفلاني، ذات نعمة، خرجت أريد أهلاً لي في البلد الفلاني، فخرج علينا هذا العدو لله، فأهلك القافلة التي كنت فيها، ورآني فأخذني غصباً، وأنا منذ كذا وكذا شهراً، على هذه الصورة، يرتكب مني الحرام، وأشاهد ذبحه للناس وأكله لهم، ولا يوصف له إنسان بشدة بدن إلا قصده، حتى يقهره، ثم يجيء به فيأكله، ويعتقد أن شدته تنتقل إليه، وإذا خرج حبسني في الغار، وخلف عندي مأكولاً وماءً لأيام، ولو اتفق أنه يحتبس عني - فضل يوم - مت جوعاً وعطشاً.
فقلت: إنني ما أطيق قلع الصخرة.
قالت: ويلك، فجرب نفسك.
قال: فجئت إلى الصخرة فاعتمدت عليها بقوتي، فتحركت، فإذا قد وقع تحت الصخرة حصاة صغيرة، وقد صارت الصخرة مركبة تركيباً صحيحاً، وذلك لما أراده الله تعالى من خلاصي.
فقلت: أبشري، ولم أزل أجتهد، حتى زحزحت الصخرة شيئاً أمكنني الخروج منه، فخرجت.
فأخذت سيف الأسود، واعتمدت بكلتي يدي فضربت ساقيه، فإذا قد أبنت أحدهما وكسرت الأخرى، فانتبه، ورام الوثوب فلم يقدر، فضربته الأخرى على حبل عاتقه فسقط، وضربته أخرى فأبنت رأسه.
وعمدت إلى المغارات فأخذت كلما وجدت فيها من عين، وورق، وجوهر، وثوب فاخر خفيف الحمل، وأخذت زاداً لأيام، وركبت راحلته، وأردفت المرأة، ولم أزل أسلك في طرق لا أعرفها، حتى وقعت على محجة، فسلكتها، فأفضت بي إلى بعض القرى، فسلمت الراحلة إلى المرأة، وأعطيتها نفقة تكفيها إلى بلدها، وسيرتها مع خفراء، وعدت إلى بلدي بتلك الفوائد الجليلة.
وعاهدت الله تعالى، أن لا أتعرض للطريق، ولا للخفارة أبداً.
وأنا الآن آكل من ضياع اشتريتها من ذلك المال، وأقوم بعمارتها، وأعيش من غلتها، إلى الآن.

قارع سبعين من قطاع الطريق وانتصف منهم

وحكى سعد بن محمد بن علي الأزدي، الشاعر البصري المعروف بالوحيد، قال: حدثني أبو علي الكردي، رجل رأيته بعسكر عمران بن شاهين قصده من عند حسنويه بن الحسين الكردي، فقبله، وأجرى عليه، وكان شجاعاً نجداً، فحدثني، قال: خرجنا مرة بالجبال، في أيام موسم الحج، عددنا سبعون رجلاً، من فارس وراجل، فاعترضنا الحاج الخراسانية، وكنا لهم.
وكان لنا عين في القافلة، فعاد وعرفنا أن في القافلة رجلاً من أهل شاش وفرغانة معه أثنى عشر حملاً بزاً، وجارية في قبة عليها حلي ثقيل، فجعلنا أعيننا عليه، حتى وثبنا عليه، وهو وجاريته في عمارية.
قال: فقطعنا قطاره وكتفناه، وأدخلناه وما معه بين الجبال، ووقعنا على ما معه، وفرحنا بالغنيمة.
وكان للرجل برذون أصفر يساوي مائتي درهم، فلما رآنا نريد القفول، قال: يا فتيان، هنأكم الله بما أخذتم، ولكني رجل حاج، بعيد الدار، فلا تتعرضوا لسخط الله بمنعي من الحج، وأما المال فيذهب ويجيء، وتعلمون، أنه لا نجاة لي إلا على هذا البرذون، فاتركوه لي، فليس يبين ثمنه في الغنيمة التي أخذتموها، فتشاورنا على ذلك.
فقال شيخ فينا مجرب: لا تردوه عليه، واتركوه مكتوفاً هنا، فإن كان في أجله تأخير، فسيقيض الله له من يحل كتافه، وكنت فيمن عزم على هذا.
وقال بعضنا: ما مقدار دابة بمائتي درهم حتى نمنعها رجلاً حاجاً، فلا حاجة لنا فيها، وجعلوا يرققون قلوب الباقين حتى سمحنا بذلك، فأطلقناه، ولم ندع عليه إلا ثوباً يستر عورته.
فقال: يا فتيان، قد مننتم علي، وأحسنتم إلي، ورددتم دابتي، وأخشى إذا أنا سرت أن يأخذها غيركم، فأعطوني قوس ونشابي، أذب بها عن نفسي وعن فرسي.
فقلنا: إنا لا نرد سلاحاً على أحد.
فقال بعضنا: وما مقدار قوس قيمته درهمان، وما نخشى من مثل هذا ؟ فأعطيناه قوسه ونشابه، وقلنا له: انصرف، فشكرنا، ودعا لنا، ومضى حتى غاب عن أعيننا.
فما كدنا نسير، والجارية تبكي، وتقول: أنا حرة، ولا يحل لكم أن تأخذوني.
فنحن في هذا، وإذا بالرجل قد كر راجعاً، وقال: يا فتيان، أنا لكم ناصح، فإنكم قد أحسنتم إلي، ولا بد لي من مكافأتكم على إحسانكم، بنصيحتي لكم.
فقلنا: وما نصيحتك ؟ فقال: دعوا ما في أيدكم، وانصرفوا سالمين بأنفسكم، ولكم الفضل، فإنكم مننتم على رجل واحد، وأنا أمن على سبعين رجلاً، وإذا هو قد انقلبت عيناه في وجهه، وخرج الزبد من أشداقه، وصار كالجمل الهائج.

فهزأنا به، وضحكنا عليه، ولم نلتفت إلى كلامه، فأعاد علينا النصيحة، وقال: يا قوم قد مننت عليكم، فلا تجعلوا لي إلى أرواحكم سبيلاً.
فزاد غيظنا عليه، فقصدناه، وحملنا عليه، فانحاز منا، ورمى بخمس نشابات، كانت بيده، فقتل بها منا خمسة، واحداً، واحداً.
وقال: إن جماعتكم تموت على هذا، إن لم تخلوا عما في أيديكم.
فلم نزل ندافعه، ويقتل منا، حتى قتل ثلاثين رجلاً، وبقي معه نشاب في جعبته.
فقلنا: أما ترون ويحكم أنه لم يخط له سهم واحد ؟ وأحجمت الجماعة عنه، وأفرجنا عن الجمال والقبة، فصار القطار في حوزته.
فتنكس ونحن نراه، ففتق عدلاً بسيف أخرجه من رحله، وأخرج منه جعبة نشاب، وأراناها، فلما رأينا ما صار إليه من النشاب يئسنا منه وولينا عنه.
فقال: يا فتيان، سألتكم هذا فلم تجيبوني إليه فمن نزل عن دابته فهو آمن، ومن أحب أن يكون فارساً، فهو بشأنه أبصر.
فشددنا عليه، فقتل منا جماعة، فاضطررنا إلى أن ترجلنا، فحاز دوابنا وحده، وساقها قليلاً.
ثم رجع، وقال: أطالبكم بحكمكم، من رمى سلاحه فهو آمن، ومن تمسك به فهو أبصر، فرمينا سلاحنا.
فقال: امضوا سالمين آمنين، فأخذ جميع السلاح والدواب، وإنا لندعوها بأسمائها، فتشذ عنه، فيرميها فيصرعها، حتى قتل منها جماعة، وفاتتنا الغنيمة، والسلاح.
وكان ذلك سبب توبتي، أنفةً لما لحقنا منه، وأنا على ذلك الحال إلى اليوم.

الباب الثاني عشر

فيمن ألجأه الخوف إلى هرب واستتار

فأبدل بأمن ومستجد نعم ومسار

يحيى بن طالب الحنفي يبارح وطنه مديناً ويعود إليه موسراً
أخبرني أبو بكر محمد بن يحيى الصولي، فيما أجاز لي روايته عنه، بعدما سمعته منه، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، قال: غني الرشيد يوماً بهذا الشعر:
ألا هل إلى شمّ الخزامى ونظرةٍ ... إلى قرقرى قبل الممات سبيل
فيا أثلاث القاع من بطن توضحٍ ... حنيني إلى أظلالكنّ طويل
أريد نهوضاً نحوكم فيصدّني ... إذا رمته دينٌ عليّ ثقيل
قال مؤلف الكتاب: ووجدت الشعر في غير هذه الرواية:
ويا أثلاث القاع قد ملّ صحبتي ... صحابي فهل في ظلّكنّ مقيل
أحدّث نفسي عنك أن لست راجعاً ... إليك فحزني في الفؤاد دخيل
رجع للحديث.
فاستحسن الرشيد الشعر، وسأل عن قائله، فعرف أنه ليحيى بن طالب الحنفي اليمامي.
فقال: حي هو أم ميت ؟ فقال بعض الحاضرين: هو حي كميت.
قال: ولم ؟ قال: هرب من اليمامة، لدين عليه ثقيل، فصار إلى الري.
فأمر الرشيد أن يكتب إلى عامله بالري، يعرفه ذلك، وأن يدفع إليه عشرة آلاف درهم، وأن يحمل إلى اليمامة على دواب البريد، وكتب إلى عامله باليمامة بقضاء دينه.
فلما كان بعد أيام، قال الرشيد لمن حضره: إن الكتب وردت بامتثال ما أمرت به.
وعاد يحيى إلى وطنه موسراً، وقد قضي دينه عنه، من غير سعي منه في ذلك.
العتابي يؤدب الأمين والمأمونذكر محمد بن عبدوس في كتابه كتاب الوزراء، قال: حدثني عبد الواحد بن محمد، يعني الخصيبي، قال: حدثني يموت بن المزرع، قال: كان العتابي، يقول بالاعتزال، فاتصل ذلك بالرشيد، وكثر عليه في أمره، فأمر فيه بأمر غليظ، فهرب إلى اليمن، وكان مقيماً فيها على خوف وتوق.
فاحتال يحيى بن خالد، إلى أن أسمع الرشيد شيئاً من خطبه ورسائله، فاستحسنها الرشيد، وسأل عن الكلام لمن هو ؟ فقال يحيى: هو كلام العتابي، وإن رأيت يا أمير المؤمنين، أن يحضر حتى يسمع الأمين والمأمون، ويضع لهما خطباً، لكان في ذلك صلاحاً لهما.
فأمنه الرشيد، وأمر بإحضاره.
ولما اتصل خبر ذلك بالعتابي، قال يمدح يحيى بن خالد:
ما زلت في سكرات الموت مطّرحاً ... قد غاب عنّي وجه الأرض من خبلي
فلم تزل دائباً تسعى لتنقذني ... حتى أختلست حياتي من يد الأجل
لماذا قتل أبو سلمة الخلالوذكر في بعض كتب الدولة:

أن أبا سلمة الخلال، لما قوي الدعاة، وشارفوا العراق، وقد ملكوا خراسان وما بينها وبين العراق، استدعى بني العباس، فصيرهم في منزله بالكوفة، وكان له سرداب، فجعل فيه جميع من كان حياً في ذلك الوقت من ولد عبد الله ابن العباس، وفيهم السفاح، والمنصور، وعيسى بن موسى، وهو يراعي الأخبار.
وكان الدعاة يؤمرون بقصده إذا ظهروا وغلبوا على الكوفة، ليعرفهم الإمام، فيسلمون الأمر إليه.
فلما أوقع قحطبة بابن هبيرة الوقعة العظيمة على الفرات، وغرق قحطبة، وانهزم ابن هبيرة، ولحق بواسط، وتحصن بها، ودخل ابنا قحطبة الكوفة بالعسكر كله، قالوا لأبي سلمة: أخرج إلينا الإمام، فدافعهم، وقال: لم يحضر الوقت الذي يجوز فيه ظهور الإمام، وأخفى الخبر عن بني العباس، وعمل على نقل الأمر عنهم، إلى ولد فاطمة رضي الله عنهم، وكاتب جماعة منهم، فتأخروا عنه.
وساء ظن بني العباس به، فاحتالوا حتى أخرجوا مولى لهم أسود كان معهم في السرداب، وقالوا له: اعرف لنا الأخبار، فعاد إليهم، وعرفهم أن قحطبة غرق، وأن ابن هبيرة انهزم، وأن ابني قحطبة قد دخلا الكوفة بالعسكر منذ كذا وكذا.
فقالوا: أخرج وتعرض لابني قحطبة، وأعلمهما بمكاننا، ومرهما بأن يكبسا الدار علينا ويخرجانا.
فخرج المولى، وكان حميد بن قحطبة عارفاً به، فتعرض له، فلما رآه أعظم رؤيته، وقال: ويلك ما فعل سادتنا، وأين هم ؟ فخبره بخبرهم، وأدى إليه رسالتهم.
فركب في قطعة من الجيش، وأبو سلمة غافل، فجاء حتى ولج الدار، وأراه الأسود السرداب، فدخل ومعه نفر من الجيش، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فقالوا: وعليكم السلام.
فقال: أيكم ابن الحارثية ؟ وكانت أم أبي العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله، وكان إبراهيم بن محمد - الذي يقال له الإمام - لما بث الدعاة، قال لهم: إن حدث بعدي حدث، فالإمام ابن الحارثية الذي معه العلامة، وهي: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمةً، ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض، ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون.
قال: فلما قال ابن قحطبة: أيكم ابن الحارثية ؟ ابتدره أبو العباس، وأبو جعفر، كلاهما يقول: أنا ابن الحارثية.
فقال ابن قحطبة: فأيكما معه العلامة ؟ فقال أبو جعفر: فعلمت أني قد أخرجت من الأمر، لأنه لم يكن معي علامة.
فقال أبو العباس: ونريد أن نمن ... وتلا الآية.
فقال له حميد بن قحطبة: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، مد يدك أبايعك، فبايعه.
ثم انتضى سيفه، وقال: بايعوا أمير المؤمنين، فبايعه أخوته، وبنوا عمه، وعمومته، والجماعة الذين كانوا معه في السرداب.
وأخرجه إلى المنبر بالكوفة، وأجلسه عليه، فحصر أبو العباس عن الكلام، فتكلم عنه عمه داود بن علي، فقام دونه على المنبر بمرقاة، وجاء أبو سلمة، وقد استوحش وخاف.
فقال حميد: يا أبا سلمة، زعمت أن الإمام لم يقدم بعد ؟ فقال أبو سلمة: إنما أردت أن أدافع بخروجهم إلى أن يهلك مروان، فإن كانت له كرة لم يكونوا قد عرفوا فيهلكوا، وإن هلك مروان أظهرت أمرهم على ثقة.
فأظهر أبو العباس قبول هذا العذر منه، وأقعده إلى جانبه، ثم دبر عليه بعد مدة حتى قتله.
وقد روي هذا الخبر على غير هذا السياق، فقالوا: قدم أبو العباس السفاح وأهله على أبي سلمة سراً، فستر أمرهم، وعزم على أن يجعلها شورى بين ولد علي والعباس، حتى يختاروا منهم من أرادوا.
ثم خاف أن لا يتفق على الأمر فعزم على أن يعدل بالأمر إلى ولد الحسن والحسين رضي الله عنهم، وهم ثلاثة: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، وعبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، وعمر بن علي بن الحسين.
ووجه بكتب إليهم مع رجل من مواليهم من ساكني الكوفة.
فبدأ بجعفر بن محمد، فلقيه ليلاً، فأعلمه أنه رسول أبي سلمة، وأن معه كتاباً إليه.
فقال: ما أنا وأبو سلمة، وهو شيعة لغيري ؟ فقال له الرسول: تقرأ الكتاب، وتجيب عنه بما رأيت.
فقال جعفر لخادمه، قرب مني السراج، فقربه، فوضع عليه كتاب أبي سلمة، فأحرقه.
فقال: ألا تجيب عنه ؟ فقال: الجواب ما رأيت.
ثم أتى عبد الله بن الحسن، فقبل كتابه، وركب إلى جعفر.
فقال جعفر: مرحباً بك أبا محمد، لو أعلمتني لجئتك.
فقال: إنه أمر يجل عن الوصف.
فقال: وما هو ؟

قال: هذا كتاب أبي سلمة يدعوني فيه إلى الأمر، ويراني أحق الناس به، وقد جاء به شيعتنا من خراسان.
فقال له جعفر: ومتى صاروا شيعتك ؟ أنت وجهت أبا مسلم إلى خراسان، وأمرته بلبس السواد؟ أتعرف أحداً منهم باسمه ونسبه ؟ قال: لا.
قال: كيف يكونون شيعتك، وأنت لا تعرف أحداً منهم، ولا يعرفونك ؟ فقال عبد الله: هذا الكلام كان منك لشيء.
فقال جعفر: قد علم الله تعالى أني أوجب النصح على نفسي لكل مسلم، فكيف أدخره عنك، فلا تمنين نفسك الأباطيل، فإن هذه الدولة ستتم لهؤلاء القوم، وما هي لأحد من ولد أبي طالب، وقد جاءني مثل ما جاءك.
فانصرف غير راض بما قاله له.
وأما عمر بن علي بن الحسين، فرد عليه الكتاب، وقال: لا أعرف من كتبه.
قال: وأبطأ أبو سلمة على أبي العباس ومن معه، فخرج أصحابه يطوفون بالكوفة، فلقي حميد بن قحطبة، ومحمد بن صول أحد مواليهم، فعرفاه، لأنه كان يحمل إليهم كتب محمد بن علي وإبراهيم بن محمد، فسألاه عن الخبر، فأعلمهما أن القوم قد قدموا، وأنهم في سرداب يعرف ببني أود، فصارا إلى الموضع، فسلما عليهم.
وقالا: أيكما عبد الله ؟ فقال المنصور وأبو العباس: كلانا عبد الله.
فقال: أيكما ابن الحارثية ؟ فقال أبو العباس: أنا.
فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ودنوا فبايعوه.
وأحضروه إلى المسجد الجامع، فصعد على المنبر، فحصر، وتكلم عنه عمه داود بن علي، وقام دونه بمرقاة.

أمير البصرة العباسي يحمي أمويا

ً
أخبرنا أبو الفرج علي بن الحسين، المعروف بالأصبهاني، قال: أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن عمرو، قال: أخبرني، طارق بن المبارك عن أبيه، قال: جاءني رسول عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة، فقال لي: يقول لك عمرو: قد جاءت هذه الدولة وأنا حديث السن، كثير العيال، منتشر الأموال، فما أكون في قبيلة إلا وشهر أمري، وقد عزمت على أن أفدي حرمي بنفسي، وأنا صائر إلى باب الأمير سليمان بن علي، فصر إلي.
فوافيته، فإذا عليه طيلسان مطبق أبيض، وسراويل وشي مشدود.
فقلت: سبحان الله، ما تصنع الحادثة بأهلها، أيها الإنسان تلقى هؤلاء القوم الذين تريد لقاءهم وعليك مثل هذا ؟ قال: والله، ما ذهب علي ذلك، ولكن ليس عندي ثوب، إلا وهو أشهر من هذا.
فأعطيته طيلساني، وأخذت طيلسانه، ولويت سراويله إلى ركبته، فدخل، ثم خرج مسروراً.
فقلت: حدثني بما جرى بينك وبين الأمير.
قال: دخلت إليه، ولم يرني قط، فقلت: أيها الأمير، لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك عليك، فإما قبلتني غانماً، وإما رددتني سالماً.
فقال: من أنت ؟ فانتسبت إليه.
فقال: مرحباً، أقعد فتكلم، غانماً مسروراً، ثم اقبل علي، وقال: ما حاجتك يا ابن أخي ؟ فقلت: إن الحرم اللواتي أنت أقرب الناس إليهن، قد خفن بخوفنا، ومن خاف خيف عليه.
فوالله ما أجابني إلا بدموعه تسيل على خديه، وقال: يا ابن أخي، يحقن الله دمك، ويحفظك في حرمك، ويوفر عليك مالك، والله، لو أمكنني ذلك في جميع أهلك لفعلت، ولكن كن متوارياً كظاهر، وآمناً كخائف، ولتأتني رقاعك.
قال: وكان - والله - يكتب إليه كما كان يكتب الرجل إلى ابن عمه.
قال: فلما فرغ من كلامه، رددت عليه طيلسانه، فقال: مهلاً، إن ثيابنا إذا خرجت عنا، لم تعد إلينا.
ووجدت هذا الخبر، بإسناد ليس هو لي، برواية عن العتبي، قال: حدثنا طارق بن المبارك الذراع البصري - ولم يتجاوزه - قال: قدم جدك عمرو بن معاوية البصرة، حين نكب بنو أمية، قال: فجعل لا ينزل بحي، إلا أجهزوه واشتهر.
فقال لي: أذهب بنا أضع يدي في يد هذا الرجل، يعني سليمان بن علي، وذكر نحوه.
وقال في آخره: فلما صار عمرو إلى منزله، دفعت إليه ثوبه، وطلبت ثوبي، فردهما علي جميعاً، وقال: إنا لم نأخذ ثوبك لنحبسه، ولم نعطك ثوبنا لترده.
عبد الملك بن مروان يؤمن ابن قيس الرقيات ويحرمه العطاء

أخبرني أبو الفرج علي بن الحسين، المعروف بالأصبهاني، إجازة في كتابه: الأغاني الكبير، قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيدي، وأبو عبد الله الحرمي بن أبي العلاء وغيرهما، قالوا: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنا عبد الله بن البصير البربري، مولى قيس بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: قال عبيد الله بن قيس الرقيات: خرجت مع مصعب بن الزبير، حين بلغه خروج عبد الملك بن مروان، فلما نزل مصعب مسكن، وتبين الغدر ممن معه، دعاني، ودعا بمال، فملأ المناطق منه، وألبسنيها.
وقال: أمض حيث شئت، فإني مقتول.
فقلت: لا والله، لا أروح حتى آتي سبيلك، فأقمت معه حتى قتل.
ومضيت إلى الكوفة، فأول بيت دخلته إذا فيه امرأة معها بنتان كأنهما ظبيتان، فرقيت في درجة لها إلى مستشرف، فقعدت فيه.
قال: فأصعدت لي ما أحتاج إليه من الطعام، والشراب، والفرش، والماء، والوضوء.
فأقمت كذلك عندها أكثر من حولن تقوم بكل ما يصلحني، وتغدو علي في كل صباح، فتسألني عن حوائجي، فما سألتني من أنا، ولا أنا سألتها من هي ؟ وأنا في أثناء ذلك أسمع الصياح في، والجعل.
فلما طال بي المقام، وفقدت الصياح والجعل، وغرضت بمكاني، جاءت إلي في الصباح تسألني الحاجة، فأعلمتها أني قد غرضت بموضعي، وأحببت الشخوص إلى أهلي.
فقالت لي: يأتيك ما تحتاج إليه إن شاء الله تعالى.
قال: فلما أمسيت، وضرب الليل برواقه، رقت إلي، وقالت: إن شئت فنزلت، وقد أعدت راحلتين، عليهما جميع ما أحتاج إليه، ومعهما عبد، وأعطت العبد نفقة الطريق، وقالت: العبد والراحلتان لك.
فركبت، وركب معي العبد، حتى أتيت مكة، فدققت باب منزلي، فقالوا: من أنت يا هذا ؟ فقلت: عبيد الله بن قيس الرقيات، فولولوا، وبكوا، وقالوا: لم يرتفع طلبك إلا في هذا الوقت.
فتوقفت عندهم حتى أسحرت، ونهضت، فقدمت المدينة، ومعي العبد، فجئت إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهو يعشي أصحابه، فجلست معهم، وجعلت أتعاجم، وأقول: بناريناواي طيار.
فلما خرج أصحابه، كشفت له عن وجهي، فقال: ابن قيس ؟ فقلت: عائذاً بك.
فقال: ويحك، ما أجدهم في طلبك، وأحرصهم على الظفر بك، ولكني أكتب إلى أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان - وهي زوجة الوليد بن عبد الملك - وعبد الملك أرق شيء عليها.
فكتب إليها يسألها التشفع إلى عمها عبد الملك.
فلما وصلها الكتاب، دخلت على عمها، فسألها: هل من حاجة ؟ قالت: نعم، لي حاجة.
فقال: قد قضيت كل حاجة لك، إلا ابن قيس الرقيات.
فقالت: لا تستثنين علي.
فنفخ بيده، فأصاب حر وجهها، فوضعت يدها على خدها.
فقال لها: أرفعي يدك، فقد قضيت كل حاجة لك وإن كانت ابن قيس الرقيات.
فقالت: حاجتي أن تؤمنه، فقد كتب إلي يسألني أن أسألك ذلك.
قال: هو آمن، فمريه يحضر المجلس العشية.
فحضر، وحضر الناس - حين بلغهم - مجلس عبد الملك.
قال: فأخر الإذن لابن قيس، وأذن للناس، فدخلوا، وأخذوا مجالسهم، ثم أذن له.
فلما دخل عليه، قال عبد الملك: يا أهل الشام أتعرفون من هذا ؟ قالوا: لا.
قال: هذا ابن قيس الرقيات، الذي يقول:
كيف نومي على الفراش ولمّا ... تشمل الشام غارةٌ شعواء
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء
فقالوا: يا أمير المؤمنين، إسقنا دم هذا المنافق.
قال: الآن، وقد أمنته، وصار في منزلي وعلى بساطي ؟ قد أخرت الإذن له لتقتلوه، فلم تفعلوا.
فاستأذنه ابن قيس، أن ينشده مديحه، فأذن له، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
عاد له من كثيرة الطرب ... فعينه بالدموع تنسكب
كوفيّة نازح محلّتها ... لا أمم دارها ولا صعب
واللّه ما إن صبت إليّ ولا ... يعرف بيني وبينها نسب
إلاّ الذي أورثت كثيرة في القل ... ب وللحبّ سورةٌ عجب
حتى قال فيها:
إنّ الأغرّ الذي أبوه أبو ال ... عاص عليه الوقار والحجب
يعتدل التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنّه الذهب
فقال له عبد الملك: يا ابن قيس، تمدحني بالتاج، كأني من العجم، وتقول في مصعب ابن الزبير:

إنّما مصعبٌ شهابٌ من اللّ ... ه تجلّت عن وجهه الظلماء
ملكه ملك رأفةٍ ليس فيه ... جبروت منه ولا كبرياء
أما الأمان فقد سبق لك، ولكن - والله - لا تأخذ مع المسلمين عطاءً أبداً.
وأخبرني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه: أن عبيد الله بن قيس الرقيات، منعه عبد الملك بن مروان عطاءه من بيت المال، وطلبه ليقتله، فاستجار بعبد الله بن جعفر، وقصده، فالتقاه نائماً.
وكان ابن قيس صديقاً لسائب خاثر، فطلب الإذن على ابن جعفر، فتعذر، فجاء بسائب خاثر ليستأذن له.
قال سائب خاثر: فجئت من قبل رجلي عبد الله بن جعفر، ونبحت نباح الجرو الصغير، فانتبه ولم يفتح عينيه، ورفسني برجله.
قال: فدرت إلى عند رأسه، ونبحت نباح الكلب الهرم، فانتبه وفتح عينيه.
فقال: مالك، ويلك ؟ فقلت: عبيد الله بن قيس الرقيات بالباب.
فقال: ائذن له، فأذنت له، ودخل، فرحب به عبد الله وقربه، فعرفه ابن قيس خبره.
فدعا بظبية فيها دنانير، وقال لي: عد له ما فيها.
فجعلت أعد له، وأطرب، وأحسن صوتي بجهدي، حتى عددت له ثلثمائة دينار، وسكت.
فقال عبد الله: لماذا سكت، ويلك ؟ ما هذا وقت قطع الصوت الحسن.
فجعلت أعد ما في الظبية، وفيها ثمانمائة دينار، فدفعها إليه.
فلما قبضها التفت إلى ابن جعفر، وقال له: تسأل أمير المؤمنين في أمري ؟ قال: نعم، إذا دخلت عليه، ثم إنه دعا له بطعام، فأكل أكلاً فاحشاً، وركب ابن جعفر، فدخل معه إلى عبد الملك، فلما قدم الطعام جعل يسيء الأكل.
فقال عبد الملك، لابن جعفر: من هذا ؟ قال هذا رجل لا يجوز أن يكون كاذباً إن استبقي، وإن قتل كان أكذب الناس.
قال: كيف ؟ قال: لأنه يقول:
ما نقموا من بني أميّة إلاّ ... أنّهم يحلمون إن غضبوا
فإن قتلته بغضبك عليه أكذبكم فيما مدحكم به.
قال: فهو آمن، ولكن لا أعطيه عطاء من بيت المال.
قال: أحب أن تهب لي عطاءه، كما وهبت لي دمه.
قال: قد فعلت، وأمر له بذلك.

هشام بن عبد الملك وحماد الراوية

عن حماد الراوية، قال: كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك، جعل هشام يجفوني دون سائر أهله من بني أمية، في أيام يزيد.
فلما مات يزيد، وأفضت الخلافة إلى هشام خفته، ومكثت في بيتي سنة، لا أخرج إلا إلى من أثق به من إخواني سراً.
فلما لم أسمع أحداً يذكرني، أمنت، فخرجت فصليت الجمعة عند باب الفيل، فإذا بشرطيين قد وقفا علي.
وقالا: يا حماد أجب الأمير يوسف بن عمر.
فقلت في نفسي: من هذا كنت أحذر، ثم قلت للشرطيين: هل لكما أن تدعاني آتي بيتي، فأودع أهلي، وداع من لا يرجع إليهم أبداً، ثم أصير معكما ؟ فقالا: ما إلى ذلك سبيل.
فاستسلمت في أيديهما، وصرت إلى الأمير وهو في الإيوان الأحمر، فسلمت عليه، فرد علي السلام، ورمى إلي كتاباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر، أما بعد، فإذا قرأت كتابي هذا، فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به من غير أن يروع ولا يتعتع، وأدفع إليه خمسمائة دينار، وجملاً مهرياً، يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق، فأخذت الخمسمائة دينار، وإذا جمل مرحول، فجعلت رجلي في الغرز، وسرت اثنتي عشرة ليلة، حتى دانيت دمشق.
ونزلت على باب هشام، واستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت عليه في دار قوراء، مفروشة بالرخام، وبين كل رخامتين قضيب ذهب، وحيطانه كذلك، وهشام جالس على طنفسة حمراء، وعليه ثياب خز حمر، وقد تضمخ بالمسك والعنبر، وبين يديه مسك مفتوت في أواني ذهب، يقلبه بيده، فتفوح رائحته.
فسلمت عليه، فرد علي، واستدناني، فدنوت منه، حتى قبلت رجله.
وإذا جاريتان لم أر مثلهما، في أذن كل واحدة منهما حلقتان فيهما لؤلؤتان تتوقدان.
قال: أتدري فيم بعثت إليك ؟ قلت: لا.
قال: بعثت إليك بسبب بيت خطر في بالي، لم أدر من قائله.
قلت: وما هو ؟ قال:
ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينةٌ في يمينها إبريق
فقلت: هذا يقوله عدي بن زيد العبادي، في قصيدة له.
قال: أنشدنيها، فأنشدته:
بكّر العاذلون في وضح الصب ... ح يقولون لي أما تستفيق

ويلومون فيك يا ابنة عبد الّ ... له والقلب عندكم موثوق
لست أدري إذ أكثروا العذل فيها ... أعدوّ يلومني أم صديق
ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينةٌ في يمينها إبريق
قدّمته على عقار كعين ال ... ديك صفّى خلالها الراووق
قال: فطرب، ثم قال: أحسنت يا حماد، والله، يا جارية: اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي.
وقال: أعد.
فأعدته، فاستخفه الطرب حتى نزل عن فراشه، ثم قال للجارية الأخرى: اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي.
فقلت: إن سقيت الثالثة افتضحت.
ثم قال: سل حوائجك.
قلت: كائنة ما كانت ؟ قال: نعم.
قلت: إحدى الجاريتين.
قال: هما لك بما عليهما ومالهما.
ثم قال للأولى: اسقيه، فسقتني شربة سقطت منها ولم أعقل حتى أصبحت، فإذا بالجاريتين عند رأسي، وإذا عشرة من الخدم مع كل واحد منهم بدرة.
وقال لي أحدهم: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام، ويقول لك: خذ هذا فانتفع به في سفرك.
فأخذتها، والجاريتين، وانصرفت.

أكل على مائدته فأمضى له الأمان

عن عبد الله بن عمران أبي فروة، قال: كان عبد الله بن الحجاج الثعلبي من أشراف قيس، وكان مع ابن الزبير، فلما قتل، دخل عبد الله بصفة أعرابي على عبد الملك بن مروان ليلاً وهو يتعشى مع الناس، فجلس وأكل معهم، ثم وثب فقال:
منع القرار فجئت نحوك هارباً ... جيشٌ يجرّ ومقنبٌ يتلمّع
فقال: أي الأخابيث أنت ؟، فقال:
إرحم أصيبية هديت كأنّهم ... حجلٌ تدرّج بالسريّة جوّع
فقال: أجاع الله بطونهم، فأنت أجعتهم، فقال:
مالٌ لهم مما يضنّ جمعته ... يوم القليب فحيز عنهم أجمع
فقال: كسب سوء خبيث، فقال:
ولقد وطئت بني سعيد وطأة ... وابن الزبير فعرشه متضعضع
وأرى الذين رجوا تراث محمّد ... أفلت نجومهم ونجمك يسطع
فقال: الحمد لله على ذلك، فقال:
أدنو لترحمني وتقبل توبتي ... وأراك تدفعني فأين المدفع ؟
فقال: إلى النار، فقال:
ضاقت ثياب الملبسين فأولني ... عرفاً وألبسني فثوبك أوسع
قال: فرمى إليه بمطرف خز كان عليه.
فقال عبد الله: أمنت والله.
فقال له عبد الملك: كن من شئت إلا عبد الله بن الحجاج.
فقال: أنا - والله - هو، وقد أمنتني، أكلت طعامك، ولبست ثيابك، فأي خوف علي.
فقال: ما هداك إلا جدك، وأمضى له الأمان.
الفضل بن الربيع يتحدث عما لاقى أيام استتاره من المأمونحدثني علي بن هشام أبي قيراط الكاتب، بواسط، في سنة اثنتين وستين وثلثمائة، من لفظه، قال: حدثني أبو علي بن مقلة، قبل وزارته الأولى، قال: حدثني أبو عيسى محمد بن سعيد الديناري، عن أبي أيوب سليمان بن وهب عن أبي طالوت كاتب ابن طاهر، قال: سمعت الفضل بن الربيع، يقول: لما استترت من المأمون، أخفيت نفسي حتى عن عيالي وولدي، وكنت أنتقل وحدي.
فلما اقترب المأمون من بغداد، ازداد حذري، وخوفي على نفسي، فتشددت في الاحتياط والتواري، وأفضيت إلى منزل بزاز كنت أعرفه في درب بباب الطاق، وشدد المأمون في طلبي فلم يعرف لي خبراً.
فتذكرني يوماً، فاغتاظ على إسحاق بن إبراهيم، وجد به في طلبي، فأغلظ له، فخرج إسحاق من حضرته، وجد بأصحاب الشرط، وأوقع ببعضهم المكاره، ونادى في الجانبين، من جاء به فله عشرة آلاف درهم وإقطاع غلته ثلاثة آلاف دينار في السنة، وإن من وجد بعد النداء ضرب خمسمائة سوط وهدمت داره وأخذ ماله وحبس طول الدهر، فنودي بذلك عشياً.
فما شعرت، إلا وصاحب الدار قد دخل علي وأخبرني الخبر، وقال: والله، ما أقدر بعد هذا على سترك، ولا آمن من زوجتي، وجاريتي، وغلامي، وأن تشره نفوسهم إلى المال، فيدلون عليك، وأهلك بهلاكك، وإن صفح الخليفة عنك، لم آمن من أن تتهمني بأني دللت عليك، فيكون ذلك أقبح وأشنع، وليس الرأي لي ولك إلا أن تخرج عني.
فورد علي ذلك أعظم مورد، وقلت: إذا جاء الليل خرجت عنك.
قال: ومن يطيق الصبر على هذا الضرر إلى الليل، فإنك إن وجدت عندي قبل الليل أهلكتني وأهلكت نفسك، وهذا وقت حار، وقد طال عهد الناس بك، فقم وتنكر واخرج.
فقلت: كيف أتنكر ؟

فقال: تأخذ أكثر لحيتك، وتغطي رأسك وبعض وجهك، وتلبس قميصاً ضيقاً، وتخرج.
فقلت: أفعل.
فجاء بمقراض فأخذت أكثر لحيتي، وتنكرت، وخرجت من عنده في أول أوقات العصر، وأنا ميت خوفاً.
فمشيت في الشارع، حتى بلغت الجسر، فوجدته قد رش، وهو خال من الناس، متزلق.
فلما توسطته، إذا أنا بفارس من الجند الذين كانوا في داري في أيام وزارتي، قد قرب مني، فعرفني، وقال: طلبة أمير المؤمنين، وعدل إلي ليقبض علي.
فلحلاوة النفس دفعته ودابته، فزلق، ووقع في بعض السفن التي في الجسر، وتعادى الناس لخلاصه، وظنوا أنه زلق بنفسه.
وتشاغل عني بهم، وزدت أنا في المشي، ولم أعد لئلا ينكر حالي من يراني، إلى أن عبرت الجسر ودخلت درب سليمان.
فوجدت امرأة على باب دار مفتوح، فقلت لها: يا امرأة، أنا خائف من القتل، فأجيريني واحقني دمي.
فقالت: أدخل، وأومأت إلى غرفة، فصعدتها.
فلما كان بعد ساعة، إذا بالباب يدق، ففتحته، وإذا زوجها قد دخل، فتأملته، فإذا هو صاحبي على الجسر، وهو مشدود الرأس يتأوه من شجة لحقته، وثيابه مغموسة بالدم.
وسألته المرأة عن خبره، فأخبرها بالقصة، وقال لها: قد زمنت دابتي وأنفذتها لتباع في سوق اللحم، وقد فاتني الغنى، وجعل يشتمني، وهو لا يعلم بوجودي معه في الدار، وأقبلت المرأة تترفق به إلى أن هدأ.
فلما صليت المغرب، وأقبل الظلام، صعدت المرأة إلي، وقالت: أظنك صاحب القصة مع هذا الرجل.
فقلت: نعم.
فقالت: قد سمعت ما عنده، فاتق الله في نفسك واخرج، فدعوت لها.
فنزلت، ففتحت الباب فتحاً رفيقاً، وقالت: اخرج، وكانت الدرجة في الدهليز، فأفضيت إلى الباب، فلما انتهيت إلى آخر الدرب وجدت الحراس قد أغلقوه، فتحيرت.
ثم رأيت رجلاً يفتح باباً بمفتاح رومي، فقلت: هذا رومي، وهو ممن يقبل مثلي.
فدنوت منه وقلت: أسترني، سترك الله.
فقال: ادخل، فدخلت، فرأيته رجلاً فقيراً وحيداً، فأقمت ليلتي عنده، وبكر من غد، وعاد نصف النهار ومعه حمالان يحمل أحدهما حصيراً ومخدة، وجرار، وكيزان، وغضائر جدداً، وقدراً جديداً، ويحمل الآخر خبزاً وفاكهة، ولحماً، وثلجاً، فدخل، وترك ذلك كله عندي، وأغلق الباب.
فنزلت، وعذلته، وقلت له: لم كلفت نفسك هذا ؟ فقال: أنا رجل مزين، وأخاف أن تستقذرني، وقد أفردت لك هذا، فاطبخ أنت وأطعمني في غضارة أجيء بها من عندي، فشكرته على ذلك، وأقمت عنده ثلاثة أيام.
فلما كان آخر اليوم الثالث، ضاق صدري، فقلت له: يا أخي الضيافة ثلاثة أيام، وقد أحسنت وأجملت، وأريد الخروج.
فقال: لا تفعل، فإني وحيد، ولست ممن يطرق، وخبرك لا يخرج من عندي أبداً، فأقم إلى أن يفرج الله عنك، فلست أتثاقل بك.
فأبيت للحين، وخرجت على وجهي أريد منزل عجوز بباب التبن من موالينا، فدققت الباب عليها، فخرجت، فلما رأتني بكت، وحمدت الله على رؤيتي، وأدخلتني الدار.
فلما كان في السحر، وأنا نائم، بكرت العجوز فغمزت علي بعض أصحاب إسحاق بن إبراهيم، فما شعرت إلا بإسحاق نفسه، في خيله ورجله، قد أحاط بالدار، ثم كبسها واستخرجني منها، حتى أوقفني بين يدي المأمون حافياً حاسراً.
فلما رآني سجد طويلاً ثم رفع رأسه، وقال: يا فضل، أتدري لم سجدت ؟ فقلت: نعم، شكراً لله تعالى الذي أظفرك بعدو دولتك، المغري بينك وبين أخيك.
قال: ما أردت هذا، ولكني سجدت شكراً لله على ما ألهمنيه من العفو عنك، فحدثني بخبرك ؟ فشرحته له من أوله إلى آخره.
فأمر بإحضار العجوز مولاتنا، وكانت في الدار تنتظر الجائزة، فقال لها: ما حملك على ما فعلت، مع إنعامه وإنعام أهله عليك ؟ قالت: رغبة في المال.
قال: هل لك زوج أو ولد أو أخ ؟ قالت: لا، فأمر بضربها مائة سوط، وتخليدها في السجن.
ثم قال لإسحاق: أحضر الساعة الجندي، وامرأته، والمزين، فحضروا في مجلس واحد، فاستثبتني فيهم، فعرفته أنهم القوم بأعيانهم.
فسأل الجندي عن السبب الذي حمله على فعله، فقال: الرغبة في المال، ووالله، إنه الذي أثبتني في الجيش، ولكني رغبت في المال العاجل.
فقال: أنت بأن تكون حجاماً أولى بأن تكون من أوليائنا، وأمر بأن يسلم للمزينين في الدار، ويوكل به من يعسفه حتى يتعلم الحجامة.
وأمر باستخدام زوجته قهرمانة في دور حرمه، وقال: هذه المرأة عاقلة أديبة.

وأمر بتسليم دار الجندي وقماشه إلى المزين، وأن يجعل رزقه له، ويجعل جندياً مكان ذلك الجندي، وأطلقني إلى داري.
فرجعت إليها آخر النهار، آمناً، مطمئناً.
ووجدت الخبر بخلاف هذا في كتاب الوزراء لابن عبدوس، فإنه ذكر: أن الفضل ابن الربيع استتر، فطال استتاره، واستعجمت عليه الأخبار، فغير زيه، وخرج في السحر، وكان استتر بناحية الحربية من الجانب الغربية.
فمشى وهو لا يدري أين يقصد، لحيرته، وبعد عهده بالطرق، فأداه المشي إلى الجسر، وقد أسفر الصبح، فأيقن بالعطب، وقصد منزلاً لرجل كانت بينه وبينه مودة، بسويقة نصر.
فلما صار ببعض المشارع، سمع النداء عليه، ببذل عشرة آلاف درهم، فتخفى حتى جاوزه الركبان والمنادي، ومشى.
فرآه رجل، فانتبه له، وقال: يا فضل، وكان في أحد جانبي الطريق الذي الفضل فيه، فأمه إلى الجانب الذي كان فيه، ليقبض عليه، فاعترضته حمير وجمال عليها جص.
ونظر الفضل يميناً وشمالاً، فلم يجد مذهباً، وبصر بدرب، فدخله، فوجده لا ينفذ، ووجد في صدره باباً مفتوحاً، فهجم على المنزل، وفيه امرأة، فاستغاث بها، فأجارته، وبادرت إلى الباب فأغلقته، وناشدها الله أن تستره إلى الليل، فأمرته بالصعود إلى غرفة لها، فلم يستقر به القعود حتى دق الباب، فلما فتح الباب، دخل الرجل الذي رآه، وعزم على القبض عليه، وإذا المنزل له.
فقال لزوجته: فاتني الساعة عشرة آلاف درهم.
قالت له: وكيف ذلك ؟ قال لها: مر بي الفضل، فمددت يدي لأقبض عليه، فابتلعته الأرض.
فقالت له امرأته: الحمد لله - عز وجل - الذي كفاك أمره وأبقى دينك عليك، ولم تكن سبباً لسفك دمه، أو مكروه يلحقه.
فلما خرج، صعدت إليه، فقالت: قد سمعت، وما هذا المكان لك بموضع، فخرج إلى بعض منازل معامليه، فلما صار إليه، نبه العامل عليه، وأسلمه إلى طالبيه، فحمل إلى المأمون، فلما رآه، وسأله عن خبره، شرح له قصته، فأمر للمرأة بثلاثين ألف درهم وقال للرسول: قل لها، يقول لك الفضل: هذا جزاء لك على ما فعلته من الجميل، فردتها، وأبت قبولها، وقالت: لست آخذ على شيء فعلته لله عز وجل، جزاءً، إلا منه.

وما قتل الأحرار كالعفو عنهم

حدثنا أبو الحسن محمد بن عمر بن شجاع، المتكلم البغدادي، الملقب بجنيد، قال: حدثنا الفضل بن ماهان السيرافي، وكان مشهوراً بسلوك أقاصي بلاد البحر، قال؛ قال لي رجل من بعض بياسرة الهند، والبيسر هو المولود على ملة الإسلام هناك، قال: كان في أحد بلاد الهند ملك حسن السيرة، وكان لا يأخذ ولا يعطي مواجهة، وإنما كان يقلب يده إلى وراء ظهره. فيأخذ ويعطي بها، إعظاماً للملك، وهي سنة لهم هناك ولأولادهم.
وإنه توفي، فوثب رجل من غير أهل المملكة، فاحتوى على ملكه، وهرب ابن له كان يصلح للملك خوفاً على نفسه من المتغلب.
ورسوم ملوك الهند، أن الملك إذا قام عن مجلسه، لأي حاجة عرضت له، كانت عليه صدرة، قد جمع فيها كل نفيس وفاخر من اليواقيت والجواهر، مضروب في الإبريسم في الصدرة، ويكون فيها من الجواهر ما إن لو أراد أن يقيم بها ملكاً أقامه.
قال: ويقولون: ليس بملك من إذا قام عن مجلسه وليست معه، حتى إذا حدثت عليه حادثة وهرب بها أمكنه إقامة ملك منها.
فلما حدثت على الملك تلك الحادثة، أخذ ابنه صدرته وهرب بها.
فحكى عن نفسه: أنه مشى ثلاثة أيام، قال: ولم أطعم طعاماً، ولم تكن معي فضة ولا ذهب، فأبتاع به مأكولاً، ولم أقدر على إظهار ما معي، وأنفت أن أستطعم.
قال: فجلست على قارعة الطريق، فإذا رجل هندي، مقبل وعلى كتفه كارة، فحطها وجلس حذائي.
فقلت: أين تريد ؟ قال: الرستاق الفلاني.
قلت: وأنا الآخر كذلك.
قال؛ فنصطحب ؟ قلت: نعم.
فصحبته طمعاً في أن يعرض علي شيئاً من مأكوله، فلم يفعل، ولم تطب نفسي أن أبدأه بالسؤال.
فلما فرغ قام يمشي، فمشيت معه، وبت معه، طمعاً في أن تحمله المؤانسة على العرض علي، فعمل بالليل كما عمل بالنهار.
قال: وأصبحنا في غد، فمشينا، فعاملني بمثل ذلك أربعة أيام، فصار لي سبعة أيام لم أذق فيها شيئاً.
فأصبحت في الثامن ضعيفاً مهووساً لا قدرة لي على المشي، فعدلت عن الطريق، وفارقت الرجل، فرأيت قوماً يبنون، وقيماً عليهم، فقلت للقيم: استعملني مثل هؤلاء بأجرة تعطينيها عشياً.
فقال: نعم، ناولهم الطين.

فقلت: عجل لي أجرة يوم، ففعل، فابتعت بها ما أكلته.
وقمت أناولهم الطين، فكنت - لعادة الملك - أقلب يدي إلى ظهري وأعطيهم الطين، فكما أذكر أن ذلك خطأ ينبه علي ويسفك دمي، أبادر بتلافي ذلك، فأرد يدي بسرعة من قبل أن يفطنوا بي.
قال: فلمحتني امرأة قائمة، فأخبرت سيدتها بخبري، وكانت صاحبة البناء، وقالت: لا بد أن يكون هذا من أولاد الملوك.
قال: فلما انقضى النهار، وانصرف الصناع، فأردت الانصراف معهم. تقدمت إلى القيم أن يحبسني عن المضي مع الصناع، فاحتبسني.
فجاءتني بالدهن والعروق لأغتسل بهما، وهذا مقدمة إكرامهم، وسنة لعظمائهم، فتغسلت بذلك، وجاءوني بالأرز والسمن والسكر، فطعمت، وعرضت المرأة علي نفسها بالتزويج، فأجبت، وعقدت العقد، ودخلت بها من ليلتي، وأقمت معها أربع سنين، تعطيني من مالها، وتنفق علي، وكانت لها نعمة.
فأنا ذات يوم جالس على باب دارها، وإذا برجل من بلدي، فاستدعيته، فجاء، فقلت له: من أين أنت ؟ فقال: من بلد كذا وكذا، فذكر بلدي.
فقلت: ما جئت تصنع ها هنا ؟ قال: كان فينا ملك، حسن السيرة، فمات، فوثب على ملكه رجل ليس من أهل المملكة، وكان للملك الأول ابن يصلح للملك، فخاف على نفسه فهرب، وإن الملك المتغيب أساء عشرة الرعية، فوثبنا عليه فقتلناه، وانتشرنا في البلاد نطلب ابن الملك المتوفي، لنجلسه مكان أبيه، فما عرفنا له خبراً.
فقلت: أتعرفني ؟ قال: لا.
قلت: أنا طلبتكم.
قال: وأعطيته العلامات، فعلم صحة ما قلته له، فكفر لي.
فقلت: أكتم أمرنا إلى أن ندخل الناحية.
قال: أفعل.
فدخلت إلى المرأة فأعلمتها بالخبر، وحدثتها بأمري كله، وأعطيتها الصدرة.
وقلت: هذه قيمتها كذا وكذا، ومن حالها كذا وكذا، وأنا ماض مع الرجل، فإن كان ما ذكره صحيحاً، فإن العلامة أن يجيئك رسولي فيذكر الصدرة، فانهضي إلي، وإن كانت مكيدة كانت الصدرة لك.
قال: ومضى مع الرجل، فكان الأمر صحيحاً، فأنفذ إلى زوجته من حملها إليه، فجاءت.
فحين اجتمع شمله، واستقام أمره، أمر البنائين فبنوا له دار ضيافة عظيمة، وأمر أن لا يجوز في عمله مجتاز إلا حمل إليها، فيضاف فيها ثلاثة أيام، ويزود لثلاثة أيام أخر، فكان يفعل ذلك، وهو يراعي الرجل الذي صحبه في سفره، ويقدر أن يقع في يده.
فلما كان بعد حول، استعرض الناس، وكان يستعرضهم في كل يوم، فلا يرى الرجل، فيصرفهم، فلما كان في ذلك اليوم، رأى الرجل بينهم.
فحين وقعت عينه عليه، أعطاه ورقة تنبول، وهذه علامة غاية الإكرام، ونهاية رتبة الإعظام، إذا فعله الملك بإنسان من رعيته.
فحين فعل ذلك بالرجل، كفر له، وقبل الأرض، فأمر الملك بتغيير حاله، وإحسان ضيافته.
ثم استدعاه، فقال له: أتعرفني ؟ فقال: كيف لا أعرف الملك، وهو من عظم شأنه، وعلو سلطانه، بحيث هو.
قال: لم أرد هذا، أتعرفني قبل هذا الحال ؟ قال: لا.
فذكره الملك بالقصة، ومنعه إياه من الطعام في السفر.
قال: فبهت الرجل.
فقال الملك: ردوه إلى الدار، وزيدوا في إكرامه، وحضر الطعام فأطعم.
فلما أراد النوم، قال الملك لزوجته: إذهبي إلى هذا الرجل فأغمزيه.
قال: فجاءت المرأة، فلم تزل تغمزه إلى أن نام، فجاءت إلى الملك، وقالت: إنه قد نام.
قال: ليس هذا نوم، حركوه، فحركوه، فإذا هو ميت.
قال: فقالت له المرأة: أي شيء هذا ؟ قال: فساق لها حديثه معه، وقال: وقع في يدي، فتناهيت في إكرامه، والهند لهم أكباد عظيمة، وأفهام طريفة، فأدخلت عليه حسرة عظيمة إذ لم يحسن إلي، فقتلته، وقد كنت أتوقع موته قبل هذا بما توهمه واستشعره من العلة في نفسه، لفرط الحسرة.

الباب الثالث عشر

فيمن نالته شدة في هواه فكشفها الله عنه

وملكه من يهواه

رأى القطع خيراً من فضيحة عاتق
حدثنا أبو بكر محمد بن بكر البسطامي، غلام ابن دريد وصهره، قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن دريد، قال: حدثنا أحمد بن عثمان العلى عن أبي خالد عن الهيثم بن عدي، قال: كان لعمرو بن دويرة السحيمي أخ قد كلف بابنة عم له كلفاً شديداً، وكان أبوها يكره ذلك ويأباه.
فشكاه إلى خالد بن عبد الله القسري، أمير العراق، أنه يسيء جواره، فحبسه، ثم سئل خالد في أمر الفتى، فأطلقه، فبقي الفتى كلفاً بابنة عمه، وهو ناء عنها مدة.

ثم زاد ما في نفسه، فحمله الحب على أن تسور الجدار عليها، وحصل معها.
فأحس به أبوها، فقبض عليه، وأتى به خالد بن عبد الله، وادعى عليه اللصوصية، وأتاه بجماعة شهدوا على أنهم وجدوه في بيته ليلاً، قد دخل للتلصص.
فسأل خالد الفتى، فاعترف أنه دخل ليسرق، وما سرق شيئاً، يدفع بذلك الفضيحة عن ابنة عمه، فأراد خالد أن يقطعه.
فرفع عمرو أخوه إلى خالد رقعة فيها:
أخالد قد واللّه أوطيت عشوة ... وما العاشق المظلوم فينا بسارق
أقرّ بما لم يأته غير أنّه ... رأى القطع خيراً من فضيحة، عاتق
ومثل الذي في قلبه حلّ قلبها ... فمنّ لتجلو الهمّ عن قلب عاشق
ولولا الذي قد خفت من قطع كفّه ... لألفيت في أمريهما غير ناطق
إذا مدّت الغايات للسبق في العلى ... فأنت أبن عبد اللّه أوّل سابق
قال: فأرسل خالد مولى له يسأل عن الخبر، ويفحص جلية الأمر، فأتاه بصحيح ما قاله عمرو في شعره.
فأحضر أبا الجارية، وأمره بتزويجها من الفتى، فامتنع، وقال: ليس هو كفء لها.
فقال له خالد: والله، إنه لكفء لها، إذ بذل يده عنها، وإن لم تزوجه طائعاً لأزوجنه وأنت كاره.
فزوجه العم، وساق خالد المهر من عنده، فكان يسمى العاشق، إلى أن مات.
وجدت في كتاب العمرين، لمحمد بن داود الجراح الكاتب، وهو رسالة كتب بها إلى أبي أحمد يحيى بن علي بن المنجم، فيمن يسمى من الشعراء: عمراً، فقال: عمرو بن دويرة البجلي، سحيمي، كوفي، أخبرني أحمد بن أبي علقمة، عن دعيل بن علي، وذكر أبو طالب بن سوادة، عن محمد بن الحسن الجعفري، عن الحسن بن يزيد القرشي، عن أبي بكر الوالبي، قال: كان لعمرو بن دويرة، أخ قد كلف بابنة عم له .. وذكر نحوه، إلا أنه أتى في الشعر بزيادة بيت، وهو بعد البيت الذي أوله: أقر بما لم يأته:
ومثل الذي في قلبه حلّ قلبها ... فكن أنت تجلو الهم عن قلب وامق
وأخبرنيه محمد بن الحسن بن المظفر، قال: أخبرني محمد بن الحسن القرشي، قال: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء، عن الزبير بن بكار، فذكره مع البيت الزيادة.

من مكارم المقتدر

حدثني أبو العلاء صاعد بن ثابت بن إبراهيم بن علي بن خداهي النصراني الكاتب، الذي كان خليفة الوزراء، قال: حدثني أبو الحسين بن ميمون الأفطس، الذي كان وزير المتقي، ولما دخل أبو عبد الله البريدي بغداد، متقلداً الوزارة الثانية للمتقي، قبض عليه وأحدره للبصرة.
فلما وردها البريدي منهزماً، أطلقه، وأحسن إليه، وأمرني بإنزاله بالقرب مني، وإيناسه بملازمتي، وأفتقاده بالدعوات، ففعلت، فكنا متلازمين لا نكاد نفترق.
ووجدته أحلى الناس حديثاً، وأحسنهم أدباً، وأعمهم فضلاً، ولم أر قط أشد تغزلاً، ولا تهالكاً في العشق منه.
فحدثني يوماً، قال: عشقت مغنية في القيان عشقاً شديداً، فراسلت مولاتها في بيعها، فاستامت فيها ثلاثة آلاف دينار.
وكنت أعرف من نفسي الملل، فخشيت أن أشتريها فأملها، فدافعت بذلك، ومضت أيام، وكانت هي تأتي إلى عندي، وكان يمضي لي معها أطيب عيش.
فانصرفت من عندي يوماً، وكان المقتدر بالله أمر أن تشترى له مغنيات، وأنا لا أعلم، وكانت الجارية حسنة الوجه جيدة الغناء، فحملت إلى المقتدر في جملة جوار، فأمر بشرائهن كلهن، فاشتريت في جملتهن.
وأنفذت من غد أستدعيها من سيدتها، فأخبرت بالخبر، فقامت علي القيامة، ودخل إلى قلبي من الألم، والاحتراق، والقلق، أمر ما دخل مثله قط في قلبي، فضلاً عن عشق.
وزاد الأمر علي، حتى انتهى بي إلى حد الوسواس، فامتنعت عن النظر في أمر داري، وتشاغلت بالبكاء، ولم يكن لي سبيل إلى العزاء.
وكنت أكتب - حينئذ - لأم المتقي لله، وهو حدث، فتأخرت عنهم أياماً، وأخللت بأمرهما، وأنا متوفر تلك الأيام على الطواف في الصحاري، لا آكل، ولا أشرب، ولا أتشاغل بأكثر من البكاء والهيمان.
فأنكر المتقي وأمه تأخري، فاستدعاني المتقي، وخاطبني في شيء من أمره، فوجدني لا أعقل ولا أحصل ما يقوله، ولا أفهمه.
فسألني عن سبب اختلالي، فصدقته، وبكيت بين يديه، وسألته أن يسأل أباه بيع الجارية علي، أو هبتها لي.
فقال: ما أجسر على هذا.
قال: وزاد علي الأمر، وبطلت.

وبلغ أم المتقي الخبر، فراسلتها أسألها مثلما سألت أبنها، فرثت لي، وحملت نفسها على أن خاطبت السيدة أم المقتدر في أمري.
فقالت لها أم المقتدر: ما العجب من الرجل، فإن الذي في قلبه من العشق قد أعماه عن الرأي بل العجب منك، كيف وقع لك أنه يجوز أن يقول أحد للخليفة: إنزل عن جاريتك لرجل يعشقها.
فراسلتني أم المتقي بما جرى، فزاد ما بي من القلق.
وكنت لا ألقى أحداً من الرؤساء في الدولة، كالوزير، وحاشية الخليفة، إلا وأقصدهم، وأبكي بين أيديهم، وأحدثهم حديثي، وأسألهم مسألة الخليفة في تسليم الجارية إلي، إما ببيع، أو هبة.
فمنهم من ينكر علي ويوبخني، ومنهم من يرثي لي ويعذرني، ومنهم من يشير علي بالإمساك، ومنهم من يقول: إذا علم الخليفة هذا، وأنك تتعرض لحرمه، كان في هذا إتلاف نفسك، وأنا ملازم أبوابهم، وتركت خدمة صاحبي.
إلى أن طال علي الأمر وعلى المتقي وأمه، لعدم ملازمتي الباب ووضعت من محلي، وبطل أمر داري وضيعتي، وأمور صاحبي.
إلى أن طال هذا على المتقي وأمه، فطلبا كاتباً يصرفاني به.
وبلغني الخبر، وقد كنت أيست من الجارية، فعذلت نفسي، وقلت: ليس بعد هذا الصرف إلا الفقر والنكبة، وذهاب الخير والنفس، ولو كنت اشتريت هذه الجارية، لكنت الآن قد مللتها، فلم أفقر نفسي، ولم أقطع تصرفي ؟ وأقبلت أعظ نفسي، وأسليها ليلتي كلها، إلى أن طاوعتني على الصبر.
وباكرت دار المتقي، وبدأت في النظر في أموره، ورأوا مني خلاف ما تقدم، فسروا بذلك، وقالوا: أنت أحب إلينا من الغريب نستأنفه، فضمنت لهم الملازمة وتمشية الأمور.
فأقمت على ذلك مدة، ثم اشتقت إلى الشرب، وقد كنت فقدته وهجرته منذ فقدت الجارية إلى ذلك اليوم.
فقلت للغلام: قم، أمض، وأصلح لنا مجلساً للشرب، وأدع أصحابنا أعني أصدقائي الذين يعاشرونني، للرواح إلي، ولا تدع غناءً، فلما انقضى شغلي عدت إلى داري، واجتمع أصدقائي، فصوبوا رأيي، وجلسنا نشرب، ونتحدث، ونلعب بالشطرنج.
فقالوا: لو دعوت لنا مغنياً.
فقلت: أخاف أن أذكر به أمري مع الجارية.
فجلسوا عندي إلى أن صليت العشاء الآخرة، وانصرفوا، وجلست وحدي أشرب القدح بعد القدح إلى أن مضت قطعة من الليل، وإذا أنا ببابي يدق دقاً عنيفاً.
فقال بوابي: من هذا ؟ قالوا: خدم من دار الخليفة أمير المؤمنين.
فقلمت، ولم أشك أن حديثي قد اتصل به فأنكره، وقال: مثل هذا لا يصلح أن يكون كاتباً لحرمة، ولا مدبراً أمر غلام حدث، وقد أمر بالقبض علي.
فقمت أمشي لأخرج من باب آخر كان لي، وأستتر، فإذا الخدم قد دخلوا، ومعهم بغلة عليها عمارية، وشموع، وإذا قد أنزلوا من العمارية جاريتين، إحداهما عشيقتي، فبهت.
فقال لي أحد الخدم، وهو كالرئيس عليهم: مولانا أمير المؤمنين يقرئك السلام، ويقول: عرفت خبرك مع الجارية في هذه الساعة، فرحمتك، وقد وهبتها لك مع جميع مالها، وتركها الخادم ومضى.
ودخلت معها عدة أحمال عليها الأثقال من صنوف الثياب، والفرش، والآلات، والقماش، وعدة جوار، وتركوا ذلك عندي، وانصرفوا.
فأخذت بيد معشوقتي، وأدخلتها المجلس، فلما رأت الشراب والمجلس معبأ، قالت: سلوت عني، وشربت بعدي.
فحلفت لها أني ما شربت نبيذاً منذ فارقتها إلا في هذا اليوم، وحدثتها حديثي بطوله.
وقلت لها: ما السبب في مجيئك ؟ وما جرى ؟ فقال: إعلم أن الخليفة لم يرني - منذ اعترضني وأمر بشرائي - إلا الليلة، وكان قد اتصل مزح السيدة معي، فأنها كانت استدعتني منذ مدة، وسألتني عن خبري معك، فأخبرتها.
ثم قالت: هل تحبينه ؟ فقلت: نعم، حباً شديداً.
فتعجبت من ذلك، وقالت: ثقلنا عليك وعلى محبوبك، ولكن يكون الخير إن شاء الله تعالى، ووعدتني الجميل التام، والوعد الحسن.
فلما كان هذه الليلة، قعد الخليفة يشرب مع الجواري والسيدة حاضرة، فاستدعيت، وغنيت.
فقال لي الخليفة: إن كنت تحسنين الصوت الفلاني، فغنيه، وكان صوتك علي، فغنيته، وتمثلت لي صورتك، وذكرت شربي معك، فلم أملك دموعي، حتى جرت.
فقال المقتدر: ما هذا ؟ فتحيرت، وجزعت، ونظرت إلى السيدة، فضحكت، وضحك الجواري.
فقال المقتدر: ما القصة ؟ فدافعته السيدة.
فقال: بحياتي أصدقيني.
فقالت: على أن لا تؤذي الجارية، ولا غيرها.
فقال: نعم، وحياتك.

فحدثته الحديث، فلما استوفاه، قال لي: يا جارية، الأمر هكذا ؟ إنما بكيت من عشق ابن ميمون؟ فسكت.
فقال: إن صدقتني وهبتك له.
فقلت: نعم.
فأقبل على أمه، فقال: ما هو بكثير إن وهبتها لخادم لنا.
فقالت: قد - والله - أردت أن أسألك هذا، ولكن إن تفضلت به ابتداء منك، كان أحسن.
فقال لبعض الخدم: خذ هذه الجارية، وجميع ما كان سلم إليها في حجرتها من جوار، وقماش، واحمله إلى دار ابن ميمون، كاتب ابني إبراهيم، وأقره سلامي، وعرفه أني قد وهبت ذلك كله له.
فلما قمت، تصايحوا: قد جاء فرجك، وبلغت مناك، فقمت إلى حجرتي، وجمعت ما ترى، وحملته إليك.
قال: فشكرت الله عز وجل على ذلك، وجلست معها، وما شيل ما في مجلسي، حتى اجتمعنا، وجلست معها فيه، وغنت.
وبكرت من غد نشيطاً، مسروراً، أشكر السيدة، وأم المتقي، وأدعو لهما، وأقامت الجارية عندي، إلى أن ماتت.

فارق جاريته ثم أجتمع شملهما

حدثني عبيد الله بن محمد بن الحسن الصروي، قال: حدثني أبي، قال: كان ببغداد رجل من أولاد النعم، ورث من أبيه مالاً جليلاً، وكان يتعشق جارية، وأنفق عليها شيئاً كثيراً، ثم اشتراها، وكانت تحبه ويحبها، فلم يزل ينفق ماله عليها إلى أن أفلس.
فقالت له الجارية: يا هذا، قد بقينا كما ترى، فلو طلبت معاشاً نقتات منه.
قال: فلم يجد له صناعة غير الغناء، إذ كان الفتى من محبته للجارية، وإحضاره المغاني إليها، ليزيدوها في صنعتها، قد تعلم الضرب والغناء، وخرج صالحاً في طبقة الغناء والحذق فيه.
فشاور بعض معارفه، فقال: ما أعرف لك معاشاً أصلح من أن تغني للناس، وتحمل جاريتك إليهم فتأخذ على هذا الكثير، ويطيب عيشك.
فأنف من ذلك، وعاد إليها، فأخبرها بما أشير عليه به، وأعلمها أن الموت أشهى عنده من هذا، فصبرت معه على الشدة مدة.
ثم قالت: قد رأيت لك رأياً.
فقال: قولي.
قالت: تبيعني، فإنه يحصل لك من ثمني ما تعيش به عيشاً صالحاً، وتخلص من هذه الشدة، وأحصل أنا في نعمة، فإن مثلي لا يشتريها إلا ذو نعمة.
فحملها إلى سوق النخاسين، فكان أول من اعترضها فتى هاشمي من أهل البصرة، ظريف، قد ورد بغداد للعب والتمتع، فاشتراها بألف وخمسمائة دينار عيناً.
قال الرجل: فحين لفظت بالبيع، وقبضت الثمن، ندمت، واندفعت في بكاء عظيم، وحصلت الجارية في أقبح من صورتي، وجهدت في الإقالة، فلم يكن إلى ذلك سبيل.
فأخذت الدنانير في الكيس، وأنا لا أدري إلى أين أذهب، لأن بيتي موحش منها، وورد علي من اللطم والبكاء ما هوسني.
فدخلت مسجداً، وجلست فيه أبكي، وأفكر فيما أعمل، فحملتني عيني، فتركت الكيس تحت رأسي كالمخدة، ونمت.
فما شعرت إلا بإنسان قد جذبه من تحت رأسي فانتبهت فزعاً، فإذا بإنسان قد أخذ الكيس، ومر يعدو، فقمت لعدو وراءه، فإذا رجلي مشدودة بخيط في وتد مضروب في آخر المسجد، فإلى أن تخلصت من ذلك، غاب الرجل عن عيني.
فبكيت، ولطمت، ونالني أمر أشد من الأول، وقلت: قد فارقت من أحب، وبعته، لأستغني بثمنه عن الصدقة، فقد صرت الآن فقيراً، مفارقاً لمن أحب.
فجئت إلى دجلة، ولففت وجهي برداء كان على راسي، ولم أكن أحسن أسبح، ورميت بنفسي في الماء لأغرق.
فظن الحاضرون أن ذلك لغلط وقع علي، فطرح قوم نفوسهم خلفي، فأخذوني، وسألوني عن أمري، فأخبرتهم، وبقيت منهم بين راحم ومستجهل.
إلى أن خلا بي شيخ منهم، فأخذ يعظني، ويقول: يا هذا، ذهب مالك، فكان ماذا حتى تتلف نفسك، أو ما علمت أن فاعل هذا في نار جهنم، ولست أول من افتقر بعد غنى، فلا تفعل وثق بالله تعالى.
ثم قال لي: أين منزلك ؟ فقلت: في الموضع الفلاني.
فقال: قم معي إليه، وما فارقني حتى حملني إلى منزلي، وما زال يؤنسني، ويعظني، إلى أن بان له السكون في، فشكرته.
وانصرف، فكدت أن أقتل نفسي لوحشة منزلي علي، ثم ذكرت النار والآخرة، فخرجت من بيتي هارباً، إلى بعض أصدقائي القدماء في حال سعادتي، فأخبرته خبري، فبكى رقة لي، وأعطاني خمسين درهماً.
وقال: أقبل رأيي، وأخرج الساعة من بغداد، وأجعل هذه نفقة لك إلى حيث وجدت قلبك يساعدك إلى قصده، وأنت من أولاد الكتاب، وخطك جيد، وأدبك صالح، فأقصد بعض العمال، وأطرح نفسك عليه، فأقل ما في الأمر أن تصير محرراً بين يديه، وتعيش معه، ولعل الله أن يصنع لك صنعاً.

فعملت على هذا، وجئت إلى الكتبيين، وقد قوي في نفسي أن أقصد واسط، وكان لي فيها أقارب، فأجعلهم ذريعة لي إلى التصرف مع بعض عمالها.
فحين جئت إلى الكتبيين، إذا بزلال مقدم، وخزانة كبيرة، وقماش كثير ينقل إلى الزلال، وإلى الخزانة.
فسألت: من يحملني إلى واسط ؟ فقال أحد ملاحي الزلال: نحن نحملك بدرهمين إلى واسط، ولكن هذا الزلال لرجل هاشمي من أهل البصرة، ولا يمكنا من حملك معه على هذه الصورة، ولكن تلبس ثياب الملاحين، وتجلس معنا كأنك واحد منا.
فحين رأيت الزلال، وسمعت أنه لرجل هاشمي، من أهل البصرة، طمعت أن يكون مشتري جاريتي، فأتفرج بسماعها إلى واسط.
فدفعت الدرهمين إلى الملاح، وعدت فاشتريت لي جبة من جباب الملاحين فلبستها، وبعت تلك الثياب التي كانت علي، وأضفتها إلى ما معي من النفقة، واشتريت خبزاً وإداماً، وجلست في الزلال.
فما كان إلا ساعة حتى رأيت جاريتي بعينها، ومعها جاريتان تخدمانها، فحين رأيتها سهل علي ما كان بي، وما أنا عليه.
وقلت: أسمع غناءها، وأراها، من ها هنا إلى البصرة، واعتمدت على أن أجعل قصدي إلى البصرة، وطمعت في أن أداخل مولاها، فأصير أحد ندمائه.
وقلت: ولا تخليني هي من المواد، فإني واثق بها.
ولم يكن بأسرع من أن جاء الفتى الذي اشتراها راكباً، ومعه عدة ركبان، فنزلوا في الزلال وانحدروا.
فلما صاروا بكلواذى، أخرج الطعام، فأكل هو والجارية، وأكل الباقون على سطح الزلال، وأطعموا الملاحين.
ثم أقبل على الجارية، فقال لها: إلى كم هذه المدافعة عن الغناء، وهذا الحزن والبكاء، ما أنت أول من فارق مولاه، فعلمت ما عندها من أمري.
ثم ضربت ستارة في جانب الزلال، واستدعى الذين في سطحه، وجلس معهم خارج الستارة، فسألت عنهم، فإذا هم إخوته، وأخرجوا الصواني، ففرقوها عليهم، وأحضروا النبيذ.
وما زالوا يترفقون بالجارية، إلى أن استدعت العود، فأصلحته، وجست أوتاره، ثم اندفعت تغني، من الثقيل الأول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى
بان الخليط بمن عرفت فأدلجوا ... عمداً لقتلك ثم لم يتحرّجوا
وغدت كأنّ على ترائب نحرها ... جمر الغضا في ساجة يتأجّج
قال: ثم غلبها البكاء، وقطعت الغناء، وتنغص على الفتية سرورهم.
ووقعت أنا مغشياً علي، فظن القوم أني قد صرعت، فأذن بعضهم في أذني، وصب علي الماء، فأفقت بعد ساعة.
وما زالوا يداورونها، ويرفقون بها، ويسألونها الغناء، إلى أن أصلحت العود، واندفعت تغني في الثقيل التاني:
فوقفت أنسب بالذين تحملّوا ... وكأنّ قلبي بالشفار يقطّع
فدخلت دارهم أسائل عنهم ... والدار خالية المنازل بلقع
ثم شهقت فكادت تتلف، وارتفع لها بكاء عظيم، وصعقت أنا، فتبرم بي الملاحون، وقالوا: كيف حملنا هذا المجنون معنا.
فقال بعضهم: إذا بلغتم بعض القرى فأخرجوه وأريحونا منه.
فجاءني أمر عظيم، أعظم من كل شيء دفعت إليه، ووضعت في نفسي التصبر، والحيلة في أن أعلمها بمكاني من الزلال، لتمنع من إخراجي.
وبلغنا إلى قرب المدائن، فقال صاحب الزلال: اصعدوا بنا إلى الشط، فطرحوا إلى الشط، وخرج الجماعة، وقد كان المساء قد قرب، وصعد أكثر الملاحين يتغوطون، فخلا الزلال، وكان الجواري فيمن صعد إلى مستراح ضرب لهن.
فمضيت سارقاً نفسي حتى صرت خلف الستارة، فغيرت طريقة العود عما كانت عليه، إلى طريقة أخرى، ورجعت إلى موضعي من الزلال.
وفرغ القوم من حاجاتهم في الشط، ودافعوا والقمر منبسط.
فقالوا لها: بالله يا ستي غنينا شيئاً، ولا تنغصي علينا عيشنا.
فأخذت العود فجسته، فشهقت شهقة كادت تتلف، وقالت: والله، قد أصلح هذا العود مولاي، على طريقة من الضرب كان بها معجباً، وكان يضربها معي، ووالله إنه معنا في الزلال.
فقال لها صاحبها: والله، لو كان معنا ما امتنعنا من عشرته، فلعله أن يخف بعض ما بك، فننتفع بغنائك.
فقالت: ما أدري ما تقولون، هو - والله - معنا.
فقال الرجل للملاحين: ويحكم، حملتم معنا إنساناً غريباً ؟ فقالوا: لا.
فأشفقت أن ينقطع السؤال، فصحت: نعم، هوذا أنا.
فقالت: كلام مولاي، والله، وجاء بي الغلمان إلى الرجل.

فلما رآني عرفني، وقال: ويحك، ما هذا الذي أصابك ؟ وما أداك إلى هذه الحال ؟ فصدقته عن أمري، وبكيت، وعلا نحيب الجارية من خلف الستارة، وبكا هو وإخوته بكاء شديداً، رقة لنا.
ثم قال: يا هذا، والله، ما وطئت هذه الجارية، ولا سمعت منها غناء قبل هذا اليوم، وأنا رجل موسع علي والحمد لله، وقدمت إلى بغداد لسماع الغناء، وطلب أرزاقي من الخليفة، وقد بلغت من الأمرين ما أردت.
فلما عولت على الرجوع إلى وطني، أحببت أن أستصحب معي مغنية من بغداد، فاشتريت هذه الجارية، لأضمها إلى عدة مغنيات عندي بالبصرة.
وإذ كنتما على هذه الحالة، فأنا - والله - أغتنم المكرمة والثواب فيكما، وأشهد الله تعالى على أني إذا صرت إلى البصرة أعتقها وأزوجك إياها، وأجري عليكما ما يكفيكما، على شريطة إن أجبتني إليها.
قلت: وما هي ؟ قال: أن تحضرها عندي متى أردنا الغناء، تغني بحضورك وتنصرف بانصرافك إلى دار أفرغها لكما، وقماش أعطيكما إياه.
قلت: يا سيدي، وكيف أمنع من هو المعطي، وأبخل على من يرد حياتي علي، بهذا المقدار، وأخذت أقبل يده، فمنعني.
ثم أدخل رأسه إلى الجارية، وقال: يرضيك هذا ؟ فأخذت تدعو له، وتشكره.
فاستدعى غلاماً له، وقال له: خذ بيد هذا الرجل، وغير ثيابه، وبخره، وقدم له ما يأكله، وجئنا به، فأخذني الغلام، وفعل بي ذلك، وعدت، فتركت بين يدي صينية.
فاندفعت الجارية تغني بنشاط، واستدعت النبيذ، وشربت، وشربنا، وأخذت أقترح عليها الأصوات الجياد، فتضاعف سرور الرجل بها.
وما زلنا على ذلك أياماً، حتى وصلنا نهر معقل، ونحن سكارى، فشد الزلال في الشط.
وأخذتني بولة الماء في الليل، فصعدت على ضفة نهر معقل لأبول، فحملني السكر على النوم.
ودفع الزلال وأنا لا أعلم، وأصبحوا فلم يجدوني، ودخلوا البصرة، ولم أنتبه أنا إلا بحمي الشمس، فجئت إلى الشط، فلم أر لهم عيناً ولا أثراً.
وكنت قد أجللت الرجل أن أسأله بمن يعرف ؟ وأين داره من البصرة ؟ واحتشمت غلمانه أن أسألهم، فبقيت على شاطئ نهر معقل، كأول يوم بدأت بي المحنة، وكأن ما كنت فيه منام.
فاجتازت بي سمارية، فقعدت فيها، ودخلت إلى البصرة، وما كنت دخلتها قط، فنزلت خاناً، وبقيت متحيراً، لا أدري ما أعمل، ولم يتوجه لي معاش.
إلى أن اجتاز بي إنسان أعرفه، فتبعته لأكشف له حالي، ثم أنفت من ذلك، ودخل الرجل إلى منزله، فعرفته، وجئت إلى بقال كان على باب الخان الذي نزلته، فأعطيته دانقاً، وأخذت منه ورقة، وجلست أكتب رقعة إلى الرجل.
فاستحسن البقال خطي، ورأى رثاثة زيي، فسألني عن أمري، فأخبرته أني رجل ممتحن فقير، قد تعذر علي التصرف، وما بقي معي شيء، ولم أشرح له أكثر من هذا.
فقال لي: تعمل معي كل يوم بنصف درهم، وطعامك وكسوتك علي، وتضبط حساب دكاني ؟ فقلت: نعم.
فقال: اصعد.
فخرقت الرقعة، وصعدت، فجلست معه، أدبر أمره، وضبطت دخله وخرجه، وكان غلمانه يسرقونه، فأديت له الأمانة.
فلما كان بعد شهر، رأى الرجل دخله زائداً، وخرجه ناقصاً، فحمدني.
وبقيت معه كذلك شهراً آخر، ثم جعل رزقي في كل يوم درهماً.
ولم يزل حالي معه يقوى، إلى أن حال الحول، وقد بان له الصلاح في أمره، فدعاني إلى أن أتزوج بابنته، ويشاركني، ففعلت.
ودخلت بزوجتي، ولزمت الدكان، وحالي يقوى، إلا أنني في خلال ذلك، منكسر النفس، ميت النشاط، ظاهر الحزن.
وكان البقال ربما شرب فيجرني إلى مساعدته، فأمتنع، وأظهر له أن ذلك بسبب حزني على موتى لي.
واستمرت بي الحال على هذا سنتين وأكثر.
فلما كان في بعض الأيام، رأيت الناس يجتازون بفاكهة، ولحم، ونبيذ، اجتيازاً متصلاً، فسألت عن ذلك ؟ فقيل لي: اليوم الشعانين، يخرج فيه أهل الظرف واللعب، بالطعام والشراب، والقيان إلى الأبلة، فيرون النصارى، ويشربون، ويفرحون.
فدعتني نفسي إلى التفرج، وقلت: لعلي أصل إلى أصحابي، أو أقف لهم على خبر، فإن هذا من مظانهم.
فقلت لحمي: أريد أن أنظر إلى هذا المنظر.
فقال: شأنك وما تريد، فأصلح لي طعاماً، وشراباً، وسلم إلي غلاماً وسفينةً.
فخرجت وركبت السفينة، وبدأت بالأكل، ثم قدمت آنية الشراب، وجلست أشرب حتى وصلت البلة، وأبصرت الناس وقد ابتدأوا ينصرفون.

فإذا بالزلال بعينه، في أوساط الناس، سائراً في نهر الأبلة، فتأملته، فإذا أصحابي على سطحه، ومعهم عدة مغنيات.
فحين رأيتهم لم أتمالك فرحاً، فطرحت إليهم، فحين رأوني عرفوني، فكبروا، وأخذوني إليهم، وسلموا علي.
وقالوا: ويحك، أنت حي ؟ وعانقوني، وفرحوا بي، وسألوني عن قصتي، فأخبرتهم بها، من أولها إلى آخرها، على أتم شرح.
فقالوا: إنا لما فقدناك في الحال، وقع لنا أنك بالسكر وقعت في الماء فغرقت، ولم نشك في ذلك، فخرقت الجارية ثيابها، وكسرت العود، وجزت شعرها، وبكت، ولطمت، فما منعناها من شيء من هذا.
ووردنا البصرة، فقلنا لها: ما تحبين أن نعمل معك ؟ فقد كنا وعدنا مولاك وعداً، تمنعنا المروءة من استخدامك بعده في حال أو سماع.
فقالت: يا مولاي لا تمنعني من القوت اليسير، ولبس الثياب السواد، وأن أصنع قبراً في بيت من الدار، وأجلس عنده، وأتوب من الغناء، فمكناها من ذلك، فهي جالسة عنده إلى الآن.
وأخذوني معهم، فحين دخلت، ورأيتها بتلك الصورة، ورأتني، شهقت شهقةً عظيمةً، فما شككت في تلفها، وأعتنقتها، فما افترقنا ساعة طويلة.
ثم قال لي مولاها: خذها.
فقلت: بل تعتقها وتزوجني بها، كما وعدتني.
ففعل ذلك، ودفع لنا ثياباً كثيرة، وفرشاً، وقماشاً، وحمل إلي خمسمائة دينار.
وقال: هذا قدر ما أردت أن أجريه عليكم في كل شهر من أول شهر دخولي إلى البصرة، وقد اجتمع في طول هذه المدة، والجراية في كل شهر غير هذا، وشيء آخر لكسوتك، وكسوة الجارية، والشرط في المنادمة وسماع الجارية من وراء الستارة باق، وقد وهبت لك الدار الفلانية، وهذه مفاتيحها.
فأخذت المفاتيح، وأتيت إلى الدار، فوجدتها مفروشة بأنواع الفرش، وإذا بذلك الفرش والقماش الذي أعطيته فيها، والجارية.
فسررت بذلك سروراً عظيماً، وجئت إلى البقال، فحدثته حديثي، وطلقت ابنته، ووفيتها صداقها.
وأقمت مع الجارية سنين، وصرت رب ضيعة ونعمة، وصار حالي إلى قريب مما كنت عليه أولاً.
وأنا أعيش كذلك مع جاريتي، إلى الآن.

أمير البصرة يجمع بين متحابين

روى أبو روق الهزاني، عن الرياشي: أن بعض أهل النعم بالبصرة، اشترى جارية، وأحسن تأديبها وتعليمها، وأحبها حباً شديداً، وأنفق عليها حتى أملق، ومسهما الضر الشديد، والفقر المبيد.
فقال لها يوماً: قد ترين ما صرنا إليه من الفقر، ووالله، لموتي وأنت معي، أهون علي مما أذكره لك، ويسوءني أن أراك على غير الحالة التي تسرني فيك، ونهاية الأمر بنا، أن تحل بأحدنا منيته، فيقتل الآخر نفسه عليه، فإن رأيت أن أبيعك لمن يحسن إليك، فيغسل عنك ما أنت فيه، وأتفرج أنا بما لعله يصير إلي من الشيء من ثمنك، ولعلك تحصلين عند من تتوصلين إلى نفعي معه.
فقالت: والله لموتي وأنا على تلك الحالة، أهون علي من انتقالي إلى غيرك، ولكن أفعل ما بدا لك.
وقالت له الجارية: إني لأرثي لك يا مولاي، مما أرى بك من سوء الحال، فلو بعتني فانتفعت بثمني، فلعل الله أن يصنع لك صنعاً جميلاً، وأقع أنا بحيث يحسن حالي، فيكون ذلك أصلح لكل واحد منا.
فخرج، وعرضها للبيع، فأشار عليه أحد أصدقائه، ممن له رأي، أن يحملها إلى عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وكان أمير البصرة يومئذ، فأعجبته.
فقال لمولاها: كم شراؤها عليك ؟ قال: بألف دينار، وقد أنفقت عليها أكثر من مائة ألف درهم.
قال: أما ما أنفقت عليها، فغير محتسب لك، لأنك أنفقته في لذاتك، وأما ثمنها، فقد أمرنا لك بمائة ألف درهم، وعشرة سفاط ثياب، وعشرة رؤوس من الخيل، وعشرة من الرقيق، أرضيت؟ قلت: نعم، رضيت، فأمر بالمال فأحضر.
فلما قبض المولى الثمن، وأراد الانصراف، استعبر كل واحد منهما إلى صاحبه باكياً، وأنشأت الجارية تقول:
هنيئاً لك المال الذي قد حويته ... ولم يبق في كفّي إلاّ التفكّر
أقول لنفسي وهي في كرباتها ... أقلّي فقد بان الحبيب أو أكثري
إذا لم يكن للأمر عندي حيلة ... ولم تجدي شيئاً سوى الصبر فاصبري
قال: فاشتد بكاء المولى، وعلا نحيبه، ثم أنشأ يقول:
فلولا قعود الدهر بي عنك لم يكن ... يفرّقنا شيء سوى الموت فاعذري
أروح بهمّ في الفؤاد مبرّح ... أناجي به قلباً طويل التفكّر

عليك سلام، لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلاّ أن يشاء ابن معمر
فقال له ابن معمر: قد شئت يا هذا، خذ جاريتك، بارك الله لك فيها وفيما صار إليك من المال، وانصرفا راشدين، فوالله، لا كنت سبباً في فرقة محبين.
فأخذها وأخذ المال والخيل والرقيق والثياب، وأثرى وحسنت حاله.
وأخبرني الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، خليفة أبي رحمه الله على القضاء بها، قال: حدثنا أحمد بن سعيد، أن الزبير حدثهم، قال: حدثني ابن أبي بكر المؤملي، قال: حدثني عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، قال: كانت لفتى من العرب جارية جميلة، وكان بها معجباً، يجد بها وجداً شديداً، فلم يزل ينفق عليها حتى أملق واحتاج، وجعل يسأل إخوانه، فقالت الجارية ... وذكر بقية الخبر على قريب مما رواه الرياشي، والألحان في الشعر على ما رواه الزبير.
ووجدت هذا الخبر مذكوراً بقريب من هذه الألفاظ، في كتاب أخبار المتيمين للمدائني، وقد زاد فيه، أن الجارية كانت قينة، ولم يذكر الشعر الأول.

من مكارم جعفر بن يحيى البرمكي

وحدثني أبو الفرج علي بن الحسين المعروف بالأصبهاني، إملاء من حفظه، قال: حدثني الحسين بن يحيى المرداسي، قال: حدثنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: حدثني أبي، قال: لما دخل الرشيد البصرة حاجاً، كنت معه، فقال لي جعفر بن يحيى: يا أبا محمد، قد وصفت لي جارية مغنية حسناء محسنة، تباع، وذكر أن مولاها ممتنع من عرضها إلا في داره، وقد عزمت على أن أركب مستخفياً، فأعترضها، أفتساعدني ؟ فقلت: السمع والطاعة.
فلما كان في نصف النهار حضر النخاس، فأعلم بحضوره، فخرج جعفر بعمامة وطيلسان ونعل عربية، وأمرني فلبست مثل ذلك، وركبنا حمارين قد أسرجا بسروج التجار، وركب النخاس معنا، وطلبنا الطريق.
فلم يزل النخاس يسير بين أيدينا، حتى أتينا باباً شاهقاً يدل على نعمة قديمة، فقرع النخاس الباب، وإذا بشاب حسن الوجه، عليه أثر ضر باد، وقميص غليظ خشن، ففتح لنا الباب، وقال لنا: انزلوا يا سادة، فدخلنا.
فأخرج لنا الرجل قطعة حصير خلق، ففرشها لنا، فجلسنا عليها.
فقال له النخاس: أخرج الجارية، فقد حضر المشتري.
فدخل البيت، وإذا الجارية قد خرجت في القميص الغليظ الذي كان على الفتى بعينه، وهي فيه - مع خشونته - كأنها في الحلي والحلل، لحسن وجهها، وفي يدها عود.
فأمرها جعفر بالغناء، فجلست، وضربت ضرباً حسناً، واندفعت تغني:
إن يمس حبلك بعد طول تواصلٍ ... خلقاً ويصبح بيتكم مهجورا
فلقد أراني والجديد إلى بلىً ... دهراً بوصلك راضياً مسرورا
جذلاً بمالي عندكم لا أبتغي ... بدلاً بوصلك خلّة وعشيرا
كنت المنى وأعزّ من وطئ الحصى ... عندي وكنت بذاك منك جديرا
ثم غلبها البكاء حتى منعها من الغناء، وسمعنا من البيت نحيب الفتى، وقامت الجارية تتعثر في أذيالها، حتى دخلت البيت، وارتفعت لهما ضجة بالبكاء والشهيق، حتى ظننا أنهما قد ماتا، وهممنا بالانصراف.
فإذا بالفتى قد خرج وعليه ذلك القميص بعينه، فقال: أيها القوم، أعذروني فيما أفعله وأقوله.
فقال له جعفر: قل.
فقال: أشهد الله تعالى، وأشهدكم، أن هذه الجارية حرة لوجه الله تعالى، وأسألكم أن تزوجوني بها.
قال: فتحير جعفر أسفاً على الجارية، ثم قال لها: أتحبين أن أزوجك. من مولاك ؟ قالت: نعم.
فقرر الصداق، وخطب، وزوجها به، ثم أقبل على الفتى، وقال له: ما حملك على هذا ؟ فقال: حديثي طويل، إن نشطت له حدثتك به.
فقال: لا أقل من أن نسمعه، فلعلنا أن نبسط عذرك.
فقال: أنا فلان ابن فلان، وكان أبي من وجوه أهل هذا البلد، ومياسيره، وهذا عارف بذلك، وأومأ إلى النخاس.
وأسلمني أبي إلى الكتاب، وكانت لأمي صبية قريب سني من سنها، وهي جاريتي هذه، وكانت معي في المكتب، تتعلم ما أتعلم، وتنصرف معي.
فبلغت، ثم بطلت من الكتاب، وتعلمت الغناء، فكنت لمحبتي لها أتعلمه معها، وتعلق قلبي بها، وأحببتها حباً شديداً.

وبلغت أنا أيضاً، فخطبني وجوه أهل البصرة لبناتهن، فخيرني أبي، فأظهرت له الزهد في التزويج، ونشأت متوفراً على الأدب، متقلباً في نعم أبي، غير متعرض لما يتعرض له الأحداث، لتعلق قلبي بالصبية، ورغبة أهل البلد تزداد في، وعندهم أن عفتي لصلاح، وما كانت إلا لتعلق قلبي بالجارية، وأن شهوتي لا تتعداها لأحد.
وبلغ حذقها في الغناء إلى ما قد سمعتموه، فعزمت أمي على بيعها، وهي لا تعلم ما في نفسي منها، فأحسست بالموت، واضطررت إلى أن حدثت أمي عن الصورة، فحدثت أبي، فاجتمع رأيهما على أن وهبا لي الجارية، وجهزاها كما يجهز أهل البيوتات بناتهن، وجليت علي، وعمل لنا عرس حسن، ونعمت معها دهراً طويلاً.
ثم مات أبي، وخلف لي مالاً كثيراً، فلم أحسن أن أرب نعمته، وأسأت التدبير فيها، وأسرعت في الأكل والشرب والقيان، وأنا مع ذلك أجذر في اليوم الواحد بخمسين ديناراً أو أكثر.
فأوجب ذلك أن تلفت النعمة، وأفضت الحال إلى نقض الدار وبيع ما فيها، حتى صرت إلى ما ترى، وأنا على هذا منذ سنين.
فلما كان في هذا الوقت، وبلغني دخول الخليفة، ووزيره، وأهل مملكته، البصرة، قلت لها: يا ستي، إعلمي أن شبابك قد بلي، وأن عمرك في الشقاء ينقضي، وبالله، إن نفسي تالفة من فراقك، ولكني أؤثر تلفها مع وصولك إلى نعمة ورفاهية، فدعيني أعرضك، لعل أن يشتريك بعض هؤلاء الأكابر، فتحصلي معه في رغد عيش، فإن مت بعدك فذاك الذي أوثر، ويكون كل واحد منا قد تخلص من الشقاء، وإن حكم الله تعالى علي بالبقاء، صبرت على قضائه.
فبكت من ذلك، وقلقت، ثم قالت: إفعل ما تحب.
فخرجت إلى هذا النخاس، فأطلعته على أمري، وقد كان يسمع غناءها أيام نعمتي، وعرف حالها وحالي، وأعلمته أني لا أعرضها إلا عندي، فإنها - والله - ما طرقت رجلها خارج باب الدار قط، وقصدت بذلك أن يراها المشتري، ولا تدخل بيوت الناس، ولا إلى السوق، وإنها لم يكن لها ما تلبسه إلا قميصي هذا، وهو مشترك بيننا، ألبسه أنا إذا خرجت لأبتاع القوت، وتتشح هي بأزارها، وإذا جئت إلى البيت، ألبستها إياه، وأتشح أنا بالأزار.
فلما حصل من يعترضها، وخرجت فغنتكم، لحقني من القلق والبكاء لفراقها أمر عظيم، فدخلت إلي، وقالت: يا هذا، ما أعجب أمرك، أنت مللتني، وأردت بيعي وفراقي، وتبكي هذا البكاء ؟ فقلت لها: يا هذه، إن فراق نفسي أسهل علي من فراقك، وإنما أردت أن تتخلصي من هذا الشقاء.
فقالت: والله، لو ملكت منك ما ملكت مني، ما بعتك أبداً، وأموت جوعاً وعرياً، فيكون الموت هو الذي يفرق بيننا.
فقلت: أتريدين أن تعلمي صدق قولي ؟ قالت: نعم.
قلت: هل لك أن أخرج الساعة إلى المشتري فأعتقك بين يديه وأتزوجك، ثم أصبر معك على ما نحن فيه إلى أن يأذن الله تعالى بفرج أو موت ؟ فقالت: إن كان قولك صادقاً، فافعل ما بدا لك من هذا، فما أريد غيره.
فخرجت إليكم فكان مني ما قد علمتم، فاعذروني.
فقال جعفر الوزير: أنت معذور، ونهض، ونهضت معه، والنخاس معنا.
فلما قدم حماره ليركب، دنوت منه، وقلت: يا سبحان الله، مثلك في جودك، يرى مثل هذه المكرمة، فلا ينتهز الفرصة فيها ؟ والله، لقد تقطع قلبي عليهما.
فقال: ويحك، وقلبي - والله - كذلك، ولكن غيظي من فوت الجارية إياي يمنعني من التكرم عليه.
فقلت: وأين الرغبة في الثواب ؟ فقال: صدقت والله.
ثم التفت إلى النخاس فقال: كم كان الخادم سلم إليك عند ركوبنا، لتشتري به الجارية ؟ فقال: ثلاثة آلاف دينار.
فقال: أين هي ؟ فقال: مع غلامي.
فقال لي وللنخاس: خذاها وادفعاها إلى الفتى، وقولا له: يكتسي ويركب ويجيئني، لأحسن إليه وأستخدمه.
فرجعنا إلى الفتى، فإذا هو يبكي، فقلت له: قد عجل الله فرجك، إعلم أن الذي خرج من عندك هو الوزير جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، وقد أمر لك بهذا، وهو يقول لك كذا وكذا.
قال: فصعق، حتى قلت قد تلف، ثم أفاق، فأقبل يدعو لجعفر، ويشكرني.
وكنت قد ركبت فلحقت بالوزير، وأعلمته، فحمد الله عز وجل على ما وهبه له، وعاد إلى داره وأنا معه.
فلما كان وقت العشاء، جئنا إلى الرشيد، فأقبل يسأل جعفر خبره في يومه، وهو يخبره، إلى أن قص عليه حديث الفتى والجارية.
فقال له الرشيد: فما عملت معه ؟ فأخبره.

فاستصوب رأيه، وقال: وقع له برزق سلطاني في رسم أرباب النعم، في كل شهر كذا وكذا، واعمل به بعد ذلك ما شئت.
فلما كان من الغد، جاءنا الفتى راكباً بثياب حسنة، وهيأة جميلة، فإذا به من أحلى الناس كلاماً، وأتمهم أدباً.
فحملته إلى جعفر، وأوصلته إلى مجلسه، فأمر بتسهيل وصوله إليه، وخلطه بحاشيته، ووقع له عن الخليفة بما رسم له، وعن نفسه بشيء آخر.
وشاع حديثه في البصرة، وفي أهل العسكر، فلم يبق فيهم متغزل، ولا متظرف، إلا أهدى له شيئاً جليلاً، فما خرجنا من البصرة إلا وهو رب نعمة صالحة.
ووجدت هذا الخبر، على خلاف هذا، ما ذكره أبو علي محمد بن الحسن ابن جمهور العمي البصري الكاتب، في كتاب السمار والندامى: أن الرشيد لما حج ومعه إبراهيم الموصلي، ... فأخبرنا بالخبر على قريب ما رويناه وذكرناه، وأن الجارية بدأت وغنت بصوت من صناعة إبراهيم، وهو:
نمّت عليّ الزفرة الصاعدة ... وملّني العائد والعائدة
يا ربّ كم فرّجت من كربة ... عنّي فهذي المرّة الواحدة
وأن الذي حضر لتقليب الجارية، الرشيد وجعفر بن يحيى متنكرين، ومعهما إبراهيم الموصلي والنخاس، وأنهم انصرفوا، وقطعوا الثمن بمائة ألف درهم، ثم عادوا والمال معهم، فأمروا بإعادة التقليب، فخرجت الجارية، فغنت بصوت، الغناء فيه لإبراهيم، وهو:
ومن عادة الدنيا بأنّ صروفها ... إذا سرّ منها جانب ساء جانب
وما أعرف الأيّام إلاّ ذميمة ... ولا الدهر إلاّ وهو للثأر طالب
ثم ذكر بقية الحديث على قريب من هذا، وفي الخبر الأول زيادات، ليست في خبر ابن جمهور.

من مكارم يحيى بن خالد البرمكي

وبلغني خبر لجعفر بن يحيى، مع جارية، يقارب هذا الخبر، أخبرني به أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي، خليفة أبي رضي الله عنه، على القضاء بها، قال: أخبرني أحمد بن الصلت الحماني، قال: حدثنا مفلح وسنبر النخاسان، قالا: أرسل إلينا جعفر بن يحيى البرمكي، يطلب جارية قوالة، ذات أدب وظرف، على صفة ذكرها وحدها، فما زلنا نحرص على طلبها، ونتواصف من يعرف عنها مثل ذلك.
وإلى جانبنا شيخ من أهل الكوفة يسمع كلامنا، فأقبل علينا، وقال: عندي بغية الوزير، فانهضوا إن شئتم لتنظروا إليها.
قال: فنهضنا معه، حتى إذا وصلنا إلى داره، وجدناها ظاهرة الإختلال، ووجدنا فيها مسحاً خلقاً، وثلاث قصبات عليها مسرجة، فارتبنا بقوله لنا، لما ظهر من سوء حاله.
ثم أخرج إلينا جارية كأنها - والله - فلقة قمر، تتثنى كالقضيب، فاستقرأناها، فقرأت آيات من القرآن، حركت منا ما كان ساكناً، وأتبعتها بقصيدة مليحة، شوقتنا، وأطربتنا.
فقلنا لها: أصانعة ؟ وأشرنا إلى يدها.
فقالت: نعم، تعلمت العمل بالعود وأنا صغيرة.
فقلنا: فغنينا به.
فقالت: سبحان الله، هل يصلح أن أستجيب لذلك إلا لمولى مالك إن دعاني إليه أجبته.
قال: وراح الرسول إلى جعفر، فأخبره بما شاهده.
فلم يتمالك جعفر، لما سمع بصفة الجارية، حتى استنهض الرسول إلى مجلس الشيخ، وهو يتبعه، حتى عاينه، وسأله إخراجها إليه.
فلما رآها جعفر أعجب بها قبل أن يستنطقها، ثم إنه استنطقها، فأخذت بمجامع قلبه.
فقال لمولاها: قل ما شئت ؟ فقال الشيخ: لست أحدث أمراً حتى أستأذنها، ولولا الضر الذي نحن فيه لما عرضتها، لكن حالي كما يشاهده الوزير من فقر، وضر، ودين كثير قد فدحني، ومن أجله فارقت وطني، وعرضت على البيع ثمرة فؤادي.
فقال له جعفر: ما مقدارها في نفسك إن أردت بيعها ؟ فقال: ثلاثون ألف دينار.
فقال جعفر: فهل لك أن تأمرها بأن تغنينا ؟ فأقبل الشيخ عليها فاستدناها، وأمرها أن تغني، فأخذت العود، وأصلحته، ثم استعبرت، وغنت بصوت، الغناء من صنعة إبراهيم:
ومن عادة الأيّام أنّ صروفها ... إذا سرّ منها جانب ساء جانب
وما أعرف الأيّام إلاّ ذميمةً ... ولا الدهر إلاّ وهو بالثأر طالب
قال: ثم أنها ألقت العود من يدها، وصرخت، وصرخ الشيخ، وجعلا ينتحبان.
ثم إن الشيخ أقبل على جعفر ومن معه، وقال: أشهدكم أني قد أعتقتها، وجعلت عتقها صداقها، والله، لا ملكها أحد أبداً.

فغضب جعفر، وأقبل من حضر على الشيخ يؤنبونه ويستجهلونه، ويقولون له: ضيعت هذا المال الجليل، وعجلت، وجهلت.
فقال الشيخ: النفس أولى أن يبقى عليها من المال، والرازق الله سبحانه وتعالى، وعاد جعفر إلى أبيه فأخبره بما كان من الرجل والجارية.
فقال له أبوه: فما صنعت بهما ؟ قال: تركتهما وانصرفت.
فقال له: ويحك، ما أنصفت يا ولدي، أو ما أنفت على نفسك أن تفرق بين متحابين مثلهما، مقترين، فقيرين، أو تنصرف عنهما، ولا تجبر حالهما ؟ أرضيت أن يكون الكوفي أسمح منك.
ودعا بغلام، فحمل معه إلى الشيخ ثلاثين ألف دينار على بغال.
فلما وصل المال إلى الشيخ قبله وأخذه، وحمد الله عز وجل، ودعا لجعفر ولوالده، وعاد بالمال والجارية إلى منزله بالكوفة، وهو فرح مسرور، وقد فرج الله عنه.

أين نوال ابن جعفر من نوال ابن معمر

ووجدت في بعض كتبي: أن عمر بن شبة، قال: حدثني أبو غسان، قال: أخبرني بعض أصحابنا، قال: إشترى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما جارية من مولدات أهل مكة، كان يتعشقها غلام من أهلها، وقدم في أمرها إلى المدينة، فنزل قريباً من منزل عبد الله بن جعفر، ثم جعل يلطف عبد الله بطرائف مكة، حتى عرفت الجارية أنه ورد.
وجعلت الجارية تراسله، فأدخلته ليلة في إصطبل دواب عبد الله بن جعفر، فعثر عليه السائس، فأعلم عبد الله بن جعفر، وأتاه به.
فقال له: مالك، قبحك الله، أبعد تحرمك بنا تصنع مثل هذا ؟ فقال له: إنك ابتعت الجارية، وكنت لها محباً، وكانت تجد بي مثل ذلك.
قال: فدعا بالجارية، وسألها، فجاءت بمثل قصة الفتى.
فقال له: خذها، فهي لك.
فلما كان بعد ذلك بقريب، عشق عبد السلام بن أبي سليمان، مولى مسلم، جارية لآل طلحة، يقال لها: رواح، ورجا أن يفعلوا به مثلما فعل ابن جعفر بالفتى المكي، فلم يفعل الطلحيون ذلك، فسأل في ثمنها، حتى اجتمع له، فاشتراها منهم.
فقال عبد السلام في ذلك:
وأين فلا تعدل نوال ابن جعفر ... وأين لعمري من نوال ابن معمر
يطير لدى الجنّات هذا لفضله ... ويرفضّ هذا في الجحيم المسعّر
ابن أبي حامد صاحب بيت المال يحسن إلى رجل من المتفقهةوقد كان فيما يقارب عصرنا مثل هذا، وهو ما حدثني به أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني الحافظ، قال: حدثني أبو أحمد محمد بن أحمد الجرجاني الفقيه، قال: كنا ندرس على أبي إسحاق المروزي الشافعي، وكان يدرس عليه معنا فتى من أهل خراسان، له والد هناك، وكان يوجه إليه في كل سنة، مع الحاج، قدر نفقة السنة.
فاشترى جارية، فوقعت في نفسه، وألفها، وألفته، وكانت معه سنين.
وكان رسمه أن يستدين في كل سنة، ديناً، بقدر ما يعجز من نفقته، فإذا جاء ما أنفذه أبوه إليه، قضى دينه، وأنفق الباقي مدة ثم عاد إلى الاستدانة.
فلما كان سنة من السنين، جاء الحاج، وليس معهم نفقة من أبيه.
فسألهم عن سبب ذلك، فقالوا له: إن أباك أعتل علة عظيمة صعبة، واشتغل بنفسه، فلم يتمكن من إنفاذ شيء إليك.
قال: فقلق الفتى قلقاً شديداً، وجعل غرماؤه يطالبونه كالعادة، في قضاء الدين وقت الموسم، فاضطر، وأخرج الجارية إلى النخاسين، فعرضها.
وكان الفتى ينزل بالقرب من منزلي، وكنا نصطحب إلى منزل الفقيه، ولا نكاد نتفارق.
فباع الجارية بألف درهم وكسر، وعزم على أن يفرق منها على غرمائه قدر مالهم، ويتمون بالباقي.
وكان قلقاً، موجعاً، متحيراً، عند رجوعنا من النخاسين.
فلما كان الليل إذا ببابي يدق، فقمت ففتحته، فإذا بالفتى.
فقلت: مالك ؟ فقال: قد امتنع علي النوم، وقد غلبتني وحشة الجارية، والشوق إليها.
ووجدته من القلق على أمر عظيم، حتى أنكرت عقله، فقلت: ما تشاء ؟ فقال: لا أدري، وقد سهل علي أن ترجع الجارية إلى ملكي، وأبكر غداً فأقر لغرمائي بمالهم، وأحبس في حبس القاضي، إلى أن يفرج الله تعالى عني، ويجيئني من خراسان ما أقضي به ديني في العام المقبل، وتكون الجارية في ملكي.
فقلت له: أنا أكفيك ذلك في غد إن شاء الله، وأعمل في رجوع الجارية إليك، إذا كنت قد وطنت نفسك على هذا.
قال: فبكرنا إلى السوق، فسألنا عمن اشترى الجارية.
فقالوا: أمرأة من دار أبي بكر بن أبي حامد، صاحب بيت المال.

فجئنا إلى مجلس الفقيه، فشرحت لأبي إسحاق المروزي بعض حديث الفتى، وسألته أن يكتب رقعة إلى أبي بكر بن أبي حامد، يسأله فيها فسخ البيع، والإقالة، وأخذ الثمن، ورد الجارية، فكتب رقعة مؤكدة في ذلك.
فقمت، وأخذت بيد الخراساني صديقي، وجئنا إلى أبي بكر بن أبي حامد، فإذا هو في مجلس حافل، فأمهلنا حتى خف، ثم دنوت أنا والفتى، فعرفني، وسألني عن أبي إسحاق المروزي، فقلت: هذه رقعته خاصة في حاجة له.
فلما قرأها، قال لي: أنت صاحب الجارية ؟ قلت: لا، ولكنه صديقي هذا، وأومأت إلى الخراساني، وقصصت عليه القصة، وسبب بيع الجارية.
فقال: والله، ما أعلم أني ابتعت جارية في هذه الأيام، ولا ابتيعت لي.
فقلت: إن امرأة جاءت وابتاعتها، وذكرت أنها من دارك.
قال: يجوز.
ثم قال: يا فلان، فجاءه خادم، فقال له: امض إلى دور الحرم، فاسأل عن جارية اشتريت أمس، فلم يزل يدخل ويخرج من دار إلى دار، حتى وقع عليها، فرجع إليه.
فقال له: أعثرت عليها ؟ فقال: نعم، فقال: أحضرها، فأحضرها.
فقال لها: من مولاك ؟ فأومأت إلى الخراساني.
فقال لها: أفتحبين أن أردك عليه ؟ فقالت: والله، ليس مثلك يا مولاي من يختار عليه، ولكن لمولاي علي حق التربية.
فقال: هي كيسة عاقلة، خذها.
قال: فأخرج الخراساني الكيس من كمه، وتركه بحضرته.
فقال للخادم: إمض إلى الحرم، وقل لهن: ما كنتن وعدتن به هذه الجارية من إحسان، فعجلنه الساعة.
قال: فجاء الخادم بأشياء لها قدر وقيمة، فدفعها إليها.
ثم قال للخراساني: خذ كيسك فاقض منه دينك، ووسع بباقيه على نفسك وعلى جاريتك، والزم العلم، فقد أجريت عليك في كل شهر قفيز دقيق، ودينارين، تستعين بها على أمرك.
قال: فوالله ما انقطعت عن الفتى، حتى مات أبو بكر بن أبي حامد.

ابن أبي حامد صاحب بيت المال يحسن إلى صيرفي

قال مؤلف هذا الكتاب: وجدت هذا الخبر مستفيضاً ببغداد، وأخبرت به على جهات مختلفة، وهذا أبينها، وأصحها إسناداً، إلا أنني أذكر بعض الطرق الأخرى التي بلغتني: حدثني أحمد بن عبد الله، قال: حدثني شيخ من دار القطن ببغداد، قال: كان لأبي بكر بن أبي حامد مكرمة طريفة، وهي أن رجلاً يعرف بعبد الواحد ابن فلان الصيرفي، باع جاريته، وكان يهواها، على أبي بكر بن أبي حامد - يعني صاحب بيت المال - بثلثمائة دينار.
فلما جاء الليل، استوحش لها وحشة شديدة، ولحقه من الهيمان، والقلق، والجنون، والأسف على فراقها، ما منعه من النوم، ولحقه من البكاء والسهر، ما كادت تخرج نفسه معه.
فلما أصبح خرج إلى دكانه يتشاغل بالنظر في أمره، فلم يكن له إلى ذلك سبيل.
وزاد عليه القلق والشوق، فأخذ ثمن الجارية، وجاء إلى أبي بكر بن أبي حامد، فدخل عليه، ومجلسه حافل، فسلم، وجلس في أخريات الناس، إلى أن تقوضوا.
فلما لم يبق غيره، أنكر ابن أبي حامد حاله، فقال له: إن كانت لك حاجة فاذكرها.
فسكت، وجرت دموعه، وشهق.
فرفق به ابن أبي حامد، وقال له: قل، عافاك الله، ولا تستح.
فقال له: بعت أمس، جارية كانت لي، وكنت أحبها، واشتريت لك - أطال الله بقاءك - وقد أحسست بالموت أسفاً على فراقها.
وأخرج الثمن فوضعه بحضرته، وقال له: أنا أسألك أن ترد علي حياتي، بأخذ هذه الدنانير، وإقالتي من البيع.
قال: فتبسم ابن أبي حامد، وقال له: لما كانت بهذا المحل من قلبك لم بعتها ؟ فقال: أنا رجل صيرفي، وكان رأس مالي ألف دينار، فلما اشتريتها، تشاغلت بها عن لزوم الدكان، فبطل كسبي، وكنت أنفق عليها من رأس المال نفقة لا يحتملها حالي، فلما مضت مدة، خشيت الفقر، ونظرت، فإذا أنا لم يبق معي من رأس المال إلا الثلث أو أقل، وصارت تطالبني من النفقة، بما لو أطعتها فيه، ذهبت هذه البقية، وحصلت على الفقر.
فلما منعتها، ساءت أخلاقها ونغصت عيشي، فقلت أبيعها، وأدير ثمنها فيما أختل من حالي، وتستقيم عيشتي، وأستريح من أذاها، وأتصبر على فراقها، ولم أعلم أنه يلحقني هذا الأمر العظيم، وقد آثرت الآن الفقر، وأن تحصل الجارية عندي، أو أن أموت، فهو أسهل علي مما أنا فيه.
فقال ابن أبي حامد: يا فلان، فجاء خادم أسود.
فقال له: أخرج الجارية التي اشتريت لنا بالأمس.
قال: فأخرجت جاريتي.

فقال: يا بني، إن مثلي لا يطأ قبل الإستبراء، ووالله، ما وقعت عيني على الجارية - منذ اشتريت - إلا الساعة، وقد وهبتها لك فخذها، وخذ دنانيرك، بارك الله لك فيهما.
ثم قال للخادم: هات ألف درهم، فجاء بها.
فقال للجارية: قد كنت عولت على أن أكسوك، فجاء من أمر مولاك ما رأيت ولم أر من المروءة منعه منك، فخذي هذه الدراهم، واتسعي بها في نفقتك، ولا تحملي مولاك ما لا يطيق، فتحصلين عند من لا يعرف قدرك كمعرفته، ولك علي ألف درهم في كل سنة، يجيء مولاك فيأخذها لك، إذا شكرك، ورضي طريقتك.
قال: فقام الرجل، وقبل يديه، وجعل يبكي، ويدعو له.
ولم يزل المال واصلاً إليه في كل سنة، حتى مات ابن أبي حامد.

الحسن بن سهل يحسن إلى الفسطاطي التاجر

ويشبه هذا الحديث، ما وجدته في كتاب أعطانيه أبو الحسين عبد العزيز ابن إبراهيم المعروف بابن حاجب النعمان، وهو يومئذ كاتب الوزير المهلبي على ديوان السواد، وذكر إنه نسخه من كتاب أعطاه إياه أبو الحسين الخصيبي، وكان فيه إصلاحات بخط ابن مابنداذ.
اشترى الحسن بن سهل، من الفسطاطي التاجر، جارية بألف دينار، فحملت إلى منزل الحسن، وكتب للفسطاطي بثمنها.
فأخذ الكتاب إلى من أحاله عليه بالمال، وانصرف إلى منزله، فوجده مفروشاً نظيفاً، وفيه ريحان قد عبي تعبية حسنة، ونبيذ قد صفي.
فقال: ما هذا ؟ فقيل له: جاريتك التي بعتها السعة، قد أعدت لك هذا لتنصرف إليها، فبعتها قبل انصرافك.
قال: فقام الفسطاطي، فرجع إلى الحسن.
وأحضر الحسن الجارية، فرأى زياً حسناً، ونظافةً، وتزينت بزينة لم تر من مثلها، مع ما رأى فيها من الحسن والجمال، والبهاء والكمال، فهو يجيل الفكر والنظر فيها، إذ رجع الفسطاطي إليه، وهو كالمجنون المخبول، وقال: أقلني بيع الجارية، أقالك الله في الدنيا والآخرة.
فقال: ما إلى هذا سبيل، وما دخلت قط دارنا جارية، فخرجت منها.
قال: أيها الأمير، إنه الموت الأحمر.
قال: وما ذاك ؟ فقص عليه قصته، وحبه لها، وتلهفه عليها، وأنه لم يقدر على فراقها وأن الندم قد لحقه، والشوق قد تمكن من فؤاده، وأنه إن دام ذلك عليه، كان فيه تلف نفسه، وبكى، ولم يزل يتضرع له.
فرق له الحسن، وأحضر الجارية من ساعته، وقال لها: هل لك في مولاك رغبة ؟ فقالت: أيها الأمير، في مثله يرغب، فرد الجارية عليه.
وقال له: خذ هذه الألف دينار، لك هبة، لا يرجع إلى ملكي منها دينار واحد.
فأخذ الفسطاطي الجارية والدنانير، وقال: الجارية حرة لوجه الله تعالى، وهذه الألف دينار صداقها، ثم كتب كتابها.
وعاد إلى منزله، وجلس مع جاريته على ما أعدته له.
الأشتر وجيداءأخبرني أبو الفرج علي بن الحسين المعروف بالأصبهاني، قال: حدثني جعفر بن قدامة، قال: حدثني أبو العيناء، قال: كنت أجالس محمد بن صالح بن عبد الله بن موسى بن عبد الله بن الحسين ابن علي بن أبي طالب سلام الله عليهم أجمعين، وكان قد حمل إلى المتوكل أسيراً، فحبسه مدة، ثم أطلقه المتوكل، وكان أعرابياً فصيحاً، فحدثني يوماً قال: حدثني نمير بن مخلف الهلالي، وكان حسن الوجه جداً، قال: كان منا فتى يقال له بشر بن عبد الله، ويعرف بالأشتر، وكان يهوى جارية من قومه، يقال لها: جيداء، وكانت ذات زوج.
وشاع خبره في حبها، فمنع منها، وضيق عليه، حتى لم يقدر أن يلم بها.
فجاءني ذات يوم، وقال: يا أخي، قد بلغ مني الوجد، وضاق علي سبيل الصبر، فهل تساعدني على زيارتها ؟ قلت: نعم فركبت، وسرنا، حتى نزلنا قريباً من حيها، فكمن في موضع.
فقال لي: إذهب إلى القوم فكن ضيفاً لهم، ولا تذكر شيئاً من أمرنا، حتى ترى راعية لجيداء صفتها كذا وكذا، فأعلمها خبري، وواعدها بوعد.
فمضيت وفعلت ما أمرني به، ولقيت الراعية فخاطبتها، فمضت إلى جيداء، وعادت إلي، فقالت: قل له: موعدك الليلة عند الشجيرات.
فلما كان الوقت الذي وعدتنا فيه، إذا بجيداء قد أقبلت، فوثب الأشتر إليها، فقبل بين عينيها.
فقمت مولياً عنهما، فقالا: نقسم عليك إلا ما رجعت، فوالله، ما بيننا ما نستره عنك، فرجعت، وجلسنا نتحدث.
فقال لها: يا جيداء، أما فيك حيلة لنتعلل الليلة ؟ فقالت: لا والله، إلا أن نعود إلى ما تعرف من البلاء والشدة.
فقال: ما من ذلك بد، ولو وقعت السماء على الأرض.

فقالت: هل في صاحبك هذا من خير ؟ فقلت: إي والله.
فخلعت ثيابها، ودفعتها إلي، وقالت: البسها، وأعطني ثيابك، ففعلت.
فقالت: إذهب إلى بيتي، فإن زوجي سيأتيك بعد العتمة، ويطلب منك القدح ليحلب فيه الإبل، فلا تدفعه إليه من يدك، فهذا فعلي به، ودعه بين يديه، فإنه سيذهب ويحلب، ثم يأتيك به ملآن لبناً، ويقول: هاك غبوقك، فلا تأخذه منه، حتى تطيل نكدك عليه، ثم خذه، أودعه حتى يضعه هو، ثم لست تراه حتى تصبح.
قال: فذهبت، وفعلت ما أمرتني به، وجاءني بالقدح، فلم آخذه منه، وأطلت عليه النكد، ثم أهويت لآخذه، وأهوى ليضعه، فاختلفت أيدينا، فانكفأ القدح.
فقال: إن هذا لطماح مفرط، وضرب بيده إلى سوطه، ثم تناولني به، وضرب ظهري، فجاءت أمه، وأخته، فانتزعوني من يده، بعد أن زال عقلي، وهممت أن أجأه بالسكين.
فلما خرجوا من عندي، لم ألبث إلا يسيراً، حتى دخلت أم جيداء، تؤنبني، وتكلمني، فلزمت الصمت والبكاء.
فقالت: يا بنية، اتقي الله، وأطيعي بعلك، وأما الأشتر فلا سبيل لك إليه، وها أنا أبعث إليك بأختك لتؤنسك، ومضت.
ثم بعثت إلي بالجارية، فجعلت تكلمني، وتدعو على من ضربني، وأنا ساكت، ثم اضطجعت إلى جانبي.
فشددت يدي على فمها، وقلت: يا جارية، إن أختك مع الأشتر، وقد قطع ظهري بسببها، وأنت أولى بسترها مني، وإن تكلمت بكلمة فضحتها، وأنا لست أبالي.
فاهتزت مثل القضيب فزعاً، فطمنتها، وطيبت قلبها، فضحكت، وبات معي منها أظرف الناس، ولم نزل نتحدث حتى برق الصبح، فخرجت، وجئت إلى صاحبي.
فقالت جيداء: ما الخبر ؟ فقلت: سلي أختك عن الخبر، فلعمري إنها عالمة به، ودفعت إليها ثيابها، وأريتها ظهري، فجزعت، وبكت، ومضت مسرعة، وجعل الأشتر يبكي، وأنا أحدثه بقصتي، وارتحلنا.

أقسم أن يغسل يده أربعين مرة إذا أكل زيرباجة

حدثني أبو الفرج أحمد بن إبراهيم الفقيه الحنفي المعروف بابن النرسي من أهل باب الشام ببغداد، وقد كان خلف أبا الحسن علي بن أبي طالب بن البهلول التنوخي على القضاء بهيت، وما علمته إلا ثقة، قال: سمعت فلان التاجر، يحدث أبي - وأسمى التاجر، وأنسيته أنا، قال: حضرت عند صديق لي من البزازين، وكان مشهوراً، في دعوة، فقدم في جملة طعامه، زيرباجة، ولم يأكلها، فامتنعنا من أكلها.
فقال: أحب أن تأكلوا منها، وتعفوني من أكلها، فلم ندعه حتى أكل.
فلما غسلنا أيدينا، انفرد يغسل يده، ووقف غلام يعد عليه الغسل، حتى قال له: قد غسلت يدك أربعين مرة، فقطع الغسل.
فقلنا له: ما سبب هذا ؟ فامتنع، فألححنا عليه.
فقال: مات أبي وسني نحواً من عشرين سنة، وخلف علي حالاً صغيرة، وأوصاني قبل موته بقضاء ديون عليه، وملازمة السوق، وأن أكون أول داخل إليه، وآخر خارج منه، وأن أحفظ مالي.
فلما مات، قضيت دينه، وحفظت ما خلفه لي، ولزمت الدكان، فرأيت في ذلك منافع كثيرة.
فبينا أنا جالس يوماً ولم يتكامل السوق، وإذا بامرأة راكبة على حمار، وعلى كفله منديل دبيقي، وخادم يمسك بالعنان، فنزلت عندي.
فأكرمتها، ووثبت إليها، وسألتها عن حاجتها، فذكرت ثياباً.
فسمعت - والله - نغمةً، ما سمعت قط أحسن منها، ورأيت وجهاً لم أر مثله، فذهب عني عقلي، وعشقتها في الحال.
فقلت لها: تصبرين حتى يتكامل السوق، وآخذ لك ما تريدين، ففعلت، وأخذت تحادثني، وأنا في الموت عشقاً لها.
وخرج الناس، فأخذت لها ما أرادت، فجمعته، وركبت ولم تخاطبني في ثمنه بحرف واحد، وكان ما قيمته خمسة آلاف درهم.
فلما غابت عني أفقت، وأحسست بالفقر، فقلت: محتالة، خدعتني بحسن وجهها، ورأتني حدثاً، فاستغرتني، ولم أكن سألتها عن منزلها، ولا طالبتها بالثمن، لدهشتي بها.
فكتمت خبري لئلا أفتضح، وأتعجل المكروه، وعولت على غلق دكاني، وبيع كل ما فيها، وأوفي الناس ثمن متاعهم، وأجلس في بيتي مقتصراً على غلة يسيرة من عقار كان خلفه لي أبي.
فلما كان بعد أسبوع، إذا بها قد باكرتني، ونزلت عندي، فحين رأيتها أنسيت ما كنت فيه وقمت لها.
فقالت: يا فتى، تأخرنا عنك، وما شككنا أنا قد روعناك، وظننت أنا قد احتلنا عليك.
فقلت: قد رفع الله قدرك عن هذا.
فاستدعت الميزان، فوفتني دنانير قدر ما قلت لها عن ثمن المتاع، وأخرجت تذكرة بمتاع آخر.

فأجلستها أحادثها، وأتمتع بالنظر إليها إلى أن تكامل السوق، وقمت، ودفعت إلى كل إنسان ما كان له، وطلبت منهم ما أرادت، فأعطوني، فجئتها به، فأخذته وانصرفت، ولم تخاطبني في ثمنه بحرف.
فلما غابت عني ندمت، وقلت: المحنة هذه، أعطتني خمسة آلاف درهم، وأخذت مني متاعاً بألف دينار، والآن إن لم أقع لها على خبر، فليس إلا الفقر، وبيع متاع الدكان، وما قد ورثته من عقار.
وتطاولت غيبتها عني أكثر من شهر وأخذ التجار يشددون علي في المطالبة، فعرضت عقاري، وأشرفت على الهلكة.
فأنا في ذلك، وإذا بها قد نزلت عندي، فحين رأيتها زال عني الفكر في المال، ونسيت ما كنت فيه، وأقبلت علي تحادثني، وقالت: هات الطيار، فوزنت لي بقيمة المتاع دنانير.
فأخذت أطاولها في الكلام، فبسطتني، فكدت أموت فرحاً وسروراً، إلى أن قالت: هل لك زوجة؟ فقلت: لا والله يا سيدتي، وما أعرف امرأة قط، وبكيت.
فقالت: ما لك ؟ قلت: خير، وهبتها ثم قمت وأخذت بيد الخادم الذي كان معها، وأخرجت له دنانير كثيرة، وسألته أن يتوسط الأمر بيني وبين سته.
فضحك، وقال: إنها هي - والله - أعشق منك لها، وما بها حاجة إلى ما اشترته منك، وإنما تجيئك محبة لمطاولتك، فخاطبها بما تريد، فإنها تقبله، وتستغني عني.
فعدت، وكنت قلت لها: إني أمضي لأنقد الدنانير، فلما عدت، قالت: نقدت الدنانير ؟ وضحكت، وقد كانت رأتني مع الخادم.
فقلت لها: يا ستي، الله، الله، في دمي، وخاطبتها بما في نفسي منها، فأعجبها ذلك، وقبلت الخطاب أحسن القبول.
وقالت: الخادم يجيئك برسالتي بما تعمل عليه، وقامت ولم تأخذ مني شيئاً، فوفيت الناس أموالهم، وحصلت ربحاً واسعاً، واغتممت خوفاً من انقطاع السبب بيني وبينها، ولم أنم ليلتي قلقاً وخوفاً.
فلما كان بعد أيام جاءني الخادم، فأكرمته، ووهبت له دنانير لها صورة، وسألته عنها.
فقال: هي - والله - عليلة من شوقها إليك.
فقلت: فاشرح لي أمرها ؟ فقال: هذه صبية ربتها السيدة أم أمير المؤمنين المقتدر بالله، وهي من أخص جواريها عندها، وأحضاهن، وأحبهن إليها.
وإنها اشتهت رؤية الناس، والدخول والخروج، فتوصلت حتى صارت القهرمانة، وصارت تخرج في الحوائج، فترى الناس.
وقد - والله - حدثت السيدة بحديثك، وسألتها أن تزوجها منك، فقالت: لا أفعل، أو أرى الرجل، فإن كان يستحقك، وإلا لا أدعك واختيارك.
وتحتاج إلى أن تتحيل في إدخالك إلى الدار بحيلة، إن تمت وصلت إلى تزويجها، وإن انكشفت ضربت عنقك، فما تقول ؟ فقلت: أصبر على هذا.
فقال: إذا كان الليلة، فأعبر إلى المخرم، وادخل المسجد الذي بنته السيدة على شاطئ دجلة، وعلى حائطه الأخير مما يلي دجلة، اسمها مكتوب بالآجر المقطوع، فبت فيه.
قال أبو الفرج بن النرسي: وهو المسجد الذي قد سد بابه الآن سبكتكين، الحاجب الكبير، مولى معز الدولة، المعروف بجاشنكير، وأضافه إلى ميدان داره، وجعله مصلى لغلمانه.
قال الرجل: فلما كان قبل المغرب مضيت إلى المخرم، فصليت في المسجد العشاءين، وبت فيه.
فلما كان وقت السحر، إذا بطيار لطيف قد قدم، وخدم قد نزلوا ومعهم صناديق فارغة، فجعلوها في المسجد، وانصرفوا، وبقي واحد منهم، فتأملته، فإذا هو الواسطة بيني وبينها.
ثم صعدت الجارية واستدعتني، فقمت، وعانقتها، وقبلت يدها، وقبلتني قبلات كثيرة، وضمتني، وبكيت، وبكت.
وتحدثنا ساعة، ثم أجلستني في واحد من الصناديق، وكان كبيراً، وأقفلته.
وأقبل الخدم يتراجعون بثياب، وماء ورد، وعطر، وأشياء قد أحضروها من مواضع، وهي تفرق في باقي الصناديق، وتقفل، ثم حملت الصناديق في الطيار، وانحدر.
فلحقني من الندم أمر عظيم، وقلت: قتلت نفسي لشهوة لعلها لا تتم، ولو تمت ما ساوت قتل نفسي، وأقبلت أبكي، وأدعو الله عز وجل، وأتوب، وأنذر النذور، إلى أن حملت الصناديق بما فيها، ليجاز بها في دار الخليفة، وحمل صندوقي خادمان أحدهما الواسطة بيني وبينها.
وهي كلما اجتازت بطائفة من الخدم الموكلين بأبواب الحرم، قالوا: نريد نفتش الصناديق، فتصيح على بعضهم، وتشتم بعضهم، وتداري بعضهم.
إلى أن انتهت إلى خادم ظننته رئيس القوم، فخاطبته بخضوع وذلة، فقال لها: لا بد من فتح الصناديق وبدأ بصندوقي فأنزله.

فحين أحسست بذلك ذهب عقلي، وغاب علي أمري، وبلت في الصندوق فرقاً، فجرى بولي حتى خرج من خلله.
فقالت: يا أستاذ، أهلكتني، وأهلكت التجار، وأفسدت علينا متاعاً بعشرة آلاف دينار في الصندوق ما بين ثياب مصبغات، وقارورة فيها أربعة أمنان من ماء زمزم، قد انقلبت وجرت على الثياب، والساعة تستحيل ألوانها.
فقال: خذي صندوقك، أنت وهو، إلى لعنة الله، ومري.
فحمل الخادمان صندوقي، وأسرعا به، وتلاحقت الصناديق.
فما بعدنا ساعة حتى سمعتها تقول: ويلاه، الخليفة، فعند ذلك مت، وجاءني ما لم أحتسبه.
فقال لها الخليفة: والك، يا فلانة، أي شيء في صناديقك ؟ فقالت: ثياب للسيدة.
فقال: افتحيها حتى أراها.
فقالت: يا مولاي، الساعة تفتحها ستنا بين يديك.
فقال: مري، هوذا أجي.
فقالت للخدم: أسرعوا، ودخلت حجرة، ففتحت صندوقي، وقالت: اصعد تلك الدرجة، ففعلت، وأخذت بعض ما في تلك الصناديق، فجعلته في صندوقي، وأقفلته.
وجاء المقتدر، فحملت الصناديق إلى بين يديه، ثم عادت إلي، فطيبت نفسي، وقدمت لي طعاماً وشراباً، وما يحتاج إليه، وأقفلت الحجرة، ومضت.
فلما كان من غد جاءتني، فصعدت إلي، وقالت: الساعة تجيء السيدة لتراك، فانظر كيف تكون؟ فما كان بأسرع من أن جاءت السيدة، فجلست على كرسي، وفرقت جواريها، ولم يبق معها غير واحدة منهن، ثم أنزلتني الجارية.
فحين رأيت السيدة قبلت الأرض، وقمت فدعوت لها.
فقالت لجاريتها: نعم ما اخترت لنفسك هو - والله - كيس، عاقل، ونهضت.
فقامت معها صاحبتي وتبعتها، وأتت إلي بعد ساعة، وقالت: أبشر فقد - والله - وعدتني أن تزوجني بك، وما بين أيدينا عقبة إلا الخروج.
فقلت: يسلم الله تعالى.
فلما كان من غد حملتني في الصندوق، وخرجت كما دخلت، وكان الحرص على التفتيش أقل، وتركت في المسجد الذي حملت منه في الصندوق، وقمت بعد ساعة، ومضيت إلى منزلي، وتصدقت، ووفيت بنذري.
فلما كان بعد أيام، جاءني الخادم برقعتها، بخطها الذي أعرفه، وكيس فيه ثلاثة آلاف دينار عيناً، وهي تقول في رقعتها: أمرتني السيدة بإنفاذ هذا الكيس من مالها إليك، وقالت: اشتر ثياباً، ومركوباً، وغلاماً يسعى بين يديك، وأصلح به ظاهرك، وتجمل بكل ما تقدر عليه، وتعال يوم الموكب إلى باب العامة، وقف حتى تطلب، وتدخل على الخليفة، وتتزوج بحضرته.
فأجبت على الرقعة، وأخذت الدنانير، واشتريت منها ما قالوه، واحتفظت بالباقي.
وركبت بغلتي يوم الموكب إلى باب العامة، ووقفت، وجاءني من استدعاني، فأدخلني على المقتدر، وهو على السرير، والقضاة، والهاشميون، والحشم، قيام، فداخلتني هيبة عظيمة، فخطب بعض القضاة، وزوجني، وخرجت.
فلما صرت في بعض الممرات، عدل بي إلى دار عظيمة، مفروشة بأنواع الفرش الفاخر، والآلات، والخدم، فأجلست، وتركت وحدي، وانصرف من أجلسني.
فجلست يومي لا أرى من أعرف، وخدم يدخلون ويخرجون، وطعام عظيم ينقل، وهم يقولون: الليلة تزف فلانة - اسم زوجتي - إلى زوجها، ها هنا.
فلما جاء الليل أثر الجوع في، وأقفلت الأبواب، وأيست من الجارية، فبقيت أطوف في الدار، إلى أن وقعت على المطبخ، فإذا قوم طباخون جلوس، فاستطعمت منهم، فلم يعرفوني، وظنوا أني بعض الوكلاء، فقدموا إلي زيرباجة، فأكلت منها، وغسلت يدي بأشنان كان في المطبخ، وأنا مستعجل لئلا يفطن بي، وظننت أني قد نقيت من ريحها، وعدت إلى مكاني.
فلما انتصف الليل إذا بطبول، وزمور، والأبواب تفتح، وصاحبتي قد أهديت إلي، وجاءوا بها فجلوها علي، وأنا أقدر أن ذلك في النوم، ولا أصدق فرحاً به، وقد كادت مرارتي تنشق فرحاً وسروراً، ثم خلوت بها، وانصرف الناس.
فحين تقدمت إليها وقبلتها، رفستني فرمت بي عن المنصة، وقالت: أنكرت أن تفلح يا عامي، أو تصلح يا سفلة، وقامت لتخرج.
فتعلقت بها، وقبلت يديها ورجليها، وقلت: عرفيني ذنبي، واعملي بعده ما شئت.
فقالت: ويلك، تأكل، ولا تغسل يدك ؟ وأنت تريد أن تختلي بمثلي ؟ فقلت: اسمعي قصتي، واعملي ما شئت بعد ذلك.
فقالت: قل.
فقصصت عليها القصة، فلما بلغت أكثرها، قلت: وعلي، وعلي، وحلفت بأيمان مغلظة، لا أكلت بعد هذا زيرباجة، إلا غسلت يدي أربعين مرة.
فأشفقت، وتبسمت، وصاحت: يا جواري، فجاء مقدار عشر جواري ووصائف فقالت: هاتم شيئاً للأكل.

فقدمت إلينا مائدة حسنة، وألوان فاخرة، من موائد الخلفاء، فأكلنا جميعاً، واستدعت شراباً، فشربنا، أنا وهي، وغنى لنا بعض أولئك الوصائف.
وقمنا إلى الفراش، فدخلت بها، وإذا هي بكر، فافتضضتها، وبت بليلة من ليالي الجنة، ولم نفترق أسبوعاً، ليلاً ونهاراً، إلى أن انقضت وليمة الأسبوع.
فلما كان من غد، قالت لي: إن دار الخليفة لا تحتمل المقام فيها أكثر من هذا، وما تم لأحد أن يدخل فيها بعروس غيرك، وذلك لعناية السيدة بي، وقد أعطتني خمسين ألف دينار، من عين وورق، وجوهر، وقماش، ولي بخارج القصر أموال وذخائر أضعافها، وكلها لك، فاخرج، وخذ معك مالاً، واشتر لنا داراً حسنة، عظيمة الاتساع، يكون فيها بستان حسن، وتكون كثيرة الحجر، ولا تضيق على نفسك، كما تضيق نفوس التجار، فإني ما تعودت أسكن إلا في القصور، واحذر من أن تبتاع شيئاً ضيقاً، فلا أسكنه، وإذا ابتعت الدار، فعرفني، لأنقل إليك مالي، وجواري، وأنتقل إليك.
فقلت: السمع والطاعة.
فسلمت إلي عشرة آلاف دينار، فأخذتها، وأتيت إلى داري، واعترضت الدور، حتى ابتعت ما وافق اختيارها، فكتبت إليها بالخبر، فنقلت إلي تلك النعمة بأسرها، ومعها ما لم أظن قط أني أراه، فضلاً عن أني أملكه، وأقامت عندي كذا وكذا سنة، أعيش معها عيش الخلفاء، وأتجر في خلال ذلك، لأن نفسي لم تسمح لي بترك تلك الصنعة، وإبطال المعيشة، فتزايد مالي وجاهي، وولدت لي هؤلاء الشباب، وأومأ إلى أولاده، وماتت رحمها الله، وبقي علي مضرة الزيرباجة، إذا أكلتها، غسلت يدي أربعين مرة.

القهرمانة

القهرمان: وجمعه قهارمة: مدبر البيت، أو أمين الدخل والخرج، يونانية تفسير الألفاظ الدخيلة في اللغة العربية 59، وأصل عمل القهرمانة في بلاط الخليفة، أن تؤدي الرسائل عن الخليفة، ولكن ضعف الخلفاء، واحتجابهم في قصورهم، وتسلط النساء، أدى إلى سيطرة القهرمانة.
وكانت خالصة جارية الخيزران، لها في البلاط العباسي مقام منذ أيام المنصور، فكانت تدخل على المنصور، وهو في مخدعه الطبري 8 - 72 وكانت تترسل بين سيدتها الخيزران والخلفاء الطبري 8 - 205 وكانت الخيزران تستشيرها في ما يجد لها من أمور الطبري 8 - 206 وكانت مدلة على سيدتها، جريئة عليها الطبري 8 - 212 وكان مال الخيزران في حوزتها الطبري 8 - 213 كما كان مال المهدي وهو ولي عهد في حوزتها أيضا الطبري 8 - 72.
وكان للمكتفي، داية اسمها فارس، نصبها قهرمانة لما استخلف، وكانت تتدخل في نصب الوزراء وعزلهم القصة 3 - 171 من نشوار المحاضرة وفي دولة المقتدر، وكانت دولة السيدة أمه كتاب الوزراء للصابي 308 أصبح للقهرمانة سيطرة تامة على أمور الدولة، بحكم صلتها بالخليفة والسيدة، فكانت القهرمانة تتدخل في ترشيح الوزراء وكبار العمال تجارب الأمم 1 - 21 و 24 وفي عزلهم واعتقالهم تجارب الأمم 1 - 40 وقد تحضر القهرمانة عقوبة الوزير المعزول 1 - 90 تجارب أو يعهد إليها الخلفة بتعذيب من يريد تعذيبه 1 - 84 أو يعتقل لديها من يريد اعتقاله 1 - 40 تجارب ومن شهيرات القهرمانات في الدولة العباسية، فاطمة القهرمانة، غرق بها طيارها في يوم ريح عاصف، تحت جسر بغداد في السنة 299 1 - 20 وأم موسى الهاشمية عينت قهرمانة في قصر الخليفة في السنة 299 1 - 20 تجارب وسيطرت سيطرة عظيمة، بحيث أن صاحبتها فرج النصرانية كان تحمل خاتم الخليفة لمن يعده بتوليته الوزارة الوزراء 293 وانتهى أمر أم موسى بالاعتقال والمصادرة تجارب الأمم 1 - 83، وزيدان القهرمانة، اعتقل عندها الوزير علي بن عيسى لما عزل عن الوزارة 1 - 40 تجارب، وبلغ من سطوتها، أن الوزير ابن الفرات كان يعنون رسائله إليها: يا أختي الوزراء 172، وثمل القهرمانة، وكانت موصوفة بالشر والإسراف في العقوبة تجارب الأمم 1 - 84 وكانت تجلس للمظالم، وتنظر في رقاع الناس، في كل جمعة، وتصدر عنها التوقيعات المنتظم 6 - 148.
وكانت للقاهرة قهرمانة اسمها اختيار، كانت هي السبب في استيزار محمد بن القاسم ابن عبيد الله تجارب الأمم 1 - 260.

وعلم، قهرمانة المستكفي، وكان اسمها حسن الشيرازية، أغرت أمير الأمراء توزون، فخلع المتقي وسمله، ونصب المستكفي خليفة بدلاً منه، وأصبحت علم، قهرمانة الخليفة الجديد، فسيطرت على جميع مرافق الدولة وأمورها تجارب الأمم 2 - 75، وعندما اعتقل المستكفي اعتقلت علم معه تجارب 2 - 86 وسملت عيناها، وقطع لسانها تجارب 2 - 100.
وكان لعز الدولة، بختيار البويهي، قهرمانة اسمها تحفة، تعقد المحالفات مع كبار الموظفين، لتحميهم، ثم يرشوها خصومهم، فتتركهم إلى غيرهم تجارب الأمم 2 - 321 - 323.
وكانت للأخشيد بمصر، قهرمانة اسمها سماية، بلغ من تأثيرها أن خصومة حصلت بين خليفة قاضي مصر الذي نصبه المطيع، وبين أحد الشهود، فأسقط القاضي شهادته، وأسجل بذلك، فشكا إليها الشاهد ذلك، فأحضرت القاضي، وأمرته بإحضار السجل، فأحضره، فمزقت الحكم الذي أسجل فيه إسقاط شهادة الشاهد، وأصلحت بينهما، راجع ذلك في أخبار القضاة في كتاب الولاة للكندي ص568.
وكانت وصال قهرمانة الخليفة القائم، تشترك في اختيار الوزراء المنتظم 8 - 211 و 252.
ومن القهرمانات، نظم القهرمانة، التي ذكرها القاضي التنوخي، في القصة 4 - 70 من نشوار المحاضرة.
ومنهن الجارية، صاحبة هذه القصة، وكانت مملوكة للسيدة أم المقتدر، واشتهت أن تتصرف، وأن تخرج إلى خارج القصر، فقهرمتها السيدة، مما يدل على أن مبارحة قصر الخلافة محرم على الحريم، إلا على القهرمانة.

إسحاق الموصلي يتطفل ويقترح

حدثني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني رحمه الله تعالى، إملاء من حفظه، وكتبته عنه في أصول سماعاتي منه، ولم يحضرني كتابي فأنقله منه، فأثبته من حفظي، وتوخيت ألفاظه بجهدي، قال: حدثني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا حماد بن إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: حدثني أبي، قال: غدوت يوماً، وأنا ضجر من ملازمة دار الخلافة، والخدمة فيها، فركبت بكرة، وعزمت على أن أطوف الصحراء، وأتفرج بها.
فقلت لغلماني: إن جاء رسول الخليفة، فعرفوه أني بكرت في مهم لي، وأنكم لا تعرفون أين توجهت.
ومضيت، وطفت ما بدا لي، ثم عدت وقد حمي النهار، فوقفت في شارع المخرم، في الظل، عند جناح رحب في الطريق، لأستريح.
فلم ألبث أن جاء خادم يقود حماراً فارهاً، عليه جارية راكبة، تحتها منديل دبيقي، وعليها من اللباس الفاخر ما لا غاية وراءه، ورأيت لها قواماً حسناً، وطرفاً فاتناً، وشمائل ظريفة، فحدست أنها مغنية.
فدخلت الدار التي كنت واقفاً عليها، وعلقها قلبي في الوقت علوقاً شديداً، لم أستطع معه البراح.
فلم ألبث إلا يسيراً، حتى أقبل رجلان شابان جميلان، لهما هيأة تدل على قدرهما، راكبان، فاستأذنا، فأذن لهما، فحملني حب الجارية على أن نزلت معهما، ودخلت بدخولهما، فظنا أن صاحب الدار دعاني، وظن صاحب الدار أني معهما.
فجلسنا، فأتي بالطعام فأكلنا، وبالشراب فوضع، وخرجت الجارية، وفي يدها عود، فرأيتها حسناء، وتمكن ما في قلبي منها، وغنت غناء صالحاً، وشربنا.
وقمت قومة للبول، فسأل صاحب المنزل من الفتيين عني، فأخبراه أنهما لا يعرفاني، فقال: هذا طفيلي، ولكنه ظريف، فأجملوا عشرته.
وجئت، فجلست، وغنت الجارية في لحن لي:
ذكرتك إذ مرّت بنا أمّ شادن ... أمام المطايا تستريب وتطمح
من المولعات الرمل أدماء حرّة ... شعاع الضحى في متنها يتوضّح
فأدته أداءً صالحاً، ثم غنت أصواتاً فيها من صنعتي:
الطلول الدوارس ... فارقتها الأوانس
أوحشت بعد أهلها ... فهي قفر بسابس
فكان أثرها فيه أصلح من الأول، ثم غنت أصواتاً من القديم والمحدث، وغنت في أضعافها من صنعتي، في شعري:
قل لمن صدّ عاتبا ... ونأى عنك جانبا
قد بلغت الذي أرد ... ت وإن كنت لاعبا
واعترفنا بما أدّعي ... ت وإن كنت كاذبا
فكان أصلح ما غنته، فاستعدته منها لأصححه لها، فأقبل علي رجل منهم، فقال: ما رأيت طفيلياً أصفق منك وجهاً، لم ترض بالتطفيل حتى اقترحت، وهذا تصديق للمثل: طفيلي ويقترح، فأطرقت، ولم أجبه، وجعل صاحبه يكفه عني، فلا يكف.

ثم قاموا إلى الصلاة، وتأخرت، فأخذت العود وشددت طبقته، وأصلحته إصلاحاً محكماً، وعدت إلى موضعي، فصليت، وعادوا، وأخذ الرجل في عربدته علي، وأنا صامت.
وأخذت الجارية العود، وجسته، فأنكرت حاله، وقالت: من مس عودي ؟ فقالوا: ما مسه أحد.
قالت: بلى، والله، قد مسه حاذق متقدم، وشد طبقته، وأصلحه إصلاح متمكن من صنعته.
فقلت لها: أنا أصلحته.
قالت: بالله عليك، خذه، فاضرب به.
فأخذته، وضربت به مبدأً عجيباً، فيه نقرات محركة، فما بقي في المجلس أحد إلا وثب فجلس بين يدي.
وقالوا: بالله عليك يا سيدنا، أتغني ؟ قلت: نعم، وأعرفكم نفسي أيضاً، أنا إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وإني - والله - لأتيه على الخليفة، وأنتم تشتموني اليوم، لأني تملحت معكم بسبب هذه الجارية، ووالله، لا نطقت بحرف، ولا جلست معكم، أو تخرجوا هذا المعاند.
ونهضت لأخرج، فتعلقوا بي، فلم أرجع، فلحقتني الجارية، فتعلقت بي، فلنت، وقلت: لا أجلس، حتى تخرجوا هذا البغيض.
فقال له صاحبه: من هذا كنت أخاف عليك، فأخذ يعتذر.
فقلت: أجلس، ولكني، والله، لا أنطق بحرف وهو حاضر، فأخذوا بيده، فأخرجوه.
فبدأت أغني الأصوات التي غنتها الجارية من صنعتي، فطرب صاحب البيت طرباً شديداً، وقال: هل لك في أمر أعرضه عليك ؟ فقلت: وما هو ؟ قال: تقيم عندي شهراً، والجارية لك بما لها من كسوة.
فقلت: أفعل.
فأقمت عنده ثلاثين يوماً، لا يعرف أحد أين أنا، والمأمون يطلبني في كل موضع، فلا يعرف لي خبراً.
فلما كان بعد ذلك، سلم إلي الجارية والخادم، وجئت بها إلى منزلي، وكان أهل منزلي في أقبح صورة لتأخري عنهم.
وركبت إلى المأمون من وقتي، فلما رآني، قال لي: يا إسحاق، ويحك، أين كنت ؟ فأخبرته بخبري.
فقال: علي بالرجل الساعة، فدللتهم على بيته، فأحضر، فسأله المأمون عن القصة، فأخبره بها.
فقال: أنت ذو مروءة، وسبيلك أن تعان عليها، فأمر له بمائة ألف درهم.
وقال: لا تعاشر ذلك المعربد السفل.
فقال: معاذ الله يا أمير المؤمنين.
وأمر لي بخمسين ألف درهم، وقال لي: أحضر الجارية، فأحضرته إياها، فغنته.
فقال لي: قد جعلت لها نوبة كل يوم ثلاثاء، تغنيني من وراء الستارة، مع الجواري، وأمر لها بخمسين ألف درهم.
فربحت - والله - بتلك الركبة، وأربحت.

أنت طالق إن لم تكوني أحسن من القمر

ووجدت في بعض الكتب: أن عيسى بن موسى، كان يحب زوجته حباً شديداً، فقال لها يوماً: أنت طالق، إن لم تكوني أحسن من القمر.
فنهضت، واحتجبت عنه، وقالت: قد طلقتني، فبات بليلة عظيمة.
فلما أصبح غدا إلى المنصور، وأخبره الخبر، وقال: يا أمير المؤمنين، إن تم طلاقها، تلفت نفسي غماً، وكان الموت أحب إلي من الحياة.
وظهر للمنصور منه جزع شديد، فأحضر الفقهاء، واستفتاهم، فقال جميع من حضر، قد طلقت، إلا رجلاً من أصحاب أبي حنيفة، فإنه سكت.
فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم ؟.
فقال: بسم الله الرحمن الرحيم، والتين والزيتون، وطور سنين، وهذا البلد الأمين، لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، فلا شيء أحسن من الإنسان.
فقال المنصور لعيسى بن موسى: قد فرج الله تعالى عنك، والأمر كما قال، فأقم على زوجتك.
وراسلها أن أطيعي زوجك، فما طلقت.
ما ثمانية وأربعة واثنانأخبرني أبو الفرج الأصبهاني، قال: أخبرني أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار الأنباري، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أحمد بن عبيد، عن الهيثم بن عدي، عن عبد الملك بن عمير، قال: قدم علينا عمر بن هبيرة الكوفة، فأرسل إلى عشرة، أنا أحدهم، من وجوه أهل الكوفة، فسمرنا عنده.
ثم قال: يحدثني كل رجل منكم أُحدوثةً، وأبدأ أنت يا أبا عمرو.
فقلت: أصلح الله الأمير، أحديث الحق، أم حديث الباطل ؟ فقال: بل حديث الحق.
فقلت: إن أمرء القيس بن حجر الكندي، آلي ألية، أن لا يتزوج بامرأة حتى يسألها عن ثمانية، وأربعة، واثنين، فجعل يخطب النساء، فإذا سألهن عنها، قلن: أربعة عشر.
فبينا هو يسير في الليل، وإذا هو برجل يحمل ابنة له صغيرة، كأنها القمر لتمه، فأعجبته.
فقال لها: يا جارية، ما ثمانية، وأربعة، واثنان ؟ فقالت: أما الثمانية: فأطباء الكلبة، وأما الأربعة: فأخلاف الناقة، وأما الاثنان: فثديا المرأة.

فخطبها من أبيها، فزوجه منها، واشترطت هي عليه، أن تسأله ليلة يأتيها، عن ثلاث خصال، فجعل لها ذلك، على نفسه، وعلى أن يسوق لها مائة من الإبل، وعشرة أعبد، وعشر وصائف، وثلاثة أفراس، ففعل ذلك.
ثم إنه بعث عبداً له إلى المرأة، وأهدى إليها نحياً من سمن، ونحياً من عسل، وحلةً من قصب.
فنزل العبد ببعض المياه، فنشر الحلة، ولبسها، فتعلقت بشجرة فانشقت، وفتح النحيين، وأطعم أهل الماء منهما.
ثم قدم على حي المرأة وهم خلوف، فسألها عن أبيها، وأمها، وأخيها، ودفع إليها هديتها.
فقالت: أعلم مولاك، أن أبي ذهب يقرب بعيداً، ويبعد قريباً، وأن أمي ذهبت تشق النفس نفسين، وأن أخي يراعي الشمس، وأن سماءكم انشقت، وأن وعائيكما نضبا.
فقدم الغلام على مولاه، وأخبره بما قالت.
فقال: أما قولها: ذهب أبي يقرب بعيداً، ويبعد قريباً، فإن أباها ذهب يحالف قوماً على قومه.
وأما قولها: ذهبت أمي تشق النفس نفسين، فإن أمها ذهبت تقبل امرأة.
وأما قولها: إن أخي يراعي الشمس، فإن أخاها في سرح له يرعاها، فهو ينتظر وجوب الشمس ليروح.
وأما قولها: إن سماءكم انشقت، فإن الحلة التي بعثت بها معك انشقت.
وأما قولها: إن وعائيكما نضبا، فإن النحيين الذين بعثت بهما نقصا، فأصدقني.
فقال: يا مولاي، إني نزلت بماء من مياه العرب، فسألوني عن نسبي، فأخبرتهم أني ابن عمك، ونشرت الحلة فلبستها، وتجملت بها، فعلقت بشجرة، فانشقت، وفتحت النحيين، فأطعمت منهما أهل الماء.
فقال: أولى لك.
ثم ساق مائة من الإبل، وخرج نحوها، ومعه الغلام، فنزلا منزلاً.
فقام الغلام ليسقي، فعجز، فأعانه امرؤ القيس، فرمى به الغلام في البئر، وانصرف حتى أتى المرأة بالإبل، فأخبرهم أنه زوجها.
فقيل لها: قد جاء زوجك.
فقالت: والله، لا أدري أهو زوجي أم لا، ولكن انحروا له جزوراً، وأطعموه من درتها وذنبها، ففعلوا، فأكل ما أطعموه.
فقالت: اسقوه لبناً حازراً وهو الحامض، فشرب.
فقالت: أفرشوا له عند الفرث والدم، ففرشوا له، فنام.
فلما أصبحت، أرسلت إليه: إني أريد أن أسألك.
فقال: سلي عما بدا لك.
فقالت: مم تختلج شفتاك ؟ فقال: لتقبيلي فاك.
فقالت: مم يختلج كشحاك ؟ قال: لالتزامي إياك.
فقالت: مم يختلج فخذاك ؟ فقال: لتوركي إياك.
فقالت: عليكم بالعبد، فشدوا أيديكم به، ففعلوا.
قال: ومر قوم، فاستخرجوا امرء القيس من البئر، فرجع إلى حيه، واستاق مائة من الإبل، وأقبل إلى امرأته.
فقيل لها: قد جاء زوجك.
فقالت: والله، ما أدري أهو زوجي أم لا، ولكن أنحروا له جزوراً، وأطعموه من كرشها وذنبها، ففعلوا، فلما أتوه بذلك، قال: أين الكبد والسنام والملحة، وأبى أن يأكل.
فقالت: أسقوه لبناً حازراً، فأبى أن يشرب، وقال: أين الضرب والزبد ؟ فقالت: افرشوا له عند الفرث والدم، فأبى أن ينام، وقال: افرشوا لي فوق التلعة الحمراء، واضربوا لي عليها خباء.
ثم أرسلت إليه تقول: هات شرطي عليك في المسائل الثلاث، فأرسل إليها سلي عما شئت.
فقالت: مم تختلج شفتاك ؟ قال: لشربي المشعشعات.
قالت: مم يختلج كشحاك ؟ قال: للبسي الحبرات.
قالت: فمم يختلج فخذاك ؟ قال: لركوبي السابقات.
فقالت: هذا هو زوجي، فعليكم به، واقتلوا العبد، فقتلوه، وأقبل امرؤ القيس على الجارية.
فقال ابن هبيرة: لا خير في سائر الحديث الليلة، بعد حديثك يا أبا عمرو، ولن يأتينا أحد بأعجب منه، فقمنا، وانصرفنا، وأمر لي بجائزة.

أخبار قيس ولبنى

وجدت في كتاب الأغاني الكبير، لأبي الفرج المعروف بالأصبهاني، الذي أجاز لي روايته، في جملة ما أجازه لي، أخبار قيس بن ذريح الليثي، فقال في صدرها: أخبرني بخبر قيس بن ذريح ولبنى امرأته، جماعة من مشايخنا، في قصص متصلة ومتقطعة، وأخبار منظومة ومنثورة، فألفت جميع ذلك ليتسق حديثه، إلا ما جاء منفرداً، وحسن إخراجه عن جملة النظم، فذكرته على حدته.
فممن أخبرنا بخبره أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمر بن شبة، ولم يتجاوزه إلى غيره، وإبراهيم بن محمد بن أيوب عن ابن قتيبة.
والحسن بن علي عن محمد بن أبي السري، عن هشام محمد الكلبي، وعلى روايته أكثر المعول.

ونسخت أيضاً من أخباره المنظومة، أشياء ذكرها القحذمي، عن رجاله، وخالد بن كلثوم عن نفسه، ومن روى عنه، وخالد بن جميل.
ونتفاً حكاها اليوسفي صاحب الرسائل، عن أبيه، عن أحمد بن حماد، عن جميل، عن ابن أبي جناح الكعبي، وحكيت كل متفق فيه متصلاً، وكل مختلف في معانيه منسوباً إلى راويه، قالوا جميعاً: كان منزل في ظاهر المدينة لذريح، وهو أبو قيس، وكان هو وأبوه من حاضرة المدينة.
فمر قيس في بعض حوائجه، ذات يوم، بحي من بني كعب بن خزاعة، والحي خلوف، فوقف على خباء لبنى بنت الحباب الكعبية، واستسقى ماء، فسقته، وخرجت إليه به، وكانت امرأة مديدة القامة، شهلاء، حلوة المنظر والكلام، فلما رآها وقعت في نفسه، وشرب من الماء.
فقالت له: أتنزل عندنا ؟ قال: نعم، فنزل بهم، وجاء أبوها، فنحر له وأكرمه.
وانصرف قيس، وفي قلبه من لبنى حر لا يطفأ، فجعل ينطق بالشعر فيها حتى شاع خبره، وروي شعره فيها.
وأتاها يوماً آخر، وقد اشتد وجده بها، فسلم، فظهرت له، وردت سلامه، ورحبت به، فشكى إليها ما يجد بها، وما يلقى من حبها، فبكت وشكت إليه مثل ذلك، فعرف كل واحد منهما، ما له عند صاحبه.
ثم انصرف إلى أبيه، فأعلمه بحاله، وسأله أن يزوجه إياها، فأبى عليه، وقال له: يا بني عليك بإحدى بنات عمك، فهن أحق بك، وكان ذريح كثير المال، وأحب أن لا يخرج ماله إلى غريبة.
فانصرف قيس، وقد ساءه ما خاطبه به أبوه، فأتى أمه وشكى ذلك إليها، واستعان بها على أبيه، فلم يجد عندها ما يحب.
فأتى الحسين بن علي، سلام الله عليهما، فشكى ما به، فقال له الحسين: أنا أكفيك.
فمضى معه إلى أبي لبنى، فلما بصر به، وثب إليه، وأعظمه، وقال: يا ابن رسول الله، ما جاء بك إلي ؟ ألا بعثت إلي فآتيك ؟ قال: قد جئتك خاطباً ابنتك لبنى، لقيس بن ذريح، وقد عرفت مكانه مني.
فقال: يا ابن بنت رسول الله، ما كنت لأعصى لك أمراً، وما بنا عن الفتى رغبة، ولكن أحب الأمرين إلينا، أن يخطبها ذريح علينا، وأن يكون ذلك عن أمره، فإنا نخاف أن يسمع أبوه بهذا، فيكون عاراً ومسبة علينا.
فأتى الحسين سلام الله عليه ذريحاً، وقومه مجتمعون، فقاموا إليه وقالوا له مثل قول الخزاعي.
فقال: يا ذريح، أقسمت عليك بحقي، إلا خطبت لبنى لابنك قيس.
فقال: السمع والطاعة لأمرك.
وخرج معه في وجوه قومه، حتى أتى حي لبنى، فخطبها ذريح من أبيها على ابنه قيس، فزوجه بها، وزفت إليه.
فأقام معها مدة، لا ينكر أحدهما من صاحبه شيئاً.
وكان قيس أبر الناس بأمه، فألهته لبنى وعكوفه عليها عن بعض ذلك، فوجدت أمه في نفسها، وقالت: لقد شغلت هذه المرأة ابني عن بري.
ولم تر للكلام موضعاً حتى مرض قيس مرضاً شديداً، فلما برئ، قالت أمه لأبيه: لقد خشيت أن يموت قيس ولم يترك خلفاً، وقد حرم الولد من هذه المرأة، وأنت ذو مال، فيصير مالك إلى الكلالة، فزوجه غيرها، لعل الله عز وجل يرزقه ولداً، وألحت عليه في ذلك.
فأمهل ذريح حتى اجتمع قومه، ثم قال له: يا قيس، إنك اعتللت هذه العلة ولا ولد لك، ولا لي سواك، وهذه المرأة ليست بولود، فتزوج إحدى بنات عمك لعل الله تعالى أن يهب لك ولداً تقر به عينك وأعيننا.
فقال قيس: لست متزوجاً غيرها أبداً.
فقال أبوه: يا بني، فإن مالي كثير، فتسر بالإماء.
فقال: ولا أسوؤها بشيء أبداً.
قال أبوه: فإني أقسم عليك إلا طلقتها.
فأبى، وقال: الموت - والله - أسهل علي من ذلك، ولكني أخيرك خصلة من خصال.
فقال: وما هي ؟ قال: تتزوج أنت، فلعل الله عز وجل أن يرزقك ولداً غيري.
فقال: ما في فضل لذلك.
قال: فدعني أرحل عنك بأهلي، وأصنع ما كنت صانعاً، لو كنت مت في علتي هذه.
فقال: ولا هذا.
قال: فادع لبنى عندك، وأرتحل عنك إلى أن أسلوها، فإني ما تحب نفسي أن أعيش، وتكون لبنى غائبة عني أبداً، وأن لا تكون في حبالي.
فقال: لا أرضى بذلك، أو تطلقها، وحلف لا يكنه سقف بيت أبداً، حتى يطلق لبنى.
وكان يخرج فيقف في حر الشمس، ويجيء قيس فيقف إلى جانبه، فيظله بردائه، ويصلى هو بحر الشمس، حتى يفيء الفيء عنه، وينصرف إلى لبنى، فيعانقها، ويبكي، وتبكي معه.
وتقول له: يا قيس، لا تطع أباك، فتهلك، وتهلكني معك.
فيقول لها: ما كنت لأطيع أحداً فيك أبداً.

فيقال: إنه مكث كذلك سنة، ثم طلقها لأجل والده، فلم يطق الصبر عنها.
قال ابن جريج: أخبرت أن عبد الله بن صفوان لقي ذريحاً أبا قيس، فقال له: ما حملك على أن فرقت بين قيس ولبنى، أما علمت أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: ما أبالي فرقت بين الرجل وامرأته، أو مشيت إليهما بالسيف.
وروى هذا الحديث، إبراهيم بن يسار الرمادي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، قال: قال الحسين بن علي عليهما السلام لذريح بن سنة، أبي قيس: أحل لك أن فرقت بين قيس ولبنى، أما أني سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول: ما أبالي فرقت بين الرجل وامرأته، أو مشيت إليهما بالسيف.
قال أبو الفرج: أخبرني محمد بن خلف، وكيع، قال: حدثني محمد بن زهير، قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جريج، قال: أخبرنا عمر بن أبي نصر، عن ليث بن عمرو، أنه سمع قيس بن ذريح يقول ليزيد بن سليمان: هجرني أبواي، إثنتي عشرة سنة، أستأذن عليهما، فيرداني، حتى طلقتها.
قالوا: فلما بانت لبنى منه، بطلاقه إياها، وفرغ من الكلام، لم يلبث حتى استطير عقله، ولحقه مثل الجنون، وجعل يبكي وينشج أحر نشيج، وبلغها الخبر، فأرسلت إلى أبيها ليحملها، وقيل: أقامت حتى انقضت عدتها، وقيس يدخل إليها، فأرسلت إلى أبيها ليحملها، فأقبل أبوها بهودج على ناقة، ومعه إبل، ليحمل أثاثها.
فلما رأى قيس ذلك، أقبل على جاريتها، وقال: ويحك، ما دهاني فيكم ؟ فقالت: لا تسألني، وسل لبنى.
فذهب ليلم بخبائها، فمنعه قومها، وأقبلت عليه امرأة من قومها، وقالت: ويحك تسأل، كأنك جاهل أو متجاهل، هذه لبنى ترحل الليلة أو غداً.
فسقط مغشياً عليه، ثم أفاق، وبكى بكاءً كثيراً، ثم أنشأ يقول:
وإنّي لمفنٍ دمع عيني بالبكا ... حذار الذي قد كان أو هو كائن
وقالوا غداً أو بعد ذاك بليلة ... فراق حبيب لم يبن وهو بائن
وما كنت أخشى أن تكون منيّتي ... بكفّيك إلاّ أنّ ما حان حائن
قال أبو الفرج: في هذه الأبيات غناء، ولها أخبار قد ذكرت في أخبار المجنون قيس بن الملوح، مجنون بني عامر، ثم ذكر أبو الفرج بعد هذا عدة قطع من شعر قيس بن ذريح.
ثم قال: قالوا: فلما ارتحل بها أبوها إلى قومها، أتبعها ملياً، ثم علم أن أباها يسوءه أن يسير معها، ويمنعه ذلك، فوقف ينظر إليها ويبكي، حتى غابوا عن عينيه، فكر راجعاً، فنظر إلى أثر خف بعيرها، فأكب عليه يقبله، ورجع يقبل موضع مجلسها، وأثر قدميها، فليم على ذلك، وعنفه قومه في تقبيل التراب، فقال:
وما أحببت أرضكم ولكن ... أقبّل إثر من وطئ الترابا
لقد لاقيت من كلفي بلبنى ... بلاءً ما أسيغ له شرابا
إذا نادى المنادي بأسم لبنى ... عييت فما أطيق له جوابا
ثم ذكر أبو الفرج قطعاً من شعر قيس، وأخباراً من أخباره منشورة، بأسانيد مفردة على الإسناد الذي رويته عنه ههنا، ثم رجع إلى مواضع من الحديث الذي جمع فيه من أسانيده، وأتى بسياقة يطول علي أن أذكرها في كتابي هذا، جملتها عظيم ما لحق قيس من التململ، والسهر، والحزن، والأسفار، والبكاء العظيم، والجزع المفرط، وإلصاق خده بالأرض على آثارها، وخروجه في أثرها، وشم رائحتها، وعتابه نفسه في طاعة أبيه على طلاقها.
ثم اعتل علة أشرف منها على الموت، فجمع له أبوه فتيات الحي يعللنه، ويحدثنه، طمعاً في أن يسلو عن لبنى، ويعلق بواحدة منهن، فيزوجه منها، فلم يفعل، وقصة له مع طبيب أحضر له، وقطع شعر كثيرة لقيس في خلال ذلك.
ثم إن أبا لبنى شكا قيساً إلى معاوية بن أبي سفيان، وذكر تعرضه لها بعد الطلاق.
فكتب معاوية إلى مروان بن الحكم بهدر دمه إن تعرض لها، فكتب مروان بذلك إلى صاحب الماء.
ثم إن أباها زوجها، فبلغ ذلك قيساً، فاشتد جزعه، وجعل يبكي أشد بكاء، وأتى حلة قومها، فنزل عن راحلته، وجعل يتعمد في موضعها، ويمرغ خده على ترابها، ويبكي أحر بكاء، ثم قال قصيدته التي رواها أبو الفرج، التي أولها:
إلى اللّه أشكو فقد لبنى كما شكا ... إلى اللّه فقد الوالدين يتيم

وذكر بعد هذا أخباراً له معها، واجتماعات عفيفة كانت بينهما، بحيل طريفة، ووجدها به، وبكاءها في طلاقها، وإنكار زوجها - الذي تزوجها بعد قيس - ذلك عليها، ومكاشفتها له، وعلة أخرى لحقت قيساً، واشتهارهما، وافتضاحهما، وما لحق قيساً ولبنى من الخبل، واختلال العقل، وقطع شعر كثيرة لقيس أيضاً في خلال ذلك، وأن قيساً مضى إلى ابن أبي عتيق، فمضى به إلى يزيد بن معاوية، ومدحه وشكى إليه ما جرى عليه، فرق له، ورحمه، وأخذ له كتاب أبيه بأن يقيم حيث أحب، ولا يعترض له أحد، وأزال ما كتب به إلى مروان، من هدر دمه، وقطع شعر كثيرة أخرى لقيس في خلال ذلك، وأخبار مفردة، ومفصلة.
ثم قال: وقد اختلف في أكثر أمر قيس ولبنى وذكر كلاماً يسيراً في ذلك، والجميع في نيف وعشرين ورقة.
وذكر القحذمي: أن ابن أبي عتيق، صار إلى الحسين بن علي، وجماعة من قريش وقال لهم: إن لي حاجة أحب أن تقضوها، وأنا أستعين بجاهكم وأموالكم عليها.
قالوا: ذلك مبذول لك منا، فاجتمعوا بيوم وعدهم فيه، فمضى بهم إلى زوج لبنى، فلما رآهم، أعظم مسيرهم إليه، وأكبره.
فقالوا: قد جئناك بأجمعنا في حاجة لابن أبي عتيق.
فقال: هي مقضية كائنة ما كانت.
فقال له ابن أبي عتيق: قد قضيتها كائنة ما كانت ؟ قال: نعم.
قال: تهب لي اليوم لبنى زوجتك، وتطلقها ثلاثاً.
قال: فإني أشهدكم أنها طالق ثلاثاً.
فاستحيا القوم، واعتذروا، وقالوا: والله، ما عرفنا حاجته، ولو علمنا أنها هذه، ما سألناك إياها.
قال ابن أبي عائشة: فعوضه الحسين بن علي عليهما السلام عن ذلك مائة ألف درهم.
وحمل ابن أبي عتيق، لبنى معه، فلم تزل عنده، حتى انقضت عدتها، وسأل القوم أباها، فزوجها قيساً، ولم تزل معه حتى مات.
فقال قيس يمدح ابن أبي عتيق:
جزى الرحمن أفضل ما يجازي ... على الإحسان خيراً من صديق
فقد جرّبت إخواني جميعاً ... فما ألفيت كابن أبي عتيق
سعى في جمع شملي بعد صدع ... ورأي حدت فيه عن الطريق
وأطفأ لوعة كانت بقلبي ... أغصّتني حرارتها بريقي
قال: فقال له ابن أبي عتيق: يا حبيبي، أمسك عن هذا الحديث، فما سمعه أحد إلا ظنني قواداً.

عشق جارية زوجته فوهبتها له

ووجدت في بعض كتبي: قال أبو عبد الله محمد بن علي بن حمزة: كانت لزوجتي جارية حسنة الوجه، فعلقتها، وعلمت زوجتي بذلك، فحجبتها عني، فاشتد ما بي من الوجد عليها، وقاسيت شدة شديدة.
فبينا أنا ذات ليلة نائم، ومولاتها زوجتي إلى جانبي، إذ رأيت في منامي كأن الجارية حيالي، وأنا أبكي، إذ لاح لي إنسان فأنشدني:
وقفت حيالك أذري الدموع ... وأخلط بالدمع منّي دما
وأشكو الذي بي إلى عاذلي ... ولا خير في الحبّ أن يكتما
رضيت بما ليس فيه رضا ... بتسليم طرفك إن سلّما
فتهت عليّ وأقصيتني ... وأعزز عليّ بأن أرغما
قال: فانتبهت فزعاً مرعوباً، ودعوت بدواة وقرطاس، وجلست في فراشي، وكتبت الشعر.
فقالت لي زوجتي: ماذا تصنع ؟ فقصصت عليها القصة والرؤيا.
فقالت: هذا كله من حب فلانة ؟ قد وهبتها لك.
بالله يا طرفي الجاني على كبديأخبرني أبو الفرج الأصبهاني إجازة، قال: أخبرني عمي الحسن بن محمد، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي، قال: حدثنا معبد الصغير المغني، مولى علي بن يقطين، قال: كنت منقطعاً إلى البرامكة، فبينما أنا ذات يوم في منزلي، وإذا بابي يدق، فخرج غلامي ثم رجع إلي.
فقال: على الباب فتى ظاهر المروءة، يستأذن عليك.
فأذنت له، فدخل علي شاب، ما رأيت أحسن منه وجهاً، ولا أنظف ثوباً، ولا أجمل زياً، عليه أثر السقم ظاهر.
فقال لي: يا سيدي أنا منذ مدة أحاول لقاءك، ولا أجد إليه سبيلاً، ولي إليك حاجة.
قلت: ما هي ؟ فأخرج إلي ثلثمائة دينار، فوضعها بين يدي.
ثم قال: أسألك أن تقبلها، وتصنع في بيتين قلتهما لحناً تغنيني به.
فقلت له: هاتهما، فأنشدني:
باللّه يا طرفي الجاني على كبدي ... لتطفئنّ بدمعي لوعة الحزن
أولا تؤخّر حتى يحجبوا سكني ... فلا أراه ولو أدرجت في كفني

قال: فصنعت فيهما لحناً، ثقيل أول، مطلق في مجرى الوسطى، ثم غنيته إياه، فأغمي عليه، حتى ظننته قد مات.
ثم أفاق، فقال: أعد فديتك.
قلت: أخشى أن تموت.
فقال: هيهات، هيهات، أنا أشقى من ذلك، فأعد علي.
وما زال يخضع ويتضرع، حتى أعدته، فصعق صعقة أشد من الأولى، حتى ظننت نفسه قد فاظت، فلما أفاق، رددت عليه الدنانير.
وقلت له: خذ دنانيرك، وانصرف عني، فقد قضيت حاجتك، وبلغت وطراً مما أردته، ولست أحب أن أشارك في دمك.
فقال: لا حاجة لي في الدنانير، وهذه مثلها لك، وأخرج ثلثمائة دينار أخرى.
وقال: أعد علي الصوت مرة أخرى، وحلال لك دمي.
فقلت: لا والله، إلا على شرط.
قال: وما هو ؟ قلت: تقيم عندي، وتتحرم بطعامي وتشرب أقداحاً من النبيذ تشد قلبك، وتسكن بعض ما بك، وتحدثني بقصتك.
فقال: أفعل.
فأخذت الدنانير، ودعوت بطعام، فأصاب منه، وبالنبيذ، فشرب أقداحاً، وغنيته بشعر غيره في معناه، وهو يشرب ويبكي.
ثم قال: الشرط، أعزك الله، فغنيته صوته، فجعل يبكي أحر بكاء، وينتحب.
فلما رأيت ما به قد خف عما كان يلحقه، والنبيذ قد شد من قوته، كررت عليه صوته مراراً، ثم قلت له: حدثني حديثك.
فقال: أنا رجل من أهل المدينة، خرجت يوماً متنزهاً في ظاهرها، وقد سال العقيق، في فتية وأقران، فبصرنا بفتيات قد خرجن لمثل ما خرجنا نحن له، فجلسن قريباً منا.
ونظرت بينهن إلى فتاة كأنها قضيب بان قد طله الندى، تنظر بعينين، ما ارتد طرفهما إلا بنفس من يلاحظهما، فأطلنا وأطلن، حتى تفرق الناس.
وانصرفنا، وقد أبقت بقلبي جرحاً بطيئاً اندماله، فسرت إلى منزلي وأنا وقيذ.
وخرجت من غد إلى العقيق، وليس فيه أحد، فلم أر لها أثراً، ثم جعلت أتتبعها في طرق المدينة وأسواقها، فكأن الأرض ابتلعتها، وسقمت، حتى يئس مني أهلي.
فأعلمت زوجة أبي بذلك، فقالت: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع قد أقبلت، وهي سنة خصب، والساعة يأتي المطر، فتخرج وأخرج معك، فإن النسوة سيجئن، فإذا رأيتها أتبعتها، حتى أعرف موضعها، ثم أصل بينكما، وأسعى لك في تزويجها.
قال: فكأن نفسي اطمأنت، ورجعت، وجاء المطر، وسال العقيق، وخرجت مع إخواني إليه، وزوجة أبي معنا، فجلسنا مجلسنا الأول، فما كنا والنسوة إلا كفرسي رهان، فأومأت إلى زوجة أبي، فجلست قريباً منها.
وأقبلت على إخواني، فقلت لهم: أحسن والله القائل، إذ يقول:
رمتني بسهم أقصد القلب وانثنت ... وقد غادرت جرحاً به وندوبا
فاقبلت على صويحباتها، وقالت: أحسن والله القائل، وأحسن من أجابه حيث يقول:
بنا مثل ما تشكو فصبراً لعلّنا ... نرى فرجاً يشفي السقام قريبا
قال: فأمسكت عن الجواب، خوفاً أن يظهر مني ما يفضحني وإياها، وانصرفنا.
وتبعتها زوجة أبي، حتى عرفت بيتها، وصارت إلي، وأخذت بيدي، ومضينا إليها، وتزاورنا، وتلاقينا على حال مراقبة ومخالسة.
حتى ظهر ما بيني وبينها، فحجبها أهلها، وتشدد عليها أبوها، فلم أقدر عليها.
فشكوت إلى أبي شدة ما نالني، وشدة ما ألقى، وسألته خطبتها.
فمضيت أنا وأبي ومشيخة قومي إلى أبيها، فخطبوها، فقال: لو كان بدأ بهذا من قبل أن يشهرها، لأسعفناه بحاجته وبما ألتمس، لكنه قد فضحها، فلم أكن لأحقق قول الناس فيها بتزويجه إياها، فانصرفت على يأس منها ومن نفسي، قال معبد: فسألته أن ينزل بقربي، فأجابني، وصارت بيننا عشرة.
ثم جلس جعفر بن يحيى يوماً للشرب، فأتيته، فكان أول صوت غنيته بشعر الفتى، فطرب عليه طرباً شديداً، وقال: ويحك لمن هذا الصوت ؟ فحدثته فأمر بإحضار الفتى، فأحضر في وقته، فاستعاده الحديث، فأعاده.
فقال له: هي في ذمتي، حتى أزوجك بها فطابت نفسي ونفس الفتى، وأقام معنا ليلتنا حتى أصبح.
وغدا جعفر إلى الرشيد، فحدثه الحديث، فعجب منه، وأمر بإحضارنا جميعاً، وأمر بأن أغنيه الصوت، فغنيته، وشرب عليه، وسمع حديث الفتى.
فأمر من وقته، بأن يكتب إلى عامل الحجاز، باشخاص الرجل وابنته، وسائر أهله إلى حضرته.
فلم تمض إلا مسافة الطريق، حتى أحضر، فأمر الرشيد بإحضاره إليه، فأوصل، وخطب إليه الجارية للفتى، فأجابه، فزوجه إياها، وحمل الرشيد إليه ألف دينار مهرها، وألف دينار لجهازها، وألف دينار لنفقته، في طريقه، وأمر للفتى بألفي دينار.

وكان المديني بعد ذلك من جملة ندمائه.

به من غير دائه وهو صالح

أخبرني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، قال: حدثني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، قال: حدثني أبي، قال: سرت إلى سر من رأى بعد قدومي من الحج، فدخلت إلى الواثق بالله، فقال: بأي شيء أطرفتني من الأحاديث التي استفدتها من الأعراب وأشعارهم ؟ فقلت: يا أمير المؤمنين جلس إلي فتى من الأعراب في بعض المنازل، فحاورني، فرأيت منه أحلى ما رأيت من الفتيان، منظراً، وحديثاً، وظرفاً، وأدباً.
فاستنشدته، فأنشدني:
سقى العلم الفرد الذي في ظلاله ... غزالان مكتنّان مؤتلفان
إذا أمنا ألتفّا بجيد تواصلٍ ... وطرفاهما للريب مسترقان
أردتهما ختلاً فلم أستطعهما ... ورمياً ففاتاني وقد قتلاني
ثم تنفس تنفساً، ظننت أنه قد قطع حيازيمه.
فقلت له: ما لك بأبي أنت ؟ فقال: وراء هذين الجبلين شجني، وقد حيل بيني وبين المرور بهذه البلاد، ونذروا دمي، فأنا أتمتع بالنظر إلى هذين الجبلين، تعللاً بهما، إذا قدم الحاج، ثم يحال بيني وبين ذلك.
فقلت له: زدني مما قلت، فأنشدني:
إذا ما وردت الماء في بعض أهله ... حضور فعرّض بي كأنّك مازح
فإن سألت عنّي حضور فقل لها: ... به غيرٌ من دائه وهو صالح
فأمرني الواثق، فكتبت الشعرين.
فلما كان بعد أيام دعاني، فقال لي: قد صنع بعض عجائز دارنا في أحد الشعرين لحناً، فاسمعه، فإن ارتضيته أظهرناه، وإن رأيت فيه موضع إصلاح أصلحناه.
ثم غني لنا به من وراء الستارة، فكان في غاية الجودة، وكذلك كان يصنع إذا وضع لحناً.
فقلت له: أحسن - والله - صانعه، يا أمير المؤمنين.
فقال: بحياتي ؟ فقلت: إي وحياتك، وحلفت له بما وثق به.
فأمر لي برطل، فشربته، ثم أخذ العود، فغناه ثلاث مرات، وسقاني عليه ثلاثة أرطال، وأمر لي بثلاثين ألف درهم.
فلما كان بعد أيام، دعاني فقال: قد صنع بعض عجائز دارنا في الشعر الآخر لحناً، وأمر فغني به، فكان حالي مثل الحال في الشعر الأول، وحلفت له على جودته، فغناه ثلاث مرات، وسقاني ثلاثة أرطال، وأمر لي بثلاثين ألف درهم.
ثم قال: هل قضيت حق حديثك ؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاءك، وأتم نعمته عليك.
فقال: ولكنك لم تقض حق الأعرابي، ولا سألتني معونته على أمره ؟ وقد سبقت مسألتك، وكتبت بخبره إلى صاحب الحجاز، وأمرته بتجهيزه، وخطبة المرأة له، وحمل صداقها إلى قومها عنه من مالنا، ففعل.
فقبلت يده، وقلت: السبق إلى المكارم لك، وأنت أولي بها من غيرك من سائر الناس.
قال: أبو الفرج: وصنعة الواثق في الشعرين جميعاً من الرمل.
عمر بن أبي ربيعة والجعد بن مهجع العذريوحدثني أبو الفرج القرشي، المعروف بالأصبهاني، قال: نسخت من كتاب محمد بن موسى بن حماد، قال: ذكر الرياشي قال: قال حماد الراوية: أتيت في مكة، إلى حلقة فيها عمر بن أبي ربيعة المخزومي، فتذاكرنا العذريين، وقال عمر بن أبي ربيعة: كان لي صديق من بني عذرة يقال له: الجعد بن مهجع، وكان أحد بني سلامان، وكان يلقى من الصبابة، مثل الذي ألقاه بالنساء، على أنه كان لا عاهر الخلوة، ولا سريع السلوة.
وكان يوافي الموسم في كل سنة، فإذا غاب عن وقته، ترجحت عنه الأخبار، وتوكفت له الأسفار، حتى يقدم.
فغمني ذات سنة إبطاؤه، حتى قدم حاج عذرة، فأتيت القوم أنشد صاحبي، فإذا غلام قد تنفس الصعداء، وقال: عن أبي المسهر تسأل ؟ قلت: نعم، وإياه أردت.
فقال: هيهات، هيهات، أصبح - والله - أبو المسهر، لا ميؤوس منه فيهمل، ولا مرجو فيعلل، أصبح - والله - كما قال القائل:
لعمري ما حبّي لأسماء تاركي ... أعيش ولا أقضي به فأموت
فقلت: ما الذي به ؟ فقال: مثل الذي بك، من تهتككما في الضلال، وجركما أذيال الخسار، كأنكما لم تسمعا بجنة ولا نار.
فقلت: ومن أنت منه، يا أبن أخي ؟ قال: أخوه.
فقلت له: يا ابن أخي، ما منعك أن تسلك مسلكه من الأدب، وأن تركب منه مركبه إلا أنك وإياه كالبجاد والبرد، لا ترقعه ولا يرقعك.
ثم صرفت وجه ناقتي، وأنا أقول:

أرائحة حجّاج عذرة وجهة ... ولمّا يرح في القوم جعد بن مهجع
خليلان نشكو ما نلاقي من الهوى ... متى ما يقل أسمع وإن قلت يسمع
ألا ليت شعري أيّ شيء أصابه ... فلي زفرات هجن ما بين أضلعي
فلا يبعدنك اللّه خلاًّ فإنّني ... سألقى كما لاقيت في الحبّ مصرعي
ثم انطلقت حتى وقفت موقفاً من عرفات، فبينا أنا كذلك، وإذا بإنسان قد تغير لونه، وساءت هيأته، فأدنى ناقته من ناقتي، ثم خالف بين أعناقهما، وعانقني وبكى، حتى اشتد بكاؤه.
فقلت: ما وراءك ؟ فقال: برح العذل، وطول المطل، ثم أنشأ يقول:
لئن كانت عديّة ذات لبّ ... لقد علمت بأن الحبّ داء
ألم تنظر إلى تغيير جسمي ... وأنّي لا يفارقني البكاء
وأنّي لو تكلّفني سواها ... لخفّ الكلم وانكشف الغطاء
وأنّ معاشري ورجال قومي ... حتوفهم الصبابة والّلقاء
إذا العذريّ مات خليّ ذرعٍ ... فذاك العبد يبكيه الرشاء
فقلت: يا أبا المسهر، إنها ساعة تضرب إليها أكباد الإبل من شرق الأرض وغربها، فلو دعوت الله تعالى، كنت مؤملاً لك أن تظفر بحاجتك.
قال: فتركني، وأقبل على الدعاء، فلما تدلت الشمس للغروب، وهم الناس أن يفيضوا، سمعته يتكلم بشيء، فأصغيت إليه، فإذا هو يقول:
يا ربّ كلّ غدوة وروحة ... من محرمٍ يشكو الضنا ولوحه
أنت حسيب الخطب يوم الدوحة
فقلت: وما يوم الدوحة ؟ فقال: والله لأخبرنك ولو لم تسألني، ثم أقبل علي، وقال: أنا رجل ذو مال من نعم وشاء، وذو المال لا يصدره القل، ولا يرويه الثماد.
وأني خشيت عام أول على مالي التلف، وقطر الغيث أرض كلب، فانتجعت أخوالاً لي منهم، فأوسعوا لي عن صدر المجلس، وسقوني جمة الماء، وكنت معهم في خير أخوال.
ثم إني عزمت على مرافقة إبلي بماء لهم، فركبت فرسي، وسمطت خلفي شراباً كان أهداه إلي بعضهم، ثم مضيت.
حتى إذا كنت قريباً من الحي ومرعى الغنم، رفعت لي دوحة عظيمة، فنزلت عن فرسي، وشددته ببعض أغصانها، وجلست في ظلها.
فبينا أنا كذلك إذ سطع غبار في ناحية الحي، ثم رفعت لي شخوص ثلاثة، ثم نظرت فإذا بفارس يطرد مسحلاً وأتاناً، فتأملته، فإذا علي درع أصفر، وعمامة خز سوداء، وإذا فروع شعره تضرب خصريه، فقلت: غلام، حديث عهد بعرس، أعجلته لذة الصيد، فترك ثوبه، ولبس ثوب امرأته.
فما كان إلا يسيراً، حتى طعن المسحل، وثنى بطعنة للأتان، فصرعهما، وأقبل راجعاً نحوي، وهو يقول:
نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرّك لأمين على نابل
فقلت: إنك تعبت، وأتعبت فرسك، فلو نزلت.
فثنى رجله، فنزل، وشد فرسه بغصن من أغصان الشجرة، وألقى رمحه، وأقبل حتى جلس، فجعل يحدثني حديثاً ذكرت به قول أبي ذؤيب:
وإنّ حديثاً منك لو تبذلينه ... جنى النحل في ألبان عوذٍ مطافل
وقمت إلى فرسي، فأصلحت من أمره، ثم رجعت وقد حسر العمامة عن رأسه، وإذا غلام كأن وجهه الدينار المنقوش.
فقلت: سبحانك اللهم، ما أعظم قدرتك، وما أحسن صنعتك ؟ فقال لي: مم ذلك ؟ فقلت: لما راعني من جمالك، وما بهرني من نورك.
فقال: وما الذي يروعك من حبيس التراب، وأكيل الدواب ؟ وما يدري أينعم بعد ذلك، أم يبتئس.
قلت: لا يصنع الله بك إلا خيراً.
ثم تحدثنا ساعة، فأقبل علي، فقال: ما الذي سمطت في سرجك ؟ قلت: شراباً، أهداه إلي بعض أهلي، فهل لك فيه من أرب ؟ فقال: أنت وذاك.
فأتيت به، فشرب منه، وجعل - والله - ينكت بالسوط أحياناً على ثناياه، فيتبين لي أثر السوط فيهن.
فقلت: مهلاً، إنني أخاف أن تكسرهن.
فقال: ولم ؟ قلت: لأنهن رقاق عذاب.
قال: ثم رفع صوته يغني:
إذا قبّل الإنسان آخر يشتهي ... ثناياه لم يأثم وكان له أجرا
فإن زاد زاد اللّه في حسناته ... مثاقيل يمحو اللّه عنه بها الوزرا
قال: ثم قام إلى فرسه، فأصلح من أمره، ثم رجع، فبرقت له بارقة تحت الدرع، فإذا ثدي كأنه حق عاج.
فقلت: ناشدتك الله: أمرأة أنت ؟

فقالت: نعم والله، إلا أنها تكره العار، وتحب الغزل، ثم جلست، فجعلت تشرب معي، وما أفقد من أنسنا شيئاً، حتى نظرت إلى عينيها، كأنهما عينا مهاة مذعورة، فوالله، ما راعني إلا ميلها تحت الدوحة سكرى.
فزين الشيطان لي - والله - الغدر، وحسنه في عيني، ثم إن الله عز وجل عصمني منه، فجلست منها حجرة.
ثم انتبهت فزعة مذعورة، فلاثت عمامتها برأسها، وجالت في متن فرسها، وقالت: جزاك الله عن الصحبة خيراً.
فقلت: ألا تزوديني منك زاداً ؟ فناولتني يدها، فقبلتها، فشممت - والله - منها ريح الشباب المطلول، فذكرت قول الشاعر:
كأنّها إذ تقضّى النوم وانتبهت ... سيّابة ما لها عين ولا أثر
فقلت: وأين الموعد ؟ فقالت: إن لي أخوة شوساً، وأباً غيوراً، ووالله، لأن أسرك، أحب إلي من أن أضرك، وانصرفت.
فجعلت أتبعها بصري حتى غابت، فهي - والله - يا ابن أبي ربيعة، أحلتني هذا المحل، وأبلغتني هذا المبلغ.
فقال: يا أبا المسهر، إن الغدر بك مع ما تذكر لمليح، فبكى، واشتد بكاؤه.
فقلت: لا تبك، فما قلت لك ما قلت إلا مازحاً، ولو لم أبلغ حاجتك إلا بمالي وروحي لسعيت في ذلك حتى أقدر عليه.
فقال لي: جزيت خيراً.
فلما انقضى الموسم، شددت على ناقتي، وشد على ناقته، ودعوت غلامي فشد على بعير له، وحملت عليه قبة من أدم حمراء، كانت لأبي ربيعة المخزومي، وحملت معي ألف دينار، ومطرف خز، وانطلقنا، حتى أتينا بلاد كلب.
فسألنا عن أبي الجارية، فوجدناه في نادي قومه، وإذا هو سيد القوم، والناس حوله، فوقفت على القوم، وسلمت، فرد الشيخ السلام.
ثم قال: من الرجل ؟ قلت: عمر بن أبي ربيعة المخزومي.
فقال: المعروف غير المنكر، فما الذي جاء بك ؟ قلت: جئت خاطباً.
قال: الكفؤ والرغبة.
قلت: إني لم آت لنفسي من غير زهادة فيك، ولا جهالة بشرفك، ولكني أتيت في حاجة ابن أختكم هذا العذري.
فقال: والله، إنه لكفي الحسب، رفيع النسب، غير أن بناتي لم ينفقن إلا في هذا الحي من قريش، فوجمت لذلك.
وعرف التغير في وجهي، فقال: إني صانع بك ما لم أصنع بغيرك.
قلت: مثلي من شكر، فما ذاك ؟ قال: أخيرها، وهي وما اختارت.
قلت: ما انصفتني، إذ تختار لغيري، وتولي الخيار غيرك.
فأشار إلي العذري، أن دعه يخيرها، قال: فأرسل إليها: أن من الأمر كذا وكذا.
فأرسلت إليه: ما كنت أستبد براي دون القرشي، والخيار في قوله وحكمه.
فقال لي: إنها قد ولتك أمرها، فاقض ما أنت قاض.
فقلت: اشهدوا أني قد زوجتها من الجعد بن مهجع، وأصدقتها هذه الألف دينار، وجعلت تكرمتها العبد، والبعير، والقبة، وكسوت الشيخ هذا المطرف، وسألته أن يبني الرجل عليها من ليلته.
فأرسل إلى أمها، فأبت، وقالت: أتخرج ابنتي كما تخرج الأمة ؟ قال الشيخ: فعجلي في جهازها.
فما برحت، حتى ضربت القبة في وسط الحريم، وأهديت إليه ليلاً، وبت أنا عند الشيخ.
فلما أصبحت، أتيت القبة، فصحت بصاحبي، فخرج إلي، وقد أثر السرور فيه.
فقلت: إيه.
فقال: أبدت - والله - كثيراً مما كانت تخفيه عني يوم لقيتها، فسألتها عن ذلك، فأنشأت تقول:
كتمت الهوى لمّا رأيتك جازعاً ... وقلت فتى بعض السرور يريد
وأن تطّرحني أو تقول فتيّةً ... يضرّ بها برح الهوى فتعود
فورّيت عمّا بي وفي داخل الحشا ... من الوجد برح فاعلمنّ شديد
فقلت: أقم على أهلك، بارك الله لك فيهم، وانطلقت، وأنا أقول:
كفيت الفتى العذريّ ما كان نابه ... وإنّي لأعباء النوائب حمّال
أما استحسنت منّي المكارم والعلى ... إذا طرحت أنّي لمالي بذّال
فقال العذري:
إذا ما أبو الخطاب خلّى مكانه ... فأفٍّ لدينا ليس من أهلها عمر
فلا حيّ فتيان الحجازين بعده ... ولا سقيت أرض الحجازين بالمطر
رضي أن يموت بعد أن يتمتع بحبيبته أسبوعاً واحداً

أخبرنا أبو الحسين محمد بن محمد بن جعفر البصري، المعروف بابن لنكك، في رسالة له، في فضل الورد على النرجس، فقال فيمن سمى بنته من سائر العرب وردة: فمنهم شرحبيل بن مسعود التنوخي، وعائد الطائي، وهي التي كان داود بن سعد التميمي عاشقاً لها، فاستقبل النعمان بن المنذر، في يوم بؤسه، وقد خرج يريدها، وهو لا يعلم بيوم النعمان.
فقال له: ما حملك على استقبالي في يوم بؤسي ؟ فقال: شدة الوجد، وقلة الصبر.
فقال: أو لست القائل ؟:
وددت وكاتب الحسنات أنّي ... أقارع نجم وردة بالقداح
على قتلي بأبيض مشرفيّ ... وكوني ليلة حتى الصباح
مع الحسناء وردة إنّ قلبي ... من الحبّ المبرّح غير صاح
فإن تكن القداح عليّ تلقى ... ذبحت على القداح بلا جناح
وإن كانت عليه بيمن جدّي ... لهوت بكاعب خود رباح
قال: نعم.
قال: فإني مخيرك إحدى اثنتين، فاختر لنفسك.
قال: ما هما أبيت اللعن ؟ قال: أخلي سبيلك، أو أمتعك سبعة أيام، ثم أقتلك.
قال: بما تمتعني ؟ قال: بوردة.
قال: قبلت الثاني.
فساق النعمان مهرها إلى عمها، وجمع بينهما، فلما انقضت الأيام، أقبل على النعمان، وهو يقول:
إليك ابن ماء المزن أقبلت بعدما ... مضت لي سبع من دخولي على أهلي
مجيء مقرٍّ لاصطناعك شاكرٍ ... مننت عليه بالكريم من الفعل
لتقضي فيه ما أردت قضاءه ... من العفو، أهل العفو، أو عاجل القتل
فإن كان عفوٌ كنت أفضل منعم ... وإن تكن الأخرى فمن حكمٍ عدل
فأحسن جائزته، وخلى سبيله، وأنشأ النعمان يقول:
لم ينل ما نال داو ... د بن سعد بن أنيس
إذ حوى من كان يهوى ... ونجا من كلّ بوس
وكذاك الطير يجري ... بسعود ونحوس
قال مؤلف هذا الكتاب: ووجدت كتاباً لأحمد بن أبي طاهر، سماه: كتاب فضائل الورد على النرجس، أكبر قدراً، وأغزر فائدة من كتاب ابن لنكك، فوجدته قد ذكر فيه هذا الخبر.
قال: وممن سمى ابنته وردة، شرحبيل بن مسعود التنوخي، وهو صاحب العين، على مسيرة يوم وليلة من تيماء اليمن.
وسليمان بن صرد، أمير الجيش الذي يقال لهم: التوابون، الذين تولوا الطلب بدم الحسين عليه السلام، وقتل عبيد الله بن زياد.
وسمى عائد الطائي بنته وردة، وهي التي كان داود بن سعد التميمي، عاشقاً لها .... وساق الخبر كما ذكره.

الورد

الورد: في اللغة، نور كل شجرة، وزهر كل نبتة، ثم اقتصر على الورد المعروف، وقد توصل الإنسان بفضل عنايته إلى إنتاجه على أشكال وألوان مختلفة، وبروائح عطرة متنوعة لسان العرب، المنجد.
وكانت عناية الإنسان بالورد، منذ أقدم الأزمان، واستعمله الأطباء دواءً، ووصفوه لكثير من الشكاة القانون في الطب لابن سينا 1 - 299 والجامع لمفردات الأدوية 4 - 189 و 190.
وذكر القاضي التنوخي، في نشوار المحاضرة 5 - 19 إنه أبصر ورداً أصفر، عد ورق الوردة منه، فكانت ألف ورقة، وإنه رأى ورداً أسود حالك اللون، وإنه رأى بالبصرة، وردة نصفها أحمر قاني الحمرة، ونصفها الآخر ناصع البياض.
وكان المتوكل يقول: أنا ملك السلاطين، والورد ملك الرياحين، فكل منا أولى بصاحبه، وحرم الورد على جميع الناس، واستبد به، وقال: إنه لا يصلح للعامة، فكان لا يرى الورد إلا في مجلسه، وكان في أيام الورد يلبس الثياب الموردة، ويفرش الفرش الموردة، ويورد جميع الآلات مطالع البدور 1 - 93 وأراد مرة أن يشرب على الورد، ولم يكن الموسم موسم ورد، فأمر، فضربت له دراهم خفيفة، مقدارها خمسة آلاف ألف درهم، ولونت بألوان الورد، ونثرت في مجلسه كما ينثر الورد، وشرب عليها الديارات 160.
وذكر التنوخي في نشوار المحاضرة، في القصة 1 - 163 إنه شاهد الوزير المهلبي اشترى في ثلاثة أيام متتابعة ورداً بألف دينار، فرشه في مجالسه، وطرحه في بركة أمامه، وشرب عليه، وذكر في القصة 1 - 164 أن أبا القاسم البريدي، شرب بالبصرة في يوم واحد على ورد بعشرين ألف درهم.

وأولم الوزير أبو الفضل الشيرازي، لمعز الدولة البويهي، وليمة في داره الكائنة على ملتقى نهري دجلة والصراة، موضعها الآن في رأس الجعيفر بالكرخ، فشد حبالاً مفتولة على وجه الماء بين الشاطئين، ثم نثر الورد بكميات غطت وجه النهر، ومنعته الحبال المعترضة من الانحدار، فاستقر في موضعه، راجع وصف الوليمة وما صرف عليها في كتاب الملح والنوادر للحصري 276 و 277.
وكان الورد يتخذ للتحيات في مجالس الشراب، بأن يقدم الساقي للنديم وردة، أو غصن آس، أو تفاحة، مما له منظر جميل، ورائحة عذبة، وقد أفرد صاحب الموشى باباً في الورد 204 - 206، وما قيل في تفضيله ومدحه من الأشعار، ثم قال: إن فضائل الورد أكثر من أن يحصى عددها، أو يبلغ أمدها، وأنه أفرد لذلك كتاباً، بوبه أبواباً، وترجمه بكتاب العقد، وشحنه بفضل الورد الموشى 206، كما ذكر أن بعض المتظرفين، كان يفضل الآس على الورد، لأن الورد موسمي، والآس دائم الخضرة، الموشى 205، قال ابن زيدون:
لا يكن عهدك ورداً ... إنّ عهدي لك آس
وأشهر أنواع الورود، الجوري، نسبة إلى جور، مدينة بفارس معجم البلدان 2 - 147 ومنه يستخرج ماء الورد.
وفي بغداد أغنية قديمة، ما زالت شائعة، تقول:
أحبّك، أحبّك ... وأحبّ كلّ من يحبّك
وأحبّ الورد جوري ... لأنّه بلون خدّك
لاحظ أن المتعارف أن يشبه خد المحبوب بالورد، أما شاعرنا العامي البغدادي، فقد عكس الوضع، وشبه الورد بوجنة المحبوب، فجاء نهاية في حسن التعبير.

إبراهيم بن سيابة يشكو فلا يجاب

أخبرني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، قال: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني عبد الله بن نصر المروزي، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الطلحي، قال: حدثنا سليمان بن يحيى بن معاذ، قال: قدم على نيسابور إبراهيم بن سيابة، يعني الشاعر البصري، الذي كان جده حجاماً، فأعتقه بعض بني هاشم، فصار مولى لهم، فأنزلته علي، فجاءني ليلة من الليالي وهو مكروب، وقد هام، فجعل يصيح بي، يا أبا أيوب ؟ فخشيت أن يكون قد غشيته بلية، فقلت له: ما تشاء ؟ فقال:
أعياني الشادن الربيب
فقلت له: ماذا يقول ؟، فقال:
اشكو إليه فلا يجيب
فقلت: داره، وداوه، فقال:
من أين أبغي شفاء دائي ... وإنّما دائي الطبيب
فقلت: فلا، إذن، إلى أن يفرج الله تعالى، فقال:
يا ربّ فرّج إذن وعجّل ... فإنّك السامع المجيب
ثم انصرف.
عزل عن الرافقة فولي دمشققال محمد بن عبدوس، في كتاب أخبار الوزراء والكتاب، أخبرني جعفر ابن أحمد، قال: حدثني أبو العباس بن الفرات، قال: حدثني محمد بن علي بن يونس، قال: لما سلمت عمل دمشق إلى أبي المغيث الرافقي، سألني أن أكتب له عليه، ففعلت، فلما تآنست أنا وهو، حدثني أول خبره في تقلد الناحية.
فقال لي: كنت قصدت عيسى بن موسى، ابن عمي، وهو يتقلد حمص، فقلدني ربع فامية، فأقمت إلى أن قدم ابن عم له، وهو أقرب إليه مني، فصرفني، فانصرفت عنه إلى الرافقة، ومعي شيء مما كسبته.
وكانت لابنة عم لي، جارية نفيسة، قد ربتها، وعلمتها الغناء، وكنت أدعوها، فألفتها، ووقعت من قلبي موقعاً عظيماً، واشتد حبي لها، فعملت على أن أبيع منزلي وأبتاعها، وناظرت مولاتها في ذلك، فحلفت أنها لا تنقص ثمنها عن ثلاثة آلاف دينار.
فنظرت، فإذا أنا أفتقر، ولا تفي حالي بثمنها، فقامت قيامتي، واشتد وجدي، وانحدرت إلى سر من رأى، أطلب تصرفاً، أو ما به شراؤها.
وكان محمد بن إسحاق الطاهري، وأبوه، يرجيان لي، فقصدت محمداً، ومعي دواب، وبقية من حالي، فأقمت عليه مدة لم يسنح لي فيها تصرف، فاشتدت بي رقة الحال، فانحدرت إلى بغداد، أقصد إسحاق بن إبراهيم الطاهري، فوردت في زورق.
وفكرت في أمري، وعلى من أنزل، فلم أثق بغير محمد بن الفضل الجرجرائي، لمودة كانت بيني وبينه، فقصدته، ونزلت عليه، ووقع ذلك منه أجل موقع، وفاتشني عن أمري، وسألني عن حالي، فذكرت له قصتي مع الجارية.
فقال: والله، لا تبرح من مجلسك حتى تقبض ثمنها، وأمر خادمه، فأحضر كيساً فيه ثلاثة آلاف دينار، وسلمت إلي، وتأبيت عليه، فحلف أيماناً مؤكدة أن أقبلها.

وقال: إن اتسعت لقضائه، واحتجت إليه، لم أمتنع من أخذه منك، فأخذت الكيس وشكرته، وتشاغلنا بالشرب.
فلما كان من الغد، أتى رسول إسحاق بن إبراهيم الطاهري يطلبني، فصرت إليه، فاحتفى به، وأكرمني، وقال: ما ظننت أنك توافي بلداً أحله، فتنزل غير داري.
فقلت: والله، ما وافيت إلا قاصداً الأمير، ولكن دوابي تأخرت، فتوقعت ورودها، لأصير إلى باب الأمير عليها.
فدعا بكتب وردت من محمد بن عبد الملك، وفيها كتاب من أمير المؤمنين المعتصم، بولايتي دمشق، وأراني كتاباً يعلمه فيه، ما جنى علي بن إسحاق من قتل رجاء بن أبي الضحاك بدمشق، وأن أمير المؤمنين رأى تقليدك، وطلبت بسر من رأى، فذكر له أنك انحدرت إلى إسحاق بن إبراهيم، فأمر بتسليم كتبك إلي، ودفع مائة ألف دينار لك معونة على خروجك، وأحضر المال، ووكل بي من يستحثني على البدار.
فورد علي من السرور ما أدهشني، وودعته، وخرجت إلى محمد بن الفضل، فعرفته ما جرى، وودعته أيضاً، وأخرجت دنانيره، فرددتها عليه، فحلف بأيمان غليظة عظيمة، لا عادت إلى ملكه أبداً.
وقال: إن جلست في عملك واتسعت، لم أمتنع أن أقبل منك غير هذا.
فشخصت، ومررت بالرافقة وابتعت الجارية، وبلغت مناي بملكها، واجتزت بحمص، بابن عمي، وأنا أجل منه عملاً، ودخلت عملي، فصنع الله سبحانه، ووسع.

أين اختبأ الأسدي

ووجدت في كتاب المتيمين للمدائني: أن رجلاً من بني أسد، علق أمرأة من همدان بالكوفة، وشاع أمرهما، فوضع قوم المرأة عليه عيوناً، حتى أخبروا أنه قد أتاها في منزلها، فأتوا دارها، واحتاطوا بها.
فلما رأت ذلك، ولم تجد للرجل مهرباً، وكانت المرأة بادنة، فقالت له: ما أرى لك موضعاً أستر لك من أن أدخلك خلف ظهري، وتلزمني، فأدخلته بينها وبين القميص، ولزمها من خلفها.
ودخل القوم، فداروا في الدار، حتى لم يتركوا موضعاً إلا فتشوه، فلما لم يجدوا الرجل، استحيوا من فعلهم، وأغلظت المرأة عليهم، وعنفتهم، فخرجوا. وأنشأ الرجل يقول:
فحبّك أشهاني وحبّك قادني ... لهمدان حتى أمسكوا بالمخنّق
فجاشت إليّ النفس أوّل مرّة ... فقلت لها لا تفرقي حين مفرقي
رويدك حتى تنظري عمّ تنجلي ... عماية هذا العارض المتألّق
جميل وبثينةذكر الهيثم بن عدي، أن جماعة من بني عذرة حدثوه: أن جميل بثينة حضر ذات ليلة عند خباء بثينة، حتى إذا صادف منها خلوة تنكر، ودنا منها، وكانت الليلة ظلماء، ذات غيم ورعد وريح.
فحذف بحصاة، فأصابت بعض أترابها، ففزعت، وقالت: ما حذفني في هذه الليلة إلا الجن.
ففطنت بثينة أن جميلاً فعل ذلك، فقالت لتربها: ألا فانصرفي يا أخية إلى منزلك حتى تنامي، فانصرفت، وبقيت مع بثينة أم الحسين - ويروى أم الجسير - بنت منظور، وكانت لا تكتمها.
فقامت إلى جميل، فأدخلته الخباء معها، وتحدثوا جميعاً، ثم اضطجعوا، وذهب به النوم حتى أصبحوا.
وجاءهم غلام زوجها بصبوح من اللبن، بعث به إليها، فرآها نائمة، ونظر جميلاً، فمضى لوجهه، حتى خبر سيده.
وكانت ليلى رأت الغلام والصبوح معه، وقد عرفت خبر جميل وبثينة، فاستوقفته كأنها تسأله عن حاله، وطاولته الحديث، وبعثت بجارية لها، وقالت: حذري جميلاً وبثينة.
فجاءت الجارية ونبهتها، فلما تبينت بثينة أن الصبح قد أضاء، والناس قد انتشروا، ارتاعت لذلك.
وقالت: يا جميل نفسك، فقد جاء غلام بعلي بصبوح من اللبن، فرآنا نائمين.
فقال جميل، وهو غير مكترث:
لعمرك ما خوّفتني من مخافة ... عليّ ولا حذّرتني موضع الحذر
وأقسم ما تلفى لي اليوم غرّة ... وفي الكفّ منّي صارم قاطع ذكر
فأقسمت عليه أن يلقي نفسه تحت النضد، وقالت: إنما أسألك خوفاً على نفسي من الفضيحة، لا خوفاً عليك، ففعل ذلك، ونامت، وأضجعت أم الحسين إلى جانبها، وذهبت خادم ليلى إليها، فأخبرتها الخبر، فتركت العبد يمضي إلى سيده، فمضى والصبوح معه، وقال له: إني رأيت بثينة مضطجعة، وجميل إلى جنبها.
فجاء زوجها إلى أخيها وأبيها، فعرفهما الخبر، وجاءوا بأجمعهم إلى بثينة، وهي نائمة، فكشفوا عنها الثوب، فرأوا أم الحسين إلى جانبها نائمة.

فخجل زوجها، وسب عبده، وقالت ليلى لأبيها وأخيها: قبحكما الله، في كل يوم تفضحان المرأة في فنائكما، ويلكما، هذا لا يجوز.
فقالا: إنما فعل هذا زوجها.
فقالت: قبحه الله وإياكما، فجعلا يسبان زوجها، وانصرفوا.
وأقام جميل تحت النضد إلى الليل، ثم ودعها وانصرف.

العمر أقصر مدة من أن يضيع في الحساب

حدثني الحسن بن صافي مولى ابن المتوكل القاضي، قال: حدثنا أبو القاسم علي بن أحمد الليثي الكاتب المعروف بابن كردويه، قال: كان لي صديق من أهل راذان، عظيم النعمة والضيعة، فحدثني، قال: تزوجت في شبابي امرأة من آل وهب، ضخمة النعمة، حسنة الخلقة والأدب، كثيرة المروءة، ذات جوار مغنيات، فعشقتها عشقاً مبرحاً، وتمكن لها من قلبي أمر عظيم، ومكث عيشي بها طيباً مدة طويلة.
ثم جرى بيني وبينها بعض ما يجري بين الناس، فغضبت علي، وهجرتني، وأغلقت باب حجرتها من الدار دوني، ومنعتني الدخول إليها، وراسلتني بأن أطلقها.
فترضيتها بكل ما يمكنني، فلم ترض، ووسطت بيننا أهلها من النساء، فلم ينجع.
فلحقني الكرب والغم، والقلق والجزع، حتى كاد يذهب بعقلي، وهي مقيمة على حالها.
فجئت إلى باب حجرتها، وجلست عنده مفترشاً التراب، وو==

  ج6. كتاب : الفرج بعد الشدة  القاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي

==ولم أعلم من أمري شيئاً، إلا أنني أفقت فلم أره، ووجدت أعضائي سالمة، ووجدت حولي من الجماجم والعظام أمراً عظيماً، فلم يزل عقلي وقوتي يثوبان إلي إلى أن قمت، ومشيت. فعثرت بشيء تأملته، فإذا هو هميان، فأخذته، وشددت به وسطي، ومشيت إلى أن بعدت عن الموضع، فوصلت إلى شبيه بوهدة، فجلست فيها، وغطيت نفسي بما أمكنني من القصب بقية ليلتي.
فلما طلعت الشمس أحسست بكلام المجتازين، وحوافر بغالهم، فخرجت وعرفتهم قصتي، وركبت بغل أحدهم.
فلما بعدت عن الأجمة، وأمنت على نفسي، فتحت الهميان، فإذا فيه رقعة بخط أبي، بأصل ما كان في الهميان من الدنانير، وبما أنفقه، فإذا هو هميان أبي الذي كان في وسطه لما افترسه السبع. فحسبت المصروف، ووزنت الباقي، فإذا هي بأزاء ما بقي من الأصل، ما نقصت شيئاً.
قال: وأخرج الهميان، وفتحه، وأخرج الرقعة، فقال أبو علي: نعم، هذا خط أبيك. وعجبت الجماعة من ذلك. نجا من الأسد وافترس مملوكه

وبلغني عن رجل من أهل الأنبار، قال: خرجت إلى ضيعة لي في ظاهر الأنبار، راكباً دابة لي، ومعي مملوك لي أسود في نهاية الشجاعة.
فلما صرنا في بعض الطريق، بالقرب من الموضع الذي أنا طالبه، إذ نشأت سحابة، فأمطرت، وكان المساء قد أدركنا، فملنا إلى قباب كانت في الطريق للسابلة، فلجأنا إليها، فقوي المطر حتى منعنا من الحركة، فأشار الغلام علي بالمبيت.
فقلت له: نخاف اللصوص ويلك.
فقال لي: تخاف وأنا معك ؟ قلت: فالسبع ؟ قال: نصير الدابة داخل القبة، وأنت تليها، وأنا عند الباب، وأشد وسطي بالحبل الذي معنا، وأشد طرفه برجلك، حتى لا يأخذني النوم، فإن جاء الأسد، أخذني دونك.
وما زال يحسن لي ذلك الرأي حتى أطعته، وملنا إلى إحدى القباب، ودخلناها، وفعل ما قال.
فوالله ما مضت قطعة من الليل، حتى جاء الأسد، فأخذ الأسود فدقه، واحتمله، وجر رجلي المشدودة معه في الحبل.
فلم يزل يجرني على الشوك والحجارة، إلى أن صار بي إلى أجمته، وأنا لا أعقل شيئاً من أمري، ولا أحس بأكثر ما يجري، ولا تمييز لي يؤدي بي إلى الاجتهاد في حل الحبل من رجلي.
ثم رمى بالأسود، وربض عليه، وما زال يأكل منه، حتى شبع، وترك ما فضل منه، وليس في من حس الحياة غير النظر فقط، ثم مضى، فنام بالقرب من مكاننا.
وبقيت زماناً على تلك الحال، ثم سكن روعي، ورجعت إلي نفسي، لطول مكث الأسد في نومه، فحللت رجلي من الحبل، وقمت أدب، فعثرت بشيء لا أدري ما هو، فأخذته، فإذا هميان ثقيل، فشددته على وسطي، وخرجت من الأجمة، وقد قارب الصبح أن يسفر.
وصرت إلى القبة التي فيها دابتي، فإذا هي واقفة بحالها، فأخرجتها، وركبتها، وانصرفت إلى منزلي، وفتحت الهميان، فوجدت فيه جملة دنانير.
فحمدت الله تعالى على السلامة وبقي الرعب في قلبي، والتألم في بدني، مدة.
الباب العاشر

فيمن اشتد بلاؤه بمرض ناله فعافاه الله سبحانه بأيسر سبب وأقاله

دعاء يشفي من الوجع

حدثني علي بن عمر بن أحمد الحافظ، من حفظه، قال: حدثنا أبو بكر النيسابوري، قال: حدثنا أبو بشر بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبد الله بن وهب أن مالكاً، أخبره عن يزيد بن خصيفة، عن عمرو بن عبد الله بن كعب السلمي عن نافع بن جبير بن مطعم، عن عثمان بن أبي العاص الثقفي، قال: شكوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعاً بي، قد كاد يبطلني، فقال لي: يا عثمان، ضع يدك عليه، وقل: بسم الله، أعوذ بعزة الله وقدرته، من شر هذا الوجع، ومن شر ما أجد وأحاذر، سبع مرات.
قال: فقلتها، فشفاني الله.
وجأ نفسه بسكين فعوفي من مرضهحدثنا أحمد بن عبد الله بن أحمد الوراق، قال: حدثنا أحمد بن سليمان الطوسي، قال: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثني محمد بن الضحاك، عن أبيه، ومحمد بن سلام عن أبي جعدة، قال: برص أبو عزة الجمحي الشاعر، فكانت قريش لا تؤاكله، ولا تجالسه، فقال: الموت خير من هذه الحياة.
فأخذ حديدة، ودخل بعض شعاب مكة، فطعن بها في معده. والمعد: موضع عقبي الراكب من الدابة.
قال أبو جعدة: فمرت الحديدة بين الجلد والصفاق، فسال منه ماء أصفر، وبرئ لوقته، فقال:
ألّلهمّ ربّ وائلٍ ونهد ... والمهمهات والجبال الجرد
قال مؤلف هذا الكتاب: والذي في كتاب الطوسي: لا هم، وهو الصواب عندي.

وربّ من يرعى بياض نجد ... أصبحت عبداً لك وابن عبد
أبرأتني من وضحٍ في جلدي ... من بعد ما طعنت في معدّي

يا قديم الإحسان لك الحمد

حدثنا أبو الحسن أحمد بن يوسف بن يعقوب بن البهلول التنوخي، قال: كان ينزل بباب الشام من الجانب الغربي من بغداد رجل مشهور بالزهد والعبادة، يقال له: لبيب العابد، لا يعرف إلا بهذا.
وكان الناس ينتابونه، وكان صديقاً لأبي، فحدثني لبيب، قال: كنت مملوكاً رومياً لبعض الجند، فرباني، وعلمني العمل بالسلاح، حتى صرت رجلاً، ومات مولاي بعد أن أعتقني.
فتوصلت إلى أن حصلت رزقه لي، وتزوجت بامرأته، وقد علم الله أنني لم أرد بذلك إلا صيانتها، فأقمت معها مدة.
ثم اتفق أني رأيت يوماً حية داخلة في جحرها، فأمسكت ذنبها، فانثنت علي، فنهشت يدي، فشلت.
ومضى على ذلك زمان طويل، فشلت يدي الأخرى، لغير سبب أعرفه، ثم جفت رجلاي، ثم عميت، ثم خرست.
وكنت على ذلك الحال - ملقىً - سنة كاملة، لم تبق لي جارحة صحيحة، إلا سمعي، أسمع به ما أكره، وأنا طريح على ظهري، لا أقدر على الكلام، ولا على الحركة، وكنت أسقى وأنا ريان، وأترك وأنا عطشان، وأهمل وأنا جائع، وأطعم وأنا شبعان.
فلما كان بعد سنة، دخلت امرأة إلى زوجتي، فقالت: كيف أبو علي، لبيب ؟ فقالت لها زوجتي: لا حي فيرجى، ولا ميت فيسلى.
فأقلقني ذلك، وآلمني ألماً شديداً، وبكيت، ورغبت إلى الله عز وجل في سري بالدعاء.
وكنت في جميع تلك العلل لا أجد ألماً في جسمي، فلما كان في بقية ذلك اليوم، ضرب علي جسمي ضرباناً عظيماً كاد يتلفني، ولم أزل على ذلك الحال، إلى أن دخل الليل وانتصف، فسكن الألم قليلاً، فنمت.
فما أحسست إلا وقد انتبهت وقت السحر، وإحدى يدي على صدري، وقد كانت طول هذه السنة مطروحة على الفراش لا تنشال أو تشال.
ثم وقع في قلبي أن أتعاطى تحريكها، فحركتها، فتحركت، ففرحت بذلك فرحاً شديداً، وقوي طمعي في تفضل الله عز وجل علي بالعافية.
فحركت الأخرى فتحركت، فقبضت إحدى رجلي فانقبضت، فرددتها فرجعت، ففعلت مثل ذلك مراراً.
ثم رمت الانقلاب من غير أن يقلبني أحد، كما كان يفعل بي أولاً، فانقلبت بنفسي، وجلست.
ورمت القيام فأمكنني، فقمت ونزلت عن السرير الذي كنت مطروحاً عليه، وكان في بيت من الدار.
فمشيت ألتمس الحائط في الظلمة، لأنه لم يكن هناك سراج، إلى أن وقعت على الباب، وأنا لا أطمع في بصري.
فخرجت من البيت إلى صحن الدار، فرأيت السماء والكواكب تزهر، فكدت أموت فرحاً.
وانطلق لساني بأن قلت: يا قديم الإحسان، لك الحمد.
ثم صحت بزوجتي، فقالت: أبو علي ؟ فقلت: الساعة صرت أبو علي ؟ أسرجي، فأسرجت.
فقلت: جيئيني بمقراض، فجاءت به، فقصصت شارباً لي كان بزي الجند.
فقالت زوجتي: ما تصنع ؟ الساعة يعيبك رفقاؤك.
فقلت: بعد هذا لا أخدم أحداً غير ربي.
فانقطعت إلى الله عز وجل، وخرجت من الدار، وطلقت الزوجة، ولزمت عبادة ربي.
وقال أبو الحسن: وخبر هذا الرجل معروف مشهور، وكانت هذه الكلمة: يا قديم الإحسان لك الحمد، صارت عادته، يقولها في حشو كلامه.
وكان يقال إنه مجاب الدعوة، فقلت له يوماً: إن الناس يقولون إنك رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في منامك، فمسح يده عليك، فبرئت.
فقال: ما كان لعافيتي سبب غير ما عرفتك.
أبرأ أبو بكر الرازي غلاماً ينفث الدم بإطعامه الطحلب
حدثني أبو الحسن محمد بن لعي الخلال البصري، أحد أبناء القضاة، قال: حدثني بعض أهل الطب الثقات: أن غلاماً من بغداد قدم الري وهو ينفث الدم، وكان لحقه ذلك في طريقه.
فاستدعى أبا بكر الرازي الطبيب المشهور بالحذق، صاحب الكتب المصنفة، فوصف له ما يجد.
فأخذ الرازي مجسه، ورأى قارورته، واستوصف حاله، منذ ابتداء ذلك به، فلم يقم له دليل على سل ولا قرحة، ولم يعرف العلة، فاستنظر الرجل ليفكر في الأمر.
فقامت على العليل قيامته وقال: هذا إياس لي من الحياة، لحذق الطبيب، وجهله بالعلة، فازداد ما به.
وولد الفكر للرازي أن عاد إليه وسأله عن المياه التي شربها في طريقه، فأخبره أنه شرب من مستنقعات وصهاريج.
فقام في نفس الرازي، لحدة الخاطر وجودة الذكاء، أن علقةً كانت في الماء وقد حصلت في معدته، وأن ذلك النفث من فعلها.

فقال له: إذا كان غداً جئتك بعلاجك، ولا أنصرف من عندك حتى تبرأ بإذن الله تعالى، ولكن بشرط أن تأمر غلمانك يطيعونني فيما آمرهم به.
قال: نعم.
وانصرف الرازي، وجمع ملء مركنين كبيرين من طحلب، وأحضرهما من غد معه، وأراه إياهما.
وقال له: أبلع جميع ما في هذين المركنين، فبلع الرجل شيئاً يسيراً، ثم وقف.
فقال له: أبلع.
فقال: لا أستطيع.
فقال للغلمان: خذوه، فنيموه، ففعلوا به ذلك، وفتحوا فاه، وأقبل الرازي يدير الطحلب في حلقه، ويكبسه كبساً شديداً ويطالبه ببلعه، شاء أو أبى، ويتهدده بالضرب، إلى أن بلع كارهاً أحد المركنين، وهو يستغيث فلا ينفعه مع الرازي شيء.
إلى ان قال له العليل: الساعة أقذف ما في بطني، فزاد الرازي فيما يكبسه في حلقه.
فذرعه القيء، فقذف، فتأمل الرازي قذفه، فإذا فيه علقة، وإذا بها لما وصل إليها الطحلب، دبت إليه بالطبع، وتركت موضعها، فلما قذف العليل، خرجت مع الطحلب، ونهض العليل معافى.

أصيب بوجع في المعدة وشفاه لحم جرو سمين

وحكى الحسن بن محمد السطوي، غلام كان يخدم أبي رحمه الله، قال: حدثني أبو الحسن علي بن الحسن الصيدلاني البناتاذري، خليفة القاضي أبي القاسم علي بن محمد التنوخي على القضاء ببناتاذر، قال: كان عندنا بسوق الأربعاء، من بناتاذر، غلام حدث من أولاد التناء، لحقه وجع في معدته شديد، بلا سبب يعرفه، وكانت تضرب عليه في أكثر الأوقات ضرباناً عظيماً، حتى كاد يتلف، وقل أكله، ونحل جسمه.
فحمل إلى الأهواز، فعولج بكل شيء، فما نجع فيه دواء، فرد إلى بيته وقد يئس منه.
فاستدعى والده طبيباً حاذقاً، وأراه ولده، فقال له الطبيب: أقعد وأشرح لي حالك، منذ حال الصحة، فشرحها.
وطاوله في الحديث، إلى أن قال له العليل: إني دخلت بستاناً لنا، وكان في بيت البقر منه، رمان كثير، قد جمع للبيع، فأكلت منه رمانات عدة.
فقال له الطبيب: كيف كنت تأكل ؟ قال: كنت أعض رأس الرمانة بفمي، وأرمي به، وأكسرها، وآكلها، قطعاً قطعاً.
فقال له الطبيب: في غد أعالجك، وتبرأ بإذن الله تعالى، وخرج.
فلما كان من الغد، جاءه بقدر إسفيذباج، قد طبخها بلحم جرو سمين، وقال للعليل: كل هذا.
فقال: ما هو ؟ قال: إذا أكلت عرفتك.
قال: فأكل العليل.
فقال له الطبيب: أمتل من الطعام، ففعل، ثم أطعمه بطيخاً كثيراً، ثم تركه ساعة، وسقاه فقاعاً قد خلط بماء حار وشبث.
ثم قال: أتدري أي شيء أكلت ؟ قال: لا أدري.
قال: أكلت لحم كلب، فحين سمع الغلام ذلك، اندفع فقذف جميع ما في بطنه.
فأمر الطبيب بعينيه ورأسه فأُمسكا، وأقبل يتأمل القذف، إلى أن طرح الغلام شيئاً أسود، كالنواة الكبيرة، يتحرك.
فأخذه الطبيب، وقال له: ارفع رأسك، فقد برئت، وفرج الله تعالى عنك.
فرفع الغلام رأسه، وانقطع القذف، وسقاه الطبيب شيئاً يقطع الغثيان، وصب على رأسه ماء ورد، وسكن نفسه، ثم أخذ ذلك الشيء الذي يشبه النواة، فأراه إياه، فإذا هو قراد.
وقال له: إني قد زكنت أن الموضع الذي كان فيه الرمان، كان فيه قردان من البقر، وأنه قد دخلت واحدة منهن في رأس إحدى الرمانات التي اقتلعت رؤوسها بفيك، فنزل القراد إلى حلقك، وعلق بمعدتك يمتصها.
وعلمت أن القراد يهش إلى لحم الكلب، فأطعمتك إياه، وقلت: إن صح ظني، فسيتعلق القراد بلحم الكلب، تعلقاً يخرج معه إن قذفت، فتبرأ، وإن لم يكن ما ظننت صحيحاً، فما يضرك من أكل لحم الكلب.
فلما أحب الله تعالى من عافيتك صح حدسي، فلا تعاود بعد هذا إدخال شيء في فيك لا ترى ما فيه.
وبريء الغلام، وصح جسمه.
ذكاء طبيب أهوازيوحدثنا الحسن غلامنا، عن ابن الصيدلاني هذا، قال: كان لي أكار حدث، فانتفخ ذكره انتفاخاً عظيماً واحمر، وضرب عليه ضرباناً شديداً، فلم يكن ينام الليل، ولا يهدأ النهار، وعولج فلم يكن إلى برئه سبيل.
قال: فجاء مطبب من الأهواز، يريد البصرة، فسألته أن ينظر إليه.
فقال لي: قل له يصدقني عن خبره في أيام صحته، وإلى الآن، قال: فحدثه.
فقال له: ما صدقتني، ومالي إلى علاجك سبيل، إلا أن تصدقني.
فقال لي الغلام: إن صدقتك يا أستاذ، فأنا آمن من جهتك على نفسي ؟ قلت: نعم.
فقال: أنا غلام حدث، وعزب، فوطئت حماراً لي في الصحراء ذكراً.

فقال له الطبيب: الآن علمت أنك قد صدقت، والساعة تبرأ.
ثم أمر به فأُمسك إمساكاً شديداً، وأخذ ذكره بيده، فجسه جساً شديداً، والغلام ساكت.
إلى أن جس منه موضعاً، فصاح الغلام، فأخذ الطبيب خيط إبريسم، فشد الموضع شداً شديداً، ولم يزل يمرخ إحليل الغلام بيده، ويسلته، إلى أن ندت منه حبة شعير من نقب ذكر الغلام، وقد كبرت وجرحت الموضع، فسال منه شيء يسير كماء اللحم.
فأعطاه مرهماً، وقال له: استعمل هذا أياماً فإنك تبرأ، وتب إلى الله تعالى من هذا الفعل.
فاستعمل الغلام ذلك المرهم، فبرئ.

شج رأسه فمرض ثم شج بعدها فصلح

وحدثني أبو عبد الله الحسين بن محمد بن عبيد الله الدقاق، المعروف بابن العسكري، شيخ مجرب ثقة، كان ينزل في درب الشاكرية من نهر المعلى، في الجانب الشرقي من بغداد، في المذاكرة، قال: كان أبي إذا جلس يفتش في دفاتره، وأنا صبي، أجيء فآخذ منها الشيء بعد الشيء، استحسنه، فألعب به.
وكنت أرى في دفاتره دفتراً فيه خطوط حمر، فأستحسنه وأطلبه فيمنعني منه، حتى بلغت مبلغ الرجال.
فجلس يوماً يفتش كتبه، فرأيت الدفتر، فأغفلت أبي وأخذته، ففتحته أقرؤه، فإذا هو مولدي، وقد عمله بعض المنجمين.
فوجدت فيه، أنني إذا بلغت أربعاً وثلاثين سنة، كان علي فيها قطع.
فالتفت أبي فرأى الدفتر معي، فصاح وأخذه مني، ونظر إلى أي موضع بلغت، فتوقف وأخذ يضعف ذلك في نفسي لئلا أغتم.
ومضت السنون، فلما بلغت السنة التي ذكرها المنجم، ركبت مهراً لي، وخرجت من دار الضرب، وأبي فيها، وكان إليه العيار، فبلغت إلى ساباط بدرب سيما، بدرب الديزج.
فنفر المهر من كلب كان في الطريق رابضاً، فضرب رأسي حائطاً كان في الساباط، فوقعت عن المهر مغشياً علي.
ثم حملت إلى دار الضرب، وأحضر طبيب، وقد انتفخ موضع الضربة من رأسي إنتفاخاً عظيماً، فأشار بفصدي، ففصدت فلم يخرج لي دم.
فحملت إلى بيتنا، ولم أشك في أني ميت لشدة ما لحقني، فاعتللت، وضعفت نفسي خوفاً مما ذكرته من حكم المنجم.
فكنت يوماً جالساً مستنداً إلى سرير، وقد أيست من الحياة، إذ حملتني عيناي، فخفق رأسي، فضرب درابزين السرير، فشج الموضع المنتفخ، فخرج منه أرطال دم، فخف ما بي في الحال، فصلحت، وبرئت، وعشت إلى الآن.
وكان له يوم حدثني بهذا الحديث أربعاً وثمانين سنة وشهور، على ما أخبرني.
القطيعي الطبيب وذكاؤه ومكارم أخلاقهوحدثني أبو الحسن علي بن أبي محمد الحسن بن محمد الصلحي الكاتب، قال: رأيت بمصر طبيباً مشهوراً يعرف بالقطيعي، وكان يقال: إنه يكسب في كل يوم ألف درهم، من جرايات يجريها عليه قوم من رؤساء العسكر، ومن السلطان، وما يأخذه من العامة.
قال: وكان له دار قد جعلها شبه البيمارستان، من جملة داره، يأوي إليها ضعفاء الأعلة، يعالجهم، ويقوم بأودهم وأدويتهم، وأغذيتهم، وخدمتهم، وينفق أكثر كسبه في ذلك.
قال أبو الحسن: فأسكت بعض فتيان الرؤساء بمصر - وأسماه لي فذهب عني اسمه - وكنت هناك، فحمل إليه أهل الطب، وفيهم القطيعي، فأجمعوا على موته، إلا القطيعي، وعمل أهله على غسله ودفنه.
فقال القطيعي: دعوني أعالجه، فإن برئ، وإلا فليس يلحقه أكثر من الموت الذي أجمع هؤلاء عليه.
فخلاه أهله معه، فقال؛ هاتم غلاماً جلداً ومقارع، فأتي بذلك.
فأمر به فمد، وضرب عشر مقارع من أشد الضرب، ثم جس مجسه، وضربه عشراً أخرى شديدة أيضاً، ثم جس مجسه، وضربه عشراً أخرى.
ثم جس مجسه، وقال للطب: أيكون للميت نبض يضرب ؟ فقالوا: لا.
قال: فجسوا نبض هذا.
فجسوه، فإذا به يتحرك، فضرب عشر مقارع أخرى، فصاح.
فقطع الضرب عنه، فجلس العليل يجس بدنه، ويتأوه، وقد ثابت إليه قوته.
فقال له الطبيب: ما تجد ؟ قال: أنا جائع.
قال: أطعموه الساعة، فجاءوه بما أكله، وقمنا وقد رجعت قوته، وبرئ.
فقال له الطب: من أين لك هذا ؟ قال: كنت مسافراً في قافلة فيهم أعراب يخفروننا، فسقط منهم فارس عن فرسه، فأسكت، فعمد شيخ منهم إليه، فضربه ضرباً عظيماً، فما رفع عنه الضرب حتى أفاق، فعلمت أن ذلك الضرب جلب عليه حرارة أزالت سكتته.
فقست عليه أمر هذا العليل.
مريض بالاستسقاء تشفيه أكلة جراد

حدثني بعض المتطببين بالبصرة، قال: حدثنا أبو منصور بن مارية، كاتب أبي مقاتل صالح بن مرداس الكلابي، أمير حلب، وكان أبو منصور من رؤساء أهل الصراة الذين يضربون المثل بنعمتهم وترفههم، وكان ثقة أديباً، وقد شاهدته أنا، ولم أسمع منه هذه الحكاية، قال: أخبرني أحد شيوخنا، قال: كان بعض أهلنا قد استسقى، فأيس من حياته، وحمل إلى بغداد، فشوور أهل الطب فيه، فوصفوا له أدوية كثاراً، فعرفوا أنه قد تناولها بأسرها، فلم تنجع، فأيسوا منه، وقالوا: لا حيلة لنا في برئه.
فلما سمع العليل ذلك، قال لمن معه: دعوني الآن أتزود من الدنيا، وآكل ما أشتهي، ولا تقتلوني قبل أجلي بالحمية.
فقالوا: كل ما تريد.
فكان يجلس على دكان بباب الدار، ومهما رأى ما يجتاز به على الطريق، شراه، وأكله.
فمر به رجل يبيع جراداً مطبوخاً، فاشترى منه عشرة أرطال، وأكلها بأسرها.
فلما كان بعد ساعة، أنحل طبعه، وتواتر قيامه، حتى قام في ثلاثة أيام أكثر من ثلثمائة مجلس، وضعف، وكاد يتلف.
ثم انقطع القيام، وقد زال كل ما في جوفه، وعادت بطنه إلى حالها في الصحة، وثابت إليه قوته، وبرئ.
فخرج برجليه في اليوم الخامس، يتصرف في حوائجه، فرآه أحد الطب، فعجب من أمره، وسأله عن الخبر، فعرفه.
فقال: ليس من شأن الجراد أن يفعل هذا، ولا بد أن يكون في الجراد الذي فعل هذا خاصية، فأحب أن تدلني على الذي باعك الجراد، فلم يزالوا في طلبه حتى وجدوه.
فقال له الطبيب: من أين لك هذا الجراد ؟ فقال: أنا أصيده، وأجمع منه شيئاً كثيراً، وأطبخه، وأبيعه.
فقال: من أين تصيده ؟ فذكر قرية بالقرب من بغداد.
فقال له الطبيب: أعطيك ديناراً، وتدع شغلك، وتجيء معي إلى الموضع.
قال: نعم، فخرجا وعاد الطبيب من غد، فذكر أنه رأى الجراد يرعى في صحراء أكثر نباتها حشيشة يقال لها: مازريون، وهي دواء الاستسقاء.
وإذا دفع إلى العليل منها وزن درهم، أسهله إسهالاً يزيل الإستسقاء، ولكن لا يؤمن أن لا ينظبط، ولا يقف، فيقتله الذرب، والعلاج بها خطر جداً، وهي مذكورة في الكتب الطبية، ولكنها لفرط خطرها لا يصفها الأطباء، فلما وقع الجراد على هذه الحشيشة، وانطبخت في معدته، ثم طبخ الجراد، ضعف فعلها بطبخين اجتمعا عليها، وقضى أن تناولها هذا بالاتفاق، وقد تعدلت بمقدار ما يدفع طبعه دفعاً لا ينقطع، فبرأ.

مريض بالاستسقاء يبرأ بعد أن طعم لحم أفعى

وحدثنا أبو الحسن محمد بن طرطى الواسطي، قال: سمعت أبا علي عمر بن يحيى العلوي الكوفي، قال: كنت في بعض حججي في طريق مكة، فاستسقى رجل كان معنا من أهل الكوفة، وثقل في علته.
وسل الأعراب قطاراً من القافلة كان هذا العليل على جمل منه، ففقد، وجزعنا عليه، وعلى القطار، وكنا راجعين إلى الكوفة.
فلما كان بعد مدة، جاء العليل إلى داري معافىً، فسألته عن قصته وسبب عافيته.
فقال: إن الأعراب لما سلوا القطار، ساقوه إلى محلهم، وكان على فراسخ يسيرة من المحجة، فأنزلوني، ورأوا صورتي، فطرحوني في أواخر بيوتهم.
وتقاسموا ما كان في القطار، فكنت أزحف وأتصدق من البيوت ما آكله، وتمنيت الموت، وكنت أدعو الله تعالى به أو بالعافية.
فرأيتهم يوماً وقد عادوا من ركوبهم، وأخرجوا أفاعي قد اصطادوها، فقطعوا رؤوسها وأذنابها، واشتووها، وأكلوها.
فقلت: هؤلاء يأكلون هذه فلا تضرهم بالعادة التي قد مرنوا عليها، ولعلي إذا أكلت منها شيئاً أن أتلف فأستريح مما أنا فيه.
فقلت لبعضهم: أطعمني من هذه الحيات، فرمى إلي واحدة منها مشوية، فيها أرطال، فأكلتها بأسرها، وأمعنت، طلباً للموت، فأخذني نوم عظيم، فانتبهت وقد عرقت عرقاً عظيماً، فاندفعت طبيعتي، فقمت في بقية يومي وليلتي أكثر من مائة مجلس، إلى أن سقطت طريحاً وجوفي يجري.
فقلت: هذا طريق الموت، فأقبلت أتشهد، وأدعو الله تعالى بالرحمة والمغفرة.
فلما أضاء الصبح، تأملت بطني، فإذا هي قد ضمرت جداً، وزال عنها ما كان بها، فقلت: أي شيء ينفعني هذا، وأنا ميت ؟ فلما أضحى النهار، انقطع القيام، ووجبت صلاة الظهر، فلم أحس بقيام، وجعت، فجئت لأزحف على العادة، فوجدت بدني خفيفاً، وقوتي صالحة، فتحاملت ومشيت، وطلبت منهم مأكولاً فأطعموني، وقويت، وبت في الليلة الثانية معافىً لا أنكر شيئاً من أمري.

فأقمت أياماً، إلى أن وثقت من نفسي بأني إن مشيت نجوت، فأخذت الطريق مع بعضهم، إلى أن صرت على المحجة، ثم سلكتها، منزلاً، منزلاً، إلى الكوفة مشياً.

القاضي أبو الحسين بن أبي عمر يحزن لموت يزيد المائي

حدثني أبو الفضل محمد بن عبد الله بن المرزبان الشيرازي الكاتب: قال: حدثني أبو بكر الجعابي الحافظ، قال: دخلت يوماً على القاضي أبي الحسين بن أبي عمر، وهو مغموم، فقلت: لا يغم الله قاضي القضاة، ما هذا الحزن الذي أراه به ؟ قال: مات يزيد المائي.
فقلت: يبقي الله قاضي القضاة، ومن يزيد المائي، حتى إذا مات اغتم عليه قاضي القضاة، هذا الغم كله ؟ فقال: ويحك، مثلك يقول هذا في رجل كان أوحد زمانه في صناعته، وقد مات وما ترك أحداً يقاربه في حذقه، وهل فخر البلدان إلا بكثرة رؤساء الصنائع، وحذاق أهل العلوم فيها ؟ فإذا مضى رجل لا مثيل له في صناعة لا بد للناس منها، فهل يدل هذا إلا على نقصان العالم وانحطاط البلدان.
ثم أقبل يعدد فضائله، والأشياء الطريفة التي عالج بها، والعلل الصعبة التي زالت بتدبيره، فذكر من ذلك أشياء كثيرة، منها: قال: أخبرني منذ مدة رجل من جلة أهل البلد، أنه كان حدث بابنة له علة طريفة، فكتمت أمرها، ثم أطلع عليها أبوها، فكتمها هو مديدة، ثم انتهى أمر البنت إلى حد الموت.
قال: وكانت العلة، أن فرج الصبية كان يضرب عليها ضرباناً عظيماً لا تنام معه الليل ولا النهار، وتصرخ أعظم صراخ، ويجري في خلال ذلك منه دم يسير كماء اللحم، وليس هناك جرح يظهر، ولا ورم.
قال: فلما خفت المأثم، أحضرت يزيد، فشاورته.
فقال: أتأذن لي في الكلام، وتبسط عذري فيه.
فقلت له: نعم.
قال: لا يمكنني أن أصف لك شيئاً، دون أن أشاهد الموضع بعيني، وأفتشه بيدي، وأسائل المرأة عن أسباب لعلها كانت الجالبة للعلة.
قال: فلعظم الصورة، وبلوغها حد التلف، أمكنته من ذلك.
فأطال المسائلة، وحدثها بما ليس من جنس العلة، بعد أن جس الموضع من ظاهره، وعرف بقعة الألم، حتى كدت أن أثب به، ثم صبرت، ورجعت إلى ما أعرفه عن سيرته، فصبرت على مضض.
إلى أن قال: تأمر من يمسكها، ففعلت.
فأدخل يده في الموضع دخولاً شديداً، فصاحت الجارية، وأغمي عليها، وانبعث الدم، وأخرج يده وفيها حيوان أقل من الخنفساء، فرمى به.
فجلست الجارية في الحال، وقالت: يا أبة، استرني، فقد عوفيت.
فأخذ يزيد الحيوان بيده، وخرج من الموضع، فلحقته، فأجلسته.
وقلت: أخبرني ما هذا ؟ فقال: إن تلك المسائلة التي لم أشك من أنك أنكرتها، إنما كانت لأطلب دليلاً أستدل به على سبب العلة.
إلى أن قالت لي الصبية: إنها في يوم من الأيام، جلست في بيت دولاب البقر، في بستان لكم، ثم حدثت العلة بها، من غير سبب تعرفه، في غد ذلك اليوم.
فتخيلت أنه قد دب في فرجها من القراد الذي يكون على البقر - وفي بيوت البقر قراد - قد تمكن من أول داخل الفرج، فكلما امتص الدم من موضعه ولد الضربان، وأنه إذا شبع، خف الضربان، لانقطاع مصه، ونقط من الجرح الذي يمتص منه إلى خارج الفرج.
فقلت: أُدخل يدي، وأفتش.
فأدخلت يدي، فوجدت القراد كما حدست، فأخرجته، وهذا هو الحيوان، وقد تغيرت صورته لكثرة ما امتص من الدم، مع طول الأيام.
قال: فتأملنا الحيوان، فإذا هو قراد، وبرئت المرأة.
قال مؤلف هذا الكتاب: ولم يذكر القاضي أبو الحسين في كتابه هذا الخبر، ولعله اعتقد أنه مما لا يجب إدخاله فيه.
زمنة مقعدة يشفيها الحنظلحدثني المؤمل بن يحيى بن هارون، شيخ نصراني يكنى بأبي نصر، كان ينزل بباب الشام، رأيته في سنة خمسين وثلثمائة، قال: حدثني قرة بن السراج العقيلي، وكان ينزل، إذا جاء من البادية، بشارع دار الرقيق بالقرب من درب سليمان، قال: كان عندنا بالبادية، جارية بالغ، زمنة، مقعدة سنين، ومن عادتنا أن نأخذ الحنظل فنقور رؤوسه، ونملأه باللبن الحليب، ونرد على كل واحدة رأسها، وندفنها في الرماد الحار، حتى تغلي، فإذا غلت، حسا كل واحد منا من الحنظلة ما في رأسها من اللبن، فتسهله، وتصلح بدنه.
قال: وقد كنا أخذنا في سنة من السنين، ثلاث حناظل، لثلاثة أنفس، يشربونها، وجعلنا اللبن فيها على الصفة المارة، فرأتها الجارية الزمنة.

فلتبرمها من الحياة، وضجرها من الزمانة، خالفتنا إلى الحناظل الثلاث، فحستها كلها، وعلمنا بذلك بعد أن رأينا من قيامها ما جزعنا منه، وأيسنا من حياتها، وخشينا أن تعدينا، فأبعدناها عن البيوت.
فلما كان الليل، انقطع قيامها، فمشت برجلها إلى أن عادت إلى البيوت لا قلبة بها، وعاشت بعد ذلك سنين، وتزوجت، وولدت.
اشترى الرشيد لطبيبه ضياعاً غلتها ألف ألف درهم
وحدث جبريل بن بختيشوع، قال: كنت مع الرشيد، بالرقة، ومعه المأمون ومحمد، وكان الرشيد رجلاً كثير الأكل والشرب، فأكل في بعض الأيام أشياء خلط فيها، ودخل المستراح، فغشي عليه فيه.
فأخرج وقد قوي عليه الغشي، حتى لم يشك غلمانه في موته، وحضر ابناه، وشاع عند الخاصة والعامة خبره.
وأرسل إلي، فجئت، فجسست عرقه، فوجدت نبضاً خفيفاً، وأخذت عرقاً في رجله فكان كذلك، وقد كان قبل ذلك بأيام يشكو امتلاءً وحركة الدم.
فقلت لهم: إنه لم يمت، والصواب أن يحجم الساعة.
فقال كوثر الخادم، لما يعرف من أمر الخلافة وإفضائها إلى صاحبه محمد: يا ابن الفاعلة، تقول أحجموا رجلاً ميتاً ؟ لا يقبل قولك ولا كرامة.
فقال المأمون: الأمر قد وقع، وليس يضر أن نحجمه.
وأحضر الحجام، فتقدمت، وقلت له: ضع محاجمك، ففعل، فلما مصها رأيت الموضع قد احمر، فطابت نفسي بذلك، وعلمت أنه حي.
فقلت للحجام: أشرط، فشرط، فخرج الدم، فسجدت شكراً لله تعالى، وجعل كلما خرج الدم، تحرك رأسه، وأسفر لونه، إلى أن تكلم.
فقال: أين أنا ؟ فطيبت نفسه، وغديناه بصدر دراج، وسقيناه نبيذاً، وما زلت أسعطه بالطيب في أنفه، حتى تراجعت إليه قوته، وأدخل الخاصة والقواد إليه، فسلموا عليه من بعد، لما كان قد شاع من خبره، ثم تكاملت قوته، ووهب الله له العافية.
فلما برأ من علته، دعا صاحب حرسه، وحاجبه، وصاحب شرطته، فسأل صاحب الحرس عن غلته في كل سنة، فعرفه أنها ألف ألف درهم، وسأل صاحب شرطته عن غلته، فعرفه أنها خمسمائة ألف درهم.
ثم قال: يا جبريل: كم غلتك ؟ فقلت: خمسون ألف درهم.
فقال: ما أنصفناك، حيث غلات هؤلاء وهم يحرسوني، ويحجبوني عن الناس، على ما هي عليه، وتكون غلتك ما ذكرت، وأمر بإقطاعي ما قيمته ألف ألف درهم.
فقلت: يا سيدي مالي حاجة إلى الإقطاع، ولكن تهب لي ما أشتري به ضياعاً غلتها ألف ألف درهم، ففعل، وتقدم بمعاونتي على أبتياعها.
فابتعت بهباته، وجعالاته، ضياعاً غلتها ألف ألف درهم، فجميع ما أمتلكه ضياع لا إقطاع فيها.

الحجامة

الحجامة، استخراج الدم من قفا العنق، أسفل القذال، بالمحجم، بأن يشرط الحجام القفا بموساه، ثم يضع المحجم، وهو أداة كالكأس، فيمتص الدم، ويجتذبه، والحجامة من الطب القديم، وهي أحد ثلاثة أشياء كان الأطباء القدماء يوصون بها في كل سنة، وهي: الحجامة، والفصد، وتناول المسهل، وكان الناس يعتبرون القيام بهذه الثلاثة من الواجبات، ويكون تحت إشراف الطبيب، ويحتفلون بذلك، وإذا احتجم الإنسان، أو افتصد، أو تناول مسهلاً، جاءته الهدايا من أصحابه ومعارفه، وقد أفرد الشيخ الرئيس، ابن سينا، في كتابه القانون، فصلاً للحجامة، أثبت فيه شروطها، وكيفية إجرائها ح 1 - 212 - 213 وفصلاً للفصد ح 1 - 204 - 212، وفصلاً في المسهلات ح 1 - 196 - 200، ومن الطريف أن نذكر أن جهل الأطباء في الماضي بأصول التعقيم، كان يؤدي، في بعض الأحيان إلى إصابة من يفصدونه، إصابة قد تؤدي إلى وفاته، فيتعرض الطبيب للتهمة بأنه قد سم المبضع الذي أجرى به الفصد، ويكون ذلك سبباً لقتله، وللتخلص من هذه التهمة، أصبح الطبيب ملزماً بأن يضع المبضع في فمه، ويمتصه، قبل إجراء الفصد، ثم يمسحه بلحيته، ويقوم بالفصد، فكانت النتيجة، أن زادت نسبة الإصابات، وتعرض الطبيب للاتهام بأنه قد وضع السم في لحيته، وقد أودت هذه التهم بحياة كثير من الأطباء الأبرياء.
لسعته عقرب فعوفيوحدثني أبو جعفر طلحة بن عبيد الله بن قناش الطائي، الجوهري، البغدادي، قال: كان في درب مهرويه، بالجانب الشرقي ببغداد، قديماً، رجل من كبراء الحجرية، وكان متشبباً بغلام من غلمانه، رباه صغيراً.
فاعتل الغلام علة من بلسام، وهو الذي تسميه العامة: البرسام، فبلغ إلى درجة قبيحة، وزال عقله.

فتفرقوا عنه يوماً، وهو في موضع فيه خيش، ووكلوا صبياً بمراعاته، فسمعوا صياح الفتى الموكل به، فبادروا إليه.
فقال: أنظروا إلى ما قد أصابه.
فإذا عقرب قد نزل من المسند على رأس العليل، فلسعته في عدة مواضع، فإذا به قد فتح عينيه وهو لا يشكو ألماً.
فسألوه عن حاله، فطلب ما يأكل، فأطعموه، وبرأ.
فلاموا طبيبه، فقال: علام تلومونني، لو أمرتكم أن تلسعوه بعقرب، أكنتم تفعلون ؟

ابرأته مضيرة لعقت فيها أفعى

حدثني أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد الرازي، المعروف بابن حمدون، قال: حدثني أبو بكر أحمد بن علي الرازي الفقيه رحمه الله، قال: سمعت أبا بكر بن قارون الرازي، وكان تلميذاً لأبي بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب، قال أبو بكر بن حمدون: وقد رأيت هذا الرجل بالري، وكان يحسن علوماً كثيرة، منها الحديث، ويرويه، ويكتبه الناس عنه، ويوثقونه، ولم أسمع هذا منه، قال المؤلف رحمه الله: ولم يتهيأ لي مع كثرة ملاقاتي أبا بكر الرازي الفقيه رحمه الله، أن أسمع هذا الخبر منه، قال ابن قارون: حدثنا أبو بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب، بعد رجوعه من عند أمير خراسان، لما استدعاه ليعالجه من علة صعبة، قال: اجتزت في طريقي إلى نيسابور، ببسطام، وهي النصف من طريق نيسابور إلى الري.
قال: فاستقبلني رئيسها، فأنزلني داره، وخدمني أتم خدمة وسألني أن أقف على ابن له به استسقاء.
فأدخلني إلى دار قد افردها له، فشاهدت العليل، ولم أطمع في برئه، فسألني أبوه عن السر في حاله، فصدقته، وآيسته من حياة أبنه.
وقلت له: مكنه من شهواته، فإنه لا يعيش.
ثم خرجت إلى خراسان، فأقمت بها سنة كاملة، وعدت، فاستقبلني الرجل أبو الصبي فلم أشك في وفاته، وتركت مساءلته عن ابنه، فإني كنت نعيته إليه، وخشيت من تثقيلي عليه، فأنزلني داره، ولم أجد عنده ما يدل على ذلك، وكرهت مسائلته عن أبنه لئلا أجدد عليه حزناً.
فقال لي بعد أيام: تعرف هذا الفتى ؟ وأومأ إلى شاب حسن الوجه والسحنة، صحيح البدن، كثير الدم والقوة، قائم مع الغلمان يخدمنا.
فقلت: لا.
فقال: هذا ابني الذي آيستني منه عند مضيك إلى خراسان.
فتحيرت، وقلت له: عرفني سبب برئه.
فقال: إنه كان بعد قيامك من عندي، فطن أنك آيستني منه.
فقال لي: لست أشك أن هذا الرجل - وهو أوحد زمانه في الطب - قد آيسك مني، والذي أسألك، أن تمنع هؤلاء، يعني غلماني الذين كنت قد أخدمته إياهم، فإنهم أترابي، وإذا رأيتهم معافين، وقد علمت أني ميت، تجدد على قلبي الهم والمرض، حتى يعجل لي الموت، فأرحني من هذا بأن لا أراهم، وأفرد لخدمتي دايتي.
ففعلت ما سأل، وكان يحمل إلى الداية في كل يوم ما تأكله، وكانت الداية تأتيه بما يطلب من غير حمية.
فلما كان بعد أيام يسية، حمل إلى الداية مضيرةً لتأكل منها، فتركتها بحيث يقع عليها نظر ابني، ومضت في شغل لها.
فذكرت بعد أن عادت، أن ابني قد نهاها عن أكل ما في الغضارة، ووجدتها قد ذهب كثير مما كان فيها، وبقي بعضه متغير اللون.
قالت: فقلت له: ما السبب ؟ فقال: رأيت أفعى عظيمة قد خرجت من موضع ودبت إليها وأكلت منها ثم قذفت فيها، فصار لونها كما ترين، فقلت: أنا ميت، وهوذا يلحقني ألم شديد، ومتى أظفر بمثل هذا ؟ وجئت، فأكلت من الغضارة ما استطعت، لأموت عاجلاً وأستريح، فلما لم أستطع زيادة أكل رجعت حتى جئت إلى فراشي، وجئت انت.
قالت: ورأيت أنا المضيرة على يده وفمه فصحت.
فقال: لا تعلمي أبي شيئاً، وأدفني الغضارة بما فيها، لئلا يأكلها إنسان فيموت، أو حيوان فيلسع إنساناً فيقتله، ففعلت ما قال، وخرجت إليك.
قال: فلما عرفتني ذلك، ذهب علي أمري، ودخلت إلى ابني، فوجدته نائماً.
فقلت: لا توقظيه، حتى ننظر ما يكون من أمره.
فأتيته آخر النهار، وقد عرق عرقاً شديداً، وهو يطلب المستحم، فأنهضناه إليه، فاندفع بطنه، فقام من ليلته، ومن غده، أكثر من مائة مجلس، فازداد يأسنا منه، وقل القيام، إلا أنه استمر أياماً، ثم انقطع القيام، وقد صار بطنه مثل بطون الأصحاء، فطلب فراريج، فأكل، إلى أن صار كما ترى.

فعجبت من ذلك، وذكرت أن الحكماء الأوائل قالت: إن المستسقي إذا أكل من لحم حية عتيقة مزمنة لها مئون سنين، برأ، ولو قلت لك، إن هذا علاجه، لظننت أني أدافعك، ومن أين يعلم كم عمر الحية إذا وجدت، فسكت عنها.

الباب الحادي عشر

من امتحن من اللصوص بسرق أو قطع

فعوض من الارتجاع والخلف بأجمل صنع

قاطع طريق يرد على القافلة ما أخذ منها

حدثني علي بن شيراز بن سهل القاضي بعسكر مكرم رحمه الله، قال: حدثني أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبي ابن بنت ابن المدبر، ببغداد، قال: حدثني محمد بن علي، قال: حدثني الحسن بن دعبل بن علي الشاعر الخزاعي، قال: حدثني أبي قال: لما قلت:
مدارس آيات خلت من تلاوة
قصدت بها أبا الحسن علي بن موسى الرضا، وهو بخراسان، ولي عهد المأمون، فوصلت إليه، وأنشدته إياها، فاستحسنها، وقال: لا تنشدها أحداً حتى آمرك.
واتصل خبري بالمأمون، فأحضرني، وسألني عن خبري، ثم قال لي: يا دعبل، أنشدني: مدارس آيات خلت من تلاوة.
فقلت: لا أعرفها يا أمير المؤمنين.
فقال: يا غلام، أحضر أبا الحسن علي بن موسى، فلم يكن بأسرع من أن حضر.
فقال له: يا أبا الحسن، سألت دعبلاً من مدارس آيات فذكر أنه لا يعرفها.
فالتفت إلي أبو الحسن، وقال: أنشده يا دعبل.
فأنشدت القصيدة، ولم ينكر المأمون ذلك، إلى أن بلغت إلى بيت فيها، وهو:
وآل رسول اللّه هلبٌ رقابهم ... وآل زياد غلّظ القصرات
فقال: والله لأهلبنها.
ثم تممتها إلى آخرها، فاستحسنها، وأمر لي بخمسين ألف درهم، وأمر لي علي بن موسى بقريب منها.
فقلت: يا سيدي، أريد أن تهب لي ثوباً يلي بدنك، أتبرك به، وأجعله كفناً.
فوهب لي قميصاً قد أبتذله، ومنشفة، وأظنه قال: وسراويل.
قال: ووصلني ذو الرئاستين، وحملني على برذون أصفر، وكنت أسايره في يوم مطير، وعليه ممطر خز، فأمر لي به، ودعا بغيره فلبسه، وقال: إني آثرتك به، لأنه خير الممطرين، قال: فأعطيت به ثمانين ديناراً، فلم تطب نفسي ببيعه.
وقضيت حاجتي، وكررت راجعاً إلى العراق.
فلما صرت ببعض الطريق، خرج علينا أكراد يعرفون بالماريخان، فسلبوني، وسلبوا القافلة، وكان ذلك في يوم مطير.
فأعتزلت في قميص خلق قد بقي علي، وأنا متأسف - من جميع ما كان علي - على القميص والمنشفة اللذين وهبهما لي علي بن موسى الرضا، إذ مر بي واحد من الأكراد، وتحته البرذون الأصفر الذي حملني عليه ذو الرياستين، وعليه الممطر الخز، ثم وقف بالقرب مني، وابتدأ ينشد: مدارس آيات، ويبكي.
فلما رأيت ذلك، عجبت من لص كردي يتشيع، ثم طمعت في القميص والمنشفة.
فقلت: يا سيدي لمن هذه القصيدة ؟ فقال: ما أنت وذاك، ويلك.
فقلت له: فيه سبب أخبرك به.
فقال: هي أشهر من أن يجهل صاحبها.
قلت: فمن هو ؟ قال: دعبل بن علي الخزاعي، شاعر آل محمد، جزاه الله خيراً.
فقلت له: يا سيدي، أنا - والله - دعبل، وهذه قصيدتي.
فقال: ويلك، ما تقول ؟ فقلت: الأمر أشهر من ذلك، فسل أهل القافلة، تخبر بصحة ما أخبرتك به.
فقال: لا جرم - والله - لا يذهب لأحد من أهل القافلة خلالة فما فوقها.
ثم نادى في الناس: من أخذ شيئاً فليرده على صاحبه، فرد على الناس أمتعتهم، وعلي جميع ما كان معي، ما فقد أحد عقالاً.
ثم رحلنا إلى مأمننا سالمين.
قال راوي هذا الخبر عن دعبل: فحدثت بهذا الحديث علي بن بهزاد الكردي فقال لي: ذاك - والله - أبي الذي فعل هذا.
قاطع طريق يتفلسفوحدثني عبد الله بن عمر بن الحارث الواسطي السراج، المعروف بأبي أحمد الحارثي، قال: كنت مسافراً في بعض الجبال، فخرج علينا ابن سباب الكردي، فقطع علينا، وكان بزي الأمراء، لا بزي القطاع.
فقربت منه لأنظر إليه وأسمع كلامه، فوجدته يدل على فهم وأدب، فداخلته فإذا برجل فاضل، يروي الشعر، ويفهم النحو، فطمعت فيه، وعملت في الحال أبياتاً مدحته بها.
فقال لي: لست أعلم إن كان هذا من شعرك، ولكن اعمل لي على قافية هذا البيت ووزنه شعراً الساعة، لأعلم أنك قلته، وأنشدني بيتاً.
قال: فعملت في الحال اجازة له ثلاثة أبيات.
فقال لي: أي شيء أخذ منك ؟ لأرده إليك.
قال: فذكرت له ما أخذ مني، وأضفت إليه قماش رفيقين كانا لي.

فرد جميع ذلك، ثم أخذ من أكياس التجار التي نهبها، كيساً فيه ألف درهم، فوهبه لي.
قال: فجزيته خيراً، ورددته عليه.
فقال لي: لم لا تأخذه ؟ فوريت عن ذلك.
فقال: أحب أن تصدقني.
فقلت: وأنا آمن ؟ فقال: أنت آمن.
فقلت: لأنك لا تملكه، وهو من أموال الناس الذين أخذتها منهم الساعة ظلماً، فكيف يحل لي أن آخذه ؟ فقال لي: أما قرأت ما ذكره الجاحظ في كتاب اللصوص، عن بعضهم، قال: إن هؤلاء التجار خانوا أماناتهم، ومنعوا زكاة أموالهم، فصارت أموالهم مستهلكة بها، واللصوص فقراء إليها، فإذا أخذوا أموالهم - وإن كرهوا أخذها - كان ذلك مباحاً لهم، لأن عين المال مستهلكة بالزكاة، وهؤلاء يستحقون أخذ الزكاة، بالفقر، شاء أرباب الأموال أم كرهوا.
قلت: بلى، قد ذكر الجاحظ هذا، ولكن من أين يعلم إن هؤلاء ممن استهلكت أموالهم الزكاة ؟ فقال: لا عليك، أنا أحضر هؤلاء التجار الساعة، وأريك بالدليل الصحيح أن أموالهم لنا حلال.
ثم قال لأصحابه: هاتوا التجار، فجاءوا.
فقال لأحدهم: منذ كم أنت تتجر في هذا المال الذي قطعنا عليه ؟ قال: منذ كذا وكذا سنة.
قال: فكيف كنت تخرج زكاته ؟ فتلجلج، وتكلم بكلام من لا يعرف الزكاة على حقيقتها فضلاً عن أن يخرجها.
ثم دعا آخر، فقال له: إذا كان معك ثلثمائة درهم، وعشرة دنانير، وحالت عليك السنة، فكم تخرج منها للزكاة ؟ فما أحسن أن يجيب.
ثم قال لآخر: إذا كان معك متاع للتجارة، ولك دين على نفسين، أحدهما مليء، والآخر معسر، ومعك دراهم، وقد حال الحول على الجميع، كيف تخرج زكاة ذلك ؟ قال: فما فهم السؤال، فضلاً عن أن يتعاطى الجواب.
فصرفهم، ثم قال لي: بان لك صدق حكاية أبي عثمان الجاحظ ؟ وأن هؤلاء التجار ما زكوا قط؟ خذ الآن الكيس.
قال: فأخذته، وساق القافلة لينصرف بها.
فقلت: إن رأيت أيها الأمير أن تنفذ معنا من يبلغنا المأمن، كان لك الفضل.
ففعل ذلك.

القاضي التنوخي والد المؤلف والكرخي قاطع الطريق

وحدثني أبي رضي الله عنه، قال: لما كنت مقيماً بالكرخ، أتقلد القضاء بها، وبالمرج وأعمالها، كان بوابي رجل من أهل الكرخ، له ابن، هو ابن عشر سنين أو نحوها، وكان يدخل داري بلا إذن، ويمرح مع غلماني، وأهب له في الأوقات دراهم وثياباً، وأحمله، وأرقصه، كما يفعل الناس بأولاد غلمانهم.
ثم صرفت عن الكرخ، ورحلت، ولم أعرف للرجل ولا لولده خبراً.
ومضت السنون، فأنفذني أبو عبد الله البريدي من واسط، برسالة إلى أبي بكر بن رائق، فلقيته بحدود العاقول، وانحدرت أريد واسطاً.
وقد كان قيل لي قبل إصعادي، أن في الطريق لصاً يعرف بالكرخي، مستفحل الأمر.
وكنت خرجت من واسط، بطالع اخترته، على موجب تحويل مولدي لتلك السنة، وقد استظهرت عند نفسي، وكفاني الله تعالى - في إصعادي - أمر اللص، فلم أر له أثراً.
فلما انحدرت إلى واسط، وكنا في بعض الطريق، خرج علينا اللصوص في سفن عدة، بقسي، ونشاب، وسلاح شاك، وهم نحو مائة نفس، كالعسكر العظيم.
وكان معي غلمان يرمون، فحلفت أن من رمى منهم بسهم، ضربته إذا صرت في البلد مائة مقرعة، وذلك أني خفت أن يقصدنا اللصوص، ثم لا يرضون إلا بقتلي.
قال: وبادرت فأخذت ذلك السلاح الذي كان معهم، فرميت جميعه في الماء، واستسلمت للأمر طلباً للسلامة.
وجلست أفكر في الطالع الذي خرجت به، فإذا ليس ما يوجب - عندهم - القطع علي، والناس قد أديروا إلى الشاطئ، وأنا في جملتهم، حيث تفرغ سفنهم، وينقل ما فيها إلى الشط، وهم يخبطون بالسيوف، وكنت في وسط الكار، وما انتهى الأمر إلي.
فجعلت أعجب من حصول القطع، وأن الطالع لا يوجبه، ولست أتهم علمي مع هذا.
فأنا كذلك، وإذا بسفينة فيها رئيسهم قد طرح على زبزبي كما يطرح على سفن التجار، ليشرف على ما يؤخذ منها.
فحين رآني، منع أصحابه من انتهاب شيء من زبزبي، وصعد إلي وحده، فتأملني طويلاً، ثم انكب وقبل يدي، وكان متلثماً، فلم أعرفه.
قال: فارتعت، وقلت: يا هذا مالك ؟ فسفر، وقال: أما تعرفني يا سيدي ؟ فتأملته، وأنا جزع، فلم أعرفه.
فقلت: لا والله.
فقال: بلى، أنا عبدك، ابن فلان الكرخي حاجبك، وأنا الصبي الذي ربيتني في دارك، وكنت تحملني على عنقك، وتطعمني بيدك.

فتاملته، فإذا الخلقة خلقته، إلا أن اللحية غيرته في عيني، فسكن خاطري، وقلت: يا هذا، كيف بلغت إلى هذا الحال ؟ قال: يا سيدي، نشأت، فلم أتعلم غير معالجة السلاح، وجئت إلى بغداد أطلب الديوان، فما قبلني أحد، فانضاف إلي هؤلاء الرجال، وطلبت قطع الطريق ولو كان السلطان أنصفني، ونزلني بحيث أستحق من الشجاعة، وانتفع بخدمتي، ما كنت أفعل هذا بنفسي.
قال: فأقبلت عليه أعظه، وأخوفه الله، ثم خشيت أن يشق ذلك عليه، فيفسد رعايته لي، فأقصرت.
ثم قال: يا سيدي، لا يكون بعض هؤلاء قد أخذ منك شيئاً ؟ قلت: ما ذهب منا إلا سلاح رميته أنا إلى الماء، وشرحت له الصورة.
فضحك، وقال: قد والله أصاب القاضي، فمن في الكار ممن تعنى به حتى أطلقه ؟ قلت: كلهم عندي بمنزلة واحدة، فلو أفرجت عن الجميع كان أحسن بك.
فقال: والله، لولا أن أصحابي قد تفرقوا بما أخذوا، لفعلت، ولكنهم لا يطيعوني في رده، ولكني لا أدع ما بقي من السفن في الكار أن يؤخذ منها شيء، فجزيته خيراً.
فصعد إلى الشط، وأصعد جميع أصحابه، ومنع أن يؤخذ شيء من باقي السفن، فما تعرض لها أحد، ورد على قوم ضعفاء أشياء كثيرة كانت أخذت منهم، وأطلق الكار.
وسار معي في أصحابه، إلى أن صار بيني وبين المأمن شيء يسير ثم ودعني، وانصرف في أصحابه.

ابن حمدي اللص البغدادي وفتوته وظرفه

وحدثني عبد الله بن عمر الحارثي، قال: حدثني بعض التجار البغداديين، قال: خرجت بسلع لي، ومتاع من بغداد أريد واسطاً، وكان البريدي بها، والدنيا مفتتنة جداً.
فقطع علي، وعلى الكار الذي كنت فيه، لص كان في الطريق، يقال له: ابن حمدي، يقطع قريباً من بغداد، فأفقرني، وكان معظم ما أملكه معي، فسهل علي الموت، وطرحت نفسي له.
وكنت أسمع ببغداد، أن أبن حمدي هذا، فيه فتوة، وظرف، وأنه إذا قطع، لم يعرض لأرباب البضائع اليسيرة، التي تكون دون الألف درهم، وإذا أخذ ممن حاله ضعيفة شيئاً، قاسمه عليه، وترك شطر ماله في يديه، وأنه لا يفتش امرأة، ولا يسلبها، وحكايات كثيرة مثل ذلك.
فأطمعني ذلك في أن يرق لي، فصعدت إلى الموضع الذي هو جالس فيه، وخاطبته في أمري، وبكيت، ورققته، ووعظته، وحلفت له أن جميع ما أملكه قد أخذه، وأني أحتاج إلى أن أتصدق من بعده.
فقال لي: يا هذا، الله بيننا وبين هذا السلطان الذي أحوجنا إلى هذا، فإنه قد أسقط أرزاقنا، وأحوجنا إلى هذا الفعل، ولسنا فيما نفعله نرتكب أمراً أعظم مما يرتكبه السلطان.
وأنت تعلم أن أبن شيرزاد ببغداد يصادر الناس ويفقرهم، حتى أنه يأخذ الموسر المكثر، فلا يخرج من حبسه، إلا وهو لا يهتدي إلى شيء غير الصدقة، وكذلك يفعل البريدي بواسط والبصرة، والديلم بالأهواز.
وقد علمت أنهم يأخذون أصول الضياع، والدور، والعقار، ويتجاوزون ذلك إلى الحرم والأولاد، فاحسب أننا نحن مثل هؤلاء، وأن واحداً منهم صادرك.
فقلت: أعزك الله، ظلم الظلمة، لا يكون حجة، والقبيح لا يكون سنة، وإذا وقفت أنا وأنت، بين يدي الله عز وجل، أترضى أن يكون هذا جوابك له ؟ فأطرق ملياً، ولم أشك في أنه يقتلني، ثم رفع رأسه، فقال: كم أخذ منك ؟ فصدقته.
فقال: أحضروه، فأحضر، فكان كما ذكرت، فأعطاني نصفه.
فقلت له: الآن، قد وجب حقي عليك، وصار لي بإحسانك إلي حرمة.
فقال: أجل.
فقلت: إن الطريق فاسد، وما هو إلا أن أتجاوزك حتى يؤخذ هذا مني أيضاً، فأنفذ معي من يوصلني إلى المأمن.
قال: ففعل ذلك، وسلمت بما أفلت معي، فجعل الله فيه البركة، وأخلف.
قطع عليه الطريق فتخلص بخاتم عقيقحدثني الحسن بن صافي، مولى أبن المتوكل القاضي، وكان أبوه يعرف بغلام ابن مقلة قال: لما حصل المتقي لله بالرقة، ومعه أبو الحسين علي بن محمد بن علي، ابن مقلة، وزيره، كاتبني بأن أخرج إليه، فخرجت، ومعي جماعة من أسبابه، وأسباب الخليفة إلى هيت.
وضم إلينا ابن فتيان خفراء، يؤدونا إلى الرقة، ورحلت من هيت، ومعنا الخفراء والغلمان، ومن انحدر معنا من هيت، فصرنا نحواً من مائتي مقاتل.
فلما كان في اليوم الرابع من مسيرنا، ونحن في البر الأقفر، وقد نزلنا نستريح، إذا بسواد عظيم من بعيد، لا نعلم ما هو، فلم نزل نرقبه إلى أن بان لنا، وإذا هو نحواً من مائة مطية، على كل مطية رجلان.

فجمعنا أصحابنا ورجالنا، وقرب القوم منا وأناخوا جمالهم وعقلوها، وأخذوا جحفهم، وسلوا سيوفهم، وتقدمهم رئيس لهم، فقال لنا: يا معشر المسافرين، لا يسلن أحد منكم سيفاً، ولا يرمي بسهم، فمن فعل ذلك فهو مقتول.
ففشل كل من كان معنا، وقاتل قوم منا قتالاً ضعيفاً، وخالطنا الاعراب، وأخذوا جماعة منا، وأخذونا، وجميع ما كان معنا، فأقتسموه، وتركونا مطرحين في الشمس.
فإذا بي قد عريت، وبقي علي خلق لا أتوارى منه بشيء، وليس معي ماء أشربه، ولا ظهر أركبه، وليس بيني وبين الموت إلا ساعات يسيرة، فقامت علي القيامة، واشتد جزعي، ولم يكن لي حيلة، فأيست من الحياة.
فأنا كذلك، إذ وجدت شستجة، كان لي فيها خاتم عقيق، كبير الفص، كثير الماء، فأخذته، ووقع لي في الحال وجه الحيلة، فجعلته في قطن، وخبأته معي وقصدت رئيس القوم، وهو الذي تولى أخذ مالي، وعرف موضعي وقدري.
فقلت له: قد رأيت عظيم ما أخذته مني، وأنا خادم الخليفة أطال الله بقاءه، وقد خرجت لأمر كبير من خدمته، وقد فزت بما أخذته مني، فما قولك في أمر آخر أعظم مما أخذته، أعاملك به، وأسديه إليك حلالاً لا يجري مجرى الغصوب، على أن تؤمنني على نفسي، وترد علي من ثيابي ما يسترني، وترد علي من دوابي دابة، وتسقيني ماء، وتسيرني حتى أحصل في مأمني ؟ فقال: ما هو ؟ قلت: تعطيني أمانك، وعهودك، ومذامك، على الوفاء، ففعل.
فانفردت به، وجعلت يدي مقابلة للشمس، وأريته الخاتم، وأقمت فصه في شعاع الشمس، فكاد يخطف بصره، ورأى ما لم ير مثله.
وقال: استره، وقل لي خبره.
فقلت: هذا خاتم الخلافة، وفصه هذا ياقوت أحمر، وهو الذي يتداوله الخلفاء منذ العهد الطويل، ويعرف بالجبل، ولا يقوم أمر الخلفاء إلا به، وقد كان مخبوءاً ببغداد، فأمرني الخليفة أن أحمله إليه في جملة ما حملته، وحيث حصل هذا الخاتم من بلاد الله، تشبث الخلفاء إلى أخذه بكل ثمن، وإن حصل عندك حتى تمتنع من بيعه إلا بمائة ألف دينار - ولم يقدروا عليك - لأعطوك إياها، والرأي أن تأخذه، وتنفذه إلى ناحية الشام، وتخفي حصول الخاتم في يدك، فإني إذا حضرت بحضرة الخليفة، وعرفته خبره، جاءتك رسله بالرغائب، حتى يرتجع منك بأي ثمن احتكمت.
فقال: إذاً خذ من ثيابك ما تريد.
فأخذت من ثيابي ما احتجت إليه، وأخذ الخاتم فخبأه في جيبه، وأركبني راحلة موطأة، وأعطاني إداوتين كبيرتين ماءً، وسار معي، والناس قد هلكوا من العطش.
ولم يزل يسير معي، إلى أن بلغنا إلى حصن في البرية، يعرف بالزيتونة، من بناء هشام بن عبد الملك، وفيه رجل من بني أمية، يكنى بأبي مروان، معه في الحصن نحواً من مائتي رجل.
فلما حصلت عنده، انصرف الأعرابي، وعرفت أبا مروان خبري في القطع ومن أنا، فأعظم أمري، وأكرمني، وأنفذ معي من أصحابه من بلغني الرقة سالماً

سرق ماله بالبصرة واستعاده بواسط

حدثني محمد بن عمر بن شجاع المتكلم، ويلقب بجنيد، قال: حدثني رجل من الدقاقين، في دار الزبير بالبصرة، قال: أورد علي رجل غريب، سفتجة بأجل، فكان يتردد علي، إلى أن حل ميعاد السفتجة.
ثم قال لي: دعها عندك حتى آخذها متفرقة، فكان يجيء في كل يوم فيأخذ بقدر نفقته إلى أن نفدت، وصار بيننا معرفة، وألف الجلوس عندي، وكان يراني أخرج من كيسي من صندوق لي، فأعطيه منه.
فقال لي يوماً: إن قفل الرجل، صاحبه في سفره، وأمينه في حضره، وخليفته على حفظ ماله، والذي ينفي الظنة عن أهله وعياله، فإن لم يكن وثيقاً تطرقت الحيل عليه، وأرى قفلك هذا وثيقاً، فقل لي ممن ابتعته، لأبتاع مثله.
فقلت: من فلان بن فلان الأقفالي، في جوار باب الصفارين.
قال: فما شعرت يوماً، وقد جئت إلى دكاني، فطلبت صندوقي لأخرج منه شيئاً من الدراهم، فحمله الغلام إلي، ففتحته، فإذا ليس فيه شيء من الدراهم.
فقلت لغلامي، وكان غير متهم عندي: هل أنكرت من الدرابات شيئاً ؟ قال: لا فقلت: فتش، هل ترى في الدكان نقباً ؟ قال: لا.
فقلت: فمن السقف حيلة ؟ قال: لا.
قلت: فاعلم أن الدراهم قد ذهبت.
فقلق الغلام، فسكنت، وقمت لا أدري ما أصنع، وتأخر الرجل عني، فلما غاب اتهمته، وذكرت مسألته عن القفل.
فقلت للغلام، أخبرني كيف تفتح دكاني وتغلقه ؟

قال: رسمي أن ادرب درابتين درابتين، والدرابات في المسجد، فأحملها في دفعات، اثنتين أو ثلاثاً، فأشرجها، ثم أقفل، وكذلك عندما أفتحها.
فقلت: البارحة، واليوم، فعلت ذلك ؟ قال: نعم.
فقلت: فإذا مضيت لترد الدرابات، أو تحضرها، على من تدع الدكان ؟ قال: خالياً.
قلت: فمن هنا دهيت.
ومضيت إلى الصانع الذي ابتعت منه القفل، فقلت: جاءك إنسان منذ أيام، واشترى منك مثل هذا القفل ؟ قال: نعم، رجل من صفته كيت وكيت، فأعطاني صفة صاحبي.
فعلمت أنه احتال على الغلام وقت المساء، لما انصرفت أنا، ومضى الغلام يحمل الدرابات، فدخل هو إلى الدكان فاختبأ فيه، ومعه مفتاح القفل الذي اشتراه، والذي يقع على قفلي، وأنه أخذ الدراهم، وجلس طول ليلته خلف الدرابات. فلما جاء الغلام، وفتح درابتين، وحملها ليرفعها، خرج، وأنه ما فعل ذلك، إلا وقد خرج إلى بغداد.
فسلمت دكاني إلى الغلام، وقلت له: من سأل عني فعرفه أني خرجت إلى ضيعتي.
قال: فخرجت، ومعي قفلي ومفتاحه، وقلت: أبتدئ بطلب الرجل بواسط.
فلما صعدت من السميرية، طلبت خاناً في الكتبيين بواسط، لأنزله، فأرشدت إليه، فصعدت، فإذا بقفل مثل قفلي سواء على بيت.
فقلت لقيم الخان: هذا البيت من ينزله ؟ فقال: رجل قدم من البصرة أمس.
فقلت: أي شيء صفته ؟ فوصف لي صفة صاحبي، فلم أشك أنه هو، وأن الدراهم في بيته.
فاكتريت بيتاً إلى جانبه، ورصدت البيت، حتى انصرف قيم الخان، وقمت ففتحت القفل بمفتاحي، فحين دخلت البيت، وجدت كيسي بعينه، فأخذته، وخرجت وأقفلت الباب، ونزلت في الوقت إلى السفينة التي جئت فيها، وأرغبت الملاح، وأنحدرت إلى البصرة.
فما أقمت بواسط إلا ساعتين من نهار، ورجعت إلى منزلي بمالي بعينه.

وضع السيف على عنقه ثم نجا سالما

ً
وحدثني عبيد الله بن محمد الصروي، قال: حدثني أكار بنهر سابس، قال: خرجت من نهر سابس، إلى موضع في طرف البرية، يقال له: كرخ راذويه، أريد أعمال سقي الفرات.
فبلغني أن رجلاً يقطع الطريق وحده، وحذرت منه.
فلما خرجت من القرية، رأيت رجلاً تدل فراسته على شدته ونجدته، وفي يده زقاية، فجسرني على الطريق.
قال: فترافقنا، حتى انتهينا إلى سقاية في البرية، فخرج علينا اللص متحزماً، متسلحاً، فصاح بنا.
فطرح رفيقي كارة كانت على ظهره، وأخذ زقايته، وبادر إلى اللص.
فلما داخله اللص ليضربه، ضرب بعصاه يد اللص، فعطل اللص الضربة، وضرب الزقاية فقطعها، ثم ضرب بسيفه رجل الرجل فأقعده، ثم وشحه بالسيف حتى قتله، وحمل علي ليقتلني.
فقلت له: ما حاربتك، ولا امتنعت عليك من أخذك ثيابي، فلأي شيء تقتلني ؟ فقال: استكف فاستكتفت، فكتفني بتكتي ثم حمل الثياب وانصرف.
فبقيت متحيراً، مشفياً على التلف، بالعطش، والشمس، والوحوش، فما زلت أتمطى في التكة حتى قطعتها، وقمت أمشي إلى أن جنني الليل.
فرأيت في الصحراء - على بعد - ضوء نار خفياً، فقدرته في قرية، فقصدته، فإذا هو يخرج من قبة في الصحراء، فقربت منها، واطلعت، فإذا اللص جالس في القبة، يشرب نبيذاً، ومعه امرأة.
فلما بصر بي صاح، وتناول سيفه وخرج إلي، فما زلت أناشده الله، وأحلف له أنني ما علمت أنه هو، ولا قصدته عمداً، وإنما رأيت النار فقصدتها، فلم يعبا بقولي.
وحلفته المرأة أن لا يقتلني بحضرتها، فجذبني إلى نهر جاف قريب من القبة، وطرحني تحته، وجرد سيفه ليقتلني.
فسمع صوت الأسد قريباً منه، فارتعدت يده، وسكت، وأخذ يسكتني، فأنست بالسبع وزدت في الصياح.
فما شعرت إلا والسبع قد تناوله من على صدري وهرول في الصحراء.
فقمت، وأخذت السيف، وجئت إلى القبة، فلم تشك المرأة أنني هو، فقالت: قتلته ؟ فقلت: الله عز وجل قتله، لا أنا، وقصصت عليها القصة، وسألتها عن شأنها.
فقالت: أنا امرأة من أهل القرية الفلانية، أسرني هذا الرجل، وخبأني في هذا الموضع، وهو يتردد إلي في كل ليلة.
فأرهبتها، فدلتني على دفائن له في الصحراء، فأخذتها، وحملت المرأة، وبلغت القرية، وسلمتها إلى أهلها.
وفزت بمال عظيم أغناني عن مقصدي، وعدت إلى بلدي.
كيف استعاد التاجر البصري مالهوحدثني أيضاً، قال: حدثني ابن الدنانيري التمار الواسطي، قال: حدثني غلام لي قال:

كنت ناقداً بالأبلة، لرجل تاجر، فاقتضيت له في البصرة نحو خمسمائة دينار عيناً وورقاً، ولففتها في فوطة، وأشفيت على المصير إلى الأبلة.
فما زلت أطلب ملاحاً، حتى رأيت ملاحاً مجتازاً في خيطية خفيفة فارغة، فسألته أن يحملني، فسهل علي الأجرة، وقال: أنا راجع إلى منزلي بالأبلة، فانزل معي، فنزلت، وجعلت الفوطة بين يدي.
وسرنا إلى أن تجاوزنا مسماران، فإذا رجل ضرير على الشط، يقرأ أحسن قراءة تكون.
فلما رآه الملاح كبر، فصاح هو بالملاح: احملني، فقد جنني الليل، وأخاف على نفسي، فشتمه الملاح.
فقلت له: احمله، فدخل إلى الشط فحمله، فلما حصل معنا رجع إلى قراءته، فخلب عقلي بطيبها.
فلما قربنا من الأبلة، قطع القراءة، وقام ليخرج في بعض المشارع في الأبلة، فلم أر الفوطة، فقمت واقفاً، واضطربت، وصحت.
فاستغاث الملاح، وقال: الساعة تقلب الخيطية، وخاطبني خطاب من لا يعلم حالي.
فقلت له: يا هذا، كانت بين يدي فوطة فيها خمسمائة دينار.
فلما سمع الملاح ذلك، بكى، ولطم، وتعرى من ثيابه، وقال: أدخل الشط ففتش، ولا لي موضع أخبئ فيه شيئاً فتتهمني بسرقته، ولي أطفال، وأنا ضعيف، فالله، الله في أمري، وفعل الضرير مثل ذلك.
وفتشت الخيطية فلم أجد شيئاً، فرحمتهما، وقلت: هذه محنة لا أدري كيف التخلص منها، وخرجنا، فعملت على الهرب، وأخذ كل واحد منا طريقً، وبت في بيتي، ولم أمض إلى صاحبي، وأنا بليلة عظيمة.
فلما أصبحت، عملت على الهرب إلى البصرة، لأستخفي فيها أياماً، ثم أخرج إلى بلد شاسع.
فانحدرت، فخرجت في مشرعة بالبصرة، وأنا أمشي وأتعثر وأبكي قلقاً على فراق أهلي وولدي، وذهاب معيشتي وجاهي، إذ أعترضني رجل.
فقال: يا هذا، ما بك ؟ فقلت: أنا في شغل عنك، فاستحلفني، فأخبرته.
فقال: امض إلى السجن ببني نمير، واشتر معك خبزاً كثيراً، وشواءً جيداً، وحلوى، وسل السجان أن يوصلك إلى رجل محبوس، يقال له: أبو بكر النقاش، وقل له: أنا زائره، فإنك لا تمنع، وإن منعت، فهب للسجان شيئاً يسيراً فإنه يدخلك إليه، فإذا رأيته فسلم عليه ولا تخاطبه حتى تجعل بين يديه ما معك، فإن أكل وغسل يديه، فإنه يسألك عن حاجتك، فأخبره خبرك، فإنه سيدلك على من أخذ مالك، ويرتجعه لك.
ففعلت ذلك، ووصلت إلى الرجل، فإذا هو شيخ مثقل بالحديد.
فسلمت عليه، وطرحت ما معي بين يديه، فدعا رفقاءً كانوا معه فأقبلوا يأكلون معه، فلما استوفى وغسل يديه.
قال: من أنت، وما جاء بك ؟ فشرحت له قصتي.
فقال: امض الساعة لوقتك - ولا تتأخر - إلى بني هلال، فاقصد الدرب الفلاني حتى تنتهي إلى آخره، فإنك تشاهد باباً شعثاً، فافتحه وادخل بلا استئذان، فستجد دهليزاً طويلاً يؤدي إلى بابين، فادخل الأيمن منهما، فسيدخلك إلى دار فيها بيت فيه أوتاد وبواري، وعلى كل وتد إزار ومئزر، فانزع ثيابك، وعلقها على الوتد، واتزر بالمئزر واتشح بالإزار، واجلس، فسيجيء قوم يفعلون كما فعلت، إلى أن يتكاملوا، ثم يؤتون بطعام فكل معهم، وتعمد أن تفعل كما يفعلون في كل شيء.
فإذا أتوا بالنبيذ فاشرب معهم أقداحاً يسيرة، ثم خذ قدحاً كبيراً، فاملأه، وقم، وقل: هذا ساري لخالي أبي بكر النقاش، فسيضحكون ويفرحون، ويقولون: هو خالك ؟ فقل: نعم، فسيقومون ويشربون لي، فإذا تكامل شربهم لي، وجلسوا، فقل لهم: خالي يقرأ عليكم السلام، ويقول لكم: بحياتي يا فتيان، ردوا على ابن أختي المئزر الذي أخذتموه أمس من السفينة بنهر الأبلة، فإنهم يردونه عليك.
فخرجت من عنده، ففعلت ما قال لي، وجرت الصورة، على ما ذكر، سواء بسواء، وردت الفوطة علي بعينها، وما حل شدها.
فلما حصلت لي، قلت لهم: يا فتيان، هذا الذي فعلتموه هو قضاء لحق خالي، وأنا لي حاجة تخصني.
فقالوا: مقضية.
فقلت: عرفوني كيف أخذتهم الفوطة ؟ فامتنعوا، فأقسمت عليهم بحياة أبي بكر النقاش.
فقال لي واحد منهم: تعرفني ؟ فتأملته، فإذا هو الضرير الذي كان يقرأ. وإنما كان يتعامى حيلة ومكراً.
وأومأ إلى آخر، وقال: أتعرف هذا ؟ فتأملته، فإذا هو الملاح بعينه.
فقلت: أخبراني كيف فعلكما ؟

فقال الملاح: أنا أدور في المشارع في أول أوقات المساء، وقد سبقت المتعامي فأجلسته حيث رأيت، فإذا رأيت من معه شيء له قدر، ناديته وأرخصت عليه الأجرة وحملته، فإذا بلغ إلى القارئ، وصاح بي، شتمته، حتى لا يشك الراكب في براءة الساحة، فإن حمله الراكب فذاك، وإن لم يحمله رققته حتى يحمله، فإذا حمله، وجلس هذا يقرأ قراءته الطيبة، ذهل الرجل كما ذهلت أنت، فإذا بلغنا إلى موضع نكون قد خلينا فيه رجلاً متوقعاً لنا، يسبح حتى يلاصق السفينة، وعلى رأسه قوصرة، فلا يفطن الراكب، فيستلب هذا الرجل المتعامى - بخفة - الشيء الذي قد عينا عليه، فيلقيه إلى الرجل الذي عليه القوصرة، فيأخذها ويسبح إلى الشط، فإذا أراد الراكب النزول، وافتقد ما معه، عملنا كما رأيت، فلا يتهمنا، ونتفرق، فإذا كان الغد، اجتمعنا واقتسمنا ما أخذناه، واليوم كان يوم القسمة، فلما جئت برسالة خالك أستاذنا، سلمنا إليك الفوطة، قال: فأخذتها، وانصرفت
صادف درء السيل درءاً يصدعه
حدثني عبيد الله بن محمد الصروي، قال: حدثني بعض إخواني: أنه كان ببغداد رجل يطلب التلصص في حداثته، ثم تاب وصار بزازاً.
قال: فانصرف ليلة من دكانه، وقد أغلقه، فجاء لص متزي بزي صاحب الدكان، في كمه شمعة صغيرة، ومفتاح، فصاح بالحارس، وأعطاه الشمعة في الظلمة، وقال: أشعلها وجئني بها، فإن لي في هذه الليلة في دكاني شغلاً.
فحضر الحارس وأشعل الشمعة، وركب اللص المفاتيح على الأقفال ففتحها، ودخل الدكان.
فجاء الحارس بالشمعة مشعلة، فأخذها منه وهو لا يتبين وجهه، وجعلها بين يديه، وفتح سفط الحساب، وأخرج ما فيه، وجعل ينظر في الدفاتر، ويوري بيده أنه يحسب، والحارس يطالعه في تردده، ولا يشك في أنه صاحب الدكان.
إلى أن قارب السحر، فاستدعى اللص الحارس، وكلمه من بعيد، وقال له: أطلب لي حمالاً.
فجاء بحمال، فحمل عليه من متاع الدكان أربع زرم مثمنة، وأقفل الدكان، وانصرف ومعه الحمال، وأعطى الحارس درهمين، فلما أصبح الناس، جاء صاحب الدكان ليفتحه، فقام إليه الحارس يدعو له، ويقول: فعل الله بك وصنع كما أعطيتني البارحة الدرهمين.
فأنكر الرجل ما سمعه، ولم يرد جواباً، وفتح دكانه، فوجد سيلان الشمعة، وحسابه مطروحاً، وفقد الرزم الأربع، فاستدعى الحارس، وقال له: من كان الذي حمل معي الرزم البارحة من دكاني ؟ فقال له الحارس: أليست استدعيت مني حمالاً، فجئتك به، فحملها معك ؟ قال: بلى، ولكني كنت ناعساً متنبذاً، وأريد الحمال، فجئني به، فمضى الحارس فجاءه بالحمال، فأغلق الرجل الدكان، وأخذ الحمال معه، ومشى، وقال: إلى أين حملت الرزم البارحة، فإني كنت متنبذاً.
قال: إلى المشرعة الفلانية، واستدعيت فلاناً الملاح، فركبت معه.
فصعد الرجل المشرعة، فسأل عن الملاح فدل عليه وركب معه. وقال: أين أوصلت اليوم أخي الذي كان معه الأربع رزم ؟ قال: إلى المشرعة الفلانية.
قال: أطرحني إليها، فطرحه.
قال: ومن حملها معه ؟ قال: فلان الحمال.
فدعا به، ولطفه، وقال: أين حملت الرزم الأربع البارحة ؟ واستدله برفق وأعطاه شيئاً، فجاء به إلى باب غرفة، في موضع بعيد عن البلد، قريب من الصحراء، فوجد الباب مقفلاً.
واستوقف الحمال إلى أن فش القفل وفتح الباب، ودخل، فوجد الأربع رزم بحالها، وإذا في البيت بركان معلق على حبل، فلق الرزم فيه، ودعا الحمال فحملها.
فحين خرج من الغرفة، استقبله اللص، وفهم الأمر، فاتبعه إلى الشط، فجاء إلى المشرعة، ودعا الملاح ليعبر.
فدعا الحمال من يحط عنه، فجاء اللص، فحط عنه، كأنه مجتاز متطوع، فأدخل الرزم إلى السفينة مع صاحبها، ثم جعل البركان على كتفه، وقال للتاجر: يا أخي أستودعك الله، فقد استرجعت رزمك، فدع كسائي.
فضحك منه وقال: أنزل ولا خوف عليك.
فنزل معه، فاستتابه، ووهب له شيئاً، وصرفه.

قصة الأخوين عاد وشداد

وحكى عبيد الله بن محمد بن الحسن العبقسي الشاعر، قال: حدثني شاعر كان يعرف بغلام أبي الغوث، قال: كنت من أهل قرية من نواحي الشام، أسكنها أنا وأسلافي، فكنا نطحن أقواتنا في رحى ماء على فراسخ من البلد، يخرج إليها أهل البلد وأهل القرى المجاورة بغلاتهم، فتكثر، فلا يتمكن من الطحن إلا الأقوى فالأقوى.

فمضيت مرة ومعي غلة، وحملت معي خبزاً ولحماً مطبوخاً يكفيني لأيام، وكان الزمان شاتياً، لأقيم على الرحى، حتى يخف الناس فأطحن فيها، على عادتي تلك.
فلما صرت عند الرحى، حططت أعدالي، وجلست في موضع نزه، وفرشت سفرتي لآكل.
واجتاز بي رجل عظيم الخلقة، فدعوته ليأكل، فجلس فأكل كلما كان في سفرتي، حتى لم يدع فيها شيئاً، ولا أوقية واحدة.
فعجبت من ذلك عجباً شديداً بان له في، فأمسك، وغسلنا أيدينا.
فقال لي: على أي شيء مقامك هنا ؟ فقلت: لأطحن هذه الغلة.
فقال لي: فلم لا تطحنها اليوم، فأخبرته بسبب تعذر ذلك علي.
قال: فثار كالجمل، حتى شق الناس وهم مزدحمون على الرحى، وهي تدور، فجعل رجله عليها فوقفت ولم تدر.
فعجب الناس، وقال: من فيكم يتقدم ؟ فجاء رجل أيد شديد، فأخذ بيده، ورمى به كالكرة، وجعله تحت رجله الأخرى، فما قدر أن يتحرك.
وقال: قدموا غلتي إلى الطحن وإلا كسرت الرحى، وكسرت الرحى، وكسرت عظام هذا.
فقالوا: يا هذا هات الغلة، فجئت بها، فطحنت، وفرغت منها، وجعلتها في الأعدال.
وقال لي: قم.
قلت: إلى أين ؟ قال: إلى منزلك.
قلت: لا أسلك الطريق وحدي، فإنه مخوف، ولكن أصبر حتى يفرغ أهل قريتي، وأرجع معهم.
فقال: قم وأنا معك، ولسنا نخاف - بإذن الله عز وجل - شيئاً.
فقلت في نفسي: من كانت تلك القوة قوته يجب أن آنس به، فقمت، وحملت الغلة على الحمير، وسرنا إلى أن جئنا إلى قريتي، ولم نلق في طريقنا بأساً.
فلما دخلت إلى بيتي، خرج والدي وإخوتي، وعجبوا من سرعة ورودي بالغلة، ورأوا الرجل، فسألوني عن القصة، فأخبرتهم.
وسألنا الرجل أن يقيم في ضيافتنا، ففعل، فذبحنا له بقرة، وأصلحنا له سكباجاً، وقدم إليه، فأكل الجميع بنحو المائة رطل خبزاً.
فقال له أبي: يا هذا، ما رأيت مثلك قط، فأي شيء أنت ؟ ومن أين معاشك ؟ قال: أنا رجل من الناحية الفلانية، وأسمي شداد، وكان لي أخ أشد بدناً وقلباً مني، وأسمه عاد، وكنا نبذرق القوافل من قريتنا إلى مواضع كثيرة، ولا نستعين بأحد، وتخرج علينا الرجال الكثيرة، فألقاهم أنا وأخي فقط فنهزمهم، فأشتهر أمرنا، حتى كان إذا قيل قافلة عاد وشداد، لم يعرض لها أحد، فمكثنا كذلك سنين كثيرة.
فخرجنا مرة أنا وأخي، نسير قافلة قد خفرناها، فلما صرنا بالفلاة، رأينا سواداً مقبلاً نحونا، فأستطرفنا أن يقدم علينا أحد، ثم بان لنا شخص رجل أسود، على ناقة حمراء، ثم خالطنا.
وقال: هذه قافلة عاد وشداد ؟ قلنا: نعم.
فترجل ودعانا للبراز، فانتضينا سيوفنا وانقضضنا عليه، فضرب ساق أخي بالسيف ضربة أقعدته، وعدا علي، فقبض على كتفي، فما أطقت الحركة.
فكتفني، ثم كتف أخي، وطرحنا على الناقة كالزاملتين، ثم ركبها وسار بعد أن أخذ من القافلة ما كان فيها من عين، وورق، وحلي، وشيئاً من الزاد، وأوقر الراحلة بذلك.
وسار بنا على غير محجة، في طريق لا نعرفه، بقية يومنا وليلتنا وبعض الثاني، حتى أتى جبلاً لا نعرفه، فأوغل فيه، وبلغ إلى وجه منه فدخله، فانتهى إلى مغارات، فأناخ الراحلة، ثم رمى بنا عنها، وتركنا في الكتاف.
وجاء إلى مغارة على بابها صخرة عظيمة لا يقلعها إلا الجماعة، فنحاها عن الباب واستخرج منها جارية حسناء، فسألها عن خبرها، وجلسا يأكلان مما جاء به من الزاد، ثم شربا، فقال لها: قومي، فقامت، ودخلت الغار.
ثم جاء إلى أخي، فذبحه وأنا أراه، وسلخه، وأكله وحده، حتى لم يدع منه إلا عظامه.
ثم استدعى الجارية، فخرجت، وجعلا يشربان، فلما توسط شربه، جرني، فلم أشك أنه يريد ذبحي، فإذا هو قد طرحني في غار من تلك المغارات، وحل كتافي، وأطبق الباب بصخرة عظيمة، فأيست من الحياة، وعلمت أنه قد أدخرني لغد.
فلما كان في الليل، لم أحس إلا بامرأة تكلمني، فقلت لها: ما بالك ؟ فقالت: إن هذا العبد قد سكر ونام، وهو يذبحك في غد كما ذبح صاحبك، فإن كانت لك قوة فاجهد في دفع الصخرة واخرج فاقتله، وأنج بي وبنفسك.
فقلت: ومن أنت ؟

قالت: أنا امرأة من البلد الفلاني، ذات نعمة، خرجت أريد أهلاً لي في البلد الفلاني، فخرج علينا هذا العدو لله، فأهلك القافلة التي كنت فيها، ورآني فأخذني غصباً، وأنا منذ كذا وكذا شهراً، على هذه الصورة، يرتكب مني الحرام، وأشاهد ذبحه للناس وأكله لهم، ولا يوصف له إنسان بشدة بدن إلا قصده، حتى يقهره، ثم يجيء به فيأكله، ويعتقد أن شدته تنتقل إليه، وإذا خرج حبسني في الغار، وخلف عندي مأكولاً وماءً لأيام، ولو اتفق أنه يحتبس عني - فضل يوم - مت جوعاً وعطشاً.
فقلت: إنني ما أطيق قلع الصخرة.
قالت: ويلك، فجرب نفسك.
قال: فجئت إلى الصخرة فاعتمدت عليها بقوتي، فتحركت، فإذا قد وقع تحت الصخرة حصاة صغيرة، وقد صارت الصخرة مركبة تركيباً صحيحاً، وذلك لما أراده الله تعالى من خلاصي.
فقلت: أبشري، ولم أزل أجتهد، حتى زحزحت الصخرة شيئاً أمكنني الخروج منه، فخرجت.
فأخذت سيف الأسود، واعتمدت بكلتي يدي فضربت ساقيه، فإذا قد أبنت أحدهما وكسرت الأخرى، فانتبه، ورام الوثوب فلم يقدر، فضربته الأخرى على حبل عاتقه فسقط، وضربته أخرى فأبنت رأسه.
وعمدت إلى المغارات فأخذت كلما وجدت فيها من عين، وورق، وجوهر، وثوب فاخر خفيف الحمل، وأخذت زاداً لأيام، وركبت راحلته، وأردفت المرأة، ولم أزل أسلك في طرق لا أعرفها، حتى وقعت على محجة، فسلكتها، فأفضت بي إلى بعض القرى، فسلمت الراحلة إلى المرأة، وأعطيتها نفقة تكفيها إلى بلدها، وسيرتها مع خفراء، وعدت إلى بلدي بتلك الفوائد الجليلة.
وعاهدت الله تعالى، أن لا أتعرض للطريق، ولا للخفارة أبداً.
وأنا الآن آكل من ضياع اشتريتها من ذلك المال، وأقوم بعمارتها، وأعيش من غلتها، إلى الآن.

قارع سبعين من قطاع الطريق وانتصف منهم

وحكى سعد بن محمد بن علي الأزدي، الشاعر البصري المعروف بالوحيد، قال: حدثني أبو علي الكردي، رجل رأيته بعسكر عمران بن شاهين قصده من عند حسنويه بن الحسين الكردي، فقبله، وأجرى عليه، وكان شجاعاً نجداً، فحدثني، قال: خرجنا مرة بالجبال، في أيام موسم الحج، عددنا سبعون رجلاً، من فارس وراجل، فاعترضنا الحاج الخراسانية، وكنا لهم.
وكان لنا عين في القافلة، فعاد وعرفنا أن في القافلة رجلاً من أهل شاش وفرغانة معه أثنى عشر حملاً بزاً، وجارية في قبة عليها حلي ثقيل، فجعلنا أعيننا عليه، حتى وثبنا عليه، وهو وجاريته في عمارية.
قال: فقطعنا قطاره وكتفناه، وأدخلناه وما معه بين الجبال، ووقعنا على ما معه، وفرحنا بالغنيمة.
وكان للرجل برذون أصفر يساوي مائتي درهم، فلما رآنا نريد القفول، قال: يا فتيان، هنأكم الله بما أخذتم، ولكني رجل حاج، بعيد الدار، فلا تتعرضوا لسخط الله بمنعي من الحج، وأما المال فيذهب ويجيء، وتعلمون، أنه لا نجاة لي إلا على هذا البرذون، فاتركوه لي، فليس يبين ثمنه في الغنيمة التي أخذتموها، فتشاورنا على ذلك.
فقال شيخ فينا مجرب: لا تردوه عليه، واتركوه مكتوفاً هنا، فإن كان في أجله تأخير، فسيقيض الله له من يحل كتافه، وكنت فيمن عزم على هذا.
وقال بعضنا: ما مقدار دابة بمائتي درهم حتى نمنعها رجلاً حاجاً، فلا حاجة لنا فيها، وجعلوا يرققون قلوب الباقين حتى سمحنا بذلك، فأطلقناه، ولم ندع عليه إلا ثوباً يستر عورته.
فقال: يا فتيان، قد مننتم علي، وأحسنتم إلي، ورددتم دابتي، وأخشى إذا أنا سرت أن يأخذها غيركم، فأعطوني قوس ونشابي، أذب بها عن نفسي وعن فرسي.
فقلنا: إنا لا نرد سلاحاً على أحد.
فقال بعضنا: وما مقدار قوس قيمته درهمان، وما نخشى من مثل هذا ؟ فأعطيناه قوسه ونشابه، وقلنا له: انصرف، فشكرنا، ودعا لنا، ومضى حتى غاب عن أعيننا.
فما كدنا نسير، والجارية تبكي، وتقول: أنا حرة، ولا يحل لكم أن تأخذوني.
فنحن في هذا، وإذا بالرجل قد كر راجعاً، وقال: يا فتيان، أنا لكم ناصح، فإنكم قد أحسنتم إلي، ولا بد لي من مكافأتكم على إحسانكم، بنصيحتي لكم.
فقلنا: وما نصيحتك ؟ فقال: دعوا ما في أيدكم، وانصرفوا سالمين بأنفسكم، ولكم الفضل، فإنكم مننتم على رجل واحد، وأنا أمن على سبعين رجلاً، وإذا هو قد انقلبت عيناه في وجهه، وخرج الزبد من أشداقه، وصار كالجمل الهائج.

فهزأنا به، وضحكنا عليه، ولم نلتفت إلى كلامه، فأعاد علينا النصيحة، وقال: يا قوم قد مننت عليكم، فلا تجعلوا لي إلى أرواحكم سبيلاً.
فزاد غيظنا عليه، فقصدناه، وحملنا عليه، فانحاز منا، ورمى بخمس نشابات، كانت بيده، فقتل بها منا خمسة، واحداً، واحداً.
وقال: إن جماعتكم تموت على هذا، إن لم تخلوا عما في أيديكم.
فلم نزل ندافعه، ويقتل منا، حتى قتل ثلاثين رجلاً، وبقي معه نشاب في جعبته.
فقلنا: أما ترون ويحكم أنه لم يخط له سهم واحد ؟ وأحجمت الجماعة عنه، وأفرجنا عن الجمال والقبة، فصار القطار في حوزته.
فتنكس ونحن نراه، ففتق عدلاً بسيف أخرجه من رحله، وأخرج منه جعبة نشاب، وأراناها، فلما رأينا ما صار إليه من النشاب يئسنا منه وولينا عنه.
فقال: يا فتيان، سألتكم هذا فلم تجيبوني إليه فمن نزل عن دابته فهو آمن، ومن أحب أن يكون فارساً، فهو بشأنه أبصر.
فشددنا عليه، فقتل منا جماعة، فاضطررنا إلى أن ترجلنا، فحاز دوابنا وحده، وساقها قليلاً.
ثم رجع، وقال: أطالبكم بحكمكم، من رمى سلاحه فهو آمن، ومن تمسك به فهو أبصر، فرمينا سلاحنا.
فقال: امضوا سالمين آمنين، فأخذ جميع السلاح والدواب، وإنا لندعوها بأسمائها، فتشذ عنه، فيرميها فيصرعها، حتى قتل منها جماعة، وفاتتنا الغنيمة، والسلاح.
وكان ذلك سبب توبتي، أنفةً لما لحقنا منه، وأنا على ذلك الحال إلى اليوم.

الباب الثاني عشر

فيمن ألجأه الخوف إلى هرب واستتار

فأبدل بأمن ومستجد نعم ومسار

يحيى بن طالب الحنفي يبارح وطنه مديناً ويعود إليه موسراً
أخبرني أبو بكر محمد بن يحيى الصولي، فيما أجاز لي روايته عنه، بعدما سمعته منه، قال: حدثنا محمد بن زكريا الغلابي، قال: غني الرشيد يوماً بهذا الشعر:
ألا هل إلى شمّ الخزامى ونظرةٍ ... إلى قرقرى قبل الممات سبيل
فيا أثلاث القاع من بطن توضحٍ ... حنيني إلى أظلالكنّ طويل
أريد نهوضاً نحوكم فيصدّني ... إذا رمته دينٌ عليّ ثقيل
قال مؤلف الكتاب: ووجدت الشعر في غير هذه الرواية:
ويا أثلاث القاع قد ملّ صحبتي ... صحابي فهل في ظلّكنّ مقيل
أحدّث نفسي عنك أن لست راجعاً ... إليك فحزني في الفؤاد دخيل
رجع للحديث.
فاستحسن الرشيد الشعر، وسأل عن قائله، فعرف أنه ليحيى بن طالب الحنفي اليمامي.
فقال: حي هو أم ميت ؟ فقال بعض الحاضرين: هو حي كميت.
قال: ولم ؟ قال: هرب من اليمامة، لدين عليه ثقيل، فصار إلى الري.
فأمر الرشيد أن يكتب إلى عامله بالري، يعرفه ذلك، وأن يدفع إليه عشرة آلاف درهم، وأن يحمل إلى اليمامة على دواب البريد، وكتب إلى عامله باليمامة بقضاء دينه.
فلما كان بعد أيام، قال الرشيد لمن حضره: إن الكتب وردت بامتثال ما أمرت به.
وعاد يحيى إلى وطنه موسراً، وقد قضي دينه عنه، من غير سعي منه في ذلك.
العتابي يؤدب الأمين والمأمونذكر محمد بن عبدوس في كتابه كتاب الوزراء، قال: حدثني عبد الواحد بن محمد، يعني الخصيبي، قال: حدثني يموت بن المزرع، قال: كان العتابي، يقول بالاعتزال، فاتصل ذلك بالرشيد، وكثر عليه في أمره، فأمر فيه بأمر غليظ، فهرب إلى اليمن، وكان مقيماً فيها على خوف وتوق.
فاحتال يحيى بن خالد، إلى أن أسمع الرشيد شيئاً من خطبه ورسائله، فاستحسنها الرشيد، وسأل عن الكلام لمن هو ؟ فقال يحيى: هو كلام العتابي، وإن رأيت يا أمير المؤمنين، أن يحضر حتى يسمع الأمين والمأمون، ويضع لهما خطباً، لكان في ذلك صلاحاً لهما.
فأمنه الرشيد، وأمر بإحضاره.
ولما اتصل خبر ذلك بالعتابي، قال يمدح يحيى بن خالد:
ما زلت في سكرات الموت مطّرحاً ... قد غاب عنّي وجه الأرض من خبلي
فلم تزل دائباً تسعى لتنقذني ... حتى أختلست حياتي من يد الأجل
لماذا قتل أبو سلمة الخلالوذكر في بعض كتب الدولة:

أن أبا سلمة الخلال، لما قوي الدعاة، وشارفوا العراق، وقد ملكوا خراسان وما بينها وبين العراق، استدعى بني العباس، فصيرهم في منزله بالكوفة، وكان له سرداب، فجعل فيه جميع من كان حياً في ذلك الوقت من ولد عبد الله ابن العباس، وفيهم السفاح، والمنصور، وعيسى بن موسى، وهو يراعي الأخبار.
وكان الدعاة يؤمرون بقصده إذا ظهروا وغلبوا على الكوفة، ليعرفهم الإمام، فيسلمون الأمر إليه.
فلما أوقع قحطبة بابن هبيرة الوقعة العظيمة على الفرات، وغرق قحطبة، وانهزم ابن هبيرة، ولحق بواسط، وتحصن بها، ودخل ابنا قحطبة الكوفة بالعسكر كله، قالوا لأبي سلمة: أخرج إلينا الإمام، فدافعهم، وقال: لم يحضر الوقت الذي يجوز فيه ظهور الإمام، وأخفى الخبر عن بني العباس، وعمل على نقل الأمر عنهم، إلى ولد فاطمة رضي الله عنهم، وكاتب جماعة منهم، فتأخروا عنه.
وساء ظن بني العباس به، فاحتالوا حتى أخرجوا مولى لهم أسود كان معهم في السرداب، وقالوا له: اعرف لنا الأخبار، فعاد إليهم، وعرفهم أن قحطبة غرق، وأن ابن هبيرة انهزم، وأن ابني قحطبة قد دخلا الكوفة بالعسكر منذ كذا وكذا.
فقالوا: أخرج وتعرض لابني قحطبة، وأعلمهما بمكاننا، ومرهما بأن يكبسا الدار علينا ويخرجانا.
فخرج المولى، وكان حميد بن قحطبة عارفاً به، فتعرض له، فلما رآه أعظم رؤيته، وقال: ويلك ما فعل سادتنا، وأين هم ؟ فخبره بخبرهم، وأدى إليه رسالتهم.
فركب في قطعة من الجيش، وأبو سلمة غافل، فجاء حتى ولج الدار، وأراه الأسود السرداب، فدخل ومعه نفر من الجيش، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فقالوا: وعليكم السلام.
فقال: أيكم ابن الحارثية ؟ وكانت أم أبي العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله، وكان إبراهيم بن محمد - الذي يقال له الإمام - لما بث الدعاة، قال لهم: إن حدث بعدي حدث، فالإمام ابن الحارثية الذي معه العلامة، وهي: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض، ونجعلهم أئمةً، ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض، ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون.
قال: فلما قال ابن قحطبة: أيكم ابن الحارثية ؟ ابتدره أبو العباس، وأبو جعفر، كلاهما يقول: أنا ابن الحارثية.
فقال ابن قحطبة: فأيكما معه العلامة ؟ فقال أبو جعفر: فعلمت أني قد أخرجت من الأمر، لأنه لم يكن معي علامة.
فقال أبو العباس: ونريد أن نمن ... وتلا الآية.
فقال له حميد بن قحطبة: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، مد يدك أبايعك، فبايعه.
ثم انتضى سيفه، وقال: بايعوا أمير المؤمنين، فبايعه أخوته، وبنوا عمه، وعمومته، والجماعة الذين كانوا معه في السرداب.
وأخرجه إلى المنبر بالكوفة، وأجلسه عليه، فحصر أبو العباس عن الكلام، فتكلم عنه عمه داود بن علي، فقام دونه على المنبر بمرقاة، وجاء أبو سلمة، وقد استوحش وخاف.
فقال حميد: يا أبا سلمة، زعمت أن الإمام لم يقدم بعد ؟ فقال أبو سلمة: إنما أردت أن أدافع بخروجهم إلى أن يهلك مروان، فإن كانت له كرة لم يكونوا قد عرفوا فيهلكوا، وإن هلك مروان أظهرت أمرهم على ثقة.
فأظهر أبو العباس قبول هذا العذر منه، وأقعده إلى جانبه، ثم دبر عليه بعد مدة حتى قتله.
وقد روي هذا الخبر على غير هذا السياق، فقالوا: قدم أبو العباس السفاح وأهله على أبي سلمة سراً، فستر أمرهم، وعزم على أن يجعلها شورى بين ولد علي والعباس، حتى يختاروا منهم من أرادوا.
ثم خاف أن لا يتفق على الأمر فعزم على أن يعدل بالأمر إلى ولد الحسن والحسين رضي الله عنهم، وهم ثلاثة: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، وعبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي، وعمر بن علي بن الحسين.
ووجه بكتب إليهم مع رجل من مواليهم من ساكني الكوفة.
فبدأ بجعفر بن محمد، فلقيه ليلاً، فأعلمه أنه رسول أبي سلمة، وأن معه كتاباً إليه.
فقال: ما أنا وأبو سلمة، وهو شيعة لغيري ؟ فقال له الرسول: تقرأ الكتاب، وتجيب عنه بما رأيت.
فقال جعفر لخادمه، قرب مني السراج، فقربه، فوضع عليه كتاب أبي سلمة، فأحرقه.
فقال: ألا تجيب عنه ؟ فقال: الجواب ما رأيت.
ثم أتى عبد الله بن الحسن، فقبل كتابه، وركب إلى جعفر.
فقال جعفر: مرحباً بك أبا محمد، لو أعلمتني لجئتك.
فقال: إنه أمر يجل عن الوصف.
فقال: وما هو ؟

قال: هذا كتاب أبي سلمة يدعوني فيه إلى الأمر، ويراني أحق الناس به، وقد جاء به شيعتنا من خراسان.
فقال له جعفر: ومتى صاروا شيعتك ؟ أنت وجهت أبا مسلم إلى خراسان، وأمرته بلبس السواد؟ أتعرف أحداً منهم باسمه ونسبه ؟ قال: لا.
قال: كيف يكونون شيعتك، وأنت لا تعرف أحداً منهم، ولا يعرفونك ؟ فقال عبد الله: هذا الكلام كان منك لشيء.
فقال جعفر: قد علم الله تعالى أني أوجب النصح على نفسي لكل مسلم، فكيف أدخره عنك، فلا تمنين نفسك الأباطيل، فإن هذه الدولة ستتم لهؤلاء القوم، وما هي لأحد من ولد أبي طالب، وقد جاءني مثل ما جاءك.
فانصرف غير راض بما قاله له.
وأما عمر بن علي بن الحسين، فرد عليه الكتاب، وقال: لا أعرف من كتبه.
قال: وأبطأ أبو سلمة على أبي العباس ومن معه، فخرج أصحابه يطوفون بالكوفة، فلقي حميد بن قحطبة، ومحمد بن صول أحد مواليهم، فعرفاه، لأنه كان يحمل إليهم كتب محمد بن علي وإبراهيم بن محمد، فسألاه عن الخبر، فأعلمهما أن القوم قد قدموا، وأنهم في سرداب يعرف ببني أود، فصارا إلى الموضع، فسلما عليهم.
وقالا: أيكما عبد الله ؟ فقال المنصور وأبو العباس: كلانا عبد الله.
فقال: أيكما ابن الحارثية ؟ فقال أبو العباس: أنا.
فقالا: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، ودنوا فبايعوه.
وأحضروه إلى المسجد الجامع، فصعد على المنبر، فحصر، وتكلم عنه عمه داود بن علي، وقام دونه بمرقاة.

أمير البصرة العباسي يحمي أمويا

ً
أخبرنا أبو الفرج علي بن الحسين، المعروف بالأصبهاني، قال: أخبرني أحمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن عمرو، قال: أخبرني، طارق بن المبارك عن أبيه، قال: جاءني رسول عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة، فقال لي: يقول لك عمرو: قد جاءت هذه الدولة وأنا حديث السن، كثير العيال، منتشر الأموال، فما أكون في قبيلة إلا وشهر أمري، وقد عزمت على أن أفدي حرمي بنفسي، وأنا صائر إلى باب الأمير سليمان بن علي، فصر إلي.
فوافيته، فإذا عليه طيلسان مطبق أبيض، وسراويل وشي مشدود.
فقلت: سبحان الله، ما تصنع الحادثة بأهلها، أيها الإنسان تلقى هؤلاء القوم الذين تريد لقاءهم وعليك مثل هذا ؟ قال: والله، ما ذهب علي ذلك، ولكن ليس عندي ثوب، إلا وهو أشهر من هذا.
فأعطيته طيلساني، وأخذت طيلسانه، ولويت سراويله إلى ركبته، فدخل، ثم خرج مسروراً.
فقلت: حدثني بما جرى بينك وبين الأمير.
قال: دخلت إليه، ولم يرني قط، فقلت: أيها الأمير، لفظتني البلاد إليك، ودلني فضلك عليك، فإما قبلتني غانماً، وإما رددتني سالماً.
فقال: من أنت ؟ فانتسبت إليه.
فقال: مرحباً، أقعد فتكلم، غانماً مسروراً، ثم اقبل علي، وقال: ما حاجتك يا ابن أخي ؟ فقلت: إن الحرم اللواتي أنت أقرب الناس إليهن، قد خفن بخوفنا، ومن خاف خيف عليه.
فوالله ما أجابني إلا بدموعه تسيل على خديه، وقال: يا ابن أخي، يحقن الله دمك، ويحفظك في حرمك، ويوفر عليك مالك، والله، لو أمكنني ذلك في جميع أهلك لفعلت، ولكن كن متوارياً كظاهر، وآمناً كخائف، ولتأتني رقاعك.
قال: وكان - والله - يكتب إليه كما كان يكتب الرجل إلى ابن عمه.
قال: فلما فرغ من كلامه، رددت عليه طيلسانه، فقال: مهلاً، إن ثيابنا إذا خرجت عنا، لم تعد إلينا.
ووجدت هذا الخبر، بإسناد ليس هو لي، برواية عن العتبي، قال: حدثنا طارق بن المبارك الذراع البصري - ولم يتجاوزه - قال: قدم جدك عمرو بن معاوية البصرة، حين نكب بنو أمية، قال: فجعل لا ينزل بحي، إلا أجهزوه واشتهر.
فقال لي: أذهب بنا أضع يدي في يد هذا الرجل، يعني سليمان بن علي، وذكر نحوه.
وقال في آخره: فلما صار عمرو إلى منزله، دفعت إليه ثوبه، وطلبت ثوبي، فردهما علي جميعاً، وقال: إنا لم نأخذ ثوبك لنحبسه، ولم نعطك ثوبنا لترده.
عبد الملك بن مروان يؤمن ابن قيس الرقيات ويحرمه العطاء

أخبرني أبو الفرج علي بن الحسين، المعروف بالأصبهاني، إجازة في كتابه: الأغاني الكبير، قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن العباس اليزيدي، وأبو عبد الله الحرمي بن أبي العلاء وغيرهما، قالوا: حدثنا الزبير بن بكار، قال: حدثنا عبد الله بن البصير البربري، مولى قيس بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، قال: قال عبيد الله بن قيس الرقيات: خرجت مع مصعب بن الزبير، حين بلغه خروج عبد الملك بن مروان، فلما نزل مصعب مسكن، وتبين الغدر ممن معه، دعاني، ودعا بمال، فملأ المناطق منه، وألبسنيها.
وقال: أمض حيث شئت، فإني مقتول.
فقلت: لا والله، لا أروح حتى آتي سبيلك، فأقمت معه حتى قتل.
ومضيت إلى الكوفة، فأول بيت دخلته إذا فيه امرأة معها بنتان كأنهما ظبيتان، فرقيت في درجة لها إلى مستشرف، فقعدت فيه.
قال: فأصعدت لي ما أحتاج إليه من الطعام، والشراب، والفرش، والماء، والوضوء.
فأقمت كذلك عندها أكثر من حولن تقوم بكل ما يصلحني، وتغدو علي في كل صباح، فتسألني عن حوائجي، فما سألتني من أنا، ولا أنا سألتها من هي ؟ وأنا في أثناء ذلك أسمع الصياح في، والجعل.
فلما طال بي المقام، وفقدت الصياح والجعل، وغرضت بمكاني، جاءت إلي في الصباح تسألني الحاجة، فأعلمتها أني قد غرضت بموضعي، وأحببت الشخوص إلى أهلي.
فقالت لي: يأتيك ما تحتاج إليه إن شاء الله تعالى.
قال: فلما أمسيت، وضرب الليل برواقه، رقت إلي، وقالت: إن شئت فنزلت، وقد أعدت راحلتين، عليهما جميع ما أحتاج إليه، ومعهما عبد، وأعطت العبد نفقة الطريق، وقالت: العبد والراحلتان لك.
فركبت، وركب معي العبد، حتى أتيت مكة، فدققت باب منزلي، فقالوا: من أنت يا هذا ؟ فقلت: عبيد الله بن قيس الرقيات، فولولوا، وبكوا، وقالوا: لم يرتفع طلبك إلا في هذا الوقت.
فتوقفت عندهم حتى أسحرت، ونهضت، فقدمت المدينة، ومعي العبد، فجئت إلى عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهو يعشي أصحابه، فجلست معهم، وجعلت أتعاجم، وأقول: بناريناواي طيار.
فلما خرج أصحابه، كشفت له عن وجهي، فقال: ابن قيس ؟ فقلت: عائذاً بك.
فقال: ويحك، ما أجدهم في طلبك، وأحرصهم على الظفر بك، ولكني أكتب إلى أم البنين بنت عبد العزيز بن مروان - وهي زوجة الوليد بن عبد الملك - وعبد الملك أرق شيء عليها.
فكتب إليها يسألها التشفع إلى عمها عبد الملك.
فلما وصلها الكتاب، دخلت على عمها، فسألها: هل من حاجة ؟ قالت: نعم، لي حاجة.
فقال: قد قضيت كل حاجة لك، إلا ابن قيس الرقيات.
فقالت: لا تستثنين علي.
فنفخ بيده، فأصاب حر وجهها، فوضعت يدها على خدها.
فقال لها: أرفعي يدك، فقد قضيت كل حاجة لك وإن كانت ابن قيس الرقيات.
فقالت: حاجتي أن تؤمنه، فقد كتب إلي يسألني أن أسألك ذلك.
قال: هو آمن، فمريه يحضر المجلس العشية.
فحضر، وحضر الناس - حين بلغهم - مجلس عبد الملك.
قال: فأخر الإذن لابن قيس، وأذن للناس، فدخلوا، وأخذوا مجالسهم، ثم أذن له.
فلما دخل عليه، قال عبد الملك: يا أهل الشام أتعرفون من هذا ؟ قالوا: لا.
قال: هذا ابن قيس الرقيات، الذي يقول:
كيف نومي على الفراش ولمّا ... تشمل الشام غارةٌ شعواء
تذهل الشيخ عن بنيه وتبدي ... عن خدام العقيلة العذراء
فقالوا: يا أمير المؤمنين، إسقنا دم هذا المنافق.
قال: الآن، وقد أمنته، وصار في منزلي وعلى بساطي ؟ قد أخرت الإذن له لتقتلوه، فلم تفعلوا.
فاستأذنه ابن قيس، أن ينشده مديحه، فأذن له، فأنشده قصيدته التي يقول فيها:
عاد له من كثيرة الطرب ... فعينه بالدموع تنسكب
كوفيّة نازح محلّتها ... لا أمم دارها ولا صعب
واللّه ما إن صبت إليّ ولا ... يعرف بيني وبينها نسب
إلاّ الذي أورثت كثيرة في القل ... ب وللحبّ سورةٌ عجب
حتى قال فيها:
إنّ الأغرّ الذي أبوه أبو ال ... عاص عليه الوقار والحجب
يعتدل التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنّه الذهب
فقال له عبد الملك: يا ابن قيس، تمدحني بالتاج، كأني من العجم، وتقول في مصعب ابن الزبير:

إنّما مصعبٌ شهابٌ من اللّ ... ه تجلّت عن وجهه الظلماء
ملكه ملك رأفةٍ ليس فيه ... جبروت منه ولا كبرياء
أما الأمان فقد سبق لك، ولكن - والله - لا تأخذ مع المسلمين عطاءً أبداً.
وأخبرني أبو الفرج المعروف بالأصبهاني، عن حماد بن إسحاق، عن أبيه: أن عبيد الله بن قيس الرقيات، منعه عبد الملك بن مروان عطاءه من بيت المال، وطلبه ليقتله، فاستجار بعبد الله بن جعفر، وقصده، فالتقاه نائماً.
وكان ابن قيس صديقاً لسائب خاثر، فطلب الإذن على ابن جعفر، فتعذر، فجاء بسائب خاثر ليستأذن له.
قال سائب خاثر: فجئت من قبل رجلي عبد الله بن جعفر، ونبحت نباح الجرو الصغير، فانتبه ولم يفتح عينيه، ورفسني برجله.
قال: فدرت إلى عند رأسه، ونبحت نباح الكلب الهرم، فانتبه وفتح عينيه.
فقال: مالك، ويلك ؟ فقلت: عبيد الله بن قيس الرقيات بالباب.
فقال: ائذن له، فأذنت له، ودخل، فرحب به عبد الله وقربه، فعرفه ابن قيس خبره.
فدعا بظبية فيها دنانير، وقال لي: عد له ما فيها.
فجعلت أعد له، وأطرب، وأحسن صوتي بجهدي، حتى عددت له ثلثمائة دينار، وسكت.
فقال عبد الله: لماذا سكت، ويلك ؟ ما هذا وقت قطع الصوت الحسن.
فجعلت أعد ما في الظبية، وفيها ثمانمائة دينار، فدفعها إليه.
فلما قبضها التفت إلى ابن جعفر، وقال له: تسأل أمير المؤمنين في أمري ؟ قال: نعم، إذا دخلت عليه، ثم إنه دعا له بطعام، فأكل أكلاً فاحشاً، وركب ابن جعفر، فدخل معه إلى عبد الملك، فلما قدم الطعام جعل يسيء الأكل.
فقال عبد الملك، لابن جعفر: من هذا ؟ قال هذا رجل لا يجوز أن يكون كاذباً إن استبقي، وإن قتل كان أكذب الناس.
قال: كيف ؟ قال: لأنه يقول:
ما نقموا من بني أميّة إلاّ ... أنّهم يحلمون إن غضبوا
فإن قتلته بغضبك عليه أكذبكم فيما مدحكم به.
قال: فهو آمن، ولكن لا أعطيه عطاء من بيت المال.
قال: أحب أن تهب لي عطاءه، كما وهبت لي دمه.
قال: قد فعلت، وأمر له بذلك.

هشام بن عبد الملك وحماد الراوية

عن حماد الراوية، قال: كان انقطاعي إلى يزيد بن عبد الملك، جعل هشام يجفوني دون سائر أهله من بني أمية، في أيام يزيد.
فلما مات يزيد، وأفضت الخلافة إلى هشام خفته، ومكثت في بيتي سنة، لا أخرج إلا إلى من أثق به من إخواني سراً.
فلما لم أسمع أحداً يذكرني، أمنت، فخرجت فصليت الجمعة عند باب الفيل، فإذا بشرطيين قد وقفا علي.
وقالا: يا حماد أجب الأمير يوسف بن عمر.
فقلت في نفسي: من هذا كنت أحذر، ثم قلت للشرطيين: هل لكما أن تدعاني آتي بيتي، فأودع أهلي، وداع من لا يرجع إليهم أبداً، ثم أصير معكما ؟ فقالا: ما إلى ذلك سبيل.
فاستسلمت في أيديهما، وصرت إلى الأمير وهو في الإيوان الأحمر، فسلمت عليه، فرد علي السلام، ورمى إلي كتاباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله هشام أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر، أما بعد، فإذا قرأت كتابي هذا، فابعث إلى حماد الراوية من يأتيك به من غير أن يروع ولا يتعتع، وأدفع إليه خمسمائة دينار، وجملاً مهرياً، يسير عليه اثنتي عشرة ليلة إلى دمشق، فأخذت الخمسمائة دينار، وإذا جمل مرحول، فجعلت رجلي في الغرز، وسرت اثنتي عشرة ليلة، حتى دانيت دمشق.
ونزلت على باب هشام، واستأذنت عليه، فأذن لي، فدخلت عليه في دار قوراء، مفروشة بالرخام، وبين كل رخامتين قضيب ذهب، وحيطانه كذلك، وهشام جالس على طنفسة حمراء، وعليه ثياب خز حمر، وقد تضمخ بالمسك والعنبر، وبين يديه مسك مفتوت في أواني ذهب، يقلبه بيده، فتفوح رائحته.
فسلمت عليه، فرد علي، واستدناني، فدنوت منه، حتى قبلت رجله.
وإذا جاريتان لم أر مثلهما، في أذن كل واحدة منهما حلقتان فيهما لؤلؤتان تتوقدان.
قال: أتدري فيم بعثت إليك ؟ قلت: لا.
قال: بعثت إليك بسبب بيت خطر في بالي، لم أدر من قائله.
قلت: وما هو ؟ قال:
ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينةٌ في يمينها إبريق
فقلت: هذا يقوله عدي بن زيد العبادي، في قصيدة له.
قال: أنشدنيها، فأنشدته:
بكّر العاذلون في وضح الصب ... ح يقولون لي أما تستفيق

ويلومون فيك يا ابنة عبد الّ ... له والقلب عندكم موثوق
لست أدري إذ أكثروا العذل فيها ... أعدوّ يلومني أم صديق
ودعوا بالصبوح يوماً فجاءت ... قينةٌ في يمينها إبريق
قدّمته على عقار كعين ال ... ديك صفّى خلالها الراووق
قال: فطرب، ثم قال: أحسنت يا حماد، والله، يا جارية: اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي.
وقال: أعد.
فأعدته، فاستخفه الطرب حتى نزل عن فراشه، ثم قال للجارية الأخرى: اسقيه، فسقتني شربة ذهبت بثلث عقلي.
فقلت: إن سقيت الثالثة افتضحت.
ثم قال: سل حوائجك.
قلت: كائنة ما كانت ؟ قال: نعم.
قلت: إحدى الجاريتين.
قال: هما لك بما عليهما ومالهما.
ثم قال للأولى: اسقيه، فسقتني شربة سقطت منها ولم أعقل حتى أصبحت، فإذا بالجاريتين عند رأسي، وإذا عشرة من الخدم مع كل واحد منهم بدرة.
وقال لي أحدهم: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام، ويقول لك: خذ هذا فانتفع به في سفرك.
فأخذتها، والجاريتين، وانصرفت.

أكل على مائدته فأمضى له الأمان

عن عبد الله بن عمران أبي فروة، قال: كان عبد الله بن الحجاج الثعلبي من أشراف قيس، وكان مع ابن الزبير، فلما قتل، دخل عبد الله بصفة أعرابي على عبد الملك بن مروان ليلاً وهو يتعشى مع الناس، فجلس وأكل معهم، ثم وثب فقال:
منع القرار فجئت نحوك هارباً ... جيشٌ يجرّ ومقنبٌ يتلمّع
فقال: أي الأخابيث أنت ؟، فقال:
إرحم أصيبية هديت كأنّهم ... حجلٌ تدرّج بالسريّة جوّع
فقال: أجاع الله بطونهم، فأنت أجعتهم، فقال:
مالٌ لهم مما يضنّ جمعته ... يوم القليب فحيز عنهم أجمع
فقال: كسب سوء خبيث، فقال:
ولقد وطئت بني سعيد وطأة ... وابن الزبير فعرشه متضعضع
وأرى الذين رجوا تراث محمّد ... أفلت نجومهم ونجمك يسطع
فقال: الحمد لله على ذلك، فقال:
أدنو لترحمني وتقبل توبتي ... وأراك تدفعني فأين المدفع ؟
فقال: إلى النار، فقال:
ضاقت ثياب الملبسين فأولني ... عرفاً وألبسني فثوبك أوسع
قال: فرمى إليه بمطرف خز كان عليه.
فقال عبد الله: أمنت والله.
فقال له عبد الملك: كن من شئت إلا عبد الله بن الحجاج.
فقال: أنا - والله - هو، وقد أمنتني، أكلت طعامك، ولبست ثيابك، فأي خوف علي.
فقال: ما هداك إلا جدك، وأمضى له الأمان.
الفضل بن الربيع يتحدث عما لاقى أيام استتاره من المأمونحدثني علي بن هشام أبي قيراط الكاتب، بواسط، في سنة اثنتين وستين وثلثمائة، من لفظه، قال: حدثني أبو علي بن مقلة، قبل وزارته الأولى، قال: حدثني أبو عيسى محمد بن سعيد الديناري، عن أبي أيوب سليمان بن وهب عن أبي طالوت كاتب ابن طاهر، قال: سمعت الفضل بن الربيع، يقول: لما استترت من المأمون، أخفيت نفسي حتى عن عيالي وولدي، وكنت أنتقل وحدي.
فلما اقترب المأمون من بغداد، ازداد حذري، وخوفي على نفسي، فتشددت في الاحتياط والتواري، وأفضيت إلى منزل بزاز كنت أعرفه في درب بباب الطاق، وشدد المأمون في طلبي فلم يعرف لي خبراً.
فتذكرني يوماً، فاغتاظ على إسحاق بن إبراهيم، وجد به في طلبي، فأغلظ له، فخرج إسحاق من حضرته، وجد بأصحاب الشرط، وأوقع ببعضهم المكاره، ونادى في الجانبين، من جاء به فله عشرة آلاف درهم وإقطاع غلته ثلاثة آلاف دينار في السنة، وإن من وجد بعد النداء ضرب خمسمائة سوط وهدمت داره وأخذ ماله وحبس طول الدهر، فنودي بذلك عشياً.
فما شعرت، إلا وصاحب الدار قد دخل علي وأخبرني الخبر، وقال: والله، ما أقدر بعد هذا على سترك، ولا آمن من زوجتي، وجاريتي، وغلامي، وأن تشره نفوسهم إلى المال، فيدلون عليك، وأهلك بهلاكك، وإن صفح الخليفة عنك، لم آمن من أن تتهمني بأني دللت عليك، فيكون ذلك أقبح وأشنع، وليس الرأي لي ولك إلا أن تخرج عني.
فورد علي ذلك أعظم مورد، وقلت: إذا جاء الليل خرجت عنك.
قال: ومن يطيق الصبر على هذا الضرر إلى الليل، فإنك إن وجدت عندي قبل الليل أهلكتني وأهلكت نفسك، وهذا وقت حار، وقد طال عهد الناس بك، فقم وتنكر واخرج.
فقلت: كيف أتنكر ؟

فقال: تأخذ أكثر لحيتك، وتغطي رأسك وبعض وجهك، وتلبس قميصاً ضيقاً، وتخرج.
فقلت: أفعل.
فجاء بمقراض فأخذت أكثر لحيتي، وتنكرت، وخرجت من عنده في أول أوقات العصر، وأنا ميت خوفاً.
فمشيت في الشارع، حتى بلغت الجسر، فوجدته قد رش، وهو خال من الناس، متزلق.
فلما توسطته، إذا أنا بفارس من الجند الذين كانوا في داري في أيام وزارتي، قد قرب مني، فعرفني، وقال: طلبة أمير المؤمنين، وعدل إلي ليقبض علي.
فلحلاوة النفس دفعته ودابته، فزلق، ووقع في بعض السفن التي في الجسر، وتعادى الناس لخلاصه، وظنوا أنه زلق بنفسه.
وتشاغل عني بهم، وزدت أنا في المشي، ولم أعد لئلا ينكر حالي من يراني، إلى أن عبرت الجسر ودخلت درب سليمان.
فوجدت امرأة على باب دار مفتوح، فقلت لها: يا امرأة، أنا خائف من القتل، فأجيريني واحقني دمي.
فقالت: أدخل، وأومأت إلى غرفة، فصعدتها.
فلما كان بعد ساعة، إذا بالباب يدق، ففتحته، وإذا زوجها قد دخل، فتأملته، فإذا هو صاحبي على الجسر، وهو مشدود الرأس يتأوه من شجة لحقته، وثيابه مغموسة بالدم.
وسألته المرأة عن خبره، فأخبرها بالقصة، وقال لها: قد زمنت دابتي وأنفذتها لتباع في سوق اللحم، وقد فاتني الغنى، وجعل يشتمني، وهو لا يعلم بوجودي معه في الدار، وأقبلت المرأة تترفق به إلى أن هدأ.
فلما صليت المغرب، وأقبل الظلام، صعدت المرأة إلي، وقالت: أظنك صاحب القصة مع هذا الرجل.
فقلت: نعم.
فقالت: قد سمعت ما عنده، فاتق الله في نفسك واخرج، فدعوت لها.
فنزلت، ففتحت الباب فتحاً رفيقاً، وقالت: اخرج، وكانت الدرجة في الدهليز، فأفضيت إلى الباب، فلما انتهيت إلى آخر الدرب وجدت الحراس قد أغلقوه، فتحيرت.
ثم رأيت رجلاً يفتح باباً بمفتاح رومي، فقلت: هذا رومي، وهو ممن يقبل مثلي.
فدنوت منه وقلت: أسترني، سترك الله.
فقال: ادخل، فدخلت، فرأيته رجلاً فقيراً وحيداً، فأقمت ليلتي عنده، وبكر من غد، وعاد نصف النهار ومعه حمالان يحمل أحدهما حصيراً ومخدة، وجرار، وكيزان، وغضائر جدداً، وقدراً جديداً، ويحمل الآخر خبزاً وفاكهة، ولحماً، وثلجاً، فدخل، وترك ذلك كله عندي، وأغلق الباب.
فنزلت، وعذلته، وقلت له: لم كلفت نفسك هذا ؟ فقال: أنا رجل مزين، وأخاف أن تستقذرني، وقد أفردت لك هذا، فاطبخ أنت وأطعمني في غضارة أجيء بها من عندي، فشكرته على ذلك، وأقمت عنده ثلاثة أيام.
فلما كان آخر اليوم الثالث، ضاق صدري، فقلت له: يا أخي الضيافة ثلاثة أيام، وقد أحسنت وأجملت، وأريد الخروج.
فقال: لا تفعل، فإني وحيد، ولست ممن يطرق، وخبرك لا يخرج من عندي أبداً، فأقم إلى أن يفرج الله عنك، فلست أتثاقل بك.
فأبيت للحين، وخرجت على وجهي أريد منزل عجوز بباب التبن من موالينا، فدققت الباب عليها، فخرجت، فلما رأتني بكت، وحمدت الله على رؤيتي، وأدخلتني الدار.
فلما كان في السحر، وأنا نائم، بكرت العجوز فغمزت علي بعض أصحاب إسحاق بن إبراهيم، فما شعرت إلا بإسحاق نفسه، في خيله ورجله، قد أحاط بالدار، ثم كبسها واستخرجني منها، حتى أوقفني بين يدي المأمون حافياً حاسراً.
فلما رآني سجد طويلاً ثم رفع رأسه، وقال: يا فضل، أتدري لم سجدت ؟ فقلت: نعم، شكراً لله تعالى الذي أظفرك بعدو دولتك، المغري بينك وبين أخيك.
قال: ما أردت هذا، ولكني سجدت شكراً لله على ما ألهمنيه من العفو عنك، فحدثني بخبرك ؟ فشرحته له من أوله إلى آخره.
فأمر بإحضار العجوز مولاتنا، وكانت في الدار تنتظر الجائزة، فقال لها: ما حملك على ما فعلت، مع إنعامه وإنعام أهله عليك ؟ قالت: رغبة في المال.
قال: هل لك زوج أو ولد أو أخ ؟ قالت: لا، فأمر بضربها مائة سوط، وتخليدها في السجن.
ثم قال لإسحاق: أحضر الساعة الجندي، وامرأته، والمزين، فحضروا في مجلس واحد، فاستثبتني فيهم، فعرفته أنهم القوم بأعيانهم.
فسأل الجندي عن السبب الذي حمله على فعله، فقال: الرغبة في المال، ووالله، إنه الذي أثبتني في الجيش، ولكني رغبت في المال العاجل.
فقال: أنت بأن تكون حجاماً أولى بأن تكون من أوليائنا، وأمر بأن يسلم للمزينين في الدار، ويوكل به من يعسفه حتى يتعلم الحجامة.
وأمر باستخدام زوجته قهرمانة في دور حرمه، وقال: هذه المرأة عاقلة أديبة.

وأمر بتسليم دار الجندي وقماشه إلى المزين، وأن يجعل رزقه له، ويجعل جندياً مكان ذلك الجندي، وأطلقني إلى داري.
فرجعت إليها آخر النهار، آمناً، مطمئناً.
ووجدت الخبر بخلاف هذا في كتاب الوزراء لابن عبدوس، فإنه ذكر: أن الفضل ابن الربيع استتر، فطال استتاره، واستعجمت عليه الأخبار، فغير زيه، وخرج في السحر، وكان استتر بناحية الحربية من الجانب الغربية.
فمشى وهو لا يدري أين يقصد، لحيرته، وبعد عهده بالطرق، فأداه المشي إلى الجسر، وقد أسفر الصبح، فأيقن بالعطب، وقصد منزلاً لرجل كانت بينه وبينه مودة، بسويقة نصر.
فلما صار ببعض المشارع، سمع النداء عليه، ببذل عشرة آلاف درهم، فتخفى حتى جاوزه الركبان والمنادي، ومشى.
فرآه رجل، فانتبه له، وقال: يا فضل، وكان في أحد جانبي الطريق الذي الفضل فيه، فأمه إلى الجانب الذي كان فيه، ليقبض عليه، فاعترضته حمير وجمال عليها جص.
ونظر الفضل يميناً وشمالاً، فلم يجد مذهباً، وبصر بدرب، فدخله، فوجده لا ينفذ، ووجد في صدره باباً مفتوحاً، فهجم على المنزل، وفيه امرأة، فاستغاث بها، فأجارته، وبادرت إلى الباب فأغلقته، وناشدها الله أن تستره إلى الليل، فأمرته بالصعود إلى غرفة لها، فلم يستقر به القعود حتى دق الباب، فلما فتح الباب، دخل الرجل الذي رآه، وعزم على القبض عليه، وإذا المنزل له.
فقال لزوجته: فاتني الساعة عشرة آلاف درهم.
قالت له: وكيف ذلك ؟ قال لها: مر بي الفضل، فمددت يدي لأقبض عليه، فابتلعته الأرض.
فقالت له امرأته: الحمد لله - عز وجل - الذي كفاك أمره وأبقى دينك عليك، ولم تكن سبباً لسفك دمه، أو مكروه يلحقه.
فلما خرج، صعدت إليه، فقالت: قد سمعت، وما هذا المكان لك بموضع، فخرج إلى بعض منازل معامليه، فلما صار إليه، نبه العامل عليه، وأسلمه إلى طالبيه، فحمل إلى المأمون، فلما رآه، وسأله عن خبره، شرح له قصته، فأمر للمرأة بثلاثين ألف درهم وقال للرسول: قل لها، يقول لك الفضل: هذا جزاء لك على ما فعلته من الجميل، فردتها، وأبت قبولها، وقالت: لست آخذ على شيء فعلته لله عز وجل، جزاءً، إلا منه.

وما قتل الأحرار كالعفو عنهم

حدثنا أبو الحسن محمد بن عمر بن شجاع، المتكلم البغدادي، الملقب بجنيد، قال: حدثنا الفضل بن ماهان السيرافي، وكان مشهوراً بسلوك أقاصي بلاد البحر، قال؛ قال لي رجل من بعض بياسرة الهند، والبيسر هو المولود على ملة الإسلام هناك، قال: كان في أحد بلاد الهند ملك حسن السيرة، وكان لا يأخذ ولا يعطي مواجهة، وإنما كان يقلب يده إلى وراء ظهره. فيأخذ ويعطي بها، إعظاماً للملك، وهي سنة لهم هناك ولأولادهم.
وإنه توفي، فوثب رجل من غير أهل المملكة، فاحتوى على ملكه، وهرب ابن له كان يصلح للملك خوفاً على نفسه من المتغلب.
ورسوم ملوك الهند، أن الملك إذا قام عن مجلسه، لأي حاجة عرضت له، كانت عليه صدرة، قد جمع فيها كل نفيس وفاخر من اليواقيت والجواهر، مضروب في الإبريسم في الصدرة، ويكون فيها من الجواهر ما إن لو أراد أن يقيم بها ملكاً أقامه.
قال: ويقولون: ليس بملك من إذا قام عن مجلسه وليست معه، حتى إذا حدثت عليه حادثة وهرب بها أمكنه إقامة ملك منها.
فلما حدثت على الملك تلك الحادثة، أخذ ابنه صدرته وهرب بها.
فحكى عن نفسه: أنه مشى ثلاثة أيام، قال: ولم أطعم طعاماً، ولم تكن معي فضة ولا ذهب، فأبتاع به مأكولاً، ولم أقدر على إظهار ما معي، وأنفت أن أستطعم.
قال: فجلست على قارعة الطريق، فإذا رجل هندي، مقبل وعلى كتفه كارة، فحطها وجلس حذائي.
فقلت: أين تريد ؟ قال: الرستاق الفلاني.
قلت: وأنا الآخر كذلك.
قال؛ فنصطحب ؟ قلت: نعم.
فصحبته طمعاً في أن يعرض علي شيئاً من مأكوله، فلم يفعل، ولم تطب نفسي أن أبدأه بالسؤال.
فلما فرغ قام يمشي، فمشيت معه، وبت معه، طمعاً في أن تحمله المؤانسة على العرض علي، فعمل بالليل كما عمل بالنهار.
قال: وأصبحنا في غد، فمشينا، فعاملني بمثل ذلك أربعة أيام، فصار لي سبعة أيام لم أذق فيها شيئاً.
فأصبحت في الثامن ضعيفاً مهووساً لا قدرة لي على المشي، فعدلت عن الطريق، وفارقت الرجل، فرأيت قوماً يبنون، وقيماً عليهم، فقلت للقيم: استعملني مثل هؤلاء بأجرة تعطينيها عشياً.
فقال: نعم، ناولهم الطين.

فقلت: عجل لي أجرة يوم، ففعل، فابتعت بها ما أكلته.
وقمت أناولهم الطين، فكنت - لعادة الملك - أقلب يدي إلى ظهري وأعطيهم الطين، فكما أذكر أن ذلك خطأ ينبه علي ويسفك دمي، أبادر بتلافي ذلك، فأرد يدي بسرعة من قبل أن يفطنوا بي.
قال: فلمحتني امرأة قائمة، فأخبرت سيدتها بخبري، وكانت صاحبة البناء، وقالت: لا بد أن يكون هذا من أولاد الملوك.
قال: فلما انقضى النهار، وانصرف الصناع، فأردت الانصراف معهم. تقدمت إلى القيم أن يحبسني عن المضي مع الصناع، فاحتبسني.
فجاءتني بالدهن والعروق لأغتسل بهما، وهذا مقدمة إكرامهم، وسنة لعظمائهم، فتغسلت بذلك، وجاءوني بالأرز والسمن والسكر، فطعمت، وعرضت المرأة علي نفسها بالتزويج، فأجبت، وعقدت العقد، ودخلت بها من ليلتي، وأقمت معها أربع سنين، تعطيني من مالها، وتنفق علي، وكانت لها نعمة.
فأنا ذات يوم جالس على باب دارها، وإذا برجل من بلدي، فاستدعيته، فجاء، فقلت له: من أين أنت ؟ فقال: من بلد كذا وكذا، فذكر بلدي.
فقلت: ما جئت تصنع ها هنا ؟ قال: كان فينا ملك، حسن السيرة، فمات، فوثب على ملكه رجل ليس من أهل المملكة، وكان للملك الأول ابن يصلح للملك، فخاف على نفسه فهرب، وإن الملك المتغيب أساء عشرة الرعية، فوثبنا عليه فقتلناه، وانتشرنا في البلاد نطلب ابن الملك المتوفي، لنجلسه مكان أبيه، فما عرفنا له خبراً.
فقلت: أتعرفني ؟ قال: لا.
قلت: أنا طلبتكم.
قال: وأعطيته العلامات، فعلم صحة ما قلته له، فكفر لي.
فقلت: أكتم أمرنا إلى أن ندخل الناحية.
قال: أفعل.
فدخلت إلى المرأة فأعلمتها بالخبر، وحدثتها بأمري كله، وأعطيتها الصدرة.
وقلت: هذه قيمتها كذا وكذا، ومن حالها كذا وكذا، وأنا ماض مع الرجل، فإن كان ما ذكره صحيحاً، فإن العلامة أن يجيئك رسولي فيذكر الصدرة، فانهضي إلي، وإن كانت مكيدة كانت الصدرة لك.
قال: ومضى مع الرجل، فكان الأمر صحيحاً، فأنفذ إلى زوجته من حملها إليه، فجاءت.
فحين اجتمع شمله، واستقام أمره، أمر البنائين فبنوا له دار ضيافة عظيمة، وأمر أن لا يجوز في عمله مجتاز إلا حمل إليها، فيضاف فيها ثلاثة أيام، ويزود لثلاثة أيام أخر، فكان يفعل ذلك، وهو يراعي الرجل الذي صحبه في سفره، ويقدر أن يقع في يده.
فلما كان بعد حول، استعرض الناس، وكان يستعرضهم في كل يوم، فلا يرى الرجل، فيصرفهم، فلما كان في ذلك اليوم، رأى الرجل بينهم.
فحين وقعت عينه عليه، أعطاه ورقة تنبول، وهذه علامة غاية الإكرام، ونهاية رتبة الإعظام، إذا فعله الملك بإنسان من رعيته.
فحين فعل ذلك بالرجل، كفر له، وقبل الأرض، فأمر الملك بتغيير حاله، وإحسان ضيافته.
ثم استدعاه، فقال له: أتعرفني ؟ فقال: كيف لا أعرف الملك، وهو من عظم شأنه، وعلو سلطانه، بحيث هو.
قال: لم أرد هذا، أتعرفني قبل هذا الحال ؟ قال: لا.
فذكره الملك بالقصة، ومنعه إياه من الطعام في السفر.
قال: فبهت الرجل.
فقال الملك: ردوه إلى الدار، وزيدوا في إكرامه، وحضر الطعام فأطعم.
فلما أراد النوم، قال الملك لزوجته: إذهبي إلى هذا الرجل فأغمزيه.
قال: فجاءت المرأة، فلم تزل تغمزه إلى أن نام، فجاءت إلى الملك، وقالت: إنه قد نام.
قال: ليس هذا نوم، حركوه، فحركوه، فإذا هو ميت.
قال: فقالت له المرأة: أي شيء هذا ؟ قال: فساق لها حديثه معه، وقال: وقع في يدي، فتناهيت في إكرامه، والهند لهم أكباد عظيمة، وأفهام طريفة، فأدخلت عليه حسرة عظيمة إذ لم يحسن إلي، فقتلته، وقد كنت أتوقع موته قبل هذا بما توهمه واستشعره من العلة في نفسه، لفرط الحسرة.

الباب الثالث عشر

فيمن نالته شدة في هواه فكشفها الله عنه

وملكه من يهواه

رأى القطع خيراً من فضيحة عاتق
حدثنا أبو بكر محمد بن بكر البسطامي، غلام ابن دريد وصهره، قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن دريد، قال: حدثنا أحمد بن عثمان العلى عن أبي خالد عن الهيثم بن عدي، قال: كان لعمرو بن دويرة السحيمي أخ قد كلف بابنة عم له كلفاً شديداً، وكان أبوها يكره ذلك ويأباه.
فشكاه إلى خالد بن عبد الله القسري، أمير العراق، أنه يسيء جواره، فحبسه، ثم سئل خالد في أمر الفتى، فأطلقه، فبقي الفتى كلفاً بابنة عمه، وهو ناء عنها مدة.

ثم زاد ما في نفسه، فحمله الحب على أن تسور الجدار عليها، وحصل معها.
فأحس به أبوها، فقبض عليه، وأتى به خالد بن عبد الله، وادعى عليه اللصوصية، وأتاه بجماعة شهدوا على أنهم وجدوه في بيته ليلاً، قد دخل للتلصص.
فسأل خالد الفتى، فاعترف أنه دخل ليسرق، وما سرق شيئاً، يدفع بذلك الفضيحة عن ابنة عمه، فأراد خالد أن يقطعه.
فرفع عمرو أخوه إلى خالد رقعة فيها:
أخالد قد واللّه أوطيت عشوة ... وما العاشق المظلوم فينا بسارق
أقرّ بما لم يأته غير أنّه ... رأى القطع خيراً من فضيحة، عاتق
ومثل الذي في قلبه حلّ قلبها ... فمنّ لتجلو الهمّ عن قلب عاشق
ولولا الذي قد خفت من قطع كفّه ... لألفيت في أمريهما غير ناطق