Translate ***

الخميس، 3 مايو 2018

7



وَذَكَرَ قِصّةَ الرّجُلِ الطّوّافِ وَالْحَدِيثَ الّذِي جَاءَ فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَنّهُ كَانَ مَلِكًا مَسَحَ الْأَرْضَ بِالْأَسْبَابِ وَلَمْ يَشْرَحْ مَعْنَى الْأَسْبَابِ . وَلِأَهْلِ التّفْسِيرِ فِيهِ أَقْوَالٌ مُتَقَارِبَةٌ قَالُوا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ سَبَبًا } [ الْكَهْفِ : 84 ] أَيْ عِلْمًا يَتْبَعُهُ وَفِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { فَأَتْبَعَ سَبَبًا } [ الْكَهْفِ : 85 ] أَيْ طَرِيقًا مُوَصّلَةً وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ السّبَبُ حَبْلٌ مِنْ نُورٍ كَانَ مَلَكٌ يَمْشِي بِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ [ ص 67 ] وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِ ذَلِكَ الْمَلِكِ زياقيل ، وَهَذَا يَقْرُبُ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ سَبَبًا أَيْ طَرِيقًا ، وَيَقْرُبُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرًا لِقَوْلِ النّبِيّ " مَسَحَ الْأَرْضَ بِالْأَسْبَابِ " ، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ بِذِي الْقَرْنَيْنِ كَمَا اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ فَأَصَحّ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الطّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ قَالَ سَأَلَ ابْنُ الْكَوّاءِ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ أَرَأَيْت ذَا الْقَرْنَيْنِ أَنَبِيّا كَانَ أَمْ مَلِكًا ؟ لَا نَبِيّا كَانَ وَلَا مَلِكًا ، وَلَكِنْ كَانَ عَبْدًا صَالِحًا دَعَا قَوْمَهُ إلَى عِبَادَةِ اللّهِ فَضَرَبُوهُ عَلَى قَرْنَيْ رَأْسِهِ ضَرْبَتَيْنِ وَفِيكُمْ مِثْلُهُ . يَعْنِي : نَفْسَهُ وَقِيلَ كَانَتْ لَهُ ضَفِيرَتَانِ مِنْ شَعَرٍ وَالْعَرَبُ تُسَمّي الْخُصْلَةَ مِنْ الشّعَرِ قَرْنًا ، وَقِيلَ إنّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ رُؤْيَا طَوِيلَةً أَنّهُ أَخَذَ بِقَرْنَيْ الشّمْسِ فَكَانَ التّأْوِيلُ أَنّهُ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ وَذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ الْقَيْرَوَانِيّ الْعَابِدُ فِي كِتَابِ الْبُسْتَانِ لَهُ قَالَ وَبِهَذَا سُمّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ وَأَمّا اسْمُهُ فَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي هَذَا الْكِتَابِ اسْمُهُ مَرْزَبَى بْنُ مَرْذَبَةَ بِذَالٍ مَفْتُوحَةٍ فِي اسْمِ أَبِيهِ وَزَايٍ فِي اسْمِهِ وَقِيلَ فِيهِ هَرْمَسَ وَقِيلَ هرديس . وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ اسْمُهُ الصّعْبُ بْنُ ذِي مَرَاثِدَ وَهُوَ أَوّلُ التّبَابِعَةِ ، وَهُوَ الّذِي حَكَمَ لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلَامُ فِي بِئْرِ السّبْعِ حِينَ حَاكَمَ إلَيْهِ فِيهَا ، وَقِيلَ إنّهُ أفريدون بْنُ أَثَفَيَانِ الّذِي قَتَلَ الضّحّاكَ ، وَيُرْوَى فِي [ ص 68 ] قَيْسِ بْنِ سَاعِدَةَ الّتِي خَطَبَهَا بِسُوقِ عُكَاظٍ ، أَنّهُ قَالَ فِيهَا : يَا مَعْشَرَ إبَادٍ أَيْنَ الصّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ مَلِكُ الْخَافِقَيْنِ وَأَذَلّ الثّقَلَيْنِ وَعَمّرَ أَلْفَيْنِ ثُمّ كَانَ ذَلِكَ كَلَحْظَةِ عَيْنٍ وَأَنْشَدَ ابْنُ هِشَامٍ لِلْأَعْشَى : وَالصّعْبُ ذُو الْقَرْنَيْنِ أَصْبَحَ ثَاوِيًا بِالْحِنْوِ فِي جَدَثٍ أُمَيْمٍ مُقِيمِ
وَقَوْلُهُ بِالْحِنْوِ يُرِيدُ حِنْوَ قَرَاقِرَ الّذِي مَاتَ فِيهِ ذُو الْقَرْنَيْنِ بِالْعِرَاقِ وَقَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ فِي السّيرَةِ إنّهُ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ، إنّهُ الْإِسْكَنْدَرُ الّذِي بَنَى الإسكندرية ، فَعُرِفَتْ بِهِ قَوْلٌ بَعِيدٌ مِمّا تَقَدّمَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْإِسْكَنْدَرُ سُمّيَ ذَا الْقَرْنَيْنِ أَيْضًا تَشْبِيهًا لَهُ بِالْأَوّلِ لِأَنّهُ مَلَكَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فِيمَا ذَكَرُوا أَيْضًا ، وَأَذَلّ مُلُوكَ فَارِسَ ، وَقَتَلَ دَارَا بْنَ دَارَا ، وَأَذَلّ مُلُوكَ الرّومِ وَغَيْرَهُمْ وَقَالَ الطّبَرِيّ فِي الْإِسْكَنْدَرِ وَهُوَ اسكندروس بْنُ قليقوس ، وَيُقَالُ فِيهِ ابْنُ قَلِيسٍ وَكَانَتْ أُمّهُ زِنْجِيّةً وَكَانَتْ أُهْدِيَتْ لِدَارَا أَكْبَرَ أَوْ سَبَاهَا ، فَوَجَدَ مِنْهَا نَكْهَةً اسْتَثْقَلَهَا ، فَعُولِجَتْ بِبَقْلَةِ يُقَالُ لَهَا : أندروس ، فَحَمَلَتْ مِنْهُ بِدَارَا الْأَصْغَرِ فَلَمّا وَضَعَتْهُ رَدّهَا ، فَتَزَوّجَهَا وَالِدُ الْإِسْكَنْدَرِ فَحَمَلَتْ مِنْهُ بالإسكندروس ، فَاسْمُهُ عِنْدَهُمْ مُشْتَقّ مِنْ تِلْكَ الْبَقْلَةِ الّتِي طَهُرَتْ أُمّهُ بِهَا فِيمَا ذَكَرُوا ، وَذَكَرَ عَنْ الزّبَيْرِ أَنّهُ قَالَ ذُو الْقَرْنَيْنِ هُوَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الضّحّاكِ بْنِ مَعَدّ [ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي ] الْمُحَبّرِ فِي ذِكْرِ مُلُوكِ الْحِيرَةِ ، قَالَ الصّعْبُ بْنُ قَرِينِ [ بْنِ الْهُمّالِ ] : هُوَ ذُو الْقَرْنَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونُوا مُلُوكًا فِي أَوْقَاتٍ شَتّى ، يُسَمّى كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذَا الْقَرْنَيْنِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَالْأَوّلُ كَانَ عَلَى عَهْدِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلَامُ وَهُوَ صَاحِبُ الْخَضِرِ حِينَ طَلَبَ عَيْنَ الْحَيَاةِ فَوَجَدَهَا الْخَضِرُ وَلَمْ يَجِدْهَا ذُو الْقَرْنَيْنِ حَالَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا الظّلُمَاتُ الّتِي وَقَعَ فِيهَا هُوَ وَأَجْنَادُهُ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ مَذْكُورٍ فِي بَعْضِ التّفَاسِيرِ مَشْهُورٍ عِنْدَ الْأَخْبَارِيّينَ .
حُكْمُ التّسَمّي بِأَسْمَاءِ النّبِيّينَ
وَأَمّا قَوْلُ عُمَرَ لِرَجُلِ سَمِعَهُ يَقُولُ يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ لَمْ يَكْفِكُمْ أَنْ تَتَسَمّوْا بِالْأَنْبِيَاءِ حَتّى تَسَمّيْتُمْ بِالْمَلَائِكَةِ إنْ كَانَ عُمَرُ قَالَهُ بِتَوْقِيفِ مِنْ الرّسُولِ عَلَيْهِ السّلَامُ فَهُوَ مَلَكٌ لَا يَقُولُ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إلّا الْحَقّ وَإِنْ كَانَ قَالَهُ بِتَأْوِيلِ تَأَوّلَهُ [ فَقَدْ ] خَالَفَهُ عَلِيّ فِي الْخَبَرِ الْمُتَقَدّمِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ أَيّ الْخَبَرَيْنِ أَصَحّ نَقْلًا ، غَيْرَ أَنّ الرّوَايَةَ الْمُتَقَدّمَةَ عَنْ عَلِيّ يُقَوّيهَا مَا نَقَلَهُ أَهْلُ الْأَخْبَارِ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَكَانَ مِنْ مَذْهَبِ عُمَرَ رَحِمَهُ اللّهُ كَرَاهِيَةُ التّسَمّي بِأَسْمَاءِ [ ص 69 ] الْأَنْبِيَاءِ فَقَدْ أَنْكَرَ عَلَى الْمُغِيرَةِ تَكْنِيَتُهُ بِأَبِي عِيسَى ، وَأَنْكَرَ عَلَى صُهَيْبٍ تَكْنِيَتَهُ بِأَبِي يَحْيَى ، فَأَخْبَرَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - كَنّاهُ بِذَلِكَ فَسَكَتَ وَكَانَ عُمَرُ إنّمَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ الْإِكْثَارَ وَأَنْ يَظُنّ أَنّ لِلْمُسْلِمِينَ شَرَفًا فِي الِاسْمِ إذَا سُمّيَ بِاسْمِ نَبِيّ أَوْ أَنّهُ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ فَكَأَنّهُ اسْتَشْعَرَ مِنْ رَعِيّتِهِ هَذَا الْغَرَضَ أَوْ نَحْوَهُ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ . وَإِلّا فَقَدْ سَمّى بِمُحَمّدِ طَائِفَةٌ مِنْ الصّحَابَةِ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيّ وَطَلْحَةُ وَأَبُو حُذَيْفَةَ وَأَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ وَخَاطِبٌ وَخَطّابٌ ابْنَا الْحَارِثِ كُلّ هَؤُلَاءِ الْمُحَمّدِينَ كَانُوا يُكَنّونَ بِأَبِي الْقَاسِمِ إلّا مُحَمّدَ بْنَ خَطّابٍ وَسَمّى أَبُو مُوسَى ابْنًا لَهُ بِمُوسَى ، فَكَانَ يُكَنّى بِهِ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ سَمّى ابْنَهُ بِيَحْيَى ، وَعَلِمَ بِهِ النّبِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَكَانَ لِطَلْحَةِ عَشَرَةٌ مِنْ الْوَلَدِ كُلّهُمْ يُسَمّى بِاسْمِ نَبِيّ مِنْهُمْ مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ عِيسَى ، وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُحَمّدٌ وَكَانَ لِلزّبَيْرِ عَشْرٌ كُلّهُمْ يُسَمّى بِاسْمِ شَهِيدٍ فَقَالَ لَهُ طَلْحَةُ أَنَا أُسَمّيهِمْ بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَنْتَ تُسَمّيهِمْ بِأَسْمَاءِ الشّهَدَاءِ ، فَقَالَ لَهُ الزّبَيْرُ فَإِنّي أَطْمَعُ أَنْ يَكُونَ بَنِيّ شُهَدَاءَ وَلَا تَطْمَعْ أَنْتَ أَنْ يَكُونَ بَنُوك أَنْبِيَاءَ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَسَمّى رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - ابْنَهُ إبْرَاهِيمَ وَالْآثَارُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ وَفِي السّنَنِ لِأَبِي دَاوُدَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ سَمّوا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ وَأَمّا التّسَمّي بِمُحَمّدِ فَفِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ عَنْ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ مَا كَانَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ وَلَمْ يُسَمّ أَحَدَهُمْ بِمُحَمّدِ فَقَدْ جَهِلَ وَفِي الْمُعَيْطِيّ عَنْ مَالِك ٍ أَنّهُ سُئِلَ عَمّنْ اسْمُهُ مُحَمّدٌ وَيُكَنّى أَبَا الْقَاسِمِ فَلَمْ يَرَ بِهِ بَأْسًا ، فَقِيلَ لَهُ أَكَنّيْت ابْنَك أَبَا الْقَاسِمِ وَاسْمُهُ مُحَمّدٌ ؟ فَقَالَ مَا كَنّيْته بِهَا وَلَكِنّ أَهْلَهُ يُكَنّونَهُ بِهَا ، وَلَمْ أَسْمَعْ فِي ذَلِكَ نَهْيًا ، وَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا ، وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّ مَالِكًا لَمْ يَبْلُغْهُ أَوْ لَمْ يَصِحّ عِنْدَهُ حَدِيثُ النّهْيِ عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ رَوَاهُ أَهْلُ الصّحِيحِ - فَاَللّهُ أَعْلَمُ - وَلَعَلّهُ بَلَغَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنّهُ عَلَيْهِ السّلَامُ - قَالَ " مَا الّذِي أَحَلّ اسْمِي وَحَرّمَ كُنْيَتِي " ؟ وَهَذَا هُوَ النّاسِخُ لِحَدِيثِ النّهْيِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ لِكُلّ أَحَدٍ أَنْ يَتَكَنّى بِأَبِي الْقَاسِمِ كَانَ اسْمُهُ مُحَمّدًا ، أَوْ لَمْ يَكُنْ . وَطَائِفَةٌ إنّمَا يَكْرَهُونَهُ لِمَنْ اسْمُهُ مُحَمّدٌ وَفِي الْمُعَيْطِيّ أَيْضًا [ ص 70 ] وَقَالَ وَمَا عِلْمُهُ بِأَنّهُ مَهْدِيّ ، وَأَبَاحَ التّسْمِيَةَ بِالْهَادِي ، وَقَالَ لِأَنّ الْهَادِيَ هُوَ الّذِي يَهْدِي إلَى الطّرِيقِ وَقَدْ قَدّمْنَا كَرَاهِيَةَ مَالِكٍ التّسَمّيَ بِجِبْرِيلَ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ كَرَاهِيَةَ عُمَرَ لِلتّسَمّي بِأَسْمَاءِ الْمَلَائِكَةِ وَكَرِهَ مَالِكٌ التّسَمّيَ بِيَاسِينَ .
أَسْبَابُ نُزُولِ بَعْضِ الْآيَاتِ وَعَنْ الرّوحِ
وَقَالَ تَعَالَى فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ مِنْ أَمْرِ الرّوحِ { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّا قَلِيلًا } [ الْإِسْرَاءِ 85 ] . [ ص 71 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحُدّثْت عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ، أَنّهُ قَالَ لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - الْمَدِينَةَ ، قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ يَا مُحَمّدُ أَرَأَيْت قَوْلَك : { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّا قَلِيلًا } [ ص 72 ] قَالَ " كُلّا " ، قَالُوا : فَإِنّك تَتْلُو فِيمَا جَاءَك : أَنّا قَدْ أُوتِينَا التّوْرَاةَ فِيهَا بَيَانُ كُلّ شَيْءٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 73 ] إنّهَا فِي عِلْمِ اللّهِ قَلِيلٌ ،وَعِنْدَكُمْ فِي ذَلِكَ مَا يَكْفِيكُمْ لَوْ أَقَمْتُمُوهُ " . قَالَ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِيمَا سَأَلُوهُ عَنْهُ [ ص 74 ] { وَلَوْ أَنّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللّهِ إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ لُقْمَانَ 27 ] أَيْ إنّ التّوْرَاةَ فِي هَذَا مِنْ عِلْمِ اللّهِ قَلِيلٌ .
Sالرّوحُ وَالنّفْسُ
فَصْلٌ
وَذَكَرَ سُؤَالَهُمْ عَنْ الرّوحِ وَمَا أَنْزَلَ اللّهُ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرّوحِ } الْآيَةَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْبَكّائِيّ أَنّهُ قَالَ فِي هَذَا الْخَبَرِ : فَنَادَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - " هُوَ جِبْرِيلُ " وَهَذِهِ الرّوَايَةُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ تَدُلّ عَلَى خِلَافِ مَا رَوَى غَيْرُهُ أَنّ يَهُودَ قَالَتْ لِقُرَيْشِ اسْأَلُوهُ عَنْ الرّوحِ فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ بِهِ فَلَيْسَ بِنَبِيّ وَإِنْ لَمْ يُخْبِرْكُمْ فَهُوَ نَبِيّ ، وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فِيمَا تَقَدّمَ مِنْ الْحَدِيثِ اسْأَلُوهُ عَنْ الرّجُلِ الطّوّافِ وَعَنْ الْفِتْيَةِ وَعَنْ الرّوحِ فَإِنْ أَخْبَرَكُمْ وَإِلّا فَالرّجُلُ مُتَقَوّلٌ فَسَوّى فِي الْخَبَرِ بَيْنَ الرّوحِ وَغَيْرِهِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التّأْوِيلِ فِي الرّوحِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ جِبْرِيلُ لِأَنّهُ الرّوحُ الْأَمِينُ وَرُوحُ الْقُدُسِ ، وَعَلَى هَذَا رِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ لِقُرَيْشِ حِينَ سَأَلُوهُ " هُوَ جِبْرِيلُ " ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الرّوحُ خَلْقٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ عَلَى صُوَرِ بَنِي آدَمَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الرّوحُ خَلْقٌ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ وَلَا تَرَاهُمْ فَهُمْ لِلْمَلَائِكَةِ كَالْمَلَائِكَةِ لِبَنِي آدَمَ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ أَنّهُ قَالَ الرّوحُ مَلَكٌ لَهُ مِائَةُ أَلْفِ رَأْسٍ لِكُلّ رَأْسٍ مِائَةُ أَلْفِ وَجْهٍ فِي كُلّ وَجْهٍ مِائَةُ أَلْفِ فَمٍ فِي كُلّ فَمٍ مِائَةُ أَلْفِ لِسَانٍ يُسَبّحُ اللّهَ بِلُغَاتِ مُخْتَلِفَةٍ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الرّوحُ الّذِي سَأَلَتْ عَنْهُ يَهُودُ هُوَ رُوحُ الْإِنْسَانِ ثُمّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ لَمْ يُجِبْهُمْ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - عَنْ سُؤَالِهِمْ لِأَنّهُمْ سَأَلُوهُ تَعَنّتًا وَاسْتِهْزَاءً فَقَالَ اللّهُ لَهُ قُلْ الرّوحُ مِنْ [ ص 71 ] أَمْرِ رَبّي ، وَلَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يُبَيّنَهُ لَهُمْ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بَلْ قَدْ أَخْبَرَهُمْ اللّهُ بِهِ وَأَجَابَهُمْ عَمّا سَأَلُوا ؛ لِأَنّهُ قَالَ لِنَبِيّهِ قُلْ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي ، وَأَمْرُ الرّبّ هُوَ الشّرْعُ وَالْكِتَابُ الّذِي جَاءَ بِهِ فَمَنْ دَخَلَ فِي الشّرْعِ وَتَفَقّهَ فِي الْكِتَابِ وَالسّنّةِ عَرَفَ الرّوحَ فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ اُدْخُلُوا فِي الدّينِ تَعْرِفُوا مَا سَأَلْتُمْ فَإِنّهُ مِنْ أَمْرِ رَبّي ، أَيْ مِنْ الْأَمْرِ الّذِي جِئْت بِهِ مُبَلّغًا عَنْ رَبّي ، وَذَلِكَ أَنّ الرّوحَ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهِ مِنْ جِهَةِ الطّبِيعَةِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الْفَلْسَفَةِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الرّأْيِ وَالْقِيَاسِ وَإِنّمَا يُعْرَفُ مِنْ جِهَةِ الشّرْعِ فَإِذَا نَظَرْت إلَى مَا فِي الْكِتَابِ وَالسّنّةِ مِنْ ذِكْرِهِ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { ثُمّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ } [ السّجْدَةِ 9 ] أَيْ مِنْ رُوحِ الْحَيَاةِ وَالْحَيَاةُ مِنْ صِفَاتِ اللّهِ سُبْحَانَهُ وَالنّفْخُ فِي الْحَقِيقَةِ مُضَافٌ إلَى مَلَكٍ يَنْفُخُ فِيهِ بِأَمْرِ رَبّهِ وَتَنْظُرُ إلَى مَا أَخْبَرَ بِهِ الرّسُولُ عَلَيْهِ السّلَامُ أَنّ الْأَرْوَاحَ جُنُودٌ مُجَنّدَةٌ وَأَنّهَا تَتَعَارَفُ وَتَتَشَامّ فِي الْهَوَاءِ وَأَنّهَا تُقْبَضُ مِنْ الْأَجْسَادِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَنّهَا تُسْأَلُ فِي الْقَبْرِ فَتَفْهَمُ السّؤَالَ وَتَسْمَعُ وَتَرَى ، وَتُنَعّمُ وَتُعَذّبُ وَتَلْتَذّ وَتَأْلَمُ وَهَذِهِ كُلّهَا مِنْ صِفَاتِ الْأَجْسَامِ فَتَعْرِفُ أَنّهَا أَجْسَامٌ بِهَذِهِ الدّلَائِلِ لَكِنّهَا لَيْسَتْ كَالْأَجْسَادِ فِي كَثَافَتِهَا وَثِقَلِهَا وَإِظْلَامِهَا ، إذْ الْأَجْسَادُ خُلِقَتْ مِنْ مَاءٍ وَطِينٍ وَحَمَإِ مَسْنُونٍ فَهُوَ أَصْلُهَا ، وَالْأَرْوَاحُ خُلِقَتْ مِمّا قَالَ اللّهُ تَعَالَى ، وَهُوَ النّفْخُ الْمُتَقَدّمُ الْمُضَافُ إلَى الْمَلَكِ . وَالْمَلَائِكَةُ خُلِقَتْ مِنْ نُورٍ كَمَا جَاءَ فِي الصّحِيحِ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَضَافَ النّفْخَ إلَى نَفْسِهِ فَكَذَلِكَ أَضَافَ قَبْضَ الْأَرْوَاحِ إلَى نَفْسِهِ فَقَالَ { اللّهُ يَتَوَفّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا } [ الزّمَرِ 42 ] وَأَضَافَ ذَلِكَ إلَى الْمَلَكِ أَيْضًا فَقَالَ { قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ } [ السّجْدَةِ 11 ] وَالْفِعْلُ مُضَافٌ إلَى الْمَلَكِ مَجَازًا ، وَإِلَى الرّبّ حَقِيقَةً فَهُوَ أَيْضًا جِسْمٌ وَلَكِنّهُ مِنْ جِنْسِ الرّيحِ وَلِذَلِكَ سُمّيَ رُوحًا مِنْ لَفْظِ الرّيحِ وَنَفْخُ الْمَلَكِ فِي مَعْنَى الرّيحِ غَيْرَ أَنّهُ ضُمّ أَوّلُهُ لِأَنّهُ نُورَانِيّ ، وَالرّيحُ هَوَاءٌ مُتَحَرّكٌ وَإِذَا كَانَ الشّرْعُ قَدْ عَرَفْنَا مِنْ مَعَانِي الرّوحِ وَصِفَاتِهِ بِهَذَا الْقَدْرِ فَقَدْ عَرَفَ مِنْ جِهَةِ أَمْرِهِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ { قُلِ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي } وَقَوْلُهُ مِنْ أَمْرِ رَبّي أَيْضًا ، وَلَمْ يَقُلْ مِنْ أَمْرِ اللّهِ وَلَا مِنْ أَمْرِ رَبّكُمْ يَدُلّ عَلَى خُصُوصٍ وَعَلَى مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ أَنّهُ لَا يَعْلَمُهُ إلّا مَنْ أَخَذَ مَعْنَاهُ مِنْ قَوْلِ اللّهِ سُبْحَانَهُ وَقَوْلِ رَسُولِهِ بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاَللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْيَقِينِ الصّادِقِ وَالْفِقْهِ فِي الدّينِ فَإِنْ كَانَ لَمْ يُخْبِرْ الْيَهُودَ حِينَ سَأَلُوهُ عَنْهُ فَقَدْ أَحَالَهُمْ عَلَى مَوْضِعِ الْعِلْمِ بِهِ . [ ص 72 ]
الْفَرْقُ بَيْنَ الرّوحِ وَالنّفْسِ
فَصْلٌ
وَمِمّا يَتّصِلُ بِمَعْنَى الرّوحِ وَحَقِيقَتِهِ أَنْ تَعْرِفَ هَلْ هِيَ النّفْسُ أَوْ غَيْرُهَا ، وَقَدْ كَثُرَتْ فِي ذَلِكَ الْأَقْوَالُ وَاضْطَرَبَتْ الْمَذَاهِبُ فَتَعَلّقَ قَوْمٌ بِظَوَاهِرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ لَا تُوجِبُ الْقَطْعَ لِأَنّهَا نَقْلُ آحَادٍ وَأَيْضًا فَإِنّ أَلْفَاظَهَا مُحْتَمِلَةٌ لِلتّأْوِيلِ وَمَجَازَاتُ الْعُرْفِ وَاتّسَاعَاتُهَا فِي الْكَلَامِ كَثِيرَةٌ فَمِمّا تَعَلّقُوا بِهِ فِي أَنّ الرّوحَ هِيَ النّفْسُ قَوْلُ بِلَالٍ " أَخَذَ بِنَفْسِي الّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك " مَعَ قَوْلِ النّبِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ " إنّ اللّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا " ، وَقَوْلِهِ - عَزّ وَجَلّ - اللّهُ يَتَوَفّى الْأَنْفُسَ وَالْمَقْبُوضَةُ هِيَ الْأَرْوَاحُ وَلَمْ يُفَرّقُوا بَيْنَ الْقَبْضِ وَالتّوَفّي ، وَلَا بَيْنَ الْأَخْذِ فِي قَوْلِ بِلَالٍ " أَخَذَ بِنَفْسِي الّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك " وَبَيْنَ قَوْلِ النّبِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ " قَبَضَ أَرْوَاحَنَا " ، وَتَنْقِيحُ الْأَقْوَالِ وَتَرْجِيحُهَا يَطُولُ . وَقَدْ رَوَى أَبُو عُمَرَ فِي التّمْهِيدِ حَدِيثًا يَدُلّ عَلَى خِلَافِ مَذْهَبِهِ فِي أَنّ النّفْسَ هِيَ الرّوحُ لَكِنْ عَلّلَهُ فِيهِ أَنّ اللّهَ خَلَقَ آدَمَ وَجَعَلَ فِيهِ نَفْسًا وَرُوحًا ، فَمِنْ الرّوحِ عَفَافُهُ وَفَهْمُهُ وَحِلْمُهُ وَسَخَاؤُهُ وَوَفَاؤُهُ وَمِنْ النّفْسِ شَهْوَتُهُ وَطَيْشُهُ وَسَفَهُهُ وَغَضَبُهُ وَنَحْوُ هَذَا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مَعْنَاهُ صَحِيحٌ إذَا تُؤُمّلَ صَحّ نَقْلُهُ أَوْ لَمْ يَصِحّ وَسَبِيلُك أَنْ تَنْظُرَ فِي كِتَابِ اللّهِ أَوّلًا ، لَا إلَى الْأَحَادِيثِ الّتِي تُنْقَلُ مَرّةً عَلَى اللّفْظِ وَمَرّةً عَلَى الْمَعْنَى ، وَتَخْتَلِفُ فِيهَا أَلْفَاظُ الْمُحَدّثِينَ فَنَقُولُ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { فَإِذَا سَوّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي } وَلَمْ يَقُلْ مِنْ نَفْسِي وَكَذَلِكَ قَالَ { ثُمّ سَوّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ } [ السّجْدَةِ 9 ] وَلَمْ يَقُلْ مِنْ نَفْسِهِ وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ هَذَا ، وَلَا خَفَاءَ فِيمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ فِي الْكَلَامِ وَذَلِكَ يَدُلّ عَلَى أَنّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا فِي الْمَعْنَى ، وَبِعَكْسِ هَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ { تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ } وَلَمْ يَقُلْ تَعْلَمُ مَا فِي رُوحِي ، وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي رُوحِك ، وَلَا يَحْسُنُ هَذَا الْقَوْلُ أَيْضًا أَنْ يَقُولَهُ غَيْرُ عِيسَى ، وَلَوْ كَانَتْ النّفْسُ وَالرّوحُ اسْمَيْنِ لِمَعْنَى وَاحِدٍ كَاللّيْثِ وَالْأَسَدِ لَصَحّ وُقُوعُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَكَانَ صَاحِبِهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ } وَلَا يَحْسُنُ فِي الْكَلَامِ يَقُولُونَ فِي أَرْوَاحِهِمْ وَقَالَ تَعَالَى : { أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ } وَلَمْ يَقُلْ أَنْ تَقُولَ رُوحٌ [ ص 73 ] كَلَامِ اللّهِ تَعَالَى ؟ وَلَكِنْ بَقِيَتْ دَقِيقَةٌ يُعْرَفُ مَعَهَا السّرّ وَالْحَقِيقَةُ وَلَا يَكُونُ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ اخْتِلَافٌ مُتَبَايِنٌ إنْ شَاءَ اللّهُ فَنَقُولُ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ الرّوحُ مُشْتَقّ مِنْ الرّيحِ وَهُوَ جِسْمٌ هَوَائِيّ لَطِيفٌ بِهِ تَكُونُ حَيَاةُ الْجَسَدِ عَادَةً أَجْرَاهَا اللّهُ تَعَالَى ؛ لِأَنّ الْعَقْلَ يُوجِبُ أَلّا يَكُونَ لِلْجِسْمِ حَيَاةٌ حَتّى يُنْفَخَ فِيهِ ذَلِكَ الرّوحُ الّذِي هُوَ فِي تَجَاوِيفِ الْجَسَدِ كَمَا قَالَ ابْنُ فُورَكٍ وَأَبُو الْمَعَالِي وَأَبُو بَكْرٍ الْمُرَادِيّ ، وَسَبَقَهُمْ إلَى نَحْوٍ مِنْهُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيّ ، وَمَعْنَى كَلَامِهِمْ وَاحِدٌ أَوْ مُتَقَارِبٌ .
الرّوحُ سَبَبُ الْحَيَاةِ
فَصْلٌ
فَإِذَا ثَبَتَ أَنّ الرّوحَ سَبَبُ الْحَيَاةِ عَادَةً أَجْرَاهَا اللّهُ تَعَالَى ، فَهُوَ كَالْمَاءِ الْجَارِي فِي عُرُوقِ الشّجَرَةِ صُعُدًا ، حَتّى تَحْيَا بِهِ عَادَةً فَنُسَمّيهِ مَاءً بِاعْتِبَارِ أَوّلِيّتِهِ وَنُسَمّي أَيْضًا هَذَا رُوحًا بِاعْتِبَارِ أَوّلِيّتِهِ وَاعْتِبَارِ النّفْخَةِ الّتِي هِيَ رِيحٌ فَمَا دَامَ الْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمّهِ حَيّا ، فَهُوَ ذُو رُوحٍ فَإِذَا نَشَأَ وَاكْتَسَبَ ذَلِكَ الرّوحُ أَخْلَاقًا وَأَوْصَافًا لَمْ تَكُنْ فِيهِ وَأَقْبَلَ عَلَى مَصَالِحِ الْجِسْمِ كَلَفًا بِهِ وَعَشِقَ مَصَالِحَ الْجَسَدِ وَلَذّاتِهِ وَدَفَعَ الْمَضَارّ عَنْهُ سُمّيَ نَفْسًا ، كَمَا يَكْتَسِبُ الْمَاءُ الصّاعِدُ فِي الشّجَرَةِ مِنْ الشّجَرَةِ أَوْصَافًا لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَالْمَاءُ فِي الْعِنَبَةِ مَثَلًا هُوَ مَاءٌ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ وَالْبَدْأَةِ فَفِيهِ مِنْ الْمَاءِ الْمُيُوعَةُ وَالرّطُوبَةُ وَفِيهِ مِنْ الْعِنَبَةِ الْحَلَاوَةُ وَأَوْصَافٌ أُخَرَ فَتُسَمّيهِ مِصْطَارًا إنْ شِئْت ، أَوْ خَمْرًا إنْ شِئْت ، أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِمّا أَوْجَبَهُ الِاكْتِسَابُ لِهَذِهِ الْأَوْصَافِ فَمَنْ قَالَ إنّ النّفْسَ هِيَ الرّوحُ عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ فَلَمْ يُحْسِنْ الْعِبَارَةَ وَإِنّمَا فِيهَا مِنْ الرّوحِ الْأَوْصَافُ الّتِي تَقْتَضِيهَا نَفْخَةُ الْمَلَكِ وَالْمَلَكُ مَوْصُوفٌ بِكُلّ خُلُقٍ كَرِيمٍ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْحَدِيثِ فَمِنْ الرّوحِ عَفَافُهُ وَحِلْمُهُ وَوَفَاؤُهُ وَفَهْمُهُ وَمِنْ النّفْسِ شَهْوَتُهُ وَغَضَبُهُ وَطَيْشُهُ وَذَلِكَ أَنّ الرّوحَ كَمَا قَدّمْنَا مَازِجُ الْجَسَدِ الّذِي فِيهِ الدّمُ وَيُسَمّى الدّمُ نَفْسًا ، وَهُوَ مَجْرَى الشّيْطَانِ وَقَدْ حَكَمَتْ الشّرِيعَةُ بِنَجَاسَةِ الدّمِ لِسِرّ لَعَلّهُ أَنْ يُفْهَمَ مِمّا نَحْنُ بِسَبِيلِهِ فَمَنْ يَعْرِفُ جَوْهَرَ الْكَلَامِ وَيُنْزِلُ الْأَلْفَاظَ مَنَازِلَهَا ، لَا يُسَمّي رُوحًا إلّا مَا وَقَعَ بِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْجَمَادِ وَالْحَيّ وَاَلّذِي كَانَ سَبَبًا لِلْحَيَاةِ كَمَا فِي الْكِتَابِ الْعَزِيزِ عِنْدَ ذِكْرِ إحْيَاءِ النّطْفَةِ وَنَفْخِ الرّوحِ فِيهَا ، وَلَا يُقَالُ نَفْخُ النّفْسِ فِيهَا إلّا عِنْدَ الِاتّسَاعِ فِي الْكَلَامِ وَتَسْمِيَةُ الشّيْءِ بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ وَمِنْ هَهُنَا سُمّيَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ : رُوحًا ، وَالْوَحْيُ رُوحًا ، لِأَنّ بِهِ تَكُونُ حَيَاةُ الْقُلُوبِ قَالَ اللّهُ سُبْحَانَهُ { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } [ الْأَنْعَامِ 122 ] وَقَالَ فِي الْكُفّارِ { أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ } [ النّحْلِ 21 ] وَقَالَ فِي [ ص 74 ] وَقَالَ { إِنّ النّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسّوءِ } [ يُوسُفَ 53 ] وَلَمْ يَقُلْ إنّ الرّوحَ لَأَمّارَةٌ لِأَنّ الرّوحَ الّذِي هُوَ سَبَبُ الْحَيَاةِ لَا يَأْمُرُ بِسُوءِ وَلَا يُسَمّى أَيْضًا نَفْسًا ، كَمَا قَدّمْنَا حَتّى يَكْتَسِبَ مِنْ الْجَسَدِ الْأَوْصَافَ الْمَذْكُورَةَ وَمَا كَانَ نَحْوَهَا ، وَالْمَاءُ النّازِلُ مِنْ السّمَاءِ جِنْس وَاحِدٌ فَإِذَا مَازَجَ أَجْسَادَ الشّجَرِ كَالتّفّاحِ وَالْفِرْسِكِ وَالْحَنْظَلِ وَالْعُشُرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُ كَذَلِكَ الرّوحُ الْبَاطِنَةُ الّتِي هِيَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ هِيَ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَقَدْ أَضَافَهَا إلَى نَفْسِهِ تَشْرِيفًا لَهَا حِينَ قَالَ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ثُمّ يُخَالِطُ الْأَجْسَادَ الّتِي خُلِقَتْ مِنْ طِينٍ وَقَدْ كَانَ فِي ذَلِكَ الطّينِ طَيّبٌ وَخَبِيثٌ فَيَنْزِعُ كُلّ فَرْعٍ إلَى أَصْلِهِ وَيَنْزِعُ ذَلِكَ الْأَصْلُ إلَى مَا سَبَقَ فِي أُمّ الْكِتَابِ وَإِلَى مَا دَبّرَهُ وَأَحْكَمَهُ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَتَنَافَرُ النّفُوسُ أَوْ تَتَقَارَبُ وَتَتَحَابّ أَوْ تَتَبَاغَضُ عَلَى حَسَبِ التّشَاكُلِ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ وَهِيَ مَعْنَى قَوْلِ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - " فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ " . وَقَدْ كَتَبَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ إلَى صَدِيقٍ لَهُ " إنّ نَفْسِي غَيْرُ مَشْكُورَةٍ عَلَى الِانْقِيَادِ إلَيْك بِغَيْرِ زِمَامٍ فَإِنّهَا صَادَفَتْ عِنْدَك بَعْضَ جَوَاهِرِهَا ، وَالشّيْءُ يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا " .
الْإِنْسَانُ رُوحٌ وَجَسَدٌ
فَصْلٌ
وَقَدْ يُعَبّرُ بِالنّفْسِ عَنْ جُمْلَةِ الْإِنْسَانِ رُوحُهُ وَجَسَدُهُ فَتَقُولُ عِنْدِي ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ وَلَا تَقُولُ عِنْدِي ثَلَاثَةُ أَرْوَاحٍ لَا يُعَبّرُ بِالرّوحِ إلّا عَنْ الْمَعْنَى الْمُتَقَدّمِ ذِكْرُهُ وَإِنّمَا اتّسَعَ فِي النّفْسِ وَعَبّرَ بِهَا عَنْ الْجُمْلَةِ لِغَلَبَةِ أَوْصَافِ الْجَسَدِ عَلَى الرّوحِ حَتّى صَارَ يُسَمّى نَفْسًا ، وَطَرَأَ هَذَا الِاسْمُ بِسَبَبِ الْجَسَدِ كَمَا يَطْرَأُ عَلَى الْمَاءِ فِي الشّجَرِ أَسْمَاءٌ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِ الشّجَرِ مِنْ حُلْوٍ وَحَامِضٍ وَمُرّ وَحِرّيفٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَتَحَصّلَ مِنْ مَضْمُونِ مَا ذَكَرْنَا أَلّا يُقَالَ فِي النّفْسِ هِيَ الرّوحُ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَتّى تُقَيّدَ بِمَا تَقَدّمَ وَلَا يُقَالُ فِي الرّوحِ هُوَ النّفْسُ إلّا كَمَا يُقَالُ فِي الْمَنِيّ هُوَ الْإِنْسَانُ أَوْ كَمَا يُقَالُ لِلْمَاءِ الْمُغَذّي لِلْكَرْمَةِ هُوَ الْخَمْرُ أَوْ الْخَلّ ، عَلَى مَعْنَى أَنّهُ سَتَنْضَافُ إلَيْهِ أَوْصَافٌ يُسَمّى بِهَا خَمْرًا أَوْ خَلّا ، فَتَقْيِيدُ الْأَلْفَاظِ هُوَ مَعْنَى الْكَلَامِ وَتَنْزِيلُ كُلّ لَفْظٍ فِي مَوْضِعِهِ هُوَ مَعْنَى الْبَلَاغَةِ فَافْهَمْهُ . [ ص 75 ]
النّفْسُ
فَصْلٌ
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَمْ يَبْقَ إلّا قَوْلُ بِلَالٍ أَخَذَ بِنَفْسِي الّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك ، فَذَكَرَ النّفْسَ لِأَنّهُ مُعْتَذِرٌ مِنْ تَرْكِ عَمَلٍ أُمِرَ بِهِ وَالْأَعْمَالُ مُضَافَةٌ إلَى النّفْسِ لِأَنّ الْأَعْمَالَ جَسَدَانِيّةٌ وَقَوْلُ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - " إنّ اللّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا فَذَكَرَ الرّوحَ الّذِي هُوَ الْأَصْلُ لِأَنّهُ أَنِسَهُمْ مِنْ فَزَعِهِمْ فَأَعْلَمَهُمْ أَنّ خَالِقَ الْأَرْوَاحِ يَقْبِضُهَا إذَا شَاءَ فَلَا تَنْبَسِطُ انْبِسَاطَهَا فِي الْيَقَظَةِ وَرُوحُ النّائِمِ وَإِنْ وُصِفَ بِالْقَبْضِ فَلَا يَدُلّ لَفْظُ الْقَبْضِ عَلَى انْتِزَاعِهِ بِالْكُلّيّةِ . كَمَا لَا يَدُلّ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ فِي الظّلّ { ثُمّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا } [ الْفُرْقَانِ : 46 ] عَلَى إعْدَامِ الظّلّ بِالْكُلّيّةِ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { اللّهُ يَتَوَفّى الْأَنْفُسَ } فَلَمْ يَقُلْ الْأَرْوَاحَ لِأَنّهُ وَعَظَ الْعِبَادَ الْغَافِلِينَ عَنْهُ فَأَخْبَرَ أَنّهُ يَتَوَفّى أَنْفُسَهُمْ ثُمّ يُعِيدُهَا حَتّى يَتَوَفّاهَا ، فَلَا يُعِيدُهَا إلَى الْحَشْرِ لِتَزْدَجِرَ النّفُوسُ بِهَذِهِ الْعِظَةِ عَنْ سُوءِ أَعْمَالِهَا ؛ إذْ الْآيَةُ مَكّيّةٌ وَالْخِطَابُ لِلْكُفّارِ وَقَدْ تَنَزّلَتْ الْأَلْفَاظُ مَنَازِلَهَا فِي الْحَدِيثِ وَالْقُرْآنِ وَذَلِكَ مَعْنَى الْفَصَاحَةِ وَسِرّ الْبَلَاغَةِ . [ ص 75 ]
عَنْ تَسْيِيرِ الْجِبَالِ وَبَعْثِ الْمَوْتَى
قَالَ وَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِيمَا سَأَلَهُ قَوْمُهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ تَسْيِيرِ الْجِبَالِ وَتَقْطِيعِ الْأَرْضِ وَبَعْثِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ مِنْ الْمَوْتَى : { وَلَوْ أَنّ قُرْآنًا سُيّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا } أَيْ لَا أَصْنَعُ مِنْ ذَلِكَ إلّا مَا شِئْت . وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ خُذْ لِنَفْسِك ، مَا سَأَلُوهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ جِنَانًا وَقُصُورًا وَكُنُوزًا ، وَيَبْعَثَ مَعَهُ مَلَكًا يُصَدّقُهُ بِمَا يَقُولُ وَيَرُدّ عَنْهُ { وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرّسُولِ يَأْكُلُ الطّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظّالِمُونَ إِنْ تَتّبِعُونَ إِلّا رَجُلًا مَسْحُورًا انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا تَبَارَكَ الّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ } أَيْ مِنْ أَنْ تَمْشِيَ فِي الْأَسْوَاقِ وَتَلْتَمِسَ الْمَعَاشَ { جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا } [ الْفُرْقَانِ : 7 - 10 ] . وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلّا إِنّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبّكَ بَصِيرًا } [ الْفُرْقَانِ : 20 ] أَيْ جَعَلْت بَعْضَكُمْ لِبَعْضِ بَلَاءً لِتَصْبِرُوا ، وَلَوْ شِئْت أَنْ أَجْعَلَ الدّنْيَا مَعَ رُسُلِي فَلَا يُخَالِفُوا لَفَعَلْت . [ ص 76 ] وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْهِ فِيمَا قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ : { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيّكَ حَتّى تُنَزّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبّي هَلْ كُنْتُ إِلّا بَشَرًا رَسُولًا } [ الْإِسْرَاءِ 90 - 95 ] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : الْيَنْبُوعُ مَا نَبَعَ مِنْ الْمَاءِ مِنْ الْأَرْضِ وَغَيْرِهَا . وَجَمْعُهُ يَنَابِيعُ . قَالَ ابْنُ هَرْمَةَ . وَاسْمُهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْفِهْرِيّ .
وَإِذَا هَرَقْت بِكُلّ دَارٍ عِبْرَةً ... نُزِفَ الشّؤُونُ وَدَمْعُك الْيَنْبُوعُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ . وَالْكِسَفُ الْقِطَعُ مِنْ الْعَذَابِ . وَوَاحِدَتُهُ كِسْفَةٌ . مِثْلَ سِدْرَةٍ وَسِدَرٍ . وَهِيَ أَيْضًا : وَاحِدَةُ الْكِسَفِ . وَالْقَبِيلُ يَكُونُ مُقَابَلَةً وَمُعَايَنَةً . وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا } أَيْ عِيَانًا . وَأَنْشَدَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ لِأَعْشَى بَنِي قَيْسِ بَنِي ثَعْلَبَةَ
أُصَالِحُكُمْ حَتّى تَبُوؤُوا بِمِثْلِهَا ... كَصَرْخَةِ حُبْلَى يَسّرَتْهَا قَبِيلُهَا
[ ص 77 ] الْقَابِلَةَ لِأَنّهَا تُقَابِلُهَا ، وَتَقْبَلُ وَلَدَهَا . وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ . وَيُقَالُ الْقَبِيلُ جَمْعُهُ قُبُلٌ وَهِيَ الْجَمَاعَاتُ وَفِي كِتَابِ اللّهِ تَعَالَى : { وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلّ شَيْءٍ قُبُلًا } [ الْأَنْعَامِ 111 ] . فَقُبُلٌ جَمْعُ قَبِيلٍ مِثْلَ سُبُلٍ جَمْعُ سَبِيلٍ وَسُرُرٍ جَمْعُ سَرِيرٍ وَقُمُصٍ جَمْعُ قَمِيصٍ . وَالْقَبِيلُ أَيْضًا : فِي مَثَلٍ مِنْ الْأَمْثَالِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ مَا يَعْرِفُ قَبِيلًا مِنْ دَبِيرٍ أَيْ لَا يَعْرِفُ مَا أَقْبَلَ مِمّا أَدْبَرَ قَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ
تَفَرّقَتْ الْأُمُورُ بِوُجْهَتَيْهِمْ ... فَمَا عَرَفُوا الدّبِيرَ مِنْ الْقَبِيلِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ وَيُقَالُ إنّمَا أُرِيدَ بِهَذَا : الْفُتْلُ فَمَا فُتِلَ إلَى الذّرَاعِ فَهُوَ الْقَبِيلُ وَمَا فُتِلَ إلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ فَهُوَ الدّبِيرُ وَهُوَ مِنْ الْإِقْبَالِ وَالْإِدْبَارِ الّذِي ذَكَرْت . وَيُقَالُ فُتِلَ الْمِغْزَلُ . فَإِذَا فُتِلَ إلَى الرّكْبَةِ فَهُوَ الْقَبِيلُ وَإِذَا فُتِلَ إلَى الْوَرِكِ فَهُوَ الدّبِيرُ . وَالْقَبِيلُ أَيْضًا : قَوْمُ الرّجُلِ . وَالزّخْرُفُ الذّهَبُ . وَالْمُزَخْرَفُ الْمُزَيّنُ بِالذّهَبِ . قَالَ الْعَجّاجُ
مِنْ طَلَلٍ أَمْسَى تَخَالُ الْمُصْحَفَا ... رُسُومَهُ وَالْمُذْهَبَ الْمُزَخْرَفَا
وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ وَيُقَالُ أَيْضًا لِكُلّ مُزَيّنٍ مُزَخْرَفٌ . [ ص 76 ]
Sابْنُ هَرْمَةَ
فَصْلٌ
وَاسْتَشْهَدَ ابْنُ هِشَامٍ بِقَوْلِ ابْنِ هَرْمَةَ وَنَسَبُهُ فَقَالَ فِهْرِيّ : وَإِنّمَا هُوَ خُلْجِيّ ، وَالْخُلْجُ اسْمُهُ قَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ بَنِي قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ الْخُلْجِ ، فَقِيلَ لِأَنّهُمْ اخْتَلَجُوا مِنْ قُرَيْشٍ وَسُكّانِ مَكّةَ ، وَقِيلَ لِأَنّهُمْ نَزَلُوا بِمَوْضِعِ فِيهِ خُلْجٌ مِنْ مَاءٍ وَنَسَبُوا إلَيْهِ وَابْنُ هَرْمَةَ وَاسْمُهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيّ بْنِ هَرْمَةَ وَهُوَ شَاعِرٌ مِنْ شُعَرَاءِ الدّوْلَةِ الْعَبّاسِيّةِ وَبَيْتُهُ
وَإِذَا هَرَقْت بِكُلّ دَارٍ عِبْرَةً ... نَزَفَ الشّؤُونُ وَدَمْعُك الْيَنْبُوعُ
وَالشّؤُونُ مَجَارِي الدّمْعِ وَهِيَ أَطْبَاقُ الرّأْسِ وَهِيَ أَرْبَعَةٌ لِلرّجُلِ وَثَلَاثَةٌ لِلْمَرْأَةِ كَذَلِكَ ذَكَرُوا عَنْ أَهْلِ التّشْرِيحِ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي الدّلَائِلِ فَاَللّهُ أَعْلَمُ .
مِنْ شَرْحِ الْآيَاتِ
وَكُلّ مَا شَرَحَ ابْنُ هِشَامٍ مِنْ الْآيَاتِ الّتِي تَلَاهَا ابْنُ إسْحَاقَ ، فَقَدْ تَقَدّمَ مَا يَحْتَاجُ بَيَانُهُ مِنْهُ وَفِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْبَيْتَ يُرَادُ بِهِ الْقَصْرُ وَالْمَنْزِلُ وَإِنْ كَانَ عَظِيمًا ، فَإِنّهُ يُسَمّى بَيْتًا كَمَا قَدّمْنَا فِي شَرْحِ بَيْتِ الْقَصَبِ فِي حَدِيثِ خَدِيجَةَ . [ ص 77 ] [ ص 78 ] [ ص 79 ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِمْ إنّا قَدْ بَلَغْنَا أَنّك إنّمَا يُعَلّمُك رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ . يُقَالُ لَهُ الرّحْمَنُ . وَلَنْ نُؤْمِنَ بِهِ أَبَدًا : { كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبّي لَا إِلَهَ إِلّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ } [ الرّعْدِ 35 ] . وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ فِيمَا قَالَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ - لَعَنَهُ اللّهُ - وَمَا هُمْ بِهِ { أَرَأَيْتَ الّذِي يَنْهَى عَبْدًا إِذَا صَلّى أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتّقْوَى أَرَأَيْتَ إِنْ كَذّبَ وَتَوَلّى أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنّ اللّهَ يَرَى كَلّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنّاصِيَةِ نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزّبَانِيَةَ كَلّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ } سُورَةِ الْعَلَقِ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : لَنَسْفَعًا : لَنَجْذِبَنّ وَلَنَأْخُذَنّ . قَالَ الشّاعِرُ
قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصّرَاخَ رَأَيْتهمْ ... مِنْ بَيْنِ مُلْجِمٍ مُهْرِهِ أَوْ سَافِعِ
وَالنّادِي : الْمَجْلِسُ الّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ الْقَوْمُ وَيَقْضُونَ فِيهِ أُمُورَهُمْ وَفِي كِتَابِ اللّهِ [ ص 78 ] { وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ } [ الْعَنْكَبُوتِ 29 ] وَهُوَ النّدِيّ . قَالَ عَبِيدُ بْنُ الْأَبْرَصِ :
اذْهَبْ إلَيْك فَإِنّي مِنْ بَنِي أَسَدٍ ... أَهْلِ النّدِيّ وَأَهْلِ الْجُرْدِ وَالنّادِي
وَفِي كِتَابِ اللّهِ تَعَالَى : { وَأَحْسَنُ نَدِيّا } [ مَرْيَمَ : 73 ] . وَجَمْعُهُ أَنْدِيَةٌ . يَقُولُ فَلْيَدْعُ أَهْلَ نَادِيَهُ . كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ } [ يُوسُفَ 82 ] يُرِيدُ أَهْلَ الْقَرْيَةِ . قَالَ سَلَامَةُ بْنُ جَنْدَلٍ أَحَدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ :
يَوْمَانِ يَوْمُ مَقَامَاتٍ وَأَنْدِيَةٍ ... وَيَوْمُ سَيْرٍ إلَى الْأَعْدَاءِ تَأْوِيبُ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ . وَقَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ
لَا مَهَاذِيرَ فِي النّدِيّ مَكَاثِ ... يَرَ وَلَا مُصْمِتِينَ بِالْإِفْحَامِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ . وَيُقَالُ النّادِي : الْجُلَسَاءُ . وَالزّبَانِيَةُ الْغِلَاظُ الشّدَادُ وَهُمْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ خَزَنَةُ النّارِ . وَالزّبَانِيَةُ أَيْضًا فِي الدّنْيَا : أَعْوَانُ الرّجُلِ الّذِينَ يَخْدُمُونَهُ وَيُعِينُونَهُ وَالْوَاحِدُ زِبْنِيَةٌ . قَالَ ابْنُ الزّبَعْرَى فِي ذَلِكَ
مَطَاعِيمُ فِي الْمَقْرَى مَطَاعِينُ فِي الْوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلْبٌ عِظَامٌ حُلُومُهَا
يَقُولُ شِدَادٌ . وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ . وَقَالَ صَخْرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْهُذَلِيّ ، وَهُوَ صَخْرُ الْغَيّ وَمِنْ كَبِيرٍ نَفَرٌ زَبَانِيَهْ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِيمَا عَرَضُوا عَلَيْهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ { قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلّا عَلَى اللّهِ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [ سَبَأِ : 47 ] . فَلَمّا جَاءَهُمْ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بِمَا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ وَعَرَفُوا صِدْقَهُ فِيمَا حَدّثَ وَمَوْقِعَ نُبُوّتِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمِ الْغُيُوبِ حِينَ سَأَلُوهُ عَمّا سَأَلُوا عَنْهُ حَالَ الْحَسَدُ مِنْهُمْ لَهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اتّبَاعِهِ وَتَصْدِيقِهِ فَعَتَوْا عَلَى اللّهِ وَتَرَكُوا أَمْرَهُ عِيَانًا ، وَلَجّوا فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْكُفْرِ فَقَالَ قَائِلُهُمْ { لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلّكُمْ تَغْلِبُونَ } أَيْ اجْعَلُوهُ [ ص 79 ] غَلَبَكُمْ . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ يَوْمًا - وَهُوَ يَهْزَأُ بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْحَقّ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ يَزْعُمُ مُحَمّدٌ أَنّ جُنُودَ اللّهِ الّذِينَ يُعَذّبُونَكُمْ فِي النّارِ وَيَحْبِسُونَكُمْ فِيهَا تِسْعَةَ عَشَرَ وَأَنْتُمْ أَكْثَرُ النّاسِ عَدَدًا ، وَكَثْرَةً أَفَيَعْجِزُ كُلّ مِائَةِ رَجُلٍ مَعَكُمْ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ ؟ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ { وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النّارِ إِلّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدّتَهُمْ إِلّا فِتْنَةً لِلّذِينَ كَفَرُوا } [ الْمُدّثّرِ 31 ] إلَى آخِرِ الْقِصّةِ فَلَمّا قَالَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ جَعَلُوا إذَا جَهَرَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بِالْقُرْآنِ وَهُوَ يُصَلّي ، يَتَفَرّقُونَ عَنْهُ وَيَأْبَوْنَ أَنْ يَسْتَمِعُوا لَهُ فَكَانَ الرّجُلُ مِنْهُمْ إذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بَعْضَ مَا يَتْلُو مِنْ الْقُرْآنِ وَهُوَ يُصَلّي ، اسْتَرَقَ السّمْعَ دُونَهُمْ فَرْقًا مَعَهُمْ فَإِنْ رَأَى أَنّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنّهُ يَسْتَمِعُ مِنْهُ ذَهَبَ خَشْيَةَ أَذَاهُمْ فَلَمْ يَسْتَمِعْ وَإِنْ خَفَضَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - صَوْتَهُ فَظَنّ الّذِي يَسْتَمِعُ أَنّهُمْ لَا يَسْتَمِعُونَ شَيْئًا مِنْ قِرَاءَتِهِ وَسَمِعَ هُوَ شَيْئًا دُونَهُمْ أَصَاخَ لَهُ يَسْتَمِعُ مِنْهُ [ ص 80 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَدّثَنِي دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ ، أَنّ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ حَدّثَهُمْ أَنّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا حَدّثَهُمْ إنّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ { وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا } [ الْإِسْرَاءِ 110 ] . مِنْ أَجْلِ أُولَئِكَ النّفَرِ . يَقُولُ لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِك فَيَتَفَرّقُوا عَنْك ، وَلَا تُخَافِتْ بِهَا ، فَلَا يَسْمَعْهَا مَنْ يُحِبّ أَنْ يَسْمَعَهَا مِمّنْ يَسْتَرِقُ ذَلِكَ دُونَهُمْ لَعَلّهُ يَرْعَوِي إلَى بَعْضِ مَا يَسْمَعُ فَيَنْتَفِعُ بِهِ .
خَزَنَةُ جَهَنّمَ وَأَبُو الْأَشَدّيْنِ
فَصْلٌ
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ قَوْلَ أَبِي جَهْلٍ مُسْتَهْزِئًا : يَزْعُمُ مُحَمّدٌ أَنّ جُنُودَ رَبّهِ الّتِي يُخَوّفُكُمْ بِهَا تِسْعَةَ عَشَرَ وَأَنْتُمْ النّاسُ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ . وَأَهْلُ التّفْسِيرِ يَعْزُونَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ إلَى أَبِي الْأَشَدّيْنِ الْجُمَحِيّ وَاسْمُهُ كَلَدَةُ بْنُ أُسَيْدِ بْنِ خَلَفٍ وَأَبُو دَهْبَلٍ الشّاعِرُ هُوَ ابْنُ أَخِيهِ وَاسْمُهُ وَهْبُ بْنُ زَمَعَةَ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي دَهْبَلٍ التّوْأَمَةُ الّتِي يَعْرِفُ بِهَا صَالِحٌ مَوْلَى التّوْأَمَةِ وَهِيَ أُخْتُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ ، وَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرّحْمَنِ قُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ وَأَنّهُ قَالَ اكْفُونِي مِنْهُمْ اثْنَيْنِ وَأَنَا أَكْفِيكُمْ سَبْعَةَ عَشَرَ إعْجَابًا مِنْهُ بِنَفْسِهِ وَكَانَ بَلَغَ مِنْ شِدّتِهِ - فِيمَا زَعَمُوا - أَنّهُ كَانَ يَقِفُ عَلَى جِلْدِ الْبَقَرَةِ وَيُجَاذِبُهُ عَشْرَةٌ لِيَنْتَزِعُوهُ مِنْ تَحْتِ قَدَمِهِ فَيَتَمَزّقُ الْجِلْدُ وَلَا يَتَزَحْزَحُ عَنْهُ وَقَدْ دَعَا النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إلَى الْمُصَارَعَةِ وَقَالَ إنْ صَرَعْتنِي آمَنْت بِك ، فَصَرَعَهُ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مِرَارًا ، وَلَمْ يُؤْمِنْ وَقَدْ نَسَبَ ابْنُ إسْحَاقَ خَبَرَ الْمُصَارَعَةِ إلَى رُكَانَةَ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطّلِبِ وَسَيَأْتِي فِي الْكِتَابِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ وَأَمّا مَا قَالَ أَهْلُ التّأْوِيلِ فِي خَزَنَةِ جَهَنّمَ التّسْعَةَ عَشَرَ فَرُوِيَ عَنْ كَعْبٍ أَنّهُ قَالَ بِيَدِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَمُودٌ لَهُ شُعْبَتَانِ وَإِنّهُ لَيَدْفَعُ بِالشّعْبَةِ تِسْعِينَ أَلْفًا [ ص 80 ] فَائِدَةَ عَدَدِهَا وَتَسْمِيَتِهَا ، وَذَكَرَ الزّبَانِيَةَ وَالْحِكْمَةَ فِي كَوْنِهِمْ عَدَدًا قَلِيلًا مَسْأَلَةً فِي قَرِيبٍ مِنْ جُزْءٍ فَلْتُنْظَرْ هُنَاكَ .
بَهْتُ الرّسُولِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ بَشَرًا يُعَلّمُهُ
فَصْلٌ
وَذَكَرَ قَوْلَ قُرَيْشٍ : إنّمَا يُعَلّمُهُ رَجُلٌ بِالْيَمَامَةِ يُقَالُ لَهُ الرّحْمَنُ وَإِنّا لَا نُؤْمِنُ بِالرّحْمَنِ فَأَنْزَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ { وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبّي } كَانَ مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ الْحَنَفِيّ ، ثُمّ أَحَدُ بَنِي الدّوَلِ قَدْ تَسَمّى : الرّحْمَنَ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَكَانَ مِنْ الْمُعَمّرِينَ ذَكَرَ وَثِيمَةُ بْنُ مُوسَى أَنّ مُسَيْلِمَةَ تَسَمّى بِالرّحْمَنِ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ عَبْدُ اللّهِ أَوْ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 81 ]
كَبِيرٌ
وَأَنْشَدَ فِي تَفْسِيرِ الزّبَانِيَةِ وَمِنْ كَبِيرٍ نَفَرٌ زَبَانِيَهْ
وَجَدْت فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ كَبِيرٌ حَيّ مِنْ هُذَيْلٍ قَالَ الْمُؤَلّفُ وَفِي أَسَدٍ أَيْضًا : كَبِيرُ بْنُ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ ، وَمِنْ ذُرّيّتِهِ بَنُو جَحْشِ بْنُ رَيّانَ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ صَبْوَةَ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَبِيرٍ وَلَعَلّ الرّاجِزَ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ هَؤُلَاءِ فَإِنّهُمْ أَشْهَرُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ وَبَنُو كَبِيرٍ أَيْضًا : بَطْنٌ مِنْ بَنِي غَامِدٍ ، وَهُمْ مِنْ الْأَزْدِ ، وَاَلّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ مِنْ هُذَيْلٍ هُوَ كَبِيرُ بْنُ طَابِخَةَ بْنِ لِحْيَانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ .
أَوّلُ صَحَابِيّ جَهَرَ بِالْقُرْآنِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ أَوّلَ مَنْ جَهَرَ بِالْقُرْآنِ بَعْدَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بِمَكّةَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ اجْتَمَعَ يَوْمًا أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَقَالُوا : وَاَللّهِ مَا سَمِعَتْ قُرَيْشٌ هَذَا الْقُرْآنَ يُجْهَرُ لَهَا بِهِ قَطّ ، فَمَنْ رَجُلٌ يُسْمِعُهُمُوهُ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : أَنَا ، قَالُوا : إنّا نَخْشَاهُمْ عَلَيْك ، إنّمَا نُرِيدُ رَجُلًا لَهُ عَشِيرَةٌ يَمْنَعُونَهُ مِنْ الْقَوْمِ إنْ أَرَادُوهُ قَالَ دَعُونِي فَإِنّ اللّهَ سَيَمْنَعُنِي . قَالَ فَغَدَا ابْنُ مَسْعُودٍ حَتّى أَتَى الْمَقَامَ فِي الضّحَى ، وَقُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهَا حَتّى قَامَ عِنْدَ الْمَقَامِ ثُمّ قَرَأَ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ رَافِعًا بِهَا صَوْتَهُ { الرّحْمَنُ عَلّمَ الْقُرْآنَ } قَالَ ثُمّ اسْتَقْبَلَهَا يَقْرَؤُهَا . قَالَ فَتَأَمّلُوهُ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ . مَاذَا قَالَ ابْنُ أُمّ عَبْدٍ ؟ قَالَ ثُمّ قَالُوا : لِيَتْلُوَ بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمّدٌ فَقَامُوا إلَيْهِ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ فِي وَجْهِهِ وَجَعَلَ يَقْرَأُ حَتّى بَلَغَ مِنْهَا مَا شَاءَ اللّهُ أَنْ يَبْلُغَ . ثُمّ انْصَرَفَ إلَى أَصْحَابِهِ وَقَدْ أَثّرُوا فِي وَجْهِهِ فَقَالُوا لَهُ هَذَا الّذِي خَشِينَا عَلَيْك فَقَالَ مَا كَانَ أَعْدَاءُ اللّهِ أَهْوَنَ عَلَيّ مِنْهُمْ الْآنَ وَلَئِنْ شِئْتُمْ لَأُغَادِيَنهُمْ بِمِثْلِهَا غَدًا ، قَالُوا : لَا ، حَسْبُك ، قَدْ أَسْمَعْتهمْ مَا يَكْرَهُونَ [ ص 81 ] .
الّذِينَ اسْتَمَعُوا إلَى قِرَاءَةِ النّبِيّ ( صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ )
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ أَنّهُ حُدّثَ أَنّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَأَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَالْأَخْنَسَ بْنَ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثّقَفِيّ حَلِيفَ بَنِي زُهْرَةَ خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ يُصَلّي مِنْ اللّيْلِ فِي بَيْتِهِ فَأَخَذَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ وَكُلّ لَا يَعْلَمُ بِمَكَانِ صَاحِبِهِ فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرّقُوا . فَجَمَعَهُمْ الطّرِيقُ فَتَلَاوَمُوا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ لَا تَعُودُوا ، فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهَائِكُمْ لَأَوْقَعْتُمْ فِي نَفْسِهِ شَيْئًا ، ثُمّ انْصَرَفُوا ، حَتّى إذَا كَانَتْ اللّيْلَةُ الثّانِيَةُ عَادَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إلَى مَجْلِسِهِ فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ تَفَرّقُوا ، فَجَمَعَهُمْ الطّرِيقُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ مِثْلَ مَا قَالُوا أَوّلَ مَرّةٍ ثُمّ انْصَرَفُوا حَتّى إذَا كَانَتْ اللّيْلَةُ الثّالِثَةُ أَخَذَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ فَبَاتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ حَتّى إذَا طَلَعَ [ ص 82 ] تَفَرّقُوا ، فَجَمَعَهُمْ الطّرِيقُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ لَا نَبْرَحُ حَتّى نَتَعَاهَدَ أَلّا نَعُودَ فَتَعَاهَدُوا عَلَى ذَلِكَ ثُمّ تَفَرّقُوا . فَلَمّا أَصْبَحَ الْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ أَخَذَ عَصَاهُ ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ فِي بَيْتِهِ فَقَالَ أَخْبِرْنِي يَا أَبَا حَنْظَلَةَ عَنْ رَأْيِك فِيمَا سَمِعْت مِنْ مُحَمّدٍ فَقَالَ يَا أَبَا ثَعْلَبَةَ وَاَللّهِ لَقَدْ سَمِعْت أَشْيَاءَ أَعْرِفُهَا ، وَأَعْرِفُ مَا يُرَادُ بِهَا ، وَسَمِعْت أَشْيَاءَ مَا عَرَفْت مَعْنَاهَا وَلَا مَا يُرَادُ بِهَا ، قَالَ الْأَخْنَسُ وَأَنَا وَاَلّذِي حَلَفْت بِهِ . قَالَ ثُمّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتّى أَتَى أَبَا جَهْلٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ فَقَالَ يَا أَبَا الْحَكَمِ مَا رَأْيَك فِيمَا سَمِعْت مِنْ مُحَمّدٍ ؟ فَقَالَ مَاذَا سَمِعْت ، تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الشّرَفَ أَطْعَمُوا فَأَطْعَمْنَا ، وَحَمَلُوا فَحَمَلْنَا ، وَأَعْطَوْا فَأَعْطَيْنَا ، حَتّى إذَا تَحَاذَيْنَا عَلَى الرّكَبِ وَكُنّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ قَالُوا : مِنّا نَبِيّ يَأْتِيهِ الْوَحْيُ مِنْ السّمَاءِ فَمَتَى نُدْرِكُ مِثْلَ هَذِهِ وَاَللّهِ لَا نُؤْمِنُ بِهِ أَبَدًا ، وَلَا نُصَدّقُهُ . قَالَ فَقَامَ عَنْهُ الْأَخْنَسُ وَتَرَكَهُ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إذَا تَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ وَدَعَاهُمْ إلَى اللّهِ قَالُوا يَهْزَءُونَ بِهِ قُلُوبُنَا فِي أَكِنّةٍ مِمّا تَدْعُونَا إلَيْهِ لَا نَفْقُهُ مَا تَقُولُ { وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ } لَا نَسْمَعُ مَا تَقُولُ { وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } قَدْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَك فَاعْمَلْ بِمَا أَنْتَ عَلَيْهِ إنّنَا عَامِلُونَ بِمَا نَحْنُ عَلَيْهِ إنّا لَا نَفْقُهُ عَنْك شَيْئًا ، فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ { وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } إلَى قَوْلِهِ { وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا } [ الْإِسْرَاءِ 45 - 46 ] أَيْ كَيْفَ فَهِمُوا تَوْحِيدَك رَبّك إنْ كُنْت جَعَلْت عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنّةً وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا ، وَبَيْنَك وَبَيْنَهُمْ حِجَابًا بِزَعْمِهِمْ أَيْ إنّي لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ . { نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظّالِمُونَ إِنْ تَتّبِعُونَ إِلّا رَجُلًا مَسْحُورًا } [ الْإِسْرَاءِ 47 ] أَيْ ذَلِكَ مَا تَوَاصَوْا بِهِ مِنْ تَرْكِ مَا بَعَثْتُك بِهِ إلَيْهِمْ . { انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا } [ الْإِسْرَاءِ 48 ] أَيْ أَخْطَئُوا الْمَثَلَ الّذِي ضَرَبُوا لَك ، فَلَا يُصِيبُونَ بِهِ هُدًى ، وَلَا يَعْتَدِلُ لَهُمْ فِيهِ قَوْلٌ { وَقَالُوا أَئِذَا كُنّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا } أَيْ قَدْ جِئْت تُخْبِرُنَا : أَنّا سَنُبْعَثُ بَعْدَ مَوْتِنَا إذَا كُنّا عِظَامًا وَرُفَاتًا ، وَذَلِكَ مَا لَا يَكُونُ . { قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا أَوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الّذِي فَطَرَكُمْ أَوّلَ مَرّةٍ } [ ص 83 ] الْإِسْرَاءِ 49 - 51 ] . أَيْ الّذِي خَلَقَكُمْ مِمّا تَعْرِفُونَ فَلَيْسَ خَلْقُكُمْ مِنْ تُرَابٍ بِأَعَزّ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ سَأَلْته عَنْ قَوْلِ اللّهِ تَعَالَى : { أَوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ } مَا الّذِي أَرَادَ اللّهُ بِهِ ؟ فَقَالَ الْمَوْتَ .
Sحَوْلَ آيَاتٍ مِنْ الْقُرْآنِ
فَصْلٌ
وَذَكَرَ اسْتِمَاعَ أَبِي جَهْلٍ وَأَبِي سُفْيَانَ وَالْأَخْنَسِ إلَى قَوْلِ أَبِي جَهْلٍ فَلَمّا تَجَاذَيْنَا عَلَى الرّكَبِ . وَقَعَ فِي الْجَمْهَرَةِ الْجَاذِي : الْمُقْعِي عَلَى قَدَمَيْهِ قَالَ وَرُبّمَا جَعَلُوا الْجَاذِيَ وَالْجَاثِيَ سَوَاءً . [ ص 82 ] وَذَكَرَ قَوْلَ اللّهِ سُبْحَانَهُ خَبَرًا عَنْهُمْ { جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا } [ الْإِسْرَاءِ 45 ] قَالَ بَعْضُهُمْ مَسْتُورٌ بِمَعْنَى : سَاتِرٌ كَمَا قَالَ { كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّا } أَيْ آتِيًا ، وَالصّحِيحُ أَنّ مَسْتُورًا هُنَا عَلَى بَابِهِ لِأَنّهُ حِجَابٌ عَلَى الْقَلْبِ فَهُوَ لَا يُرَى . [ ص 83 ] وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ حِينَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ { أَوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ } فَقَالَ الْمَوْتَ وَهُوَ تَفْسِيرٌ يَحْتَاجُ إلَى تَفْسِيرٍ وَرَأَيْت لِبَعْضِ الْمُتَأَخّرِينَ فِيهِ قَالَ أَرَادَ ابْنُ عَبّاسٍ أَنّ الْمَوْتَ سَيَفْنَى كَمَا يَفْنَى كُلّ شَيْءٍ كَمَا جَاءَ أَنّهُ يُذْبَحُ عَلَى الصّرَاطِ فَكَانَ الْمَعْنَى أَنْ لَوْ كُنْتُمْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا لَأَدْرَكَكُمْ الْفَنَاءُ وَالْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ الْمَوْتَ الّذِي هُوَ كَبِيرٌ فِي صُدُورِكُمْ فَلَا بُدّ لَكُمْ مِنْ الْفَنَاءِ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - بِتَأْوِيلِ ذَلِكَ وَقَدْ بَقِيَ فِي نَفْسِي مِنْ تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ شَيْءٌ حَتّى يُكْمِلَ اللّهُ نِعْمَتَهُ بِفَهْمِهَا إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى - وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَلّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نُفُورًا : جَمْعُ نَافِرٍ فَيَكُونُ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا مُؤَكّدًا ل " وَلّوْا " . وَمِمّا أَنْزَلَ اللّهُ فِي اسْتِمَاعِهِمْ { وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصّمّ } [ يُونُسَ 42 ] أَلَا تَرَى كَيْفَ جَمَعَ يَسْتَمِعُونَ وَالْحَمْلُ عَلَى اللّفْظِ إذَا قُرّبَ مِنْهُ أَحْسَنُ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللّهِ } فَأُفْرِدَ حَمْلًا عَلَى لَفْظِ مَنْ وَقَالَ فِي آخِرِ الْآيَةِ { وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } فَجُمِعَ حَمْلًا عَلَى الْمَعْنَى ، لِمَا بَعُدَ عَنْ اللّفْظِ وَهَكَذَا كَانَ الْقِيَاسُ فِي قَوْلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ وَلَكِنْ لَمّا كَانُوا جَمَاعَةً وَنَزَلَتْ الْآيَةُ فِيهِمْ بِأَعْيَانِهِمْ صَارَ الْمَعْنَى : وَمِنْهُمْ نَفَرٌ يَسْتَمِعُونَ يَعْنِي أُولَئِكَ النّفَرَ وَهُمْ أَبُو جَهْلٍ وَأَبُو سُفْيَانَ وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقٍ ، أَلَا تَرَى كَيْفَ قَالَ بَعْدُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إلَيْك فَأُفْرِدَ حَمْلًا عَلَى اللّفْظِ لِارْتِفَاعِ السّبَبِ الْمُتَقَدّمِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
ذِكْرُ عُدْوَانِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ مِمّنْ أَسْلَمَ بِالْأَذَى وَالْفِتْنَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ إنّهُمْ عَدَوْا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ ، وَاتّبَعَ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مِنْ [ ص 84 ] وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَبِرَمْضَاءِ مَكّةَ إذَا اشْتَدّ الْحَرّ ، مَنْ اسْتَضْعَفُوا مِنْهُمْ يَفْتِنُونَهُمْ عَنْ دِينِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ يُفْتَنُ مِنْ شِدّةِ الْبَلَاءِ الّذِي يُصِيبُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَصْلُبُ لَهُمْ وَيَعْصِمُهُ اللّهُ مِنْهُمْ .
تَعْذِيبُ بِلَالٍ وَعِتْقُهُ
وَكَانَ بِلَالٌ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا ، لِبَعْضِ بَنِي جُمَحَ مُوَلّدًا مِنْ مُوَلّدِيهِمْ وَهُوَ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ ، وَكَانَ اسْمُ أُمّهِ حَمَامَةُ وَكَانَ صَادِقَ الْإِسْلَامِ طَاهِرَ الْقَلْبِ وَكَانَ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ يُخْرِجُهُ إذَا حَمِيَتْ الظّهِيرَةُ فَيَطْرَحُهُ عَلَى ظَهْرِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكّةَ ، ثُمّ يَأْمُرُ بِالصّخْرَةِ الْعَظِيمَةِ فَتُوضَعُ عَلَى صَدْرِهِ ثُمّ يَقُولُ لَهُ لَا تَزَالُ هَكَذَا حَتّى تَمُوتَ أَوْ تَكْفُرَ بِمُحَمّدِ وَتَعْبُدَ اللّاتِي وَالْعُزّى ؛ فَيَقُولُ وَهُوَ فِي ذَلِكَ الْبَلَاءِ أَحَدٌ أَحَدٌ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ يَمُرّ بِهِ وَهُوَ يُعَذّبُ بِذَلِكَ وَهُوَ يَقُولُ أَحَدٌ أَحَدٌ ، فَيَقُولُ أَحَدٌ ، أَحَدٌ وَاَللّهِ يَا بِلَالُ ثُمّ يُقْبِلُ عَلَى أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ ، وَمَنْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِهِ مِنْ بَنِي جُمَحَ فَيَقُولُ أَحْلِفُ بِاَللّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ عَلَى هَذَا لَأَتّخِذَنهُ حَنَانًا ، حَتّى مَرّ بِهِ أَبُو بَكْرِ الصّدّيقُ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - يَوْمًا ، وَهُمْ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ بِهِ وَكَانَتْ دَارُ أَبِي بَكْرٍ فِي بَنِي جُمَحَ فَقَالَ لِأُمَيّةِ بْنِ خَلَفٍ أَلَا تَتّقِي اللّهَ فِي هَذَا الْمِسْكِينِ ؟ حَتّى مَتَى ؟ قَالَ أَنْتَ الّذِي أَفْسَدْته ، فَأَنْقِذْهُ مِمّا تَرَى ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَفْعَلُ عِنْدِي غُلَامٌ أَسْوَدُ أَجْلِدُ مِنْهُ وَأَقْوَى ، عَلَى دِينِك ، أُعْطِيكَهُ بِهِ قَالَ قَدْ قَبِلْت فَقَالَ هُوَ لَك . فَأَعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ غُلَامَهُ ذَلِكَ وَأَخَذَهُ فَأَعْتَقَهُ . [ ص 85 ]
مِنْ عُتَقَاءِ أَبِي بَكْرٍ
ثُمّ أَعْتَقَ مَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ إلَى الْمَدِينَةِ سِتّ رِقَابٍ بِلَالٌ سَابِعُهُمْ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا ، وَقُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا ، وَأُمّ شُمَيْسٍ وَزِنّيرَةُ ، وَأُصِيبَ بَصَرُهَا حِينَ أَعْتَقَهَا ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ : مَا أَذْهَبَ بَصَرَهَا إلّا اللّاتِي وَالْعُزّى ؛ فَقَالَتْ كَذَبُوا - وَبَيْتِ اللّهِ - مَا تَضُرّ اللّاتِي وَالْعُزّى ، وَمَا تَنْفَعَانِ فَرَدّ اللّهُ بَصَرَهَا . وَأَعْتَقَ النّهْدِيّةَ وَبِنْتَهَا ، وَكَانَتَا لِامْرَأَةِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ فَمَرّ بِهِمَا وَقَدْ بَعَثَتْهُمَا سَيّدَتُهُمَا بِطَحِينِ لَهَا ، وَهِيَ تَقُولُ وَاَللّهِ لَا أُعْتِقُكُمَا أَبَدًا ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ حِلّا يَا أُمّ فُلَانٍ فَقَالَتْ حِلّ أَنْتَ أَفْسَدْتهمَا فَأَعْتَقَهُمَا ؛ قَالَ فَبِكَمْ هُمَا ؟ قَالَتْ بِكَذَا وَكَذَا ، قَالَ قَدْ أَخَذْتهمَا وَهُمَا حُرّتَانِ أَرْجِعَا إلَيْهَا طَحِينَهَا ، قَالَتَا : أوَ نَفْرُغُ مِنْهُ يَا أَبَا بَكْرٍ ثُمّ نَرُدّهُ إلَيْهَا ؟ قَالَ وَذَلِكَ إنْ شِئْتُمَا . [ ص 86 ] وَمَرّ بِجَارِيَةِ بَنِي مُؤَمّلٍ حَيّ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ ، وَكَانَتْ مُسْلِمَةً وَعُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ يُعَذّبُهَا لِتَتْرُكَ الْإِسْلَامَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ وَهُوَ يَضْرِبُهَا ، حَتّى إذَا مَلّ قَالَ إنّي أَعْتَذِرُ إلَيْك ، إنّي لَمْ أَتْرُكْ إلّا مَلَالَةً فَتَقُولُ كَذَلِكَ فَعَلَ اللّهُ بِك ، فَابْتَاعَهَا أَبُو بَكْرٍ فَأَعْتَقَهَا .
بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَأَبِيهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَيْرِ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ قَالَ قَالَ أَبُو قُحَافَةَ لِأَبِي بَكْرٍ يَا بُنَيّ إنّي أَرَاك تَعْتِقُ رِقَابًا ضِعَافًا ، فَلَوْ أَنّك إذْ فَعَلْت مَا فَعَلْت أَعْتَقْت رِجَالًا جَلَدًا يَمْنَعُونَك ، وَيَقُومُونَ دُونَك ؟ قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَا أَبَتْ إنّي إنّمَا أُرِيدُ مَا أُرِيدُ لِلّهِ عَزّ وَجَلّ ، قَالَ فَيَتَحَدّثُ أَنّهُ مَا نَزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ إلّا فِيهِ وَفِيمَا قَالَ لَهُ أَبُوهُ { فَأَمّا مَنْ أَعْطَى وَاتّقَى وَصَدّقَ بِالْحُسْنَى } [ اللّيْلِ 5 ، 6 ] . إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى } [ اللّيْلِ 19 - 21 ] .
Sالْمُكْرَهُ عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ
فَصْلٌ
وَذَكَرَ تَعْذِيبَ مَنْ أَسْلَمَ وَطَرْحَهُمْ فِي الرّمْضَاءِ وَكَانُوا يُلْبِسُونَهُمْ أَدْرَاعَ الْحَدِيدِ [ ص 84 ] رَحِمَهُ اللّهُ - وَأَنْزَلَ اللّهُ فِيهِمْ إلّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنّ بِالْإِيمَانِ وَنَزَلَ فِي عَمّارٍ وَأَبِيهِ إلّا أَنْ تَتّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَلَمّا كَانَ الْإِيمَانُ أَصْلُهُ فِي الْقَلْبِ رَخّصَ لِلْمُؤْمِنِ فِي حَالِ الْإِكْرَاهِ أَنْ يَقُولَ بِلِسَانِهِ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ [ ص 85 ] قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَا مِنْ كَلِمَةٍ تَدْفَعُ عَنّي سَوْطَيْنِ إلّا قُلْتهَا هَذَا فِي الْقَوْلِ فَأَمّا الْفِعْلُ فَتَنْقَسِمُ فِيهِ الْحَالُ فَمِنْهُ مَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ إذَا خَافَ عَلَى نَفْسِهِ الْقَتْلَ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ إلّا مَا دُونَ الْقَتْلِ فَالصّبْرُ لَهُ أَفْضَلُ وَإِنْ لَمْ يَخَفْ فِي ذَلِكَ إلّا كَسَجْنِ يَوْمٍ أَوْ طَرَفٍ مِنْ الْهَوَانِ خَفِيفٍ فَلَا تَحِلّ لَهُ الْمَعْصِيَةُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَأَمّا الْإِكْرَاهُ عَلَى الْقَتْلِ فَلَا خِلَافَ فِي حَظْرِهِ لِأَنّهُ إنّمَا رَخّصَ لَهُ فِيمَا دُونَ الْقَتْلِ لِيَدْفَعَ بِذَلِكَ قَتْلَ نَفْسٍ مُؤْمِنَةٍ وَهِيَ نَفْسُهُ فَأَمّا إذَا دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ بِنَفْسِ أُخْرَى ، فَلَا رُخْصَةَ وَاخْتُلِفَ فِي الْإِكْرَاهِ عَلَى الزّنَى ، فَذُكِرَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنّهُ قَالَ لَا رُخْصَةَ فِيهِ لِأَنّهُ لَا يَنْتَشِرُ لَهُ إلّا عَنْ إرَادَةٍ فِي الْقَلْبِ أَوْ شَهْوَةٍ وَأَفْعَالُ الْقَلْبِ لَا تُبَاحُ مَعَ الْإِكْرَاهِ وَقَالَ غَيْرُهُ بَلْ يُرَخّصُ فِي ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ الْقَتْلَ لِأَنّ انْبِعَاثَ الشّهْوَةِ عِنْدَ الْمُمَاسّةِ بِمَنْزِلَةِ انْبِعَاثِ اللّعَابِ عِنْدَ مَضْغِ الطّعَامِ وَقَدْ يَجُوزُ أَكْلُ الْحَرَامِ إذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ .
فَصْلٌ
وَاخْتَلَفَ الْأُصُولِيّونَ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ الْإِكْرَاهِ وَهِيَ هَلْ الْمُكْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ مُخَاطَبٌ بِالْفِعْلِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَتْ الْمُعْتَزِلَةُ : لَا يَصِحّ الْأَمْرُ بِالْفِعْلِ مَعَ الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ وَقَالَتْ الْأَشْعَرِيّةُ ذَلِكَ جَائِزٌ لِأَنّ الْعَزْمَ إنّمَا هُوَ فِعْلُ الْقَلْبِ وَقَدْ يُتَصَوّرُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الْحِينِ [ ص 86 ] أَمْرِ اللّهِ تَعَالَى ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ أَنّهُ يَفْعَلُهُ خَوْفًا مِنْ النّاسِ وَذَلِكَ إذَا أُكْرِهَ عَلَى فَرْضٍ كَالصّلَاةِ مَثَلًا ، إذَا قِيلَ صَلّ وَإِلّا قُتِلْت ، وَأَمّا إذَا قِيلَ لَهُ إنْ صَلّيْت قُتِلْت ، فَظَنّ الْقَاضِي أَنّ الْخِلَافَ بَيْنَنَا ، وَبَيْنَ الْمُعْتَزِلَةِ فِي ذَلِكَ وَغَلّطَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَقَالُوا : لَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنّهُ مُخَاطَبٌ بِالصّلَاةِ مَأْمُورٌ بِهَا ، وَإِنْ رُخّصَ لَهُ فِي تَرْكِهَا ، فَلَيْسَ التّرْخِيصُ مِمّا يُخْرِجُهُ عَنْ حُكْمِ الْخِطَابِ وَإِنّمَا يَرْفَعُ عَنْهُ الْإِكْرَاهُ الْمَأْثَمَ وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُخَاطَبًا بِهَا ، وَهَذَا الْغَلَطُ الْمَنْسُوبُ إلَى الْقَاضِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسَ بِقَوْلِ لَهُ وَإِنّمَا حَكَاهُ فِي كِتَابِ التّقْرِيبِ وَالْإِرْشَادِ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ . قَالُوا : لَا يُتَصَوّرُ الْقَصْدُ وَالْإِرَادَةُ لِلْفِعْلِ مَعَ الْإِكْرَاهِ عَلَيْهِ . قَالَ الْقَاضِي : وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنّهُ يُتَصَوّرُ انْكِفَافُهُ عَنْهُ مَعَ الْإِكْرَاهِ فَكَذَلِكَ يُتَصَوّرُ مِنْهُ الْقَصْدُ إلَى الِامْتِثَالِ لَهُ وَبِهِ يَتَعَلّقُ التّكْلِيفُ فَإِنّمَا غَلِطَ مَنْ نَسَبَ إلَيْهِ مِنْ الْأُصُولِيّينَ هَذَا الْقَوْلَ الّذِي أَبْطَلَهُ وَبَيّنَ بُطْلَانَهُ وَإِنّمَا ذَكَرْت مَا قَالُوهُ قَبْلَ أَنْ أَرَى كَلَامَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَقِفَ عَلَى حَقِيقَةِ مَذْهَبِهِ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْغَلَطِ فِيهَا .
تَعْذِيبُ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ
[ ص 87 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَتْ بَنُو مَخْزُوم ٍ يَخْرُجُونَ بِعَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَبِأَبِيهِ وَأُمّهِ - وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ إسْلَامٍ - إذَا حَمِيَتْ الظّهِيرَةُ يُعَذّبُونَهُمْ بِرَمْضَاءِ مَكّةَ ، فَيَمُرّ بِهِمْ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَيَقُولُ فِيمَا بَلَغَنِي : صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ مَوْعِدُكُمْ الْجَنّةُ فَأَمّا أُمّهُ فَقَتَلُوهَا ، وَهِيَ تَأْبَى إلّا الْإِسْلَامَ . وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ الْفَاسِقُ الّذِي يُغْرِي بِهِمْ فِي رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، إذَا سَمِعَ بِالرّجُلِ قَدْ أَسْلَمَ ، لَهُ شَرَفٌ وَمَنَعَةٌ أَنّبَهُ وَأَخْزَاهُ وَقَالَ تَرَكْت دِينَ أَبِيك وَهُوَ خَيْرٌ مِنْك : لَنُسَفّهَنّ حِلْمَك وَلَنُفَيّلَنّ رَأْيَك ، وَلَنَضَعَنّ شَرَفَك ، وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا ، قَالَ وَاَللّهِ لَنُكَسّدَنّ تِجَارَتَك ، وَلَنُهْلِكَنّ مَالَك ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا ضَرَبَهُ وَأَغْرَى بِهِ
فِتْنَةُ الْمُعَذّبِينَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي حَكِيمُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، قَالَ قُلْت لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبّاسٍ : أَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الْعَذَابِ مَا [ ص 88 ] قَالَ نَعَمْ وَاَللّهِ إنْ كَانُوا لَيَضْرِبُونَ أَحَدَهُمْ وَيُجِيعُونَهُ وَيُعَطّشُونَهُ حَتّى مَا يَقْدِرَ أَنْ يَسْتَوِيَ جَالِسًا مِنْ شِدّةِ الضّرّ الّذِي نَزَلَ بِهِ حَتّى يُعْطِيَهُمْ مَا سَأَلُوهُ مِنْ الْفِتْنَةِ حَتّى يَقُولُوا لَهُ آللّاتِي وَالْعُزّى إلَهَك مِنْ دُونِ اللّهِ ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ حَتّى إنّ الْجُعَلَ لَيَمُرّ بِهِمْ فَيَقُولُونَ لَهُ أَهَذَا الْجُعَلُ إلَهَك مِنْ دُونِ اللّهِ ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ افْتِدَاءً مِنْهُمْ مِمّا يَبْلُغُونَ مِنْ جَهْدِهِ .
رَفْضُ تَسْلِيمِ الْوَلِيدِ لِتَقْتُلَهُ قُرَيْشٌ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي الزّبَيْرُ بْنُ عُكّاشَةَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي أَحْمَدَ أَنّهُ حُدّثَ أَنّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ مَشَوْا إلَى هِشَامِ بْنِ الْوَلِيدِ حِينَ أَسْلَمَ أَخُوهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، وَكَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَأْخُذُوا فِتْيَةً مِنْهُمْ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا ، مِنْهُمْ سَلَمَةُ بْنُ هِشَامٍ ، وَعَيّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ . قَالَ فَقَالُوا لَهُ - وَخَشُوا شَرّهُمْ إنّا قَدْ أَرَدْنَا أَنْ نُعَاتِبَ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةَ عَلَى هَذَا الدّينِ الّذِي أَحْدَثُوا ، فَإِنّا نَأْمَنُ بِذَلِكَ فِي غَيْرِهِمْ . قَالَ هَذَا ، فَعَلَيْكُمْ بِهِ . فَعَاتِبُوهُ وَإِيّاكُمْ وَنَفْسَهُ . وَأَنْشَأَ يَقُولُ أَلَا لَا يُقْتَلَن أَخِي عُيَيْشٍ فَيَبْقَى بَيْنَنَا أَبَدًا تَلَاحِي
[ ص 89 ] لَأَقْتُلَن أَشْرَفَكُمْ رَجُلًا . قَالَ فَقَالُوا : اللّهُمّ الْعَنْهُ . مَنْ يُغَرّرْ بِهَذَا الْخَبِيثِ فَوَاَللّهِ لَوْ أُصِيبَ فِي أَيْدِينَا لَقُتِلَ أَشْرَفُنَا رَجُلًا . قَالَ فَتَرَكُوهُ وَنَزَعُوا عَنْهُ قَالَ وَكَانَ ذَلِكَ مِمّا دَفَعَ اللّهُ بِهِ عَنْهُمْ .
Sآلُ يَاسِرٍ
فَصْلٌ
[ ص 87 ] وَذَكَرَ فِيمَنْ عُذّبَ فِي اللّهِ سُمَيّةُ أُمّ عَمّارٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا قَتْلَ أَبِي جَهْلٍ لَهَا ، وَهِيَ أَوّلُ شَهِيدٍ فِي الْإِسْلَامِ وَرُوِيَ أَنّ عَمّارًا قَالَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَقَدْ بَلَغَ مِنّا الْعَذَابُ كُلّ مَبْلَغٍ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ [ ص 50 ] صَبْرًا أَبَا الْيَقْظَانِ ثُمّ قَالَ اللّهُمّ لَا تُعَذّبْ أَحَدًا مِنْ آلِ عَمّارٍ بِالنّار وَسُمَيّةُ أُمّهُ وَهِيَ بِنْتُ خَيّاطٍ كَانَتْ مَوْلَاةً لِأَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَاسْمُهُ مُهَشّمٌ وَهُوَ عَمّ أَبِي جَهْلٍ وَغَلِطَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِيهَا ، فَزَعَمَ أَنّ الْأَزْرَقَ مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ خَلَفَ عَلَيْهَا بَعْدَ يَاسِرٍ فَوَلَدَتْ لَهُ سَلَمَةَ بْنَ الْأَزْرَقِ وَقَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالنّسَاءِ إنّمَا سُمَيّةُ أُمّ سَلَمَةَ بْنِ الْأَزْرَقِ سُمَيّةُ أُخْرَى ، وَهِيَ أُمّ زِيَادِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ لَا أُمّ عَمّارٍ وَعَمّارٌ وَالْحُوَيْرِثُ وَعَبّودُ بَنُو يَاسِرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ الْحُصَيْنِ بْنِ لَوْذَيْنِ وَيُقَالُ الْوَذِيمُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ زيام بْنِ عَنْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أُدَدَ بْنِ زَيْدٍ الْعَنْسِيّ الْمُذْحِجِيّ حَلِيفٌ لِبَنِي مَخْزُومٍ وَمِنْ وَلَدِ عَمّارٍ عَبْدُ اللّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَهُوَ الْمَقْتُولُ بِالْأَنْدَلُسِ قَتَلَهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ مُعَاوِيَةَ . [ ص 88 ]
زِنّيرَةُ وَغَيْرُهَا
فَصْلٌ
وَذَكَرَ زِنّيرَةَ الّتِي أَعْتَقَهَا أَبُو بَكْرٍ وَأَوّلُ اسْمِهَا : زَايٌ مَكْسُورَةٌ بَعْدَهَا نُونٌ مَكْسُورَةٌ مُشَدّدَةٌ عَلَى وَزْنِ فِعّيلَةٍ هكذا صَحّتْ الرّوَايَةُ فِي الْكِتَابِ وَالزّنّيرَةُ وَاحِدَةُ الزّنَانِيرِ وَهِيَ الْحَصَا الصّغَارُ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِيهَا : زَنْبَرَةٌ بِفَتْحِ الزّايِ وَسُكُونِ النّونِ وَبَاءٍ بَعْدَهَا ، وَلَا تُعْرَفُ زَنْبَرَةٌ فِي النّسَاءِ وَأَمّا فِي الرّجَالِ فَزَنْبَرَةُ بْنُ زُبَيْرِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ صَاهِلَةَ بْنِ كَاهِلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ ، وَابْنُهُ خَالِدُ بْنُ زَنْبَرَةَ وَهُوَ الْغَرِقُ قَالَهُ الدّارَقُطْنِيّ .
أُمّ عُمَيْسٍ
فَصْلٌ
وَذَكَرَ أُمّ عُمَيْسٍ وَكَانَتْ لِبَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ أَعْتَقَهَا أَبُو بَكْرٍ وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ هَؤُلَاءِ الّذِينَ عُذّبُوا فِي اللّهِ لِمَا أَعْطَوْا بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا سُئِلُوا مِنْ الْكُفْرِ جَاءَتْ قَبِيلَةُ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِأَنْطَاعِ الْأُدُمِ فِيهَا الْمَاءُ فَوَضَعُوهُمْ فِيهَا ، وَأَخَذُوهُمْ بِأَطْرَافِ الْأَنْطَاعِ وَاحْتَمَلُوهُمْ إلّا بِلَالًا . [ ص 89 ]
عَنْ بِلَالٍ
وَقَوْلُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ : لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ يَعْنِي : بِلَالًا ، وَهُوَ عَلَى هَذَا الْحَالِ لَأَتّخِذَنهُ حَنَانًا أَيْ لَأَتّخِذَن قَبْرَهُ مَنْسَكًا وَمُسْتَرْحَمًا . وَالْحَنَانُ : الرّحْمَةُ وَكَانَ بِلَالٌ رَحِمَهُ اللّهُ يُكَنّى : أَبَا عَبْدِ الْكَرِيمِ وَقِيلَ أَبَا عَبْدِ اللّهِ وَأُخْتُهُ غُفْرَةُ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ ذِكْرُ عُمَرَ مَوْلَى غُفْرَةَ ، وَهِيَ هَذِهِ . وَالْغُفْرَةُ الْأُنْثَى مِنْ أَوْلَادِ الْأَرَاوِيّ وَالذّكَرُ غُفْرٌ .
ذِكْرُ الْهِجْرَةِ الْأُولَى إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ
[ ص 90 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا رَأَى رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْبَلَاءِ . وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ . بِمَكَانِهِ مِنْ اللّهِ وَمِنْ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ وَأَنّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ . قَالَ لَهُمْ لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، فَإِنّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ . وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللّهُ لَكُمْ فَرَجًا مِمّا أَنْتُمْ فِيهِ فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ وَفِرَارًا إلَى اللّهِ بِدِينِهِمْ . فَكَانَتْ أَوّلَ هِجْرَةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ .
Sبَابُ الْهِجْرَةِ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ
[ ص 90 ] نَسَبَ الْحَبَشَةِ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ وَأَمّا النّجَاشِيّ فَاسْمٌ لِكُلّ مَلِكٍ يَلِي الْحَبَشَةَ ، كَمَا أَنّ كِسْرَى اسْمٌ لِمَنْ مَلَكَ الْفُرْسَ ، وَخَاقَانَ اسْمٌ لِمَلِكِ التّرْكِ كَائِنًا مَنْ كَانَ وَبَطْلَيْمُوسَ اسْمٌ لِمَنْ مَلَكَ يُونَانَ وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى قَبْلُ وَاسْمُ هَذَا النّجَاشِيّ : أَصْحَمَةُ بْنُ أَبْجَرَ وَتَفْسِيرُهُ عَطِيّةُ .
أَصْحَابُ الْهِجْرَةِ الْأُولَى إلَى الْحَبَشَةِ
وَكَانَ أَوّلُ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ [ ص 91 ] بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ : عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ مَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقَيّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ، أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مُحَمّدَ بْنَ أَبِي حُذَيْفَةَ . وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ : الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ . وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ : مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ . وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ : عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ بْنُ يَقَظَةَ بْنِ مُرّةَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ . وَمِنْ بَنِي جُمَحَ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ : عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، حَلِيفُ آلِ الْخَطّابِ ، مِنْ عَنْزِ بْنِ وَائِلٍ مَعَهُ امْرَأَتُهُ [ ص 92 ] لَيْلَى بِنْتِ أَبِي حَثْمَةَ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمِ بْن عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ . وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ ، وَيُقَالُ بَلْ أَبُو حَاطِبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ . وَيُقَالُ هُوَ أَوّلُ مَنْ قَدِمَهَا . وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ : سُهَيْلُ بْنُ بَيْضَاءَ ، وَهُوَ سُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ . فَكَانَ هَؤُلَاءِ الْعَشْرَةُ أَوّلَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، فِيمَا بَلَغَنِي . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَكَانَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ، فِيمَا ذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ خَرَجَ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَتَتَابَعَ الْمُسْلِمُونَ حَتّى اجْتَمَعُوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ ، فَكَانُوا بِهَا ، مِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ بِأَهْلِهِ مَعَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ بِنَفْسِهِ لَا أَهْلَ لَهُ مَعَهُ .
الْمُهَاجِرُونَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيّ أُمَيّةَ
وَمِنْ بَنِي هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ : جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ قُحَافَةَ بْنِ خَثْعَمَ ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ عَبْدَ اللّهِ بْنَ جَعْفَرٍ ، رَجُلٌ . وَمِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقَيّةُ ابْنَةُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ مُحَرّثِ بْنِ حَمَلِ بْنِ شِقّ بْنِ [ ص 93 ] خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمَيْنَةُ بِنْتُ خَلَفِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ جُعْثُمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو ، مِنْ خُزَاعَةَ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُقَالُ هُمَيْنَةُ بِنْتُ خَلْفٍ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ سَعِيدَ بْنَ خَالِدٍ ، وَأَمَةَ بِنْتَ خَالِدٍ فَتَزَوّجَ أَمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَمْرُو بْنُ الزّبَيْرِ ، وَخَالِدُ بْنُ الزّبَيْرِ .
الْمُهَاجِرُونَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ وَبَنِيّ عَبْدِ شَمْسٍ
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ : عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ صَبِرَةَ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدٍ ؛ وَأَخُوهُ عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ جَحْشٍ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيّةَ ، وَقَيْسُ بْنِ عَبْدِ اللّهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ بَرَكَةُ بِنْتُ يَسَارٍ مَوْلَاةُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ أُمَيّةَ ، وَمُعَيْقِيبُ بْنُ أَبِي فَاطِمَةَ وَهَؤُلَاءِ آلُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، سَبْعَةُ نَفَرٍ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : مُعَيْقِيبٌ مِنْ دَوْسٍ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ قَيْسٍ حَلِيفُ آلِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، رَجُلَانِ .
الْمُهَاجِرُونَ مِنْ بَنِي نَوْفَلٍ وَبَنِيّ أَسَدٍ
وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ نَسُبّ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَازِنِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ ، حَلِيفٌ لَهُمْ رَجُلٌ . وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ : الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ ، وَيَزِيدُ بْنُ زَمَعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدٍ . وَعَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ ، أَرْبَعَةُ نَفَرٍ . [ ص 94 ]
الْمُهَاجِرُونَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيّ وَعَبْدِ الدّارِ وَلَدَيْ قُصَيّ
وَمِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيّ : طُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ أَبِي كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ [ بْنِ قُصَيّ ] رَجُلٌ . وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ : مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ وَسُوَيْطُ بْنُ سَعْدِ بْنِ حَرْمَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ عُمَيْلَةَ بْنِ السّبّاقِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ وَجَهْمُ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شُرَحْبِيلَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمّ حَرْمَلَةَ بِنْتُ عَبْدِ الْأَسْوَدِ بْنِ جَذِيمَةَ بْنِ أُقَيْشِ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ جُعْثُمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ مَلِيحِ بْنِ عَمْرٍو ، مِنْ خُزَاعَةَ ، وَابْنَاهُ عَمْرُو بْنُ جَهْمٍ وَخُزَيْمَةُ بْنُ جَهْمٍ وَأَبُو الرّومِ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ وَفِرَاسُ بْنُ النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ خَمْسَةُ نَفَرٍ .
Sوَذَكَرَ فِي أَوّلِ مَنْ خَرَجَ إلَى الْحَبَشَةِ : عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ وَزَوْجَهُ رُقَيّةَ بِنْتَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَكَانَ حِينَ تَزَوّجَهَا يُغَنّيهَا النّسَاءُ
أَحْسَنُ شَخْصَيْنِ رَأَى إنْسَانٌ ... رُقَيّةُ وَبَعْلُهَا عُثْمَانُ
[ ص 91 ] كَانَ يُكَنّى ، وَمَاتَ عَبْدُ اللّهِ وَهُوَ ابْنُ سِتّ سِنِينَ وَكَانَ سَبَبُ مَوْتِهِ أَنّ دِيكًا نَقَرَهُ فِي عَيْنِهِ فَتَوَرّمَ وَجْهُهُ فَمَرِضَ فَمَاتَ . وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ ثُمّ كُنّيَ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَا عَمْرٍو ، وَهَذَا هُوَ عَبْدُ اللّهِ الْأَصْغَرُ . وَعَبْدُ اللّهِ الْأَكْبَرُ هُوَ ابْنُهُ مِنْ فَاخِتَةَ بِنْتِ غَزْوَانَ وَأَكْبَرُ بَنِيهِ بَعْدَ هَذَيْنِ عَمْرٌو ، وَمِنْ بَنِيهِ عُمَرُ وَخَالِدٌ وَسَعِيدٌ وَالْوَلِيدُ وَالْمُغِيرَةُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَأَبَانُ ، وَفِي السّيرَةِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الرّوَايَةِ أَنّ رُقَيّةَ كَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ الْبَشَرِ وَأَنّ رِجَالًا مِنْ الْحَبَشَةِ رَأَوْهَا بِأَرْضِهِمْ فَكَانُوا يُدَرْكِلُونَ إذَا رَأَوْهَا إعْجَابًا مِنْهُمْ بِحُسْنِهَا ، فَكَانَتْ تَتَأَذّى بِذَلِكَ وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ لِغُرْبَتِهِمْ أَنْ يَقُولُوا لَهُمْ شَيْئًا ، حَتّى خَرَجَ أُولَئِكَ النّفَرُ مَعَ النّجَاشِيّ إلَى عَدُوّهِ الّذِي كَانَ ثَارَ عَلَيْهِ فَقُتِلُوا جَمِيعًا ، فَاسْتَرَاحَتْ مِنْهُمْ وَظَهَرَ النّجَاشِيّ عَلَى عَدُوّهِ وَرَوَى الزّبَيْرُ فِي حَدِيثٍ أَسْنَدَهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بَعَثَ رَجُلًا بِلُطُفٍ إلَى عُثْمَانَ وَرُقَيّةَ فَاحْتُبِسَ عَلَيْهِ الرّسُولُ فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السّلَامُ إنْ شِئْت أَخْبَرْتُك مَا حَبَسَك ، قَالَ نَعَمْ قَالَ وَقَفْت تَنْظُرُ إلَى عُثْمَانَ وَرُقَيّةَ تَعْجَبُ مِنْ حُسْنِهِمَا وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ تَسْمِيَةَ الْمُهَاجِرِينَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَقَدْ تَقَدّمَ التّعْرِيفُ بِبَعْضِهِمْ وَذَكَرْنَا سَبَبَ إسْلَامِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ وَأَنّهُ رَأَى نُورًا خَرَجَ مِنْ زَمْزَمَ أَضَاءَتْ لَهُ مِنْهُ نَخْلُ الْمَدِينَةِ ، حَتّى رَأَوْا الْبُسْرَ فِيهَا ، فَقَصّ رُؤْيَاهُ فَقِيلَ لَهُ هَذِهِ بِئْرُ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، وَهَذَا النّورُ فِيهِمْ يَكُونُ فَكَانَ سَبَبًا لِبِدَارِهِ لِلْإِسْلَامِ .
رُؤْيَا سَعْدٍ وَخَالِدٍ وَلَدَيْ الْعَاصِ
[ ص 92 ] كَانَتْ لِأَخِيهِ وَأَنّ عَمْرًا هُوَ الّذِي عَبّرَهَا لَهُ وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ فِيهَا ، وَاَللّهُ أَعْلَمُ وَأَمّا أَخُوهُ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ ، فَكَانَ يَرَى - قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ - نَفْسَهُ قَدْ أَشْفَى عَلَى نَارٍ تَأَجّجَ وَكَأَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَدْ أَخَذَ بِحُجْزَتِهِ يَصْرِفُهُ عَنْهَا ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ عَلِمَ أَنّ نَجَاتَهُ مِنْ النّارِ عَلَى يَدَيْ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَلَمّا أَظْهَرَ إيمَانَهُ ضَرَبَهُ أَبُوهُ بِمَقْرَعَةِ حَتّى كَسَرَهَا عَلَى رَأْسِهِ وَحَلَفَ أَلّا يُنْفِقَ عَلَيْهِ وَأَغْرَى بِهِ إخْوَتَهُ فَطَرَدُوهُ وَآذَوْهُ [ ص 93 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حَتّى هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ - كَمَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ - وَأَبُوهُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ أَبُو أُحَيْحَةَ الّذِي يَقُولُ فِيهِ الْقَائِلُ
أَبُو أُحَيْحَةَ
أَبُو أُحَيْحَةَ مَنْ يَعْتَمّ عِمّتَهُ ... يُضْرَبُ وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَذَا عَدَدِ
[ ص 94 ] وَكَانَ إذَا اعْتَمّ لَمْ يَعْتَمّ قُرَشِيّ إعْظَامًا لَهُ وَقَدْ قِيلَ فِي عِمّتِهِ أَيْضًا مَا أَنْشَدَهُ عَمْرُو بْنُ بَحْرٍ الْجَاحِظُ :
وَكَانَ أَبُو أُحَيْحَةَ قَدْ عَلِمْتُمْ ... بِمَكّةَ غَيْرَ مُهْتَضِمٍ ذَمِيمِ
إذَا شَدّ الْعِصَابَةَ ذَاتَ يَوْمٍ ... وَقَامَ إلَى الْمَجَالِسِ وَالْخُصُومِ
لَقَدْ حَرُمَتْ عَلَى مَنْ كَانَ يَمْشِي ... بِمَكّةَ غَيْرَ مُحْتَقِرٍ لَئِيمِ
مَاتَ أُحَيْحَةُ الّذِي كَانَ يُكْنَى بِهِ فِي حَرْبِ الْفِجَارِ ، وَأَسْلَمَ مِنْ بَنِيهِ أَرْبَعَةٌ أَبَانٌ وَخَالِدٌ [ ص 95 ] سَمّاهُ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - عَبْدَ اللّهِ وَمَاتَ أُحَيْحَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَالْعَاصُ بْنُ سَعِيدٍ وَغَيْرُهُمَا مِنْ بَنِيهِ عَلَى الْكُفْرِ قُتِلَ الْعَاصُ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا .
أَمَةُ بِنْتُ خَالِدٍ وَأَبُوهَا
[ ص 96 ] وَذَكَرَ أَمَةَ بِنْتَ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ الّتِي وُلِدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ ، قَالَ وَتَزَوّجَهَا الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ ، وَهِيَ الّتِي كَسَاهَا رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَهِيَ صَغِيرَةٌ وَجَعَلَ يَقُولُ سَنّاهْ سَنّاهْ يَا أُمّ خَالِدٍ أَيْ حَسَنٌ حَسَنٌ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ ، وَكَانَتْ قَدْ تَعَلّمَتْ لِسَانَ الْحَبَشَةِ ، لِأَنّهَا وُلِدَتْ بِأَرْضِهِمْ وَوَلَدَتْ لِلزّبَيْرِ عَمْرًا وَخَالِدًا ، يُقَالُ إنّ أَبَاهَا خَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ أَوّلُ مَنْ كَتَبَ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مَاتَ بِأَجْنَادِينَ شَهِيدًا ، وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَدْ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى صَنْعَاءَ [ ص 97 ] وَالْيَمَنِ ، فَلَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فَقَالَ لَا أَعْمَلُ لِأَحَدِ بَعْدَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَبَدًا ، وَيُرْوَى أَنّ أَبَاهُ سَعِيدَ بْنَ الْعَاصِ مَرِضَ فَقَالَ إنْ رَفَعَنِي اللّهُ مِنْ مَرَضِي لَا يُعْبَدُ إلَهُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ بِمَكّةَ أَبَدًا ، فَقَالَ ابْنُهُ خَالِدٌ اللّهُمّ لَا تَرْفَعْهُ فَهَلَكَ مَكَانَهُ هَؤُلَاءِ بَنُو سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ : [ ص 98 ]
عبد شمس
وَعُثْمَانُ هُوَ ابْنُ عَفّانَ بْنُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ ، وَلَا يُخْتَلَفُ فِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنّهُ بِالدّالِ وَأَمّا عَبْ شَمْسِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ ، فَقَالَ فِيهِ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْقُتَبِيّ : عَبْدُ شَمْسٍ كَمَا فِي الْأَوّلِ . وَقَالَ أَكْثَرُ النّاسِ فِيهِ عَبْ شَمْسٍ ثُمّ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ مَعْنَاهُ عَبْدُ شَمْسٍ ، لَكِنْ أُدْغِمَتْ الدّالُ وَقِيلَ بَلْ [ عَبْ شَمْسٍ و ] عَبْ الشّمْسِ هُوَ ضَوْءُهَا أَوْ صَفَاؤُهَا ، وَقِيلَ فِي الْمَثَلِ هُوَ أَبْرَدُ مِنْ عَبْقُرّ أَيْ الْبَرْدِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ وَهُوَ الْمُبَرّدُ مِنْ عَبْ قُرّ أَيْ بَيَاضُ قُرّ وَمِنْ حَبْ قُرّ أَيْضًا . وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَعْنِي : عَبْ شَمْسٍ . وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ . وَقَالَ مَعْنَاهُ عَبْءُ شَمْسٍ بِالْهَمْزِ . ثُمّ حُذِفَتْ الْهَمْزَةُ تَسْهِيلًا . وَعَبْءُ الشّمْسِ . وَعَبْوُهَا مِثْلُهُ .
الْمُهَاجِرُونَ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ وَبَنِيّ هُذَيْلٍ وَبَهْرَاءَ
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ : عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ وَعَامِرُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ ، وَأَبُو وَقّاصٍ مَالِكُ بْنُ أُهَيْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ ، وَالْمُطّلِبُ بْنُ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ رَمْلَةُ بِنْتُ أَبِي عَوْفِ بْنِ ضُبَيْرَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ عَبْدَ اللّهِ بْنَ الْمُطّلِبِ . وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ مِنْ هُذَيْلٍ : عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ شَمْخِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ صَاهِلَةَ بْنِ كَاهِلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلٍ ، وَأَخُوهُ عُتْبَةُ بْنُ مَسْعُودٍ . [ ص 95 ] بَهْرَاءَ : الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ ثُمَامَةَ بْنِ مَطْرُودِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الشّرِيدِ بْنِ أَبِي أَهْوَزَ بْنِ أَبِي فَائِشِ بْنِ دُرَيْمِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ أَهْوَدَ بْنِ بَهْرَاءَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِ بْنِ قُضَاعَةَ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُقَالُ هَزْلُ بْنُ فَاسِ بْنِ ذَرّ وَدَهِيرُ بْنُ ثَوْرٍ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ يُقَالُ لَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ وَذَلِكَ أَنّهُ تَبَنّاهُ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَحَالَفَهُ سِتّةُ نَفَرٍ .
الْمُهَاجِرُونَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ وَبَنِيّ مَخْزُومٍ
وَمِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرّةَ الْحَارِثُ بْنُ خَالِدِ بْنِ صَخْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ مَعَهُ امْرَأَتُهُ رَيْطَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ جَبَلَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مُوسَى بْنَ الْحَارِثِ وَعَائِشَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ وَزَيْنَبَ بِنْتَ الْحَارِثِ ، وَفَاطِمَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ وَعَمْرَو بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ ، رَجُلَانِ .
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرّةَ
أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ ، وَلَدَتْ لَهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ، وَاسْمُ أَبِي سَلَمَةَ عَبْدُ اللّهِ وَاسْمُ أُمّ سَلَمَةَ هِنْدٌ . وَشَمّاسُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الشّرِيدِ بْنِ سُوَيْدِ بْنِ هَرَمِيّ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَخْزُومٍ
مِنْ سِيرَةِ الشّمّاسِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَاسْمُ شَمّاسٍ عُثْمَانُ وَإِنّمَا سُمّيَ شَمّاسًا ؛ لِأَنّ شَمّاسًا مِنْ الشّمّاسَةِ قَدِمَ مَكّةَ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَكَانَ جَمِيلًا فَعَجِبَ النّاسُ مِنْ جَمَالِهِ فَقَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ - وَكَانَ خَالَ شَمّاسٍ أَنَا آتِيكُمْ بِشَمّاسِ أَحْسَنَ مِنْهُ فَجَاءَ بِابْنِ أُخْتِهِ عُثْمَانَ بْنِ عُثْمَانَ ، فَسُمّيَ شَمّاسًا . فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَهَبّارُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ ، وَأَخُوهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ سُفْيَانَ ، وَهِشَامُ بْنُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ [ ص 96 ] وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ ، وَعَيّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ .
الْمُهَاجِرُونَ مِنْ حُلَفَاءِ بَنِي مَخْزُومٍ وَمِنْ بَنِي جُمَحَ
وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ مُعَتّبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ عَفِيفِ بْنِ كُلَيْبِ بْنِ حَبَشِيّةَ ابْنِ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو ، مِنْ خُزَاعَةَ ، وَهُوَ الّذِي يُقَالُ لَهُ عَيْهَامَةُ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُقَالُ حَبَشِيّةُ ابْنُ سَلُولَ وَهُوَ الّذِي يُقَالُ لَهُ مُعَتّبُ بْنُ حَمْرَاءَ . وَمِنْ بَنِي جُمَحَ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ ، وَابْنُهُ السّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ وَأَخَوَاهُ قُدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ ، وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ مَظْعُونٍ ، وَحَاطِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُجَلّلِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ وَابْنَاهُ مُحَمّدُ بْنُ حَاطِبٍ وَالْحَارِثُ بْنُ حَاطِبٍ ، وَهُمَا لِبِنْتِ الْمُجَلّلِ وَأَخُوهُ حَطّابُ بْنُ الْحَارِثِ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ فُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ ، وَسُفْيَانُ بْنُ مَعْمَرِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ مَعَهُ ابْنَاهُ جَابِرُ بْنُ سُفْيَانَ وَجُنَادَةُ بْنُ سُفْيَانَ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ حَسَنَةُ وَهِيَ أُمّهُمَا ، وَأَخُوهُمَا مِنْ أُمّهِمَا : شُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ أَحَدُ الْغَوْثِ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : شُرَحْبِيلُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ أَحَدُ الْغَوْثِ بْنِ مُرّ ، أَخِي تَمِيمِ بْنِ مُرّ .
الْمُهَاجِرُونَ مِنْ بَنِي سَهْمٍ وَبَنِيّ عَدِيّ وَبَنِيّ عَامِرٍ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَعُثْمَانُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ أُهْبَانَ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحَ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ وَبَنِيّ هُذَيْلٍ وَبَهْرَاءَ :، أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا . [ ص 97 ] وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ ، وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْلٍ ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : الْعَاصُ بْنُ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ ، وَأَبُو قَيْسِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ ، وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ ، وَالْحَارِثُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ ، وَمَعْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ ، وَبِشْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ ، وَأَخٌ لَهُ مِنْ أُمّهِ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو ، وَسَعِيدُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ ، وَالسّائِبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ ، وَعُمَيْرُ بْنُ رِئَابِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ مُهَشّمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ وَمَحْمِيّةُ بْنُ الْجَزَاءِ حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي زُبَيْدٍ ، أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا . وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ : مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيّ وَعُرْوَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيّ وَعَدِيّ بْنُ نَضْلَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيّ وَابْنُهُ النّعْمَانُ بْنُ عَدِيّ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، حَلِيفٌ لِآلِ الْخَطّابِ مِنْ عَنَزِ بْنِ وَائِلٍ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ بْنِ غَانِمٍ خَمْسَةُ نَفَرٍ . وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ : أَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَضْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمّ كُلْثُومِ بِنْتِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ مَخْرَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ ، وَسَلِيطُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ وَأَخُوهُ السّكْرَانُ بْنُ عَمْرٍو ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ [ ص 98 ] وَمَالِكُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ مَعَهُ امْرَأَتُهُ عَمْرَةُ بِنْتُ السّعْدِيّ بْنِ وَقْدَانَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ ، وَحَاطِبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرٍ وَسَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ ، حَلِيفٌ لَهُمْ . ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ مِنْ الْيَمَنِ .
الْمُهَاجِرُونَ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ : أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ ، وَهُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْجَرّاحِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ ، وَسُهَيْلُ ابْنُ بَيْضَاءَ وَهُوَ سُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ وَلَكِنّ أُمّهُ غَلَبَتْ عَلَى نَسَبِهِ فَهُوَ يُنْسَبُ إلَيْهَا ، وَهِيَ دَعْدُ بِنْتُ جَحْدَمِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ ظَرِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ ، وَكَانَتْ تُدْعَى : بَيْضَاءَ وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَرْحِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ وَعِيَاضُ بْنُ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدّادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ أُهَيْبِ بْنِ ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ ، وَيُقَالُ بَلْ رَبِيعَةُ بْنُ هِلَالِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدّادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ غَنْمِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدّادِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ضَبّةَ بْنِ الْحَارِثِ وَسَعْدُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ ظَرِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ ، وَالْحَارِثُ بْنِ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ ظَرِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ . ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ . [ ص 99 ]
عَدَدُ الّذِينَ هَاجَرُوا إلَى الْحَبَشَةِ
فَكَانَ جَمِيعُ مَنْ لَحِقَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَهَاجَرَ إلَيْهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ سِوَى أَبْنَائِهِمْ الّذِينَ خَرَجُوا بِهِمْ مَعَهُمْ صِغَارًا وَوُلِدُوا بِهَا ، ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا ، إنْ كَانَ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ فِيهِمْ وَهُوَ يُشَكّ فِيهِ .
Sعَمّارٌ لَمْ يُهَاجِرْ إلَى الْحَبَشَةِ
[ ص 99 ] وَشَكّ ابْنُ إسْحَاقَ فِي عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ : هَلْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، أَمْ لَا . وَالْأَصَحّ عِنْدَ أَهْلِ السّيَرِ كَالْوَاقِدِيّ وَابْنِ عُقْبَةَ . وَغَيْرِهِمَا أَنّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ .
حَوْلَ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ قَيْسٍ مَنْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِمْ تَمِيمَ بْنَ الْحَارِثِ . وَذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ وَغَيْرُهُ . وَالْحَارِثُ بْنُ قَيْسٍ كَانَ أَبُوهُ مِنْ الْمُسْتَهْزِئِينَ الّذِي أَنْزَلَ اللّهُ فِيهِمْ { إِنّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ } [ الْحِجْرِ : 95 ] .
حَوْلَ بَنِي زُهْرَةَ وَطَلِيبِ بْنِ عَبْدٍ
وَذَكَرَ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ مَنْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَهُمْ سِتّةُ نَفَرٍ وَلَمْ يَذْكُرْ السّابِعَ وَهُوَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ شِهَابٍ جَدّ مُحَمّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ ، وَكَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْجَانّ فَسَمّاهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَبْدَ اللّهِ مَاتَ بِمَكّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللّهِ الْأَصْغَرُ شَهِدَ أُحُدًا مَعَ الْمُشْرِكِينَ ثُمّ أَسْلَمَ . وَذَكَرَ الْمُطّلِبَ بْنَ عَبْدِ عَوْفٍ وَلَمْ يَذْكُرْ أَخَاهُ طَلِيبًا ، وَكِلَاهُمَا هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَمَاتَ فِيهَا ، وَهُمَا أَخَوَا أَزْهَرِ بْنِ عَبْدِ عَوْفٍ .
مِنْ شِعْرِ الْهِجْرَةِ الْحَبَشِيّةِ
وَكَانَ مِمّا قِيلَ مِنْ الشّعْرِ فِي الْحَبَشَةِ ، أَنّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ ، حِينَ أَمِنُوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَحَمِدُوا جِوَارَ النّجَاشِيّ ، وَعَبَدُوا اللّهَ لَا يَخَافُونَ عَلَى ذَلِكَ أَحَدًا ، وَقَدْ أَحْسَنَ النّجَاشِيّ جِوَارَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِهِ قَالَ [ ص 100 ]
يَا رَاكِبًا بَلّغَن عَنّي مُغَلْغَلَةً ... مَنْ كَانَ يَرْجُو بَلَاغَ اللّهِ وَالدّينِ
كُلّ امْرِئِ مِنْ عِبَادِ اللّهِ مُضْطَهَدٍ ... بِبَطْنِ مَكّةَ مَقْهُورٍ وَمَفْتُونِ
أَنّا وَجَدْنَا بِلَادَ اللّهِ وَاسِعَةً ... تُنْجِي مِنْ الذّلّ وَالْمَخْزَاةِ وَالْهُونِ
فَلَا تُقِيمُوا عَلَى ذُلّ الْحَيَاةِ وَخَزَ ... ي فِي الْمَمَاتِ وَعَيْبٍ غَيْرِ مَأْمُونِ
إنّا تَبِعْنَا رَسُولَ اللّهِ وَاطّرَحُوا ... قَوْلَ النّبِيّ وَعَالُوا فِي الْمَوَازِينِ
فَاجْعَلْ عَذَابَك بِالْقَوْمِ الّذِينَ بَغَوْا ... وَعَائِذًا بِك أَنْ يَعْلُوا فَيُطْغُونِي
[ ص 101 ] وَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْحَارِثِ أَيْضًا ، يَذْكُرُ نَفْيَ قُرَيْشٍ إيّاهُمْ مِنْ بِلَادِهِمْ وَيُعَاتِبُ بَعْضَ قَوْمِهِ فِي ذَلِك : [ ص 102 ]
أَبَتْ كَبِدِي لَا أَكْذِبَنك قِتَالُهُمْ ... عَلَيّ وَتَأْبَاهُ عَلَيّ أَنَامِلِي
وَكَيْفَ قِتَالِي مَعْشَرًا أَدّبُوكُمْ ... عَلَى الْحَقّ أَنْ لَا تَأْشِبُوهُ بِبَاطِلِ
نَفَتْهُمْ عِبَادُ الْجِنّ مِنْ حُرّ أَرْضِهِمْ ... فَأَضْحَوْا عَلَى أَمْرٍ شَدِيدِ الْبَلَابِلِ
فَإِنّ تَكُ كَانَتْ فِي عَدِيّ أَمَانَةٌ ... عَدِيّ بْنِ سَعْدٍ عَنْ تُقًى ، أَوْ تَوَاصُلِ
فَقَدْ كُنْت أَرْجُو أَنّ ذَلِكَ فِيكُمْ ... بِحَمْدِ الّذِي لَا يُطّبَى بِالْجَعَائِلِ
وَبَدّلْت شِبْلًا شِبْلَ كُلّ خَبِيثَةٍ ... بِذِي فَجْرٍ مَأْوَى الضّعَافِ الْأَرَامِلِ
[ ص 103 ]
Sمِنْ شِعْرِ الْهِجْرَةِ الْحَبَشِيّةِ وَمَسَائِلُهُ النّحْوِيّةُ
فَصْلٌ
وَأَنْشَدَ لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ الْحَارِثِ مَا قَالَهُ فِي أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَفِيهِ قَوْلُهُ [ ص 100 ]
أَلْحِقْ عَذَابَك بِالْقَوْمِ الّذِينَ طَغَوْا ... وَعَائِذًا بِك أَنْ يَعْلُو فَيُطْغُونِي
أَنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ فِيمَا يَنْتَصِبُ عَلَى الْفِعْلِ الْمَتْرُوكِ إظْهَارُهُ وَذَلِكَ لِحِكْمَةِ وَهِيَ أَنّ الْفِعْلَ لَوْ ظَهَرَ لَمْ يَخْلُ أَنْ يَكُونَ مَاضِيًا أَوْ مُسْتَقْبَلًا ، فَالْمَاضِي يُوهِمُ الِانْقِطَاعَ وَالْمُتَكَلّمُ إنّمَا يُرِيدُ أَنّهُ فِي مَقَامِ الْعَائِذِ وَفِي حَالِ عَوْذٍ وَالْفِعْلُ الْمُسْتَقْبَلُ أَيْضًا يُؤْذِنُ بِالِانْتِظَارِ وَفِعْلُ الْحَالِ مُشْتَرَكٌ مَعَ الْمُسْتَقْبَلِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ يُوهِمُ أَنّهُ غَيْرُ عَائِذٍ فَكَانَ مَجِيئُهُ بِلَفْظِ الِاسْمِ الْمَنْصُوبِ عَلَى الْحَالِ أَدَلّ عَلَى مَا يُرِيدُ فَإِنّ عَائِذًا كَقَائِمِ وَقَاعِدٍ وَهُوَ الّذِي يُسَمّى عِنْدَ الْكُوفِيّينَ الدّائِمُ فَالْقَائِلُ عَائِذًا بِك يَا رَبّ إنّمَا يُرِيدُ أَنَا فِي حَالِ عِيَاذٍ بِك ، وَالْعَامِلُ فِي هَذِهِ الْحَالِ تَكَلّمُهُ وَنِدَاؤُهُ أَيْ أَقُولُ قَوْلِي هَذَا عَائِذًا ، وَلَيْسَ تَقْدِيرُهُ عُذْت وَلَا أَعُوذُ إنّمَا يُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَهُ رَبّهُ أَوْ يَرَاهُ عَائِذًا بِهِ . وَقَوْلُهُ أَنْ يَعْلُو يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أَنْ مَعَ مَا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ وَفِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عِنْدَ النّحْوِيّينَ أَمّا النّصْبُ فَعَلَى إضْمَارِ الْفِعْلِ لِأَنّهُ قَالَ عَائِذًا ، فَأَعْلَمَ أَنّهُ خَائِفٌ فَكَأَنّهُ قَالَ أَخَافُ أَنْ يَعْلُو فَيُطْغُونِي ، وَأَمّا الْخَفْضُ فَعَلَى إضْمَارِ حَرْفِ الْجَرّ فَكَأَنّهُ قَالَ مِنْ أَنْ يَعْلُو ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْخَلِيلِ وَسِيبَوَيْهِ فِي أَنْ الْمُخَفّفَةِ وَأَنْ الْمُشَدّدَةِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنّ هَذِهِ أُمّتُكُمْ أُمّةً وَاحِدَةً } [ الْأَنْبِيَاءِ 92 ] تَقْدِيرُهُ لِأَنّ هَذِهِ وَجَازَ إضْمَارُ حَرْفِ الْجَرّ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ حُرُوفُ الْجَرّ لَا تُضْمَرُ لِأَنّهُمَا مَوْصُولَتَانِ بِمَا بَعْدَهُمَا ، فَطَالَ الِاسْمُ بِالصّلَةِ فَجَازَ حَذْفُ الْجَرّ تَخْفِيفًا . وَلِقَائِلِ أَنْ يَقُولَ هَذِهِ دَعْوَى ادّعَيْتُمْ أَنّ أَنْ وَمَا بَعْدَهَا اسْمٌ مَخْفُوضٌ وَهُوَ لَا يَظْهَرُ فِيهِ الْخَفْضُ ثُمّ بَنَيْتُمْ التّعْلِيلَ عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ لِأَنّ الْخَفْضَ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ فَنَقُولُ إنّمَا عَلِمْنَا أَنّهُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ لِوُقُوعِهِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَقَعُ فِيهِ إلّا الْمَخْفُوضُ بِحَرْفِ الْجَرّ نَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ } [ التّوْبَةِ 97 ] وَنَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى : [ ص 101 ] { أَحَقّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ } [ التّوْبَةُ 108 ] وَنَحْوُ قَوْلِهِ { أَنْ تَضِلّ إِحْدَاهُمَا } [ الْبَقَرَةُ 28 ] . فَقَوْلُهُ تَعَالَى : أَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا ، مَعْنَاهُ بِأَنْ لَا يَعْلَمُوا ، فَلَوْ كَانَ قَبْلَ أَنْ فَعَلَ لَقُلْنَا : حُذِفَ حَرْفُ الْجَرّ فَتَعَدّى الْفِعْلُ فَنَصَبَ وَلَكِنْ أَجَدْرُ وَأَحَقّ اسْمَانِ لَا يَعْمَلَانِ فَمِنْ هَهُنَا عَرَفَ النّحْوِيّونَ أَنّهُ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ إذْ لَا نَاصِبَ لَهُ وَأَمّا مَا اعْتَلّوا بَهْ مِنْ طُولِ الِاسْمِ بِالصّلَةِ وَأَنّ ذَلِكَ هُوَ الّذِي سَوّغَ لَهُمْ إضْمَارَ حَرْفِ الْجَرّ فَتَعْلِيلٌ مَدْخُولٌ يُنْتَقَضُ عَلَيْهِمْ بِالْأَسْمَاءِ الْمَوْصُولَةِ كَاَلّذِي وَمَنْ وَمَا ، فَإِنّهَا قَدْ طَالَتْ بِالصّلَةِ وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إضْمَارُ حَرْفِ الْجَرّ فِيهَا ، لَا تَقُولُ خَرَجْت مَا عِنْدَك ، وَلَا هَرَبْت الّذِي عِنْدَك أَيْ مَنْ الّذِي عِنْدَك ، وَتَقُولُ خَرَجْت أَنْ يَرَانِي زَيْدٌ وَفَرَرْت أَنْ يَرَانِي عَمْرٌو ، أَيْ مِنْ أَنْ يَرَانِي ، وَلِأَنْ يَرَانِي بَدَلٌ عَلَى أَنّ الْعِلّةَ غَيْرُ مَا قَالُوا ، وَهِيَ أَنّ أَنْ مَعَ الْفِعْلِ لَيْسَ بِاسْمِ مَحْضٍ وَإِنّمَا هُوَ فِي تَأْوِيلِ اسْمٍ وَالِاسْمُ الْمَحْضُ مَا دَلّ عَلَيْهِ حَرْفُ الْجَرّ فَلَا بُدّ إذًا مِنْ إظْهَارِ حَرْفِ الْجَرّ إذَا جِئْت بِهِ لِأَنّهُ اسْمٌ قَابِلٌ لِدُخُولِ الْخَوَافِضِ عَلَيْهِ وَأَمّا أَنّ فَحَرْفٌ مَحْضٌ لَا يَصِحّ دُخُولُ حَرْفِ جَرّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْفِعْلِ الْمُتّصِلِ بِهِ فَلَا تَقُولُ هُوَ اسْمٌ مَخْفُوضٌ إنّمَا هُوَ فِي تَأْوِيلِ اسْمٍ مَخْفُوضٍ فَمِنْ هَهُنَا فَرّقَتْ الْعَرَبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ الْأَسْمَاءِ فَإِذَا أَدْخَلْت عَلَيْهِ حَرْفَ الْجَرّ مُظْهَرًا جَازَ لِأَنّهُ فِي تَأْوِيلِ اسْمٍ وَإِذَا أَضْمَرْت حَرْفَ الْجَرّ جَازَ أَيْضًا الْتِفَاتًا إلَى أَنّ الْحَرْفَ الْجَرّ لَا يَدْخُلُ عَلَى الْحَرْفِ وَلَا عَلَى الْفِعْلِ فَحَسَنٌ إسْقَاطُهُ مُرَاعَاةً لِلَفْظِ أَنْ وَلِلْفِعْلِ الْفِعْل ، وَقُلْنَا : هُوَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَلَى مَعْنَى أَنّ الْكَلَامَ يُؤَوّلُ إلَى الِاسْمِ الْمَخْفُوضِ لَا أَنّهُ يَظْهَرُ فِيهِ خَفْضٌ أَوْ يُقَدّرُ تَقْدِيرَ الْمَبْنِيّ الّذِي مَنَعَهُ الْبِنَاءُ مِنْ ظُهُورِ الْخَفْضِ فِيهِ حَتّى يُشْبِهَ أَنْ فَنَقُولُ هُوَ اسْمٌ مَبْنِيّ عَلَى السّكُونِ ، لَا بَلْ نَقُولُ هِيَ حَرْفٌ وَالْحَرْفُ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ حَرْفُ الْجَرّ لَا مُضْمَرًا وَلَا مُظْهَرًا ، وَإِنّمَا هُوَ تَقْدِيرٌ فِي الْمَعْنَى ، لَا فِي اللّفْظِ فَافْهَمْهُ .
لَا يُضَافُ اسْمٌ إلَى أَنّ الْمَصْدَرِيّةِ
فَصْلٌ وَاعْلَمْ أَنّ [ أَنْ ] الّتِي فِي تَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ لَا يُضَافُ إلَيْهَا اسْمٌ . تَقُولُ هَذَا مَوْضِعُ أَنْ تَقْعُدَ وَيَوْمُ خُرُوجِك ، وَلَا تَقُولُ يَوْمُ أَنْ تَخْرُجَ لِأَنّهَا لَيْسَتْ بِاسْمِ كَمَا قَدّمْنَا ، وَإِنّمَا تُضَافُ إلَى الْأَسْمَاءِ الْمَحْضَةِ لَا إلَى التّأْوِيلِ وَلَا يُضَافُ إلَيْهَا أَيْضًا اسْمُ الْفَاعِلِ لَا بِمَعْنَى الْمُضِيّ وَلَا بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَالِ وَلَا الْمَصْدَرِ إلّا عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ نَحْوُ مَخَافَةَ أَنْ تَقُومَ وَذَلِك إذَا أَرَدْت مَعْنَى الْمَفْعُولِ بِأَنّ وَمَا بَعْدَهَا ، وَأَمّا عَلَى نَحْوِ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَى الْفَاعِلِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِك . [ ص 102 ] لَائِقًا بِهَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنّي لَمْ أَذْكُرْ الْخَفْضَ بِإِضْمَارِ حَرْفِ الْجَرّ فِي أَنّ وَإِنّ إلّا مُسَاعَدَةً لِمَنْ تَقَدّمَ فَعَلَيْهِ بَنَيْت التّعْلِيلَ وَالتّأْصِيلَ وَإِذَا أَبَيْت مِنْ التّقْلِيدِ فَلَا إضْمَارَ لِحُرُوفِ الْجَرّ فِيهَا ، إنّمَا هُوَ النّصَبُ بِفِعْلِ مُضْمَرٍ أَوْ مُظْهَرٍ أَمّا قَوْلُهُ تَعَالَى : { أَحَقّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ } فَإِنّمَا لَمّا قَالَ أَحَقّ عُلِمَ أَنّهُ يُوجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ فِيهِ وَكَذَلِكَ أَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا ، وَمَعْنَى أَجْدَرَ أَخْلَقُ وَأَقْرَبُ وَلَمَا ثَبَتَتْ لَهُمْ هَذِهِ الصّفّةُ اقْتَضَى ذَلِكَ أَلّا يَعْلَمُوا ؛ فَصَارَ مَنْصُوبًا فِي الْمَعْنَى ، وَلَوْ جِئْت بِالْمَصْدَرِ الّذِي هُوَ اسْمٌ مَحْضٌ نَحْوُ الْقِيَامُ وَالْعِلْمُ لَمْ يَصِحّ إضْمَارُ هَذَا الْفِعْلِ لِأَنّ أَجْدَرَ وَأَحَقّ وَنَحْوَهُمَا اسْمَانِ يُضَافَانِ إلَى مَا بَعْدَهُمَا ، فَلَوْ جِئْت بِالْقِيَامِ بَعْدَ قَوْلِك أَحَقّ فَقُلْت : أَحَقّ قِيَامُك ، لَانْقَلَبَ الْمَعْنَى . وَلَوْ نَصَبْته بِإِضْمَارِ الْفِعْلِ الّذِي أَضْمَرْت مَعَ أَنّ لَمْ يَكُنْ دَلِيلٌ عَلَيْهِ لِأَنّ الِاسْمَ يَطْلُبُ الْإِضَافَةَ فَيُمْنَعُ مِنْ الْإِضْمَارِ وَالنّصَبِ وَإِذَا وَقَعَتْ بَعْدَهُ لَمْ يَطْلُبْ الْإِضَافَةَ لِمَا قَدّمْنَاهُ مِنْ امْتِنَاعِ إضَافَةِ الْأَسْمَاءِ إلَيْهَا ، وَإِنّمَا اخْتَرْنَا هَذَا الْمَذْهَب ، وَآثَرْنَاهُ عَلَى مَا تَقَدّمَ مِنْ إضْمَارِ الْخَافِضِ لِأَنَا قَدْ نَجِدُهَا فِي مَوَاضِعَ مَجْرُورَةٍ وَلَا يَجُوزُ إضْمَارُ حَرْفِ الْجَرّ كَقَوْلِك : سِرْ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشّمْسُ وَلَا يَجُوزُ إضْمَارٌ إلَى هَهُنَا ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا ، وَلَا يَجُوزُ أَيْضًا إضْمَارُ مِنْ وَلَوْ كَانَ حَرْفُ الْجَرّ مَعَهَا لِلْعِلّتَيْنِ المتقدمتين لَاطّرَدَ جَوَازُ ذَلِكَ فِيهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ وَإِنّمَا هِيَ أَبَدًا إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا حَرْفُ الْجَرّ ظَاهِرًا مَفْعُولَةً بِفِعْلِ مُضْمَرٍ وَقَدْ تَكُونُ فَاعِلَةً وَلَكِنْ بِفِعْلِ ظَاهِرٍ نَحْوُ يُعْجِبنِي أَنْ تَقُومَ وَأَمّا خَرَجْت أَنْ أَرَى زَيْدًا فَعَلَى إضْمَارِ الْإِرَادَةِ وَالْقَصْدِ كَأَنّك أَرَدْت : أَنْ أَرَاهُ أَوْ أَنْ لَا أَرَاهُ لِأَنّ كُلّ مَنْ فَعَلَ فِعْلًا ، فَقَدْ أَرَادَ بِهِ أَمْرًا مَا ، لَكِنّك إنْ جَعَلْت مَكَانَهَا الْمَصْدَرَ لَمْ يَجُزْ الْإِضْمَارُ أَوْ قُبّحَ لِأَنّ الْمَصْدَرَ تَعْمَلُ فِيهِ الْأَفْعَالُ الظّاهِرَةُ إذَا كَانَتْ مُتَعَدّيَةً وَتَصِلُ إلَيْهِ بِحَرْفِ جَرّ إذَا لَمْ تَكُنْ مُتَعَدّيَةً وَأَنّ مَعَ الْفِعْلِ لَا تَعْمَلُ فِيهَا الْحَوَاسّ وَلَا أَفْعَالُ الْجَوَارِحِ الظّاهِرَةِ تَقُولُ رَأَيْت قِيَامَ زَيْدٍ وَلَا تَقُولُ أَنْ يَقُومَ وَسَمِعْت كَلَامَك ، وَلَا تَقُولُ سَمِعْت أَنْ تَتَكَلّمَ وَإِنّمَا يَتَعَلّقُ بِهَا ، وَتَعْمَلُ فِيهَا الْأَفْعَالُ الْبَاطِنَةُ نَحْوُ خِفْت وَاشْتَهَيْت وَكَرِهْت ، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَى هَذَا أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ فَإِذَا سَمِعَ الْمُخَاطَبُ أَنّ مَعَ الْفِعْلِ لَمْ يَذْهَبْ وَهْمُهُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ إلّا إلَى هَذِهِ الْمَعَانِي ، فَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فَذَاكَ وَإِلّا اعْتَقَدْنَا أَنّهَا مُضْمَرَةً وَأَنّ الْفِعْلَ الظّاهِرَ دَالّ عَلَيْهَا . [ ص 103 ] وَقَعَ قَبْلَهَا فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِ الْجَوَارِحِ الظّاهِرَةِ وَقَعَ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مُتَعَدّيًا أَوْ وُصِلَ بِحَرْفِ إنْ كَانَ غَيْرَ مُتَعَدّ وَمُنِعَ مِنْ الْإِضْمَارِ أَنّهُ لَفْظِيّ ، وَالْإِضْمَارُ مَعْنَوِيّ إلّا فِي بَابِ الْمَفْعُولِ مِنْ أَجْلِهِ وَقَدْ قَدّمْنَا فِيهِ سِرّا بَدِيعًا فِيمَا سَبَقَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ .
وَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْحَارِثِ أَيْضًا :
وَتِلْكَ قُرَيْشٌ تَجْحَدُ اللّهَ حَقّهُ ... كَمَا جَحَدَتْ عَادٌ وَمَدْيَنُ وَالْحِجْرُ
فَإِنْ أَنَا لَمْ أَبْرِقْ فَلَا يَسَعَنّنِي ... مِنْ الْأَرْضِ بَرّ ذُو فَضَاءٍ وَلَا بَحْرُ
بِأَرْضِ بِهَا عَبْدُ الْإِلَهِ مُحَمّدٌ ... أُبَيّنُ مَا فِي النّفْسِ إذْ بَلَغَ النّقْرُ
فَسُمّيَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ الْحَارِثِ - يَرْحَمُهُ اللّهُ - لَبَيْتِهِ الّذِي قَالَ الْمُبْرِق .
Sفَصْلٌ
وَأَنْشَدَ لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ الْحَارِثِ شِعْرًا فِيهِ كَمَا جَحَدَتْ عَادٌ وَمَدْيَنُ وَالْحِجْرُ
أَمّا عَادٌ فَقَدْ تَقَدّمَ نَسَبُهَا ، وَأَمّا الْحِجْرُ فَلَيْسَتْ بِأُمّةِ وَلَكِنّهَا دِيَارُ ثَمُودَ . أَرَادَ أَهْلَ الْحِجْرِ ، وَأَمّا مَدْيَنُ فَأُمّةُ شُعَيْبٍ ، وَهُمْ بَنُو مَدَيَانِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلَامُ وَأُمّهُمْ قُطُورًا بِنْتُ يَقِطَانِ الْكَنْعَانِيّةُ ، وَلَدَتْ لَهُ ثَمَانِيّةً مِنْ الْوَلَدِ تَنَاسَلَتْ مِنْهُمْ أُمَمٌ وَقَدْ سَمّيْنَاهُمْ فِي كِتَابِ التّعْرِيفِ وَالْإِعْلَامِ وَفِي أَوّلِ هَذَا الْكِتَابِ . وَفِيهِ أَيْضًا قَوْلُهُ فَإِنْ أَنَا لَمْ أَبْرِقْ فَلَا يَسَعَنّنِي . الْبَيْتَ قَالَ وَبِهِ سُمّيَ الْمُبْرِقَ قَالَ الْمُؤَلّفُ وَفِي هَذَا حُجّةٌ عَلَى الْأَصْمَعِيّ حِينَ مَنَعَ أَنْ يُقَالَ أُرْعِد وَأُبْرِق ، وَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ الْكُمَيْتِ أُرْعِدُ وَأُبْرِقُ يَا يَزِيدُ
فَلَمْ يَرَهُ حُجّةً [ وَقَالَ الْكُمَيْتُ جُرْمقَانِيّ مِنْ أَهْلِ الْمُوصِلِ ] لَيْسَ بِحُجّةِ وَأَلْحَقَهُ بِالْمُحَدّثِينَ لِتَأَخّرِ زَمَانِهِ كَمَا فَعَلَ بِذِي الرّمّةِ حِينَ احْتَجّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ ذُو زَوْجَةٍ بِالْمِصْرِ أَمْ ذُو خُصُومَةٍ
فَأَبَى أَنْ يَقُولَ زَوْجَةٌ بِهَاءِ التّأْنِيثِ وَقَالَ طَالَمَا أَكَلَ ذُو الرّمّةِ الزّيْتَ فِي حَوَانِيتِ الْبَقّالِينَ وَبَيْتُ الْمُبْرِقِ فِي هَذَا حُجّةٌ بِلَا خِلَافٍ وَقَدْ وُجِدَ أُرْعِدُ وَأُبْرِقُ فِي غَيْرِ هَذَا الْبَيْتِ مِمّا تَقُومُ بِهِ الْحُجّةُ أَيْضًا ، وَبَيْتُ الْمُبْرِقِ هَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَبْرَقَ فِي الْأَرْضِ إذَا ذَهَبَ بِهَا لَا مِنْ أَرْعَدَ وَأَبْرَقَ وَكَذَلِكَ وَجَدْته فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ مَنْسُوبًا لِلْمَصْعَبِ قَالَ الْإِبْرَاقُ الذّهَابُ وَفِي الْعَيْنِ أَبَرَقَتْ النّاقَةُ بِذَنَبِهَا إذَا ضَرَبَتْ [ ص 104 ] قَالَ نَهْشَلُ بْنُ دَارِمٍ لِأَخِيهِ سَلِيطٍ - وَقَدْ لَامَهُ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ لَا أُحْسِنُ تَأْنَامَكَ وَلَا تَكْذَابَكَ تَشُولُ بِلِسَانِك شَوَلَانَ الْبُرُوقِ . وَذَكَرَ فِي الشّعْرِ يَلِينَ مَا فِي النّفْسِ إذْ بَلَغَ النّقْرُ
وَيُرْوَى : يَلِينَ مَا فِي الصّدْرِ . وَالنّقْرُ الْبَحْثُ عَنْ الشّيْءِ وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِيهِ التّنْقِيرُ وَاسْتَشْهَدَ عَبْدُ اللّهِ الْمُبْرِقُ فِي غَزْوَةِ الطّائِفِ ، وَكَانَ أَبُوهُ الْحَارِثَ مِنْ الْمُسْتَهْزِئِينَ وَكَانَ جَدّهُ قَيْسٌ أَعَزّ قُرَيْشٍ فِي زَمَانِهِ يُرْوَى أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ كَانَ يُنَفّزُ ابْنَهُ عَبْدَ اللّهِ وَالِدَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَهُوَ طِفْلٌ فَيَقُولُ
كَأَنّهُ فِي الْعِزّ قَيْسُ بْنُ عَدِيّ ... فِي دَارِ قَيْسٍ النّدِيّ يَنْتَدِي
قَالَهُ الزّبِيرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ .
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ يُعَاتِبُ أُمَيّةَ بْنَ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ ، وَهُوَ ابْنُ عَمّهِ وَكَانَ يُؤْذِيهِ فِي إسْلَامِهِ وَكَانَ أُمَيّةُ شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ فِي زَمَانِهِ ذَلِكَ
أَتَيْمَ بْنَ عَمْرٍو لِلّذِي جَاءَ بِغْضَةً ... وَمِنْ دُونِهِ الشّرْمَان وَالْبَرْكُ أَكْتَعُ
أَأَخْرَجْتنِي مِنْ بَطْنِ مَكّةَ آمِنًا ... وَأَسْكَنْتنِي فِي صَرْحِ بَيْضَاءَ تُقْذَعُ
تَرِيشُ نِبَالًا لَا يُوَاتِيك رِيشُهَا ... وَتِبْرِي نِبَالًا رِيشُهَا لَك أَجْمَعُ
وَحَارَبْت أَقْوَامًا كِرَامًا أَعِزّةً ... وَأَهْلَكْت أَقْوَامًا بِهِمْ كُنْت تَفْزَعُ
سَتَعْلَمُ إنْ نَابَتْك يَوْمًا مُلِمّةٌ ... وَأَسْلَمَك الْأَوْبَاشُ مَا كُنْت تَصْنَعُ
[ ص 107 ] وَتَيْمُ بْنُ عَمْرٍو ، الّذِي يَدْعُو عُثْمَانُ جُمَحٌ كَانَ اسْمُهُ تَيْمًا .
Sحَوْلَ لَامِ التّعَجّبِ
فَصْلٌ
وَذَكَرَ شِعْرَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ : أَتَيْمَ بْن عَمْرٍو لِلّذِي جَاءَ بِغْضَةً
أَرَاهُ عَجَبًا لِلّذِي جَاءَ وَالْعَرَبُ تَكْتَفِي بِهَذِهِ اللّامِ فِي التّعَجّبِ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ السّلَامُ لِهَذَا الْعَبْدِ الْحَبَشِيّ جَاءَ مِنْ أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ إلَى الْأَرْضِ الّتِي خُلِقَ مِنْهَا قَالَهُ فِي عَبْدٍ حَبَشِيّ دُفِنَ بِالْمَدِينَةِ ، وَقَالَ فِي جِنَازَةِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى قَبْرِهِ وَتَقَهْقَرَ ثُمّ قَالَ سُبْحَانَ اللّهِ لِهَذَا الْعَبْدِ الصّالِحِ ضُمّ عَلَيْهِ الْقَبْرُ ثُمّ فُرِجَ عَنْهُ وَقِيلَ فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ } أَقْوَالٌ مِنْهَا : أَنّهَا مُتَعَلّقَةٌ بِمَعْنَى التّعَجّبِ كَأَنّهُ قَالَ اعْجَبُوا لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ ، وَبِغْضَةً نُصِبَ عَلَى التّمْيِيزِ كَأَنّهُ قَالَ يَا عَجَبًا لِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ بِغْضَةٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِنْ أَجْلِهِ وَرَوَى الزّبَيْرُ هَذَا الْبَيْتَ أَتَيْمَ بْنَ عَمْرٍو الّذِي فَارَ ضِغْنُهُ
مِنْ مَعَانِي شِعْرِ ابْنِ مَظْعُونٍ
[ ص 105 ] بَيْطَاءَ تُقْدَعُ بِالطّاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ وَكَسْرِهَا ، وَقَالَ بِيَطَاءَ اسْمُ سَفِينَةٍ وَتُقْدَعُ بِالدّالِ أَيْ تُدْفَعُ وَزَعَمَ أَنّ تَيْمَ بْنَ عَمْرٍو وَهُوَ جُمَحٌ سُمّيَ جُمَحًا ؛ لِأَنّ أَخَاهُ سَهْمَ بْنَ عَمْرٍو - وَكَانَ اسْمُهُ زَيْدًا - سَابَقَهُ إلَى غَايَةٍ فَجَمَحَ عَنْهَا تَيْمٌ فَسُمّيَ جُمَحًا ، وَوَقَفَ عَلَيْهَا زَيْدٌ فَقِيلَ قَدْ سَهَمَ زَيْدٌ فَسُمّيَ سَهْمًا . وَقَوْلُهُ وَمِنْ دُونِنَا الشّرْمَان . الشّرْمُ الْبَحْرُ وَقَالَ الشّرْمَان بِالتّثْنِيَةِ لِأَنّهُ أَرَادَ الْبَحْرَ الْمِلْحَ وَالْبَحْرَ الْعَذْبَ وَفِي التّنْزِيلِ { مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ } وَالشّرْمُ مِنْ شَرَمْت الشّيْءَ إذَا خَرَقْته ، وَكَذَلِكَ الْبَحْرُ مِنْ بَحَرْت الْأَرْضَ إذَا خَرَقْتهَا ، وَمِنْهُ سُمّيَتْ الْبَحِيرَةُ لِخَرْقِ أُذُنِهَا وَالْبَرْكُ : مَا اطْمَأَنّ مِنْ الْأَرْضِ وَاتّسَعَ وَلَمْ يَكُنْ مُنْتَصِبًا كَالْجِبَالِ . وَقَوْلُهُ فِي صَرْحِ بَيْضَاءَ . يُرِيدُ مَدِينَةَ الْحَبَشَةِ ، وَأَصْلُ الصّرْحِ الْقَصْرُ يُرِيدُ أَنّهُ سَاكِنٌ عِنْدَ صَرْحِ النّجَاشِيّ . وَقَوْلُهُ تُقْذَعُ أَيْ تُكْرَهُ كَأَنّهُ مِنْ أَقَذَعْت الشّيْءَ إذَا صَادَفَتْهُ قَذِعًا وَيُقَالُ أَيْضًا : قَذَعْت الرّجُلَ إذَا رَمَيْته بِالْفُحْشِ يُرِيدُ أَنّ أَرْضَ الْحَبَشَةِ مَقْذُوعَةٌ وَأَحْسِبُ هَذِهِ الرّوَايَةَ تَصْحِيفًا ، وَالصّحِيحُ مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِ الزّبَيْرِ وَرِوَايَتِهِ وَأَنّهُ بِيَطَاءَ بِالطّاءِ وَتُقْدَعُ بِالدّالِ . وَقَوْلُهُ وَأَسْلَمَك الْأَوْبَاشُ يُرِيدُ أَخْلَاطًا مِنْ النّحَاسِ يُقَال : أَوْشَابٌ وَأَوْبَاشٌ وَالْأَوْبَاشُ أَيْضًا شَجَرٌ مُتَفَرّقٌ وَالْوَبْشُ بَيَاضٌ فِي أَظْفَارِ الْأَحْدَاثِ .
أَنْسَابٌ
وَذَكَرَ فِيمَنْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ بَنِي عَدِيّ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ نَضْلَةَ وَقَالَ فِيهِ عَلِيّ بْنُ الْمَدِينِيّ : إنّمَا هُوَ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ نَافِعِ بْنِ نَضْلَةَ . وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : نَضْلَةُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ بْنِ عَوْفِ بْن عُبَيْدٍ وَفِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ قَالَ إنّمَا هُوَ نَضْلَةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجٍ وَذَكَرَ أَنّهُ قَوْلُ مُصْعَبٍ فِي كِتَابِ [ ص 106 ] وَذَكَرَ فِي بَنِي عَدِيّ عُرْوَةَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ كَذَا فِي كِتَابِ الْمُصْعَبِ إلّا أَنّهُ قَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي أُثَاثَةَ أَوْ عُرْوَةُ بْنُ أَبِي أُثَاثَةَ عَلَى الشّكّ وَذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ فِي كِتَابِ الِاسْتِيعَابِ فَقَالَ فِيهِ عُرْوَةُ بْنُ أَبِي أُثَاثَةَ وَيُقَالُ ابْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ حُرْثَانَ قَالَ وَأُمّهُ أُمّ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي ، فَهُوَ أَخُوهُ لِأُمّ . قَالَ الْمُؤَلّفُ وَأُمّهُمَا اسْمُهَا : لَيْلَى ، وَتَلَقّبَ بِالنّابِغَةِ وَهِيَ مِنْ بَنِي رَبِيعَةَ ثُمّ مِنْ بَنِي جَلّانَ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَيُقَالُ فِيهِ ابْنُ أَبِي أُثَاثَةَ قَالَ الْمُؤَلّفُ وَقَدْ قَدّمْنَا أَنّ الْمُصْعَبَ الزّبَيْرِيّ شَكّ فِيهِ فَقَالَ عُرْوَةُ أَوْ عَمْرٌو ، وَأَمّا الزّبَيْرُ فَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي أُثَاثَةَ وَلَمْ يَشُكّ ثُمّ قَالَ أَبُو عُمَرَ لَمْ يَذْكُرُهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِيمَنْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَذَكَرَهُ الْوَاقِدِيّ ، وَأَبُو مَعْشَرٍ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، قَالَ الْمُؤَلّفُ وَهَذَا وَهْمٌ مِنْ أَبِي عُمَرَ - رَحِمَهُ اللّهُ - فَإِنّ ابْنَ إسْحَاقَ ذَكَرَهُ فِيهِمْ غَيْرَ أَنّهُ نَسَبَهُ إلَى جَدّهِ عَبْدِ الْعُزّى ، وَأَسْقَطَ اسْمَ أَبِيهِ أَبِي أُثَاثَةَ وَقَالَ حِينَ ذَكَرَ مَنْ هَاجَرَ مِنْ بَنِي عَدِيّ بَعْدَ مَا عَدّهُمْ خَمْسَةً قَالَ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ ابْنِ إسْحَاقَ ، وَذَكَرَ فِيهِمْ مَعَ الْخَمْسَةِ لَيْلَى بِنْتَ أَبِي حَثْمَةَ امْرَأَةَ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، فَهُمْ عَلَى هَذَا سِتّةٌ غَيْرَ أَنّهُ يَحْتَمِلُ أَنّهُ يُرِيدُ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ دُونَ حَلِيفِهِمْ عَامِرٍ وَمَا أَظُنّهُ قَصَدَ هَذَا ؛ لِأَنّ مِنْ عَادَتِهِ أَنّ يَعُدّ الْحُلَفَاءَ مَعَ الصّمِيمِ لِأَنّ الدّعْوَةَ تَجْمَعُهُمْ .
أُمّ سَلَمَةَ
وَذَكَرَ أُمّ سَلَمَةَ وَبَعْلَهَا أَبَا سَلَمَةَ تُوُفّيَ عَنْهَا بِالْمَدِينَةِ ، وَخَلّفَ عَلَيْهَا رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَذَكَرَ اسْمَهَا هَذَا ، وَقِيلَ فِي اسْمِهَا : رَمَلَةُ وَأَبُوهَا أَبُو أُمَيّةَ اسْمُهُ حُذَيْفَةُ يُعْرَفُ بِزَادِ الرّاكِبِ . وَذَكَرَ أَنّهَا وَلَدَتْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ، وَكَانَ اسْمُ زَيْنَبَ بَرّةَ فَسَمّاهَا رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - زَيْنَبَ كَانَتْ زَيْنَبُ هَذِهِ عِنْدَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ زَمْعَةَ وَكَانَتْ قَدْ دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَهُوَ يَغْتَسِلُ وَهِيَ إذْ ذَاكَ طِفْلَةٌ فَنَضَحَ فِي وَجْهِهَا مِنْ الْمَاءِ فَلَمْ يَزَلْ مَاءُ الشّبَابِ فِي وَجْهِهَا ، حَتّى عَجَزَتْ وَقَارَبَتْ الْمِائَةَ وَكَانَتْ مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ زَمَانِهَا ، وَأَدْرَكَتْ [ ص 107 ] الْحَرّةِ بِالْمَدِينَةِ ، وَقُتِلَ لَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَدَانِ اسْمُ أَحَدِهِمَا : كَبِيرٌ وَالْآخَرُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ زَمْعَةَ فَكَانَتْ تَبْكِي عَلَى أَحَدِهِمَا : وَلَا تَبْكِي عَلَى الْآخَرِ فَسُئِلَتْ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَتْ أَبْكِيهِ لِأَنّهُ جَرّدَ سَيْفَهُ وَقَاتَلَ وَالْآخَرُ لَا أَبْكِيهِ لِأَنّهُ لَزِمَ بَيْتَهُ وَكَفّ يَدَهُ حَتّى قُتِلَ وَرُوِيَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حِينَ ابْتَنَى بِأُمّ سَلَمَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا بَيْتَهَا فِي ظُلْمَةٍ فَوَطِئَ عَلَى زَيْنَبَ فَبَكَتْ فَمَا كَانَ مِنْ اللّيْلَةِ الْأُخْرَى دَخَلَ فِي ظُلْمَةٍ أَيْضًا ، فَقَالَ اُنْظُرُوا زُنَابَكُمْ أَنْ لَا أَطَأَ عَلَيْهَا ، أَوْ قَالَ أَخّرُوا ذَكَرَهُ الزّبَيْرُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَوْهِينٌ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنّهُ كَانَ يَرَى بِاللّيْلِ كَمَا يَرَى بِالنّهَارِ .
النّورُ الّذِي كَانَ عَلَى قَبْرِ النّجَاشِيّ
فَصْلٌ وَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ كُنّا نَتَحَدّثُ أَنّهُ لَا يَزَالُ يَرَى عَلَى قَبْرِ النّجَاشِيّ نُورٌ وَقَدْ خَرّجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ الْفَضْلِ ، وَعَنْ ابْنِ إسْحَاقَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عَائِشَةَ وَأَوْرَدَهُ فِي بَابِ . : النّورُ يُرَى عِنْدَ الشّهِيدِ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا غَيْرِهِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنّ النّجَاشِيّ مَاتَ شَهِيدًا ، وَأَحْسَبُهُ أَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَا وَقَعَ فِي كُتُبِ التّارِيخِ مِنْ أَنّ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ رَبِيعَةَ أَخَا سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ الّذِي يُقَالُ لَهُ ذُو النّورِ وَكَانَ عَلَى بَابِ الْأَبْوَابِ فَقَتَلَهُ التّرْكُ زَمَانَ عُمَرَ فَهُوَ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ وَبِعَضُدِ هَذَا حَدِيثُ النّجَاشِيّ ، يَقُولُ فَإِذَا كَانَ النّجَاشِيّ - وَلَيْسَ بِشَهِيدِ - يُرَى عِنْدَهُ نُورٌ فَالشّهِيدُ أَحْرَى بِذَلِكَ لِقَوْلِ اللّهِ سُبْحَانَهُ { وَالشّهَدَاءُ عِنْدَ رَبّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ } [ الْحَدِيدُ 19 ] .
إرْسَالُ قُرَيْشٍ إلَى الْحَبَشَةِ فِي طَلَبِ الْمُهَاجِرِينَ إلَيْهَا
[ ص 108 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَدْ أَمِنُوا ، وَاطْمَأَنّوا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَأَنّهُمْ قَدْ أَصَابُوا بِهَا دَارًا وَقَرَارًا ، ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يَبْعَثُوا فِيهِمْ مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ جَلْدَيْنِ إلَى النّجَاشِيّ ، فَيَرُدّهُمْ عَلَيْهِمْ لِيَفْتِنُوهُمْ فِي دِينِهِمْ وَيُخْرِجُوهُمْ مِنْ دَارِهِمْ الّتِي اطْمَأَنّوا بِهَا وَأَمِنُوا فِيهَا ، فَبَعَثُوا عَبْدَ اللّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ ، وَجَمَعُوا لَهُمَا هَدَايَا لِلنّجَاشِيّ وَلِبَطَارِقَتِهِ ثُمّ بَعَثُوهُمَا إلَيْهِ فِيهِمْ . فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ - حِينَ رَأَى ذَلِكَ مِنْ رَأْيِهِمْ وَمَا بَعَثُوهُمَا فِيهِ - أَبْيَاتًا لِلنّجَاشِيّ يَحُضّهُ عَلَى حُسْنِ جِوَارِهِمْ وَالدّفْعِ عَنْهُمْ
أَلَا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ فِي النّأْيِ جَعْفَرٌ ... وَعَمْرٌو وَأَعْدَاءُ الْعَدُوّ الْأَقَارِبُ
وَهَلْ نَالَتْ أَفْعَالُ النّجَاشِيّ جَعْفَرًا ... وَأَصْحَابَهُ أَوْ عَاقَ ذَلِكَ شَاغِبٌ
تَعَلّمْ - أَبَيْت اللّعْنَ - أَنّك مَاجِدٌ ... كَرِيمٌ فَلَا يَشْقَى لَدَيْك الْمُجَانِبُ
تَعَلّمْ بِأَنّ اللّهَ زَادَك بَسْطَةً ... وَأَسْبَابَ خَيْرٍ كُلّهَا بِك لَازِبُ
وَأَنّك فَيْضٌ ذُو سِجَالٍ غَزِيرَةٍ ... يَنَالُ الْأَعَادِي نَفْعَهَا وَالْأَقَارِبُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزّهْرِيّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيّ عَنْ أُمّ سَلَمَةَ بِنْتِ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ زَوْجِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَتْ لَمّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ ، جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ النّجَاشِيّ ، أَمِنّا عَلَى دِينِنَا ، وَعَبَدْنَا اللّهَ تَعَالَى ، لَا نُؤْذَى ، وَلَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا ، ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يَبْعَثُوا إلَى النّجَاشِيّ فِينَا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ جَلْدَيْنِ وَأَنْ يُهْدُوا لِلنّجَاشِيّ هَدَايَا مِمّا يُسْتَطْرَفُ مِنْ مَتَاعِ مَكّةَ ، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا الْأَدَمُ فَجَمَعُوا لَهُ أَدَمًا كَثِيرًا ، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بِطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إلّا أَهْدَوْا لَهُ هَدِيّةً ثُمّ بَعَثُوا بِذَلِكَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ، وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، وَأَمّرُوهُمَا بِأَمْرِهِمْ وَقَالُوا لَهُمَا : ادْفَعَا إلَى كُلّ بِطَرِيقِ هَدِيّتَهُ قَبْلَ أَنْ تُكَلّمَا النّجَاشِيّ فِيهِمْ ثُمّ قَدّمَا إلَى النّجَاشِيّ هَدَايَاهُ ثُمّ سَلَاهُ أَنْ يُسَلّمَهُمْ إلَيْكُمَا قَبْلَ أَنْ يُكَلّمَهُمْ . قَالَتْ فَخَرَجَا حَتّى قَدِمَا عَلَى النّجَاشِيّ ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ عِنْدَ خَيْرِ جَارٍ [ ص 110 ] بِطَارِقَتِهِ بِطَرِيقِ إلّا دَفَعَا إلَيْهِ هَدِيّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَلّمَا النّجَاشِيّ ، وَقَالَا لِكُلّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ إنّهُ قَدْ ضَوَى إلَى بَلَدِ الْمَلِكِ مِنّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ وَجَاءُوا بِدِينِ مُبْتَدَعٍ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ وَقَدْ بَعَثْنَا إلَى الْمَلِكِ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ لِيَرُدّهُمْ إلَيْهِمْ فَإِذَا كَلّمْنَا الْمَلِكَ فِيهِمْ فَأَشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُسَلّمَهُمْ إلَيْنَا ، وَلَا يُكَلّمُهُمْ فَإِنّ قَوْمَهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا ، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُمَا : نَعَمْ . ثُمّ إنّهُمَا قَدِمَا هَدَايَاهُمَا إلَى النّجَاشِيّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمَا ، ثُمّ كَلّمَاهُ فَقَالَا لَهُ أَيّهَا الْمَلِكُ إنّهُ قَدْ ضَوَى إلَى بَلَدِك مِنّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِك ، وَجَاءُوا بِدِينِ ابْتَدَعُوهُ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ وَقَدْ بَعَثْنَا إلَيْك فِيهِمْ أَشْرَافَ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ لِتَرُدّهُمْ إلَيْهِمْ فَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا ، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وَعَاتَبُوهُمْ فِيهِ . قَالَتْ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إلَى عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ كَلَامَهُمْ النّجَاشِيّ . قَالَتْ فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ صَدَقَا أَيّهَا الْمَلِكُ قَوْمَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا ، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ فَأَسْلِمْهُمْ إلَيْهِمَا ، فَلْيَرُدّهُمْ إلَى بِلَادِهِمْ وَقَوْمِهِمْ . قَالَتْ فَغَضِبَ النّجَاشِيّ ، ثُمّ قَالَ لَاهَا اللّهِ إذْن لَا أُسْلِمَهُمْ إلَيْهِمَا ، وَلَا يَكَادُ قَوْمٌ جَاوَرُونِي ، وَنَزَلُوا بِلَادِي ، وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ حَتّى أَدْعُوهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ عَمّا يَقُولُ [ ص 111 ] هَذَانِ فِي أَمْرِهِمْ فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولَانِ أَسْلَمْتهمْ إلَيْهِمَا ، وَرَدَدْتهمْ إلَى قَوْمِهِمْ وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتهمْ مِنْهُمَا ، وَأَحْسَنْت جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي .
Sإرْسَالُ قُرَيْشٍ إلَى النّجَاشِيّ فِي أَمْرِ أَصْحَابِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
[ ص 108 ] ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّهُمْ أَرْسَلُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأَهْدَوْا مَعَهُمَا هَدَايَا إلَى النّجَاشِيّ . وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ هَذَا كَانَ اسْمُهُ بَحِيرًا ، فَسَمّاهُ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حِينَ أَسْلَمَ : عَبْدَ اللّهِ وَأَبُوهُ أَبُو رَبِيعَةَ ذُو الرّمْحَيْنِ وَفِيهِ يَقُولُ ابْنُ الزّبَعْرَى :
بَحِيرًا بْنَ ذِي الرّمْحَيْنِ قَرّبَ مَجْلِسِي ... وَرَاحَ عَلَيْنَا فَضْلُهُ وَهُوَ عَاتِمُ
[ ص 109 ] وَاسْمُ أَبِي رَبِيعَةَ : عَمْرٌو ، وَقِيلَ حُذَيْفَةُ وَأُمّ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ : أَسَمَاءُ بِنْتُ مُحَرّبَةَ التّمِيمِيّةُ وَهِيَ أُمّ أَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ هَذَا هُوَ وَالِدُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الشّاعِرُ وَوَالِدُ الْحَارِثِ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ الْمَعْرُوفُ بِالْقُبَاعِ وَكَانَ فِي أَيّامِ عُمَرَ وَالِيًا عَلَى الْجُنْدِ وَفِي أَيّامِ عُثْمَانَ فَلَمّا سَمِعَ بِحَصْرِ عُثْمَانَ جَاءَ لِيَنْصُرَهُ فَسَقَطَ عَنْ دَابّتِهِ فَمَاتَ .
عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ
فَصْلٌ وَكَانَ مَعَهُمَا فِي ذَلِكَ السّفَرِ عُمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الّذِي تَقَدّمَ ذِكْرُهُ حِينَ قَالَتْ قُرَيْشٌ لِأَبِي طَالِبٍ خُذْ عُمَارَةَ بَدَلًا مِنْ مُحَمّدٍ وَادْفَعْ إلَيْنَا مُحَمّدًا نَقْتُلْهُ وَكَانَ عُمَارَةُ مِنْ أَجْمَلِ النّاسِ فَذَكَرَ أَصْحَابُ الْأَخْبَارِ أَنّهُمْ أَرْسَلُوهُ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي إلَى النّجَاشِيّ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ ، وَذَكَرَ حَدِيثَهُ مَعَ عَمْرٍو فِي رِوَايَةِ يُونُسَ وَلَكِنْ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْقِصّةِ الْمَذْكُورَةِ هَاهُنَا ، وَلَعَلّ إرْسَالَهُمْ إيّاهُ مَعَ عَمْرٍو ، كَانَ فِي الْمَرّةِ الْأُخْرَى الّتِي سَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي السّيرَةِ عِنْدَ حَدِيثِ إسْلَامِ عَمْرٍو ، وَمِمّنْ ذَكَرَ قِصّةَ عُمَارَةَ بِطُولِهَا أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْبَهَانِيّ ، وَذَكَرَ أَنّ عَمْرًا سَافَرَ بِامْرَأَتِهِ فَلَمّا رَكِبُوا الْبَحْرَ وَكَانَ عُمَارَةُ قَدْ هَوِيَ امْرَأَةَ عَمْرٍو وَهَوِيته ، فَعَزَمَا عَلَى دَفْعِ عَمْرٍو ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ عُمَارَةَ عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ فَدَفَعَ عَمْرًا ، فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ فَسَبّحَ عَمْرٌو ، وَنَادَى أَصْحَابَ السّفِينَةِ فَأَخَذُوهُ وَرَفَعُوهُ إلَى السّفِينَةِ [ ص 110 ] فَأَضْمَرَهَا عَمْرٌو فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لِعُمَارَةَ بَلْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ - فِيمَا ذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ - قَبّلِي ابْنَ عَمّك عُمَارَةَ لِتَطِيبَ بِذَلِكَ نَفْسُهُ فَلَمّا أَتَيَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ مَكَرَ بِهِ عَمْرٌو ، وَقَالَ إنّي قَدْ كَتَبْت إلَى بَنِي سَهْمٍ لِيَبْرَؤُوا مِنْ دَمِي لَك ، فَاكْتُبْ أَنْتَ لِبَنِي مَخْزُومٍ لِيَبْرَؤُوا مِنْ دَمِك لِي ، حَتّى تَعْلَمَ قُرَيْشٌ أَنّا قَدْ تَصَافَيْنَا ، فَلَمّا كَتَبَ عُمَارَةُ إلَى بَنِي مَخْزُومٍ وَتَبَرّءُوا مِنْ دَمِهِ لِبَنِي سَهْمٍ قَالَ شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ : قُتِلَ عُمَارَةُ - وَاَللّهِ - وَعَلِمَ أَنّهُ مَكْرٌ مِنْ عَمْرٍو ، ثُمّ أَخَذَ عَمْرٌو يُحَرّضُ عُمَارَةَ عَلَى التّعَرّضِ لِامْرَأَةِ النّجَاشِيّ ، وَقَالَ لَهُ أَنْتَ امْرِئِ جَمِيلٌ وَهُنّ النّسَاءُ يُحْبِبْنَ الْجَمَالَ مِنْ الرّجَالِ فَلَعَلّهَا أَنْ تَشْفَعَ لَنَا عِنْدَ الْمَلِكِ فِي قَضَاءِ حَاجَتِنَا ؛ فَفَعَلَ عُمَارَةُ فَلَمّا رَأَى عَمْرٌو ذَلِكَ وَتَكَرّرَ عُمَارَةُ عَلَى امْرَأَةِ الْمَلِكِ وَرَأَى إنَابَتَهَا إلَيْهِ أَتَى الْمَلِكَ مُنْتَصِحًا ، وَجَاءَهُ بِأَمَارَةِ عَرَفَهَا الْمَلِكُ قَدْ كَانَ عُمَارَةُ أَطْلَعَ عَمْرًا عَلَيْهَا ، فَأَدْرَكَتْهُ غَيْرَةُ الْمَلِكِ وَقَالَ لَوْلَا أَنّهُ جَارِي لَقَتَلْته ، وَلَكِنْ سَأَفْعَلُ بِهِ مَا هُوَ شَرّ مِنْ الْقَتْلِ فَدَعَا بِالسّوَاحِرِ فَأَمَرَهُنّ أَنْ يَسْحَرْنَهُ فَنَفَخْنَ فِي إحْلِيلِهِ نَفْخَةً طَارَ مِنْهَا هَائِمًا عَلَى وَجْهِهِ حَتّى لَحِقَ بِالْوُحُوشِ فِي الْجِبَالِ وَكَانَ يَرَى آدَمِيّا فَيَفِرّ مِنْهُ وَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ الْعَهْدِ بِهِ إلَى زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ، فَجَاءَ ابْنُ عَمّهِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ إلَى عُمَرَ وَاسْتَأْذَنَهُ فِي الْمَسِيرِ إلَيْهِ لَعَلّهُ يَجِدُهُ فَأَذِنَ لَهُ عُمَرُ فَسَارَ [ ص 111 ] أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، فَأَكْثَرَ النّشْدَةَ عَنْهُ وَالْفَحْصَ عَنْ أَمْرِهِ حَتّى أُخْبِرَ أَنّهُ - بِحَيْلِ يَرِدُ مَعَ الْوُحُوشِ إذَا وَرَدَتْ وَيَصْدُرُ مَعَهَا إذَا صَدَرَتْ فَسَارَ إلَيْهِ حَتّى كَمَنَ لَهُ فِي الطّرِيقِ إلَى الْمَاءِ فَإِذَا هُوَ قَدْ غَطّاهُ شَعَرُهُ وَطَالَتْ أَظْفَارُهُ وَتَمَزّقَتْ عَلَيْهِ ثِيَابُهُ حَتّى كَأَنّهُ شَيْطَانٌ فَقَبَضَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللّهِ وَجَعَلَ يُذَكّرُهُ بِالرّحِمِ وَيَسْتَعْطِفُهُ وَهُوَ يَنْتَفِضُ مِنْهُ وَيَقُولُ أَرْسِلْنِي يَا بَحِيرُ أَرْسِلْنِي يَا بَحِيرُ وَأَبَى عَبْدُ اللّهِ أَنْ يُرْسِلَهُ حَتّى مَاتَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ خَبَرٌ مَشْهُورٌ اخْتَصَرَهُ بَعْضُ مَنْ أَلَفّ فِي السّيَرِ وَطَوّلَهُ أَبُو الْفَرَجِ وَأَوْرَدْته عَلَى مَعْنَى كَلَامِهِ مُتَحَرّيًا لِبَعْضِ أَلْفَاظِهِ .
حِوَارٌ بَيْنَ النّجَاشِيّ وَبَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ
قَالَتْ ثُمّ أَرْسَلَ إلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَدَعَاهُمْ فَلَمّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا ، ثُمّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ مَا تَقُولُونَ لِلرّجُلِ إذَا جِئْتُمُوهُ ؟ قَالُوا : نَقُولُ وَاَللّهِ مَا عَلِمْنَا ، وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيّنَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ فَلَمّا جَاءُوا ، وَقَدْ دَعَا النّجَاشِيّ أَسَاقِفَتَهُ فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ سَأَلَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ مَا هَذَا الدّينُ الّذِي قَدْ فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي دِينِي ، وَلَا فِي دِينِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْمِلَلِ قَالَتْ فَكَانَ الّذِي كَلّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالَ لَهُ أَيّهَا الْمَلِكُ كُنّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيّةٍ نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ وَنُسِيءُ الْجِوَارَ وَيَأْكُلُ الْقَوِيّ مِنّا الضّعِيفَ فَكُنّا عَلَى ذَلِكَ حَتّى بَعَثَ اللّهُ إلَيْنَا رَسُولًا مِنّا ، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ فَدَعَانَا إلَى اللّهِ لِنُوَحّدَهُ وَنَعْبُدَهُ وَنَخْلَعَ مَا كُنّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَصِلَةِ الرّحِمِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ وَالْكَفّ عَنْ [ ص 112 ] وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ وَقَوْلِ الزّورِ وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ وَقُذُفِ الْمُحْصَنَاتِ وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللّهَ وَحْدَهُ - لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا - وَأَمَرَنَا بِالصّلَاةِ وَالزّكَاةِ وَالصّيَامِ قَالَتْ فَعَدّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَامِ - فَصَدّقْنَاهُ وَآمَنّا بِهِ وَاتّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللّهِ فَعَبَدْنَا اللّهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا ، وَحَرّمْنَا مَا حَرّمَ عَلَيْنَا ، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلّ لَنَا ، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا ، فَعَذّبُونَا ، وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا ، لِيَرُدّونَا إلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ عَنْ عِبَادَةِ اللّهِ تَعَالَى ، وَأَنْ نَسْتَحِلّ مَا كُنّا نَسْتَحِلّ مِنْ الْخَبَائِثِ فَلَمّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا وَضَيّقُوا عَلَيْنَا ، [ ص 113 ] وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا ، خَرَجْنَا إلَى بِلَادِك وَاخْتَرْنَاك عَلَى مَنْ سِوَاك ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِك ، وَرَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمْ عِنْدَك أَيّهَا الْمَلِكُ . قَالَتْ فَقَالَ لَهُ النّجَاشِيّ : هَلْ مَعَك مِمّا جَاءَ بِهِ عَنْ اللّهِ مِنْ شَيْءٍ ؟ قَالَتْ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ نَعَمْ فَقَالَ النّجَاشِيّ : فَاقْرَأْهُ عَلَيّ قَالَتْ فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ { كهيعص } قَالَتْ فَبَكَى وَاَللّهِ النّجَاشِيّ ، حَتّى اخْضَلّتْ لِحْيَتُهُ وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ حِينَ سَمِعُوا مَا تَلَا عَلَيْهِمْ ثُمّ قَالَ النّجَاشِيّ : إنّ هَذَا وَاَلّذِي جَاءَ بِهِ عِيسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ انْطَلِقَا ، فَلَا وَاَللّهِ لَا أُسْلِمَهُمْ إلَيْكُمَا ، وَلَا يَكَادُونَ .
Sعَنْ حَدِيثِ أَصْحَابِ الْهِجْرَةِ مَعَ النّجَاشِيّ
فَصْلٌ وَذَكَرَ حَدِيثَ أَصْحَابِ الْهِجْرَةِ مَعَ النّجَاشِيّ ، وَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ وَلَيْسَ فِيهَا إشْكَالٌ وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ الْخُرُوجُ عَنْ الْوَطَنِ وَإِنْ كَانَ الْوَطَنُ مَكّةَ عَلَى فَضْلِهَا ، إذَا كَانَ الْخُرُوج فِرَارًا بِالدّينِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَى إسْلَامٍ فَإِنّ الْحَبَشَةَ كَانُوا نَصَارَى يَعْبُدُونَ [ ص 112 ] الْمَسِيحَ وَلَا يَقُولُونَ هُوَ عَبْدُ اللّهِ وَقَدْ تَبَيّنَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَسُمّوا بِهَذِهِ مُهَاجِرِينَ وَهُمْ أَصْحَابُ الْهِجْرَتَيْنِ الّذِينَ أَثْنَى اللّهُ عَلَيْهِمْ بِالسّبْقِ فَقَالَ { وَالسّابِقُونَ الْأَوّلُونَ } وَجَاءَ فِي التّفْسِيرِ أَنّهُمْ الّذِينَ صَلّوْا الْقِبْلَتَيْنِ وَهَاجَرُوا الْهِجْرَتَيْنِ وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا : هُمْ الّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرّضْوَانِ ، فَانْظُرْ كَيْفَ أَثْنَى اللّهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْهِجْرَةِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ بَيْتِ اللّهِ الْحَرَامِ إلَى دَارِ كُفْرٍ لَمّا كَانَ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ احْتِيَاطًا عَلَى دِينِهِمْ وَرَجَاءَ أَنْ يُخَلّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عِبَادَةِ رَبّهِمْ يَذْكُرُونَهُ آمِنِينَ مُطْمَئِنّينَ وَهَذَا حُكْمٌ مُسْتَمِرّ مَتَى غَلَبَ الْمُنْكَرُ فِي بَلَدٍ وَأُوذِيَ عَلَى الْحَقّ مُؤْمِنٌ وَرَأَى الْبَاطِلَ قَاصِرًا لِلْحَقّ وَرَجَا أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ آخَرَ - أَيّ بَلَدٍ كَانَ - يُخَلّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ دِينِهِ وَيُظْهِرُ فِيهِ عِبَادَةَ رَبّهِ فَإِنّ الْخُرُوجَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَتْمٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ الّتِي لَا تَنْقَطِعُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ { وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلّوا فَثَمّ وَجْهُ اللّهِ } [ الْبَقَرَةُ 115 ] . فَصْلٌ وَلَيْسَ فِي بَاقِي حَدِيثِهِمْ شَيْءٌ يُشْرَحُ قَدْ شَرَحَ ابْنُ هِشَامٍ الشّيُومَ وَهُمْ الْآمِنُونَ فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لَفْظَةً حَبَشِيّةً غَيْرَ مُشْتَقّةٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لَهَا أَصْلٌ فِي الْعَرَبِيّةِ وَأَنْ تَكُونَ مِنْ شِمْت السّيْفَ إذَا أَغْمَدْته ، لِأَنّ الْآمِنَ مُغْمَدٌ عَنْهُ السّيْفُ أَوْ لِأَنّهُ مَصُونٌ فِي صِوَانٍ وَحِرْزٍ كَالسّيْفِ فِي غِمْدِهِ . وَقَوْلُهُ ضَوَى إلَيْك فِتْيَةٌ أَيْ أَوَوْا إلَيْك ، وَلَاذُوا بِك ، وَأَمّا ضَوِيَ بِكَسْرِ الْوَاوِ فَهُوَ مِنْ الضّوَى مَقْصُورٌ وَهُوَ الْهُزَالُ وَقَالَ الشّاعِرُ
فَتًى لَمْ تَلِدْهُ بِنْتُ عَمّ قَرِيبَةٌ ... فَيَضْوَى ، وَقَدْ يَضْوَى رَدِيدُ الْغَرَائِبِ
وَمِنْهُ الْحَدِيثُ اغْتَرَبُوا لَا تَضْوُوا ، يَقُولُ إنّ تَزْوِيجَ الْقَرَائِبِ يُورِثُ الضّوَى فِي الْوَلَدِ وَالضّعْفَ فِي الْقَلْبِ قَالَ الرّاجِزُ
إنّ بِلَالًا لَمْ تَشِنْهُ أُمّهُ ... لَمْ يَتَنَاسَبْ خَالُهُ وَعَمّهُ
إضَافَةُ الْعَيْنِ إلَى اللّهِ
[ ص 113 ] أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا ، أَيْ أَبْصَرُ بِهِمْ أَيْ عَيْنُهُمْ وَإِبْصَارُهُمْ فَوْقَ عَيْنِ غَيْرِهِمْ فِي أَمْرِهِمْ فَالْعَيْنُ هَاهُنَا بِمَعْنَى الرّؤْيَةِ وَالْإِبْصَارِ لَا بِمَعْنَى الْعَيْنِ الّتِي هِيَ الْجَارِحَةُ وَمَا سُمّيَتْ الْجَارِحَةُ عَيْنًا إلّا مَجَازًا ، لِأَنّهَا مَوْضِعُ الْعِيَانِ وَقَدْ قَالُوا : عَانَهُ يُعِينُهُ عَيْنًا إذَا رَآهُ وَإِنْ كَانَ الْأَشْهُرُ فِي هَذَا أَنْ يُقَالَ عَايَنَهُ مُعَايَنَةً وَالْأَشْهَرُ فِي عَنِتَ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ وَإِنّمَا أَوْرَدْنَا هَذَا الْكَلَامَ لِتَعْلَمَ أَنّ الْعَيْنَ فِي أَصْلِ وَضْعِ اللّغَةِ صِفّةٌ لَا جَارِحَةٌ وَأَنّهَا إذَا أُضِيفَتْ إلَى الْبَارِي سُبْحَانَهُ فَإِنّهَا حَقِيقَةٌ نَحْوَ قَوْلِ أُمّ سَلَمَةَ لَعَائِشَةَ بِعَيْنِ اللّهِ مَهْوَاك ، وَعَلَى رَسُولِ اللّهِ تَرُدّينَ ؟ وَفِي التّنْزِيلِ { وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي } وَقَدْ أَمْلَيْنَا فِي الْمَسَائِلِ الْمُفْرَدَاتِ مَسْأَلَةً فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَفِيهَا الرّدّ عَلَى مَنْ أَجَازَ التّثْنِيَةَ فِي الْعَيْنِ مَعَ إضَافَتِهَا إلَى اللّهِ تَعَالَى ، وَقَاسَهَا عَلَى الْيَدَيْنِ وَفِيهَا الرّدّ عَلَى مَنْ احْتَجّ بِقَوْلِ النّبِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ إنّ رَبّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَرَ وَأَوْرَدْنَا فِي ذَلِكَ مَا فِيهِ شِفَاءٌ وَأَتْبَعْنَاهُ بِمَعَانٍ بَدِيعَةٍ فِي مَعْنَى عَوَرِ الدّجّالُ فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
قَالَتْ فَلَمّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : وَاَللّهِ لَآتِيَنّهُ غَدًا عَنْهُمْ بِمَا اسْتَأْصَلَ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ . قَالَتْ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ - وَكَانَ أَتْقَى الرّجُلَيْنِ فِينَا : لَا نَفْعَلُ فَإِنّ لَهُمْ أَرْحَامًا ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا . قَالَ وَاَللّهِ لَأُخْبِرَنّهُ أَنّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدٌ قَالَتْ ثُمّ غَدَا عَلَيْهِ مِنْ الْغَدِ فَقَالَ لَهُ أَيّهَا الْمَلِكُ إنّهُمْ يَقُولُونَ [ ص 114 ] ابْنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ فَسَلْهُمْ عَمّا يَقُولُونَ فِيهِ . قَالَتْ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ لِيَسْأَلَهُمْ عَنْهُ . قَالَتْ وَلَمْ يَنْزِلْ بِنَا مِثْلُهَا قَطّ . فَاجْتَمَعَ الْقَوْمُ ثُمّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ إذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ ؟ قَالُوا : نَقُولُ - وَاَللّهِ - [ فِيهِ ] مَا قَالَ اللّهُ وَمَا جَاءَنَا بِهِ نَبِيّنَا ، كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ . قَالَتْ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ لَهُمْ مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ؟ قَالَتْ فَقَالَ [ لَهُ ] جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : نَقُولُ فِيهِ الّذِي جَاءَنَا بِهِ نَبِيّنَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هُوَ عَبْدُ اللّهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ . قَالَتْ فَضَرَبَ النّجَاشِيّ بِيَدِهِ إلَى الْأَرْضِ فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا ، ثُمّ قَالَ وَاَللّهِ مَا عَدَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَا قُلْت هَذَا الْعُودَ قَالَتْ فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ فَقَالَ وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاَللّهِ اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ شُيُومٌ بِأَرْضِي - وَالشّيُومُ الْآمِنُونَ - مَنْ سَبّكُمْ غَرِمَ ثُمّ قَالَ مَنْ سَبّكُمْ غَرِمَ ثُمّ قَالَ مَنْ سَبّكُمْ غَرِمَ مَا أُحِبّ أَنّ لِي دَبْرًا مِنْ ذَهَبٍ وَأَنّي آذَيْت رَجُلًا مِنْكُمْ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُقَالُ دَبْرِي مِنْ ذَهَبٍ . وَيُقَالُ فَأَنْتُمْ سُيُومٌ وَالدّبْرُ - بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ : الْجَبَلُ - رَدّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا ، فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا ، فَوَاَللّهِ مَا أَخَذَ اللّهُ مِنّي الرّشْوَةَ حِينَ رَدّ عَلَيّ مُلْكِي ، فَآخُذَ الرّشْوَةَ فِيهِ وَمَا أَطَاعَ النّاسُ فِي فَأُطِيعُهُمْ فِيهِ . قَالَتْ فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ مَقْبُوحِينَ مَرْدُودًا عَلَيْهِمَا مَا جَاءَا بِهِ وَأَقَمْنَا عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ مَعَ خَيْرِ جَارٍSمَعْنَى أَنّ عِيسَى كَلِمَةُ اللّهِ وَرُوحُهُ
وَقَوْلُ جَعْفَرٍ فِي عِيسَى : هُوَ رُوحُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ وَمَعْنَى : كَلِمَتِهِ أَيْ قَالَ لَهُ كَمَا قَالَ لِآدَمَ حِينَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ وَلَمْ يَقُلْ فَكَانَ لِئَلّا يُتَوَهّمَ وُقُوعُ [ ص 114 ] حَالِ الْقَوْلِ وَتَوَجّهَ الْفِعْلُ بِيَسِيرِ عَلَى الْقَوْلِ لَا يُمْكِنُ مُسْتَقْدِمٌ وَلَا مُسْتَأْخِرٌ فَهَذَا مَعْنَى الْكَلِمَةِ وَأَمّا رُوحُ اللّهِ فَلِأَنّهُ نَفْخَةُ رُوحِ الْقُدُسِ فِي جَيْبِ الطّاهِرَةِ الْمُقَدّسَةِ وَالْقُدُسُ : الطّهَارَةُ مِنْ كُلّ مَا يَشِينُ أَوْ يَعِيبُ أَوْ تُقَذّرُهُ نَفْسٌ أَوْ يَكْرَهُهُ شَرْعٌ وَجِبْرِيلُ رُوحُ الْقُدُسِ ، لِأَنّهُ رُوحٌ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ مِنّي ، وَلَا صَدَرَ عَنْ شَهْوَةٍ فَهُوَ مُضَافٌ إلَى اللّهِ سُبْحَانَهُ إضَافَةَ تَشْرِيفٍ وَتَكْرِيمٍ لِأَنّهُ صَادِرٌ عَنْ الْحَضْرَةِ الْمُقَدّسَةِ وَعِيسَى عَلَيْهِ السّلَامُ صَادِرٌ عَنْهُ فَهُوَ رُوحُ اللّهِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ؛ إذْ النّفْخُ قَدْ يُسَمّى : رُوحًا أَيْضًا ، كَمَا قَالَ غَيْلَانُ [ بْنُ عُقْبَةَ ذُو الرّمّةِ ] يَصِفُ النّارَ
فَقُلْت لَهُ ارْفَعْهَا إلَيْك ، وَأَحْيِهَا ... بِرُوحِك ، وَاقْدُرْهَا لَهَا قِيتَةً بَدَرَا
وَأَضِفْ هَذَا الْكَلَامَ فِي رُوحِ الْقُدُسِ ، وَفِي تَسْمِيَةِ النّفْخِ رُوحًا إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ فِي حَقِيقَةِ الرّوحِ وَشَرْحِ مَعْنَاهُ فَإِنّهُ تَكْمِلَةٌ لَهُ .
الْمُهَاجِرُونَ وَانْتِصَارُ النّجَاشِيّ
[ ص 115 ] قَالَتْ فَوَاَللّهِ إنّا لَعَلَى ذَلِكَ إذْ نَزَلَ بِهِ رَجُلٌ مِنْ الْحَبَشَةِ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ . قَالَتْ فَوَاَللّهِ مَا عَلِمْتنَا حَزِنّا حُزْنًا قَطّ كَانَتْ أَشَدّ عَلَيْنَا مِنْ حُزْنٍ حَزَنّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ تَخَوّفًا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ الرّجُلُ عَلَى النّجَاشِيّ ، فَيَأْتِي رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقّنَا مَا كَانَ النّجَاشِيّ يَعْرِفُ مِنْهُ قَالَتْ وَسَارَ إلَيْهِ النّجَاشِيّ ، وَبَيْنَهُمَا عَرْضُ النّيلِ ، قَالَتْ فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلَهُ وَسَلّمَ مِنْ رَجُلٍ يَخْرَجُ حَتّى يَحْضُرَ وَقِيعَةَ الْقَوْمِ ثُمّ يَأْتِينَا بِالْخَبَرِ ؟ قَالَتْ فَقَالَ الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامّ : أَنَا ، قَالُوا : فَأَنْتَ - وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِ الْقَوْمِ سِنّا - قَالَتْ فَنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ ثُمّ سَبّحَ عَلَيْهَا حَتّى خَرَجَ إلَى نَاحِيَةِ النّيلِ الّتِي بِهَا مُلْتَقَى الْقَوْمِ ثُمّ انْطَلَقَ حَتّى حَضَرَهُمْ قَالَتْ فَدَعَوْنَا اللّهَ تَعَالَى لِلنّجَاشِيّ بِالظّهُورِ عَلَى عَدُوّهِ وَالتّمْكِينِ لَهُ فِي بِلَادِهِ قَالَتْ فَوَاَللّهِ إنّا لَعَلَى ذَلِكَ مُتَوَقّعُونَ لِمَا هُوَ كَائِنٌ إذْ طَلَعَ الزّبَيْرُ وَهُوَ يَسْعَى ، فَلَمَعَ بِثَوْبِهِ وَهُوَ يَقُولُ أَلَا أَبْشِرُوا ، فَقَدْ ظَفِرَ النّجَاشِيّ ، وَأَهْلَكَ اللّهُ عَدُوّهُ وَمُكّنَ لَهُ فِي بِلَادِهِ . قَالَتْ فَوَاَللّهِ مَا عَلِمْتنَا فَرِحْنَا فَرْحَةً قَطّ مِثْلَهَا . قَالَتْ وَرَجَعَ النّجَاشِيّ ، وَقَدْ أَهْلَكَ اللّهُ عَدُوّهُ وَمُكّنَ لَهُ فِي بِلَادِهِ وَاسْتَوْثَقَ عَلَيْهِ أَمْرُ الْحَبَشَةِ ، فَكُنّا عِنْدَهُ فِي خَيْرِ مَنْزِلٍ حَتّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ بِمَكّةَ
قِصّةُ تَمْلِكْ النّجَاشِيّ عَلَى الْحَبَشَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : قَالَ الزّهْرِيّ : فَحَدّثْت عُرْوَةَ بْنَ الزّبَيْرِ حَدِيثَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عَنْ أُمّ سَلَمَةَ زَوْجِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ هَلْ تَدْرِي مَا قَوْلُهُ مَا أَخَذَ اللّهُ مِنّي الرّشْوَةَ حِينَ رَدّ عَلَيّ مُلْكِي ، فَآخُذَ الرّشْوَةَ فِيهِ وَمَا أَطَاعَ النّاسَ فِيّ فَأُطِيعُ النّاسَ فِيهِ ؟ قَالَ قُلْت : لَا ، قَالَ فَإِنّ عَائِشَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ حَدّثَتْنِي أَنّ أَبَاهُ كَانَ مَلَكَ قَوْمَهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ إلّا النّجَاشِيّ ، وَكَانَ لِلنّجَاشِيّ عَمّ ، لَهُ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا ، وَكَانُوا أَهْلَ بَيْتِ مَمْلَكَةِ الْحَبَشَةِ ، فَقَالَتْ الْحَبَشَةُ بَيْنَهَا : لَوْ أَنّا قَتَلْنَا أَبَا النّجَاشِيّ ، وَمَلَكْنَا أَخَاهُ فَإِنّهُ لَا وَلَدَ لَهُ غَيْرُ هَذَا الْغُلَامِ وَإِنّ لِأَخِيهِ مِنْ صُلْبِهِ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ، فَتَوَارَثُوا مُلْكَهُ مِنْ بَعْدِهِ بَقِيَتْ الْحَبَشَةُ بَعْدَهُ دَهْرًا ، فَغَدَوْا عَلَى أَبِي النّجَاشِيّ فَقَتَلُوهُ وَمَلَكُوا أَخَاهُ فَمَكَثُوا عَلَى ذَلِكَ حِينًا [ ص 116 ] وَنَشَأَ النّجَاشِيّ مَعَ عَمّهِ - وَكَانَ لَبِيبًا حَازِمًا مِنْ الرّجَالِ - فَغَلَبَ عَلَى أَمْرِ عَمّهِ وَنَزَلَ مِنْهُ بِكُلّ مَنْزِلَةٍ فَلَمّا رَأَتْ الْحَبَشَةُ مَكَانَهُ مِنْهُ قَالَتْ بَيْنَهَا : وَاَللّهِ لَقَدْ غَلَبَ هَذَا الْفَتَى عَلَى أَمْرِ عَمّهِ وَإِنّا لَنَتَخَوّفَ أَنْ يُمَلّكَهُ عَلَيْنَا ، وَإِنْ مَلّكَهُ عَلَيْنَا لَيَقْتُلَنّا أَجْمَعِينَ لَقَدْ عَرَفَ أَنَا نَحْنُ قَتَلْنَا أَبَاهُ . فَمَشَوْا إلَى عَمّهِ فَقَالُوا : إمّا أَنْ تَقْتُلَ هَذَا الْفَتَى ، وَإِمّا أَنْ تُخْرِجَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا ، فَإِنّا قَدْ خِفْنَاهُ عَلَى أَنْفُسِنَا ، قَالَ وَيْلَكُمْ قَتَلْت أَبَاهُ بِالْأَمْسِ وَأَقْتُلُهُ الْيَوْمَ بَلْ أُخْرِجُهُ مِنْ بِلَادِكُمْ . قَالَتْ فَخَرَجُوا بِهِ إلَى السّوقِ فَبَاعُوهُ إلَى رَجُلٍ مِنْ التّجّارِ بِسِتّمِائَةِ دِرْهَمٍ فَقَذَفَهُ فِي سَفِينَةٍ فَانْطَلَقَ بِهِ حَتّى إذَا كَانَ الْعَشِيّ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ هَاجَتْ سَحَابَةٌ مِنْ سَحَائِبِ الْخَرِيفِ فَخَرَجَ عَمّهُ يَسْتَمْطِرُ تَحْتَهَا ، فَأَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ فَقَتَلَتْهُ . قَالَتْ فَفَزِعَتْ الْحَبَشَةُ إلَى وَلَدِهِ فَإِذَا هُوَ مُحْمِقٌ لَيْسَ فِي وَلَدِهِ خَيْرٌ فَمَرِجَ عَلَى الْحَبَشَةِ أَمْرُهُمْ . فَلَمّا ضَاقَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ تَعْلَمُوا وَاَللّهِ أَنّ مَلَكَكُمْ الّذِي لَا يُقِيمُ أَمْرَكُمْ غَيْرُهُ الّذِي بِعْتُمْ غَدْوَةً فَإِنْ كَانَ لَكُمْ بِأَمْرِ الْحَبَشَةِ حَاجَةٌ فَأَدْرِكُوهُ الْآنَ . قَالَتْ فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ وَطَلَبِ الرّجُلِ الّذِي بَاعُوهُ مِنْهُ حَتّى أَدْرَكُوهُ فَأَخَذُوهُ مِنْهُ ثُمّ جَاءُوا بِهِ فَعَقَدُوا عَلَيْهِ التّاجَ وَأَقْعَدُوهُ عَلَى سَرِيرِ الْمُلْكِ فَمَلّكُوهُ . فَجَاءَهُمْ التّاجِرُ الّذِي كَانُوا بَاعُوهُ مِنْهُ فَقَالَ إمّا أَنْ تُعْطُونِي مَالِي ، وَإِمّا أَنْ أُكَلّمهُ فِي ذَلِكَ ؟ قَالُوا : لَا نُعْطِيك شَيْئًا ، قَالَ إذَنْ وَاَللّهِ أُكَلّمُهُ قَالُوا : فَدُونَك وَإِيّاهُ . قَالَتْ فَجَاءَهُ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ أَيّهَا الْمَلِكُ ابْتَعْت غُلَامًا مِنْ قَوْمٍ بِالسّوقِ بِسِتّمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَسْلَمُوا إلَيّ غُلَامِي ، وَأَخَذُوا دَرَاهِمِي ، حَتّى إذَا سِرْت بِغُلَامِي ، أَدْرَكُونِي ، فَأَخَذُوا [ ص 116 ] غُلَامِي ، وَمَنَعُونِي دَرَاهِمِي . قَالَتْ فَقَالَ لَهُمْ النّجَاشِيّ : لِتُعْطُنّهُ دَرَاهِمَهُ أَوْ لَيَضَعَنّ غُلَامُهُ يَدَهُ فِي يَدِهِ فَلْيَذْهَبْ بِهِ حَيْثُ شَاءَ قَالُوا : بَلْ نُعْطِيهِ دَرَاهِمَهُ . قَالَتْ فَلِذَلِكَ يَقُولُ مَا أَخَذَ اللّهُ مِنّي رِشْوَةً حِينَ رَدّ عَلَيّ مُلْكِي ، فَآخُذَ الرّشْوَةَ فِيهِ وَمَا أَطَاعَ النّاسَ فِيّ فَأُطِيعُ النّاسَ فِيهِ . قُلْت : وَكَانَ ذَلِكَ أَوّلَ مَا خُبِرَ مِنْ صَلَابَتِهِ فِي دِينِهِ وَعَدْلِهِ فِي حُكْمِهِ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمّا مَاتَ النّجَاشِيّ ، كَانَ يَتَحَدّثُ أَنّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ
Sالنّجَاشِيّ أَصْحَمَةُ
[ ص 115 ] وَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ عَنْ النّجَاشِيّ حِينَ رَدّ اللّهُ عَلَيْهِ مُلْكَهُ وَأَنّ قَوْمَهُ كَانُوا بَاعُوهُ فَلَمّا مَرِجَ أَمْرُ الْحَبَشَةِ ، أَخَذُوهُ مِنْ سَيّدِهِ وَاسْتَرَدّوهُ . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَدُلّ عَلَى أَنّهُمْ أَخَذُوهُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ بِلَادَهُ لِقَوْلِهِ خَرَجُوا فِي طَلَبِهِ فَأَدْرَكُوهُ وَقَدْ بُيّنَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ [ ص 116 ] كَانَ مِنْ الْعَرَبِ وَأَنّهُ اسْتَعْبَدَهُ طَوِيلًا ، وَهُوَ الّذِي يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ فَلَمّا مَرِجَ عَلَى الْحَبَشَةِ أَمْرُهُمْ وَضَاقَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ فِيهِ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى طُولِ الْمُدّةِ فِي مَغِيبِهِ عَنْهُمْ وَقَدْ رُوِيَ أَنّ وَقْعَةَ بَدْرٍ حِينَ انْتَهَى خَبَرُهَا إلَى النّجَاشِيّ عَلِمَ بِهَا قَبْلَ مَنْ عِنْدَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ إذَا هُوَ قَدْ لَبِسَ مَسْحًا ، وَقَعَدَ عَلَى التّرَابِ وَالرّمَادِ فَقَالُوا لَهُ مَا هَذَا أَيّهَا الْمَلِكُ ؟ فَقَالَ إنّا نَجِدُ فِي الْإِنْجِيلِ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ إذَا أَحْدَثَ بِعَبْدِهِ وَجَبَ عَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُحْدِثَ لِلّهِ تَوَاضُعًا ، وَإِنّ اللّهَ قَدْ أَحْدَثَ إلَيْنَا وَإِلَيْكُمْ نِعْمَةً عَظِيمَةً وَهِيَ أَنّ النّبِيّ مُحَمّدًا - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بَلَغَنِي أَنّهُ الْتَقَى هُوَ وَأَعْدَاؤُهُ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ بَدْرٌ كَثِيرُ الْأَرَاكِ ، كُنْت أَرْعَى فِيهِ الْغَنَمَ عَلَى سَيّدِي ، وَهُوَ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ وَأَنّ اللّهَ قَدْ هَزَمَ أَعْدَاءَهُ فِيهِ وَنَصَرَ دِينَهُ فَدَلّ هَذَا الْخَبَرُ عَلَى طُولِ مُكْثِهِ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ ، فَمِنْ هُنَا - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - تَعْلَمُ مِنْ لِسَانِ الْعَرَبِ مَا فَهِمَ بِهِ سُورَةَ مَرْيَمَ حِينَ تُلِيَتْ عَلَيْهِ حَتّى بَكَى ، وَأَخْضَلَ لِحْيَتَهُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ إنّا نَجِدُ فِي الْإِنْجِيلِ أَنّ اللّعْنَةَ تَقَعُ فِي الْأَرْضِ إذَا كَانَتْ إمَارَةُ الصّبْيَانِ
مَنْ فَقِهَ حَدِيثَ الْهِجْرَةِ إلَى الْحَبَشَةِ
[ ص 117 ] الْحَبَشَةِ مِنْ الْفِقْهِ أَنّ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - كَيْفَ نُصَلّي فِي السّفِينَةِ إذَا رَكِبْنَا فِي الْبَحْرِ ؟ فَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " صَلّ قَائِمًا إلّا أَنْ تَخَافَ الْغَرَقَ خَرّجَهُ الدّارَقُطْنِيّ ، وَلَكِنْ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ وَفِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : وَصَلّى أَنَسٍ فِي السّفِينَةِ جَالِسًا . وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ عَنْ الْحَسَنِ يُصَلّي قَائِمًا إلّا أَنْ يَضُرّ بِأَهْلِهَا .
إسْلَامُ النّجَاشِيّ وَالصّلَاةُ عَلَيْهِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ اجْتَمَعَتْ الْحَبَشَةُ ، فَقَالُوا لِلنّجَاشِيّ إنّك قَدْ فَارَقْت دِينَنَا ، وَخَرَجُوا عَلَيْهِ قَالَ فَأَرْسِلْ إلَى جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ [ ص 118 ] وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا ، وَكُونُوا كَمَا أَنْتُمْ فَإِنْ هُزِمْت فَامْضُوا حَتّى تَلْحَقُوا بِحَيْثُ شِئْتُمْ وَإِنْ ظُفِرَتْ فَاثْبُتُوا . ثُمّ عَمِدَ إلَى كِتَابٍ فَكَتَبَ فِيهِ هُوَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَيَشْهَدُ أَنّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ ، ثُمّ جَعَلَهُ فِي قَبَائِهِ عِنْدَ الْمَنْكِبِ الْأَيْمَنِ وَخَرَجَ إلَى الْحَبَشَةِ ، وَصَفّوا لَهُ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْحَبَشَةِ ، أَلَسْت أَحَقّ النّاسِ بِكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى ، قَالَ فَكَيْفَ رَأَيْتُمْ سِيرَتِي فِيكُمْ ؟ قَالُوا : خَيْرُ سِيرَةٍ قَالَ فَمَا لَكُمْ ؟ قَالُوا : فَارَقَتْ دِينَنَا ، وَزَعَمَتْ أَنّ عِيسَى عَبْدٌ قَالَ فَمَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ فِي عِيسَى ؟ قَالُوا : نَقُولُ هُوَ ابْنُ اللّهِ فَقَالَ النّجَاشِيّ ، وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ عَلَى قَبَائِهِ هُوَ يَشْهَدُ أَنّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا شَيْئًا ، [ ص 119 ] فَرَضُوا وَانْصَرَفُوا ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا مَاتَ النّجَاشِيّ صَلّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ
Sحَوْلَ كِتَابِ النّجَاشِيّ وَالصّلَاةِ عَلَيْهِ
فَصْلٌ وَذَكَرَ الْكِتَابُ الّذِي كَتَبَهُ النّجَاشِيّ ، وَجَعَلَهُ بَيْنَ صَدْرِهِ وَقَبَائِهِ وَقَالَ لِلْقَوْمِ أَشْهَدُ أَنّ عِيسَى لَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا ، وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَنّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُكَذّبَ كَذِبًا صُرَاحًا ، وَلَا أَنْ يُعْطِيَ بِلِسَانِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ أُكْرِهَ مَا أَمْكَنَهُ الْحِيلَةُ وَفِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةٌ عَنْ الْكَذِبِ وَكَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي قَوْلِ النّبِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ لَيْسَ بِالْكَاذِبِ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَقَالَ خَيْرًا رَوَتْهُ أُمّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ . قَالُوا : مَعْنَاهُ أَنْ يُعَرّضَ وَلَا [ ص 118 ] وَذَكَرَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - صَلّى عَلَى النّجَاشِيّ ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُ وَكَانَ مَوْتُ النّجَاشِيّ فِي رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ وَنَعَاهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى النّاسِ فِي الْيَوْمِ الّذِي مَاتَ فِيهِ وَصَلّى عَلَيْهِ بِالْبَقِيعِ ، رُفِعَ إلَيْهِ سَرِيرُهُ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ حَتّى رَآهُ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ فَصَلّى عَلَيْهِ وَتَكَلّمَ الْمُنَافِقُونَ فَقَالُوا : أَيُصَلّي عَلَى هَذَا الْعِلْجِ ؟ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى : وَإِنّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ [ آلُ عِمْرَانَ : 199 ] . وَمِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ أَبَا نيزر مَوْلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، كَانَ ابْنًا لِلنّجَاشِيّ نَفْسِهِ وَأَنّ عِلّيّا وَجَدَهُ عِنْدَ تَاجِرٍ بِمَكّةَ فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ وَأَعْتَقَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ أَبُوهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ . وَذَكَرَ أَنّ الْحَبَشَةَ مَرِجَ عَلَيْهَا أَمْرُهَا بَعْدَ النّجَاشِيّ ، وَأَنّهُمْ أَرْسَلُوا وَفْدًا مِنْهُمْ إلَى أَبِي نيزر ، وَهُوَ مَعَ عَلِيّ لِيُمَلّكُوهُ وَيُتَوّجُوهُ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَأَبَى وَقَالَ مَا كُنْت لِأَطْلُبَ الْمُلْكَ بَعْدَ أَنْ مَنّ اللّهُ عَلَيّ بِالْإِسْلَامِ قَالَ وَكَانَ أَبُو نيزر مِنْ أَطْوَلِ النّاسِ قَامَةً [ ص 119 ] قَالَ وَلَمْ يَكُنْ لَوْنُهُ كَأَلْوَانِ الْحَبَشَةِ ، وَلَكِنْ إذَا رَأَيْته قُلْت : هَذَا رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ
ذِكْرُ إسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ
[ ص 120 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَلَمّا قَدِمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ، وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ عَلَى قُرَيْشٍ ، وَلَمْ يُدْرِكُوا مَا طَلَبُوا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَرَدّهُمَا النّجَاشِيّ بِمَا يَكْرَهُونَهُ وَأَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ - وَكَانَ رَجُلًا ذَا شَكِيمَةٍ لَا يُرَامُ مَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ - امْتَنَعَ بِهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبِحَمْزَةِ حَتّى عَازُوا قُرَيْشًا ، وَكَانَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ مَا كُنّا نَقْدِرُ عَلَى أَنْ نُصَلّيَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، حَتّى أَسْلَمَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ، فَلَمّا أَسْلَمَ قَاتَلَ قُرَيْشًا ، حَتّى صَلّى عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، وَصَلّيْنَا مَعَهُ وَكَانَ إسْلَامُ عُمَرَ بَعْدَ خُرُوجِ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْحَبَشَةِ . قَالَ الْبَكّائِيّ قَالَ حَدّثَنِي مِسْعَرُ بْنُ كِدَامٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، قَالَ قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : إنّ إسْلَامَ عُمَرَ كَانَ فَتْحًا ، وَإِنّ هِجْرَتَهُ كَانَتْ نَصْرًا ، وَإِنّ إمَارَتَهُ كَانَتْ رَحْمَةً وَلَقَدْ كُنّا مَا نُصَلّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ حَتّى أَسْلَمَ عُمَرُ فَلَمّا أَسْلَمَ ، قَاتَلَ قُرَيْشًا حَتّى صَلّى عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، وَصَلّيْنَا مَعَهُ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عِيَاشِ بْنِ أَبِي [ ص 121 ] رَبِيعَةَ ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ أُمّهِ أُمّ عَبْدِ اللّهِ بِنْتِ أَبِي حَثْمَةَ ، قَالَتْ وَاَللّهِ إنّا لَنَتَرَحّلُ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، وَقَدْ ذَهَبَ عَامِرٌ فِي بَعْضِ حَاجَاتِنَا ، إذْ أَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ، حَتّى وَقَفَ عَلَيّ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ - قَالَتْ وَكُنّا نَلْقَى مِنْهُ الْبَلَاءَ أَذًى لَنَا ، وَشِدّةً عَلَيْنَا - قَالَتْ فَقَالَ إنّهُ لَلِانْطِلَاقُ يَا أُمّ عَبْدِ اللّهِ . قَالَتْ فَقُلْت : نَعَمْ وَاَللّهِ لَنَخْرُجَنّ فِي أَرْضِ اللّهِ آذَيْتُمُونَا وَقَهَرْتُمُونَا ، حَتّى يَجْعَلَ اللّهُ مَخْرَجًا . قَالَتْ فَقَالَ صَحِبَكُمْ اللّهُ وَرَأَيْت لَهُ رِقّةً لَمْ أَكُنْ أَرَاهَا ، ثُمّ انْصَرَفَ وَقَدْ أَحْزَنَهُ - فِيمَا أَرَى - خُرُوجُنَا . قَالَتْ فَجَاءَ عَامِرٌ بِحَاجَتِهِ تِلْكَ فَقَالَتْ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللّهِ لَوْ رَأَيْت عُمَرَ آنِفًا وَرِقّتَهُ وَحُزْنَهُ عَلَيْنَا قَالَ أَطَمِعْت فِي إسْلَامِهِ ؟ قَالَتْ قُلْت : نَعَمْ قَالَ فَلَا يُسْلِمُ الّذِي رَأَيْت ، حَتّى يُسْلِمَ حِمَارُ الْخَطّابِ قَالَتْ يَأْسًا مِنْهُ لِمَا كَانَ يَرَى مِنْ غِلْظَتِهِ وَقَسْوَتِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ إسْلَامُ عُمَرَ فِيمَا بَلَغَنِي أَنّ أُخْته فَاطِمَةَ بِنْتَ الْخَطّابِ ، وَكَانَتْ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ، وَكَانَتْ قَدْ أَسْلَمَتْ وَأَسْلَمَ بَعْلُهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ ، وَهُمَا مُسْتَخْفِيَانِ بِإِسْلَامِهِمَا مِنْ عُمَرَ وَكَانَ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ النّحَامُ مِنْ مَكّةَ ، رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْب ٍ قَدْ أَسْلَمَ ، وَكَانَ أَيْضًا يَسْتَخْفِي بِإِسْلَامِهِ فَرَقًا مِنْ قَوْمه ، وَكَانَ خَبّابُ بْنُ الْأَرَتّ يَخْتَلِفُ إلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ الْخَطّابِ يُقْرِئُهَا الْقُرْآنَ فَخَرَجَ عُمَرُ يَوْمًا مُتَوَشّحًا سَيْفَهُ يُرِيدُ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَرَهْطًا مِنْ أَصْحَابِهِ قَدْ ذَكَرُوا لَهُ أَنّهُمْ قَدْ اجْتَمَعُوا فِي بَيْتٍ عِنْدَ الصّفَا ، وَهُمْ قَرِيبٌ مِنْ أَرْبَعِينَ مَا بَيْنَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ وَمَعَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - عَمّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ الصّدّيقُ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ مِمّنْ كَانَ أَقَامَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَكّةَ وَلَمْ يَخْرُجْ فِيمَنْ خَرَجَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، فَلَقِيَهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ فَقَالَ لَهُ أَيْنَ تُرِيدُ يَا عُمَرُ ؟ فَقَالَ أُرِيدُ مُحَمّدًا هَذَا الصّابِئَ الّذِي فَرّقَ أَمْرَ قُرَيْشٍ ، وَسَفّهُ أَحْلَامَهَا ، وَعَابَ دِينَهَا ، وَسَبّ آلِهَتَهَا ، فَأَقْتُلُهُ فَقَالَ لَهُ نُعَيْمٌ وَاَللّهِ لَقَدْ غُرّتُك نَفْسُك مِنْ نَفْسِك يَا عُمَرُ أَتَرَى بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ تَارِكِيك تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَقَدْ قَتَلْت مُحَمّدًا أَفَلَا تَرْجِعُ إلَى أَهْلِ بَيْتِك فَتُقِيمُ أَمْرَهُمْ ؟ قَالَ وَأَيّ أَهْلِ بَيْتِي ؟ قَالَ خَتَنُك وَابْنُ عَمّك سَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو ، وَأُخْتُك : فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطّابِ ، فَقَدْ وَاَللّهِ أَسْلَمَا ، وَتَابَعَا مُحَمّدًا عَلَى دِينِهِ فَعَلَيْك بِهِمَا ، قَالَ فَرَجَعَ عُمَرُ عَامِدًا إلَى أُخْتِهِ وَخَتَنِهِ وَعِنْدَهُمَا خَبّابُ بْنُ الْأَرَتّ مَعَهُ صَحِيفَةٌ فِيهَا : " طَه " يُقْرِئُهُمَا إيّاهَا ، فَلَمّا سَمِعُوا حِسّ عُمَرَ تَغَيّبَ خَبّابٌ فِي مُخْدَعٍ لَهُمْ - أَوْ فِي بَعْضِ الْبَيْتِ [ ص 122 ] فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطّابِ الصّحِيفَةَ فَجَعَلَتْهَا تَحْتَ فَخِذِهَا ، وَقَدْ سَمِعَ عُمَرُ حِينَ دَنَا إلَى الْبَيْتِ قِرَاءَةَ خَبّابٍ عَلَيْهِمَا ، فَلَمّا دَخَلَ قَالَ مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ الّتِي سَمِعْت . قَالَا لَهُ مَا سَمِعْت شَيْئًا ، قَالَ بَلَى وَاَللّهِ لَقَدْ أُخْبِرْت أَنّكُمَا تَابَعْتُمَا مُحَمّدًا عَلَى دِينِهِ وَبَطَشَ بِخَتَنِهِ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، فَقَامَتْ إلَيْهِ أُخْتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْخَطّابِ لِتَكُفّهُ عَنْ زَوْجِهَا ، فَضَرَبَهَا فَشَجّهَا ، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ وَخَتَنُهُ نَعَمْ قَدْ أَسْلَمْنَا ، وَآمَنّا بِاَللّهِ وَرَسُولِهِ فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَك : فَلَمّا رَأَى عُمَرُ مَا بِأُخْتِهِ مِنْ الدّمِ نَدِمَ عَلَى مَا صَنَعَ فَارْعَوَى ، وَقَالَ لِأُخْتِهِ أَعْطِينِي هَذِهِ الصّحِيفَةَ الّتِي سَمِعَتْكُمْ تَقْرَءُونَ آنِفًا أَنْظُرْ مَا هَذَا الّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمّدٌ وَكَانَ عُمَرُ كَاتِبًا ، فَلَمّا قَالَ ذَلِكَ قَالَتْ لَهُ أُخْتُهُ إنّا نَخْشَاك عَلَيْهَا ، قَالَ لَا تَخَافِي ، وَحَلَفَ لَهَا بِآلِهَتِهِ لَيَرُدّنّهَا إذَا قَرَأَهَا إلَيْهَا ، فَلَمّا قَالَ ذَلِكَ طَمِعَتْ فِي إسْلَامِهِ فَقَالَتْ لَهُ يَا أَخِي ، إنّك نَجَسٌ عَلَى شِرْكِك ، وَإِنّهُ لَا يَمَسّهَا إلّا الطّاهِرُ فَقَامَ عُمَرُ فَاغْتَسَلَ فَأَعْطَتْهُ الصّحِيفَةَ وَفِيهَا : " طَه " فَقَرَأَهَا ، فَلَمّا قَرَأَ مِنْهَا صَدْرًا ، قَالَ مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ [ ص 123 ] وَأَكْرَمَهُ فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ خَبّابٌ خَرَجَ إلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا عُمَرُ وَاَللّهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللّهُ قَدْ خَصّك بِدَعْوَةِ نَبِيّهِ فَإِنّي سَمِعْته أَمْسِ وَهُوَ يَقُولُ اللّهُمّ أَيّدْ الْإِسْلَامَ بِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ أَوْ بِعُمَرِ بْنِ الْخَطّابِ فَاَللّهَ اللّهَ يَا عُمَرُ فَقَالَ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ عُمَرُ فَدُلّنِي يَا خَبّابُ عَلَى مُحَمّدٍ حَتّى آتِيَهُ فَأَسْلَمَ فَقَالَ لَهُ خَبّابٌ هُوَ فِي بَيْتٍ عِنْدَ الصّفَا ، مَعَهُ فِيهِ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَخَذَ عُمَرُ سَيْفَهُ فَتَوَشّحَهُ ثُمّ عَمِدَ إلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَأَصْحَابِهِ فَضَرَبَ عَلَيْهِمْ الْبَابَ فَلَمّا سَمِعُوا صَوْتَهُ قَامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَنَظَرَ مِنْ خَلَلِ الْبَابِ فَرَآهُ مُتَوَشّحًا السّيْفَ فَرَجَعَ إلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 124 ] فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ مُتَوَشّحًا السّيْفَ فَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ : فَأَذِنَ لَهُ فَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ خَيْرًا بَذَلْنَاهُ لَهُ وَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ شَرّا قَتَلْنَاهُ بِسَيْفِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - " ائْذَنْ لَهُ " ، فَأَذِنَ لَهُ الرّجُلُ وَنَهَضَ إلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حَتّى لَقِيَهُ فِي الْحُجْرَةِ فَأَخَذَ حُجْزَتَهُ أَوْ بِمَجْمَعِ رِدَائِهِ ثُمّ جَبَذَهُ بِهِ جَبْذَةً شَدِيدَةً وَقَالَ " مَا جَاءَ بِك يَا بْنَ الْخَطّابِ ؟ فَوَاَللّهِ مَا أَرَى أَنْ تَنْتَهِيَ حَتّى يُنْزِلَ اللّهُ بِك قَارِعَةً " ، فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللّهِ جِئْتُك لِأُومِنَ بِاَللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْد اللّهِ قَالَ فَكَبّرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَكْبِيرَةً عَرَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ عُمَرَ قَدْ أَسْلَمَ . فَتَفَرّقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مِنْ مَكَانِهِمْ وَقَدْ عُزّوا فِي أَنْفُسِهِمْ حِينَ أَسْلَمَ عُمَرُ مَعَ إسْلَامِ حَمْزَةَ وَعَرَفُوا أَنّهُمَا سَيَمْنَعَانِ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَيَنْتَصِفُونَ بِهِمَا مِنْ عَدُوّهِمْ فَهَذَا حَدِيثُ الرّوَاةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ إسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ حِينَ أَسْلَمَ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ الْمَكّيّ عَنْ أَصْحَابِهِ عَطَاءٍ وَمُجَاهَدٍ ، أَوْ عَمّنْ رَوَى ذَلِكَ أَنّ إسْلَامَ عُمَرَ فِيمَا تَحَدّثُوا بِهِ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ كُنْت لِلْإِسْلَامِ مُبَاعِدًا ، وَكُنْت صَاحِبَ خَمْرٍ فِي الْجَاهِلِيّةِ أُحِبّهَا وَأُسَرّ بِهَا ، وَكَانَ لَنَا مَجْلِسٌ [ ص 125 ] قُرَيْشٍ بِالْحَزْوَرَةِ عِنْدَ دُورِ آلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ الْمَخْزُومِيّ ، قَالَ فَخَرَجْت لَيْلَةً أُرِيدُ جُلَسَائِي أُولَئِكَ فِي مَجْلِسِهِمْ ذَلِكَ قَالَ فَجِئْتهمْ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ مِنْهُمْ أَحَدًا . قَالَ فَقُلْت : لَوْ أَنّي جِئْت فُلَانًا الْخَمّارَ وَكَانَ بِمَكّةَ يَبِيعُ الْخَمْرَ لَعَلّي أَجِدُ عِنْدَهُ خَمْرًا فَأَشْرَبَ مِنْهَا . قَالَ فَخَرَجْت فَجِئْته فَلَمْ أَجِدْهُ . قَالَ فَقُلْت : فَلَوْ أَنّي جِئْت الْكَعْبَةَ ، فَطُفْت بِهَا سَبْعًا أَوْ سَبْعَيْنِ . قَالَ فَجِئْت الْمَسْجِدَ أُرِيدُ أَنْ أَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَائِمٌ يُصَلّي ، وَكَانَ إذَا صَلّى اسْتَقْبَلَ الشّامَ ، وَجَعَلَ الْكَعْبَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشّامِ ، وَكَانَ مُصَلّاهُ بَيْنَ الرّكْنَيْنِ الرّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالرّكْنِ الْيَمَانِيّ . قَالَ فَقُلْت حِينَ رَأَيْته : وَاَللّهِ لَوْ أَنّي اسْتَمَعْت لِمُحَمّدِ اللّيْلَةَ حَتّى أَسْمَعَ مَا يَقُولُ قَالَ فَقُلْت : لَئِنْ دَنَوْت مِنْهُ أَسْتَمِعُ مِنْهُ لَأَرْوُ عَنْهُ فَجِئْت مِنْ قِبَلِ الْحَجَرِ ، فَدَخَلْت تَحْتَ ثِيَابِهَا ، فَجَعَلَتْ أَمْشِي رُوَيْدًا ، وَرَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَائِمٌ يُصَلّي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ حَتّى قُمْت فِي قِبْلَتِهِ مُسْتَقْبِلَهُ مَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ إلّا ثِيَابُ الْكَعْبَةِ . قَالَ فَلَمّا سَمِعْت الْقُرْآنَ رَقّ لَهُ قَلْبِي ، فَبَكَيْت وَدَخَلَنِي الْإِسْلَامُ [ ص 126 ] مَكَانِي ذَلِكَ حَتّى قَضَى رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - صَلَاتَهُ ثُمّ انْصَرَفَ وَكَانَ إذَا انْصَرَفَ خَرَجَ عَلَى دَارِ ابْنِ أَبِي حُسَيْنٍ ، وَكَانَتْ طَرِيقُهُ حَتّى يَجْزَعَ الْمَسْعَى ، ثُمّ يَسْلُكُ بَيْنَ دَارِ عَبّاسِ بْنِ الْمُطّلِبِ ، وَبَيْنَ دَارِ بْنِ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ عَوْفٍ الزّهْرِيّ ، ثُمّ عَلَى دَارِ الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ ، حَتّى يَدْخُلَ بَيْتَهُ وَكَانَ مَسْكَنُهُ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِي الدّارِ الرّقْطَاءِ الّتِي كَانَتْ بِيَدَيْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ . قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَتَبِعْته حَتّى إذَا دَخَلَ بَيْنَ دَارِ عَبّاسٍ وَدَارِ ابْنِ أَزْهَرَ ، أَدْرَكْته ، فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حِسّي عَرَفَنِي ، فَظَنّ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَنّي إنّمَا تَبِعْته لِأُوذِيَهُ فَنَهَمَنِي ، ثُمّ قَالَ " مَا جَاءَ بِك يَا بْنَ الْخَطّابِ هَذِهِ السّاعَةَ " ؟ قَالَ قُلْت : جِئْت لِأُومِنَ بِاَللّهِ وَبِرَسُولِهِ وَبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللّهِ قَالَ فَحَمِدَ اللّهَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - ثُمّ قَالَ " قَدْ هَدَاك اللّهُ يَا عُمَرُ " ، ثُمّ مَسَحَ صَدْرِي ، وَدَعَا لِي بِالثّبَاتِ ثُمّ انْصَرَفْت عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْتَهُ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَاَللّهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ
Sإسْلَامُ عُمَرَ وَحَدِيثُ خَبّابٍ
[ ص 120 ] ذَكَرَهُ إلَى آخِرِهِ وَلَيْسَ فِيهِ إشْكَالٌ وَكَانَ إسْلَامُ عُمَرَ وَالْمُسْلِمُونَ إذْ ذَاكَ بَضْعَةٌ وَأَرْبَعُونَ رَجُلًا ، وَإِحْدَى عَشَرَةَ امْرَأَةً . [ ص 121 ] خَبّابًا وَهُوَ ابْنُ الْأَرَتّ كَانَ يُقْرِئُ فَاطِمَةَ بِنْتَ الْخَطّابِ الْقُرْآنَ وَخَبّابٌ تَمِيمِيّ [ ص 122 ] أَنْمَارٍ بِنْتِ سِبَاعٍ الْخُزَاعِيّ وَكَانَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ سِبَاءٌ فَاشْتَرَتْهُ وَأَعْتَقَتْهُ فَوَلَاؤُهُ لَهَا ، وَكَانَ أَبُوهَا لِعَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ فَهُوَ زُهْرِيّ بِالْحِلْفِ وَهُوَ ابْنُ الْأَرَتّ بْنُ جَنْدَلَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ تَمِيمٍ ، كَانَ قَيْنًا يَعْمَلُ السّيُوفَ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَقَدْ قِيلَ إنّ أُمّهُ كَانَتْ أُمّ سِبَاعٍ الْخُزَاعِيّة ، وَلَمْ يَلْحَقْهُ سِبَاءٌ وَلَكِنّهُ انْتَمَى إلَى حُلَفَاءِ أُمّهِ بَنِي زُهْرَةَ يُكَنّى : أَبَا عَبْدِ اللّهِ وَقِيلَ أَبَا يَحْيَى ، وَقِيلَ أَبَا مُحَمّدٍ مَاتَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ بَعْدَمَا شَهِدَ مَعَ عَلِيّ صِفّينَ وَالنّهْرَوَان ، وَقِيلَ بَلْ مَاتَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ . ذَكَرَ أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ سَأَلَهُ عَمّا لَقِيَ فِي ذَاتِ اللّهِ فَكَشَفَ ظَهْرَهُ فَقَالَ عُمَرُ مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَقَدْ أُوقِدَتْ لِي نَارٌ فَمَا أَطَفْأَهَا إلّا شَحْمِي .
تَطْهِيرُ عُمَرَ لِيَمَسّ الْقُرْآنَ
فَصْلٌ وَفِيهِ ذَكَرَ تَطْهِيرَ عُمَرَ لِيَمَسّ الْقُرْآنَ وَقَوْلُ أُخْتِهِ { لَا يَمَسّهُ إِلّا الْمُطَهّرُونَ } وَالْمُطَهّرُونَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُمْ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطّأِ وَاحْتَجّ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى الّتِي فِي سُورَةِ عَبَسَ وَلَكِنّهُمْ وَإِنْ كَانُوا الْمَلَائِكَةَ فَفِي وَصْفِهِمْ بِالطّهَارَةِ مَقْرُونًا بِذِكْرِ الْمَسّ مَا يَقْتَضِي أَلّا يَمَسّهُ إلّا طَاهِرٌ اقْتِدَاءً بِالْمَلَائِكَةِ الْمُطَهّرِينَ فَقَدْ تَعَلّقَ الْحُكْمُ بِصِفّةِ التّطْهِيرِ وَلَكِنّهُ حُكْمٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَلَيْسَ مَحْمُولًا عَلَى الْفَرْضِ وَكَذَلِكَ مَا كَتَبَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ وَأَلّا يَمَسّ الْقُرْآنَ إلّا طَاهِرٌ لَيْسَ عَلَى الْفَرْضِ وَإِنْ كَانَ الْفَرْضُ فِيهِ [ ص 123 ] أَبْيَنَ مِنْهُ فِي الْآيَةِ لِأَنّهُ جَاءَ بِلَفْظِ النّهْيِ عَنْ مَسّهِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَلَكِنْ فِي كِتَابِهِ إلَى هِرَقْلَ بِهَذِهِ الْآيَةِ { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ } [ آل عِمْرَانَ : 64 ] دَلِيلٌ عَلَى مَا قُلْنَاهُ وَقَدْ ذَهَبَ دَاوُدَ وَأَبُو ثَوْرٍ وَطَائِفَةٌ مِمّنْ سَلَفَ مِنْهُمْ الْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَحَمّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ إلَى إبَاحَةِ مَسّ الْمُصْحَفِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَاحْتَجّوا بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ كِتَابِهِ إلَى هِرَقْلَ ، وَقَالُوا : حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ مُرْسَلٌ فَلَمْ يَرْوِهِ حُجّةٌ وَالدّارَقُطْنِيّ قَدْ أَسْنَدَهُ مِنْ طُرُقٍ حِسَانٍ أَفْوَاهًا : رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ الطّيَالِسِيّ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ وَمِمّا يُقَوّي أَنّ الْمُطَهّرِينَ فِي الْآيَةِ هُمْ الْمَلَائِكَةُ أَنّهُ لَمْ يَقُلْ الْمُتَطَهّرُونَ وَإِنّمَا قَالَ الْمُطَهّرُونَ وَفَرْقٌ مَا بَيْنَ الْمُتَطَهّرِ وَالْمُطَهّرِ أَنّ الْمُتَطَهّرَ مِنْ فِعْلِ الطّهُورِ وَأَدْخَلَ نَفْسَهُ فِيهِ كَالْمُتَفَقّهِ مَنْ يُدْخِلُ نَفْسَهُ فِي الْفِقْهِ وَكَذَلِكَ الْمُتَفَعّلُ فِي أَكْثَرِ الْكَلَامِ وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : وَقَيْسُ عَيْلَانَ وَمَنْ تَقَيّسَا
فَالْآدَمِيّونَ مُتَطَهّرُونَ إذَا تَطَهّرُوا ، وَالْمَلَائِكَةُ مُطَهّرُونَ خِلْقَةً وَالْآدَمِيّاتُ إذَا تَطَهّرْنَ مُتَطَهّرَاتٌ وَفِي التّنْزِيلِ { فَإِذَا تَطَهّرْنَ فَأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ } [ الْبَقَرَةُ 222 ] وَالْحُورُ الْعِينِ مُطَهّرَاتٌ وَفِي التّنْزِيلِ { لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهّرَةٌ } [ النّسَاءُ 57 ] وَهَذَا فَرْقٌ بَيّنٌ وَقُوّةٌ لِتَأْوِيلِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللّهُ وَالْقَوْلُ عِنْدِي فِي الرّسُولِ عَلَيْهِ السّلَامُ أَنّهُ مُتَطَهّرٌ وَمُطَهّرٌ أَمّا مُتَطَهّرٌ فَلِأَنّهُ بَشَرٌ آدَمِي يَغْتَسِلُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَيَتَوَضّأُ مِنْ الْحَدَثِ وَأَمّا مُطَهّرٌ فَلِأَنّهُ قَدْ غَسَلَ بَاطِنَهُ وَشُقّ عَنْ قَلْبِهِ وَمُلِئَ حِكْمَةً وَإِيمَانًا فَهُوَ مُطَهّرٌ وَمُتَطَهّرٌ وَاضْمُمْ هَذَا الْفَصْلَ إلَى مَا تَقَدّمَ فِي ذِكْرِ مَوْلِدِهِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى ، فَإِنّهُ تَكْمِلَةٌ وَالْحَمْدُ لِلّهِ [ ص 124 ] ابْنِ الْقَاسِمِ : إنّ الْكَافِرَ إذَا تَطَهّرَ قَبْلَ أَنْ يُظْهِرَ إسْلَامَهُ وَيَشْهَدَ الشّهَادَتَيْنِ أَنّهُ مُجْزِئٌ لَهُ وَقَدْ عَابَ قَوْلَ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَكَذَلِكَ فِي خَبَرِ إسْلَامِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ عَلَى يَدَيْ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَقَدْ سَأَلَهُ كَيْفَ يَصْنَعُ مَنْ يُرِيدُ الدّخُولَ فِي هَذَا الدّينِ فَقَالَ يَتَطَهّرُ ثُمّ يَشْهَدُ بِشَهَادَةِ الْحَقّ فَفَعَلَ ذَلِكَ هُوَ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَحَدِيثُ إسْلَامِ عُمَرَ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَادِيثِ السّيَرِ فَقَدْ خَرّجَهُ الدّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ غَيْرَ أَنّهُ خَرّجَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ أَنّ أُخْتَ عُمَرَ قَالَتْ لَهُ إنّك رِجْسٌ وَلَا يَمَسّهُ إلّا الْمُطَهّرُونَ فَقُمْ فَاغْتَسِلْ أَوْ تَوَضّأْ فَقَامَ فَتَوَضّأَ ثُمّ أَخَذَ الصّحِيفَةَ وَفِيهَا سُورَةُ طَه ، فَفِي هَذِهِ الرّوَايَةِ أَنّهُ كَانَ وُضُوءًا ، وَلَمْ يَكُنْ اغْتِسَالًا ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ أَنّ عُمَرَ حِين قَرَأَ فِي الصّحِيفَةِ سُورَةَ طَه انْتَهَى مِنْهَا إلَى قَوْلِهِ { لِتُجْزَى كُلّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى } [ طَه : 15 ] فَقَالَ مَا أَطْيَبَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَحْسَنَهُ وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ بِطُولِهِ وَفِيهِ أَنّ الصّحِيفَةَ كَانَ فِيهَا مَعَ سُورَةِ طَه : { إِذَا الشّمْسُ كُوّرَتْ } وَأَنّ عُمَرَ انْتَهَى فِي قِرَاءَتِهَا إلَى قَوْلِهِ { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ }
زِيَادَةٌ فِي إسْلَامِ عُمَرَ
[ ص 125 ] وَذَكَرَ ابْنُ سُنْجُر زِيَادَةً فِي إسْلَامِ عُمَرَ قَالَ حَدّثْنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ قَالَ نا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو ، قَالَ حَدّثَنِي شُرَيْح بْنُ عُبَيْدٍ ، قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ : خَرَجْت أُتَعَرّضُ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ ، فَوَجَدْته قَدْ سَبَقَنِي إلَى الْمَسْجِدِ فَقُمْت خَلْفَهُ فَاسْتَفْتَحَ سُورَةَ الْحَاقّةِ فَجَعَلْت أَتَعَجّبُ مِنْ تَأْلِيفِ الْقُرْآنِ قَالَ قُلْت : هَذَا وَاَللّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ ، فَقَرَأَ { إِنّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ } قَالَ قُلْت : كَاهِنٌ عَلِمَ مَا فِي نَفْسِي ، فَقَالَ { وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكّرُونَ } إلَى آخِرِ السّورَةِ قَالَ فَوَقَعَ الْإِسْلَامُ فِي قَلْبِي كُلّ مَوْقِعٍ وَقَالَ عُمَرُ حِينَ أَسْلَمَ :
الْحَمْدُ لِلّهِ ذِي الْمَنّ الّذِي وَجَبَتْ ... لَهُ عَلَيْنَا أَيَادٍ مَا لَهَا غِيَرُ
وَقَدْ بَدَأْنَا فَكَذّبْنَا ، فَقَالَ لَنَا ... صَدَقَ الْحَدِيثَ نَبِيّ عِنْدَهُ الْخَبَرُ
وَقَدْ ظَلَمْت ابْنَةَ الْخَطّابِ ثُمّ هَدَى ... رَبّي عَشِيّةً قَالُوا : قَدْ صَبَا عُمَرُ
وَقَدْ نَدِمْت عَلَى مَا كَانَ مِنْ زَلَلٍ ... بِظُلْمِهَا حِينَ تُتْلَى عِنْدَهَا السّوَرُ
لَمّا دَعَتْ رَبّهَا ذَا الْعَرْشِ جَاهِدَةً ... وَالدّمْعُ مِنْ عَيْنِهَا عَجْلَانُ يَبْتَدِرُ
أَيْقَنْت أَنّ الّذِي تَدْعُوهُ خَالِقُهَا ... فَكَادَ تَسْبِقُنِي مِنْ عِبْرَةٍ دِرَرُ
فَقُلْت : أَشْهَدُ أَنّ اللّهَ خَالِقُنَا ... وَأَنّ أَحْمَدَ فِينَا الْيَوْمَ مُشْتَهِرُ
نَبِيّ صِدْقٍ أَتَى بَالِق مِنْ ثِقَةٍ ... وَافَى الْأَمَانَةَ مَا فِي عُودِهِ خَوَرُ
[ ص 126 ] ابْنِ إسْحَاقَ . وَذَكَرَ الْبَزّارُ فِي إسْلَامِ عُمَرَ أَنّهُ قَالَ فَلَمّا أَخَذْت الصّحِيفَةَ فَإِذَا فِيهَا : بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ فَجَعَلْت أُفَكّرُ مِنْ أَيّ شَيْءٍ اُشْتُقّ ثُمّ قَرَأْت فِيهَا : { سَبّحَ لِلّهِ مَا فِي السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } أَوّلُ الْحَدِيدِ . وَجَعَلْت أَقْرَأُ وَأُفَكّرُ حَتّى بَلَغْت : { آمِنُوا بِاللّهِ وَرَسُولِهِ } [ الْحَدِيدُ 7 ] . فَقُلْت : أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَه إلّا اللّهُ ، وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللّهِ . مِنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ إسْلَامِ عُمَرَ فَصْلٌ وَفِي حَدِيثِ إسْلَامِ عُمَرَ قَالَ مَا هَذِهِ الْهَيْنَمَةُ وَالْهَيْنَمَةُ كَلَامٌ لَا يُفْهَمُ وَاسْمُ الْفَاعِلِ مَعَهُ مُهَيْنِمٌ كَأَنّهُ بِتَصْغِيرِ وَلَيْسَ بِتَصْغِيرِ وَمِثْلُهُ الْمُبَيْطِرُ وَالْمُهَيْمِنُ وَالْمُبَيْقِرُ بِالْقَافِ وَهُوَ الْمُهَاجِرُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ وَالْمُسَيْطِرُ وَلَوْ صَغّرْت وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَحَذَفْت الْيَاءَ الزّائِدَةَ كَمَا تَحْذِفُ الْأَلِفَ مِنْ مُفَاعِل ، وَتُلْحِقُ يَاءَ التّصْغِيرِ فِي مَوْضِعِهَا ، فَيَعُودُ اللّفْظُ إلَى مَا كَانَ فَيُقَالُ فِي تَصْغِيرِ مُهَيْنِمٍ وَمُبَيْطِرٍ مُهَيْنِمٌ وَمُبَيْطِرٌ فَإِنْ قِيلَ فَهَلّا قُلْتُمْ إنّهُ لَا يُصَغّرُ إذْ لَا يُعْقَلُ تَصْغِيرٌ عَلَى لَفْظِ التّكْبِيرِ وَإِلّا فَمَا الْفَرْقُ ؟ فَالْجَوَابُ أَنّهُ قَدْ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ مِنْهَا : الْجَمْعُ فَإِنّك تَجْمَعُ مُبَيْطِرًا : مُبَاطِر بِحَذْفِ الْيَاءِ وَإِذَا كَانَ مُصَغّرًا لَا يُجْمَعُ إلّا بِالْوَاوِ وَالنّونِ فَتَقُولُ مُبَيْطِرُونَ وَذَلِك أَنّ التّصْغِيرَ لَا يُكْسَرُ لِأَنّ تَكْسِيرَهُ يُؤَدّي إلَى حَذْفِ الْيَاءِ فِي الْخُمَاسِيّ لِأَنّهَا زَائِدَةٌ كَالْأَلِفِ فَيَذْهَبُ مَعْنَى التّصْغِيرِ وَأَمّا الثّلَاثِيّ الْمُصَغّرُ [ ص 127 ] تَحْرِيكِ يَاءِ التّصْغِيرِ أَوْ هَمْزِهَا ، وَذَلِك أَنْ يُقَالَ فِي فُلَيْسٍ فَلَائِسُ فَيَذْهَبُ أَيْضًا مَعْنَى التّصْغِيرِ لِتَصْغِيرِ لَفْظِ الْيَاءِ الّتِي هِيَ دَالّةٌ عَلَيْهِ وَلَوْ بَنَيْت اسْمَ فَاعِلٍ مِنْ بِيَأْسِ لَقُلْت فِيهِ مُبَيْئِسٌ وَلَوْ سُهّلَتْ الْهَمْزَةُ حَرّكْت الْيَاءَ فَقُلْت فِيهِ مُبَيّيسٌ وَتَقُولُ فِي تَصْغِيرِهِ إذَا صَغّرْته : مُبَيّسٌ بِالْإِدْغَامِ كَمَا تَقُولُ [ فِي ] أَبَوْس : أَبِيس ، وَلَا تُنْقَلُ حَرَكَةُ الْهَمْزَةِ إلَى الْيَاءِ إذَا سُهّلَتْ كَمَا تَنْقُلُهَا فِي اسْمِ الْفَاعِلِ مِنْ بِيَأْسِ وَنَحْوِهِ إذَا سُهّلَتْ الْهَمْزَةُ وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مِنْ التّصْغِيرِ بَدِيعَةٌ يَقُومُ عَلَى تَصْحِيحِهَا الْبُرْهَانُ .
حَوْلَ النّهِيمِ وَهَكَذَا
فَصْلٌ وَفِي حَدِيثِ إسْلَامِ عُمَرَ فَنَهَمَهُ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَيْ زَجَرَهُ وَالنّهِيمُ زَجْرُ الْأَسَدِ وَالنّهَامِيّ الْحَدّادُ وَالنّهَامُ طَائِرٌ وَفِيهِ قَوْلُ الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ قَالَ هَكَذَا [ خَلّوا ] عَنْ الرّجُلِ وَهِيَ كَلِمَةٌ مَعْنَاهَا : الْأَمْرُ بِالتّنَحّي ، فَلَيْسَ يَعْمَلُ فِيهَا مَا قَبْلَهَا ، كَمَا يَعْمَلُ إذَا قُلْت : اجْلِسْ هَكَذَا ، أَيْ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ وَإِنْ كَانَ لَا بُدّ مِنْ عَامِلٍ فِيهَا إذَا جَعَلْتهَا لِلْأَمْرِ لِأَنّهَا كَافُ التّشْبِيهِ دَخَلَتْ عَلَى ذَا ، وَهَا : تَنْبِيهٌ فَيُقَدّرُ الْعَامِلُ إذًا مُضْمَرًا ، كَأَنّك قُلْت : ارْجِعُوا هَكَذَا ، وَتَأَخّرُوا هَكَذَا ، وَاسْتُغْنِيَ بِقَوْلِك : هَكَذَا عَنْ الْفِعْلِ كَمَا اُسْتُغْنِيَ بِرُوَيْدًا عَنْ اُرْفُقْ .
[ ص 127 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ لَمّا أَسْلَمَ أَبِي عُمَرُ قَالَ أَيّ قُرَيْشٍ أَنْقَلُ لِلْحَدِيثِ ؟ فَقِيلَ لَهُ جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيّ . قَالَ فَغَدَا عَلَيْهِ قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ : فَعَدَوْت أَتّبِعُ أَثَرَهُ وَأَنْظُرُ مَا يَفْعَلُ وَأَنَا غُلَامٌ أَعْقِلُ كُلّ مَا رَأَيْت ، حَتّى جَاءَهُ فَقَالَ لَهُ أَعَلِمْت يَا جَمِيلُ أَنّي قَدْ أَسْلَمْت : وَدَخَلْت فِي دِينِ مُحَمّدٍ ؟ قَالَ فَوَاَللّهِ مَا رَاجَعَهُ حَتّى قَامَ يَجُرّ رِدَاءَهُ وَاتّبَعَهُ عُمَرُ وَاتّبَعْت أَبِي ، حَتّى إذَا قَامَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، وَهُمْ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ [ ص 128 ] بَابِ الْكَعْبَةِ ، أَلَا إنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ قَدْ صَبَأَ قَالَ يَقُولُ عُمَرُ مِنْ خَلْفِهِ كَذَبَ وَلَكِنّي قَدْ أَسْلَمْت ، وَشَهِدْت أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . وَثَارُوا إلَيْهِ فَمَا بَرِحَ يُقَاتِلُهُمْ وَيُقَاتِلُونَهُ حَتّى قَامَتْ الشّمْسُ عَلَى رُءُوسِهِمْ . قَالَ وَطَلَحَ فَقَعَدَ وَقَامُوا عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ يَقُولُ افْعَلُوا مَا بَدَا لَكُمْ فَأَحْلِفُ بِاَللّهِ أَنْ لَوْ قَدْ كُنّا ثَلَثَمِائَةِ رَجُلٍ لَتَرَكْنَاهَا لَكُمْ أَوْ لَتَرَكْتُمُوهَا لَنَا ، قَالَ فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ إذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، عَلَيْهِ حُلّةٌ حَبِرَةٌ وَقَمِيصٌ مُوَشّى ، حَتّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ مَا شَأْنُكُمْ ؟ قَالُوا : صَبَأَ عُمَرُ فَقَالَ فَمُهُ رَجُلٌ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَمْرًا ، فَمَاذَا تُرِيدُونَ ؟ أَتَرَوْنَ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ يُسَلّمُونَ لَكُمْ صَاحِبَهُمْ هَكَذَا ؟ خَلّوا عَنْ الرّجُلِ . قَالَ فَوَاَللّهِ لَكَأَنّمَا كَانُوا ثَوْبًا كَشَطّ عَنْهُ . قَالَ فَقُلْت لِأَبِي بَعْدَ أَنْ هَاجِرَ إلَى الْمَدِينَةِ : يَا أَبَتْ مَنْ الرّجُلُ الّذِي زَجَرَ الْقَوْمَ عَنْك بِمَكّةَ يَوْمَ أَسْلَمْت ، وَهُمْ يُقَاتِلُونَك ؟ فَقَالَ ذَلِكَ أَيْ بُنَيّ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السّهْمِيّ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : حَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّهُ قَالَ يَا أَبَتْ مَنْ الرّجُلُ الّذِي زَجَرَ الْقَوْمَ عَنْك يَوْمَ أَسْلَمْت ، وَهُمْ يُقَاتِلُونَك ، جَزَاهُ اللّهُ خَيْرًا ؟ قَالَ يَا بُنَيّ ذَاكَ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ لَا جَزَاهُ اللّهُ خَيْرًا . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ بَعْضِ آلِ عُمَرَ أَوْ بَعْضِ أَهْلِهِ قَالَ قَالَ عُمَرُ لَمّا أَسْلَمْت تِلْكَ اللّيْلَةَ تَذَكّرْت أَيّ أَهْلِ مَكّةَ أَشَدّ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَدَاوَةً حَتّى آتِيَهُ فَأَخْبَرَهُ أَنّي قَدْ أَسْلَمْت ، قَالَ قُلْت : أَبُو جَهْلٍ - وَكَانَ عُمَرُ لِخَتْمَةَ بِنْتِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ - قَالَ فَأَقْبَلْت حِينَ أَصْبَحْت ، حَتّى ضَرَبْت عَلَيْهِ بَابَهُ . قَالَ فَخَرَجَ إلَيّ أَبُو جَهْلٍ فَقَالَ مَرْحَبًا وَأَهْلًا يَا بْنَ أُخْتِي ، مَا جَاءَ بِك ؟ جِئْت لِأُخْبِرَك أَنّي قَدْ آمَنْت بِاَللّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمّدٍ وَصَدّقْت بِمَا جَاءَ بِهِ قَالَ فَضَرَبَ الْبَابَ فِي وَجْهِي ، وَقَالَ قَبّحَك اللّهُ وَقَبّحَ مَا جِئْت بِهِSجَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ
فَصْلٌ وَذَكَرَ قَوْلَ عُمَرَ لِجَمِيلِ بْنِ مَعْمَرٍ الْجُمَحِيّ إنّي قَدْ أَسْلَمْت ، وَبَايَعْت مُحَمّدًا ، فَصَرَخَ جَمِيلٌ بِأَعْلَى صَوْتِهِ أَلَا إنّ عُمَرَ قَدْ صَبَأَ . جَمِيلٌ هَذَا هُوَ الّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ ذُو الْقَلْبَيْنِ وَفِيهِ نَزَلَتْ فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ { مَا جَعَلَ اللّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ } [ الْأَحْزَابُ : 4 ] ، وَفِيهِ قِيلَ
وَكَيْفَ ثَوَائِي بِالْمَدِينَةِ بَعْدَمَا ... قَضَى وَطَرًا مِنْهَا جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ
[ ص 128 ] عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي مَنْزِلِهِ وَاسْتَأْذَنَ عُمَرَ فَسَمِعَهُ وَهُوَ يَتَغَنّى ، وَيُنْشِدُ بالركبانية ، وَهُوَ غِنَاءٌ يُحْدَى بِهِ الرّكّابُ فَلَمّا دَخَلَ عُمَرُ قَالَ لَهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ إنّا إذَا خَلَوْنَا ، قُلْنَا مَا يَقُولُ النّاسُ فِي بُيُوتِهِمْ وَقَلَبَ الْمُبَرّدُ هَذَا الْحَدِيثَ وَجَعَلَ الْمُنْشِدُ عُمَرَ وَالْمُسْتَأْذَنَ عَبْدَ الرّحْمَنِ وَرَوَاهُ الزّبَيْرُ كَمَا تَقَدّمَ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَذَا الشّأْنِ .
خَبَرُ الصّحِيفَةِ
[ ص 129 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ نَزَلُوا بَلَدًا أَصَابُوا بِهِ أَمْنًا وَقَرَارًا ، وَأَنّ النّجَاشِيّ قَدْ مَنَعَ مَنْ لَجَأَ إلَيْهِ مِنْهُمْ وَأَنّ عُمَرَ قَدْ أَسْلَمَ ، فَكَانَ هُوَ وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ مَعَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَأَصْحَابُهُ وَجَعَلَ الْإِسْلَامَ يَفْشُو فِي الْقَبَائِلِ اجْتَمَعُوا وَائْتَمَرُوا أَنْ يَكْتُبُوا كِتَابًا يَتَعَاقَدُونَ فِيهِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ ، وَبَنِيّ الْمُطّلِبِ ، عَلَى أَنْ لَا يَنْكِحُوا إلَيْهِمْ وَلَا يَنْكِحُوهُمْ وَلَا يَبِيعُوهُمْ شَيْئًا ، وَلَا يَبْتَاعُوا مِنْهُمْ فَلَمّا اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ كَتَبُوهُ فِي صَحِيفَةٍ ثُمّ تَعَاهَدُوا وَتَوَاثَقُوا عَلَى ذَلِكَ ثُمّ عَلّقُوا الصّحِيفَةَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ تَوْكِيدًا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَكَانَ كَاتِبُ الصّحِيفَةِ مَنْصُورَ بْنَ عِكْرِمَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُقَالُ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ - فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَشَلُ بَعْضِ أَصَابِعِهِ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا فَعَلَتْ ذَلِكَ قُرَيْشٌ انْحَازَتْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطّلِبِ إلَى أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، فَدَخَلُوا مَعَهُ فِي شِعْبِهِ وَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ وَخَرَجَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ : أَبُو لَهَبٍ عَبْدُ الْعُزّى بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، إلَى قُرَيْشٍ ، فَظَاهَرَهُمْ .
مَوْقِفُ أَبِي لَهَبٍ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ أَنّ أَبَا لَهَبٍ لَقِيَ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ بْنِ [ ص 130 ] ، حِينَ فَارَقَ قَوْمَهُ وَظَاهَرَ عَلَيْهِمْ قُرَيْشًا ، فَقَالَ يَا بِنْتَ عُتْبَةَ هَلْ نَصَرْت اللّاتَ وَالْعُزّى ، وَفَارَقْت مَنْ فَارَقَهُمَا وَظَاهَرَ عَلَيْهِمَا ؟ قَالَتْ نَعَمْ فَجَزَاك اللّهُ خَيْرًا يَا أَبَا عُتْبَةَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحُدّثْت أَنّهُ كَانَ يَقُولُ فِي بَعْضِ مَا يَقُولُ يَعْدُنِي مُحَمّدٌ أَشْيَاءَ لَا أَرَاهَا ، يَزْعُمُ أَنّهَا كَائِنَةً بَعْدَ الْمَوْتِ فَمَاذَا وُضِعَ فِي يَدَيْ بَعْدَ ذَلِكَ ثُمّ يَنْفُخُ فِي يَدْيِهِ وَيَقُولُ تَبّا لَكُمَا ، مَا أَرَى فِيكُمَا شَيْئًا مِمّا يَقُولُ مُحَمّدٌ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِ { تَبّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ } قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : تَبّتْ خَسِرَتْ . وَالتّبَابُ الْخُسْرَانُ . قَالَ حَبِيبُ بْنُ خَدِرَةَ الْخَارِجِيّ : أَحَدُ بَنِي هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ يَا طَيّبُ إنّا فِي مَعْشَرٍ ذَهَبَتْ مَسْعَاتُهُمْ فِي التّبَارِ وَالتّبَبِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ
Sحَدِيثُ الصّحِيفَةِ الّتِي كَتَبَتْهَا قُرَيْشٌ
[ ص 129 ] ذَكَرَ فِيهِ قَوْلَ أَبِي لَهَبٍ لِيَدَيْهِ تَبّا لَكُمَا ، لَا أَرَى فِيكُمَا شَيْئًا مِمّا يَقُولُ مُحَمّدٌ فَأَنْزَلَ اللّهُ [ ص 130 ] { تَبّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ } هَذَا الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِذِكْرِ اللّهِ سُبْحَانَهُ يَدَيْهِ حَيْثُ يَقُولُ { تَبّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ } وَأَمّا قَوْلُهُ وَتَبّ تَفْسِيرُهُ مَا جَاءَ فِي الصّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ، قَالَ لَمّا أَنَزَلَ اللّهُ تَعَالَى : { وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ } [ الشّعَرَاءُ 214 ] خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حَتّى أَتَى الصّفَا ، فَصَعِدَ عَلَيْهِ فَهَتَفَ " يَا صُبَاحَاه " ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ قَالَ " أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنّ خَيْلًا تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَكُنْتُمْ مُصَدّقِيّ " ؟ قَالُوا : مَا جَرّبْنَا عَلَيْك كَذِبًا . قَالَ " فَإِنّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٌ شَدِيدٌ . فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ تَبّا لَك أَلِهَذَا جَمَعْتنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى : { تَبّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ } هَكَذَا قَرَأَ مُجَاهِدٌ وَالْأَعْمَشُ ، وَهِيَ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - قِرَاءَةٌ مَأْخُوذَةٌ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ لِأَنّ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَلْفَاظًا كَثِيرَةً تُعِينُ عَلَى التّفْسِيرِ قَالَ مُجَاهِدٌ : لَوْ كُنْت قَرَأْت قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ قَبْل أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبّاسٍ ، مَا احْتَجْت أَنْ أَسْأَلَهُ عَنْ كَثِيرٍ مِمّا سَأَلْته ، وَكَذَلِكَ زِيَادَةٌ قَدْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فُسّرَتْ أَنّهُ خَبَرٌ مِنْ اللّهِ تَعَالَى ، وَأَنّ الْكَلَامَ لَيْسَ عَلَى جِهَةِ الدّعَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنّى يُؤْفَكُونَ } [ التّوْبَةُ 35 ] ، أَيْ إنّهُمْ أَهْلٌ أَنْ يُقَالَ لَهُمْ هَذَا ، فَتَبّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ لَيْسَ مِنْ بَابِ قَاتَلَهُمْ اللّهُ وَلَكِنّهُ خَبَرٌ مَحْضٌ بِأَنّ قَدْ خَسِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَالْيَدَانِ آلَةُ الْكَسْبِ وَأَهْلُهُ وَمَالُهُ مِمّا كَسَبَ فَقَوْلُهُ { تَبّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ } تَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ { مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ } وَوَلَدُ الرّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَيْ خَسِرَتْ يَدَاهُ هَذَا الّذِي كَسَبْت ، وَقَوْلُهُ وَتَبّ تَفْسِيرُهُ . { سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ } أَيْ قَدْ خَسِرَ [ ص 131 ] أَبِي لَهَبٍ تَبّا لَكُمَا ، مَا أَرَى فِيكُمَا شَيْئًا ، يَعْنِي : يَدَيْهِ سَبَبُ لِنُزُولِ تَبّتْ يَدَا كَمَا تَقَدّمَ . وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ تَبّا لَك يَا مُحَمّدُ سَبَبٌ لِنُزُولِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَبْ فَالْكَلِمَتَانِ فِي التّنْزِيلِ مَبْنِيّتَانِ عَلَى السّبَبَيْنِ وَالْآيَتَانِ بَعْدَهُمَا تَفْسِير لِلسّبَبَيْنِ . تَبَابِ يَدَيْهِ وَتَبَابُهُ هُوَ فِي نَفْسِهِ وَالتّبَبُ عَلَى وَزْنِ التّلَفِ لِأَنّهُ فِي مَعْنَاهُ وَالتّبَابُ كَالْهَلَاكِ وَالْخَسَارِ وَزْنًا وَمَعْنًى ، وَلِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ تَبَبٌ وَتَبَابٌ .
شِعْرُ أَبِي طَالِبٍ
[ ص 131 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا اجْتَمَعَتْ عَلَى ذَلِكَ قُرَيْشٌ ، وَصَنَعُوا فِيهِ الّذِي صَنَعُوا ، قَالَ أَبُو طَالِبٍ [ ص 132 ] [ ص 133 ]
أَلَا أَبْلِغَا عَنّي عَلَى ذَاتِ بَيْنَنَا ... لُؤَيّا وَخُصّا مِنْ لُؤَيّ بَنِي كَعْبٍ
أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنّا وَجَدْنَا مُحَمّدًا ... نَبِيّا كَمُوسَى خُطّ فِي أَوّلِ الْكُتُبِ
وَأَنّ عَلَيْهِ فِي الْعِبَادِ مَحَبّةً ... وَلَا خَيْرَ مِمّنْ خَصّهُ اللّهُ بِالْحُبّ
وَأَنّ الّذِي أَلْصَقْتُمْ مِنْ كِتَابِكُمْ ... لَكُمْ كَائِنٌ نَحِسًا كَرَاغِيَةِ السّقْبِ
أَفِيقُوا أَفِيقُوا ، قَبْلَ أَنْ يُحْفَرَ الثّرَى ... وَيُصْبِحُ مَنْ لَمْ يَجْنِ ذَنْبًا كَذِي الذّنْبِ
وَلَا تَتْبَعُوا أَمْرَ الْوُشَاةِ وَتَقْطَعُوا ... أَوَاصِرَنَا بَعْدَ الْمَوَدّةِ وَالْقُرْبِ
وَتَسْتَجْلِبُوا حَرْبًا عَوَانًا ، وَرُبّمَا ... أَمُرّ عَلَى مَنْ ذَاقَهُ جَلَبُ الْحَرْبِ
فَلَسْنَا - وَرَبّ الْبَيْتِ - نُسْلِمُ أَحَمْدًا ... لَعَزّاءَ مِنْ عَضّ الزّمَانِ وَلَا كَرْبِ
وَلَمّا تَبِنْ مِنّا ، وَمِنْكُمْ سَوَالِفُ ... وَأَيْدٍ أُتِرّتْ بِالّقُسَاسِيّةِ الشّهُبِ
بِمَعْتَرَكٍ ضَيْقٍ تَرَى كَسْرَ الْقَنَا ... بِهِ وَالنّسُورَ الطّخْمَ يَعْكُفْنَ كَالشّرْبِ
كَأَنّ مُجَالَ الْخَيْلِ فِي حُجُرَاتِهِ ... وَمَعْمَعَةَ الْأَبْطَالِ مَعْرَكَةٌ الْحَرْبِ
أَلَيْسَ أَبُونَا هَاشِمٌ شَدّ أُزْرَهُ ... وَأَوْصَى بَنِيهِ بِالطّعَانِ وَبِالضّرْبِ
وَلَسْنَا نَمَلّ الْحَرْبَ حَتّى تَمَلّنَا ... وَلَا نَشْتَكِي مَا قَدْ يَنُوبُ مِنْ النّكْبِ
وَلَكِنّنَا أَهْلُ الْحَفَائِظِ وَالنّهَى ... إذَا طَارَ أَرْوَاحُ الْكُمَاةِ مِنْ الرّعْبِ
[ ص 134 ] أَرَادَ صِلَتَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ .
مِنْ جَهَالَةِ أَبِي جَهْلٍ
وَقَدْ كَانَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ - فِيمَا يَذْكُرُونَ - لَقِيَ حَكِيمَ بْنَ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ ، مَعَهُ غُلَامٌ يَحْمِلُ قَمْحًا يُرِيدُ بِهِ عَمّتَهُ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ ، وَهِيَ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَمَعَهُ فِي الشّعْبِ ، فَتَعَلّقَ بِهِ وَقَالَ أَتَذْهَبُ بِالطّعَامِ إلَى بَنِي هَاشِمٍ ؟ وَاَللّهِ لَا تَبْرَحْ أَنْتَ وَطَعَامَك ، حَتّى أَفْضَحَك بِمَكّةَ . فَجَاءَهُ أَبُو الْبَخْتَرِيّ بْنُ هَاشِمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ [ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى ] ، فَقَالَ مَا لَك وَلَهُ ؟ فَقَالَ يَحْمِلُ الطّعَامَ إلَى بَنِي هَاشِمٍ فَقَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيّ طَعَامٌ كَانَ لِعَمّتِهِ عِنْدَهُ بَعَثْت إلَيْهِ [ فِيهِ ] ، أَفَتَمْنَعُهُ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامِهَا ؟ خَلّ سَبِيلَ الرّجُلِ فَأَبَى أَبُو جَهْلٍ حَتّى نَالَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ فَأَخَذَ أَبُو الْبَخْتَرِيّ لَحْيَ بَعِيرٍ فَضَرَبَهُ بِهِ فَشَجّهُ وَوَطِئَهُ وَطْأً شَدِيدًا ، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ قَرِيبٌ يَرَى ذَلِكَ وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَأَصْحَابَهُ فَيَشْمَتُوا بِهِمْ وَرَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - عَلَى ذَلِكَ يَدْعُو قَوْمَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا وَسِرّا وَجِهَارًا ، مُنَادِيًا بِأَمْرِ اللّهِ لَا يَتّقِي فِيهِ أَحَدًا مِنْ النّاسِ .
Sمِنْ تَفْسِيرِ شِعْرِ أَبِي طَالِبٍ
فَصْلٌ ذِكْرُ شِعْرِ أَبِي طَالِب : أَلَا أَبْلِغَا عَنّي عَلَى ذَاتِ بَيْنِنَا
قَالَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ ذَاتِ بَيْنَنَا ، وَذَاتِ يَدِهِ وَمَا كَانَ نَحْوُهُ صِفَةٌ لِمَحْذُوفِ مُؤَنّثٌ كَأَنّهُ يُرِيدُ الْحَالَ الّتِي هِيَ ذَاتُ بَيْنِهِمْ كَمَا قَالَ اللّهُ سُبْحَانَهُ { وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ } [ الْأَنْفَالُ 1 ] فَكَذَلِكَ إذَا قُلْت : ذَاتِ يَدِهِ . يُرِيدُ أَمْوَالَهُ أَوْ مُكْتَسَبَاتِهِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ السّلَامُ أَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ وَكَذَلِكَ إذَا قُلْت : لَقِيته ذَاتَ يَوْمٍ أَيْ لِقَاءَةً أَوْ مَرّةً ذَاتَ يَوْمٍ فَمَا حُذِفَ الْمَوْصُوفُ وَبَقِيَتْ الصّفّةُ صَارَتْ كَالْحَالِ لَا تَتَمَكّنُ وَلَا تُرْفَعُ فِي بَابِ مَا لَمْ يُسَمّ فَاعِلُهُ كَمَا تُرْفَعُ الظّرُوفُ الْمُتَمَكّنَةُ وَإِنّمَا هُوَ كَقَوْلِك : سَيْرٌ عَلَيْهِ شَدِيدًا وَطَوِيلًا ، وَقَوْلُ الْخَثْعَمِيّ - وَاسْمُهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ [ مَدَرك ] : عَزَمْت عَلَى إقَامَةِ ذَاتَ صَبَاحٍ لَيْسَ هُوَ عِنْدِي مِنْ هَذَا الْبَابِ وَإِنْ كَانَ سِيبَوَيْهِ قَدْ جَعَلَهَا لُغَةً لِخَثْعَمٍ وَلَكِنّهُ عَلَى مَعْنَى إقَامَةِ يَوْمٍ وَكُلّ يَوْمٍ هُوَ ذُو صَبَاحٍ كَمَا تَقُولُ مَا كَلّمَنِي ذُو شَفَةٍ أَيْ مُتَكَلّمٌ وَمَا مَرَرْت بِذِي نَفْسٍ [ ص 132 ] قَيْلَةَ بِنْتِ مَخْرَمَةَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ طَوِيلٌ وَقَعَ فِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ : أَنّ أُخْتَهَا قَالَتْ لِبَعْلِهَا : إنّ أُخْتِي تُرِيدُ الْمَسِيرَ مَعَ زَوْجِهَا حُرَيْثِ بْنِ حَسّانَ ذَا صَبَاحٍ بَيْنَ سَمْعِ الْأَرْضِ وَبَصَرِهَا ، فَهَذَا يَكُونُ مِنْ بَابِ ذَاتِ مَرّةٍ وَذَاتِ يَوْمٍ غَيْرَ أَنّهُ وَرَدَ مُذَكّرًا ؛ لِأَنّهُ تَشْتَغِلُ تَاءُ التّأْنِيثِ مَعَ الصّادِ وَتَوَالِي الْحَرَكَاتِ فَحَذَفُوهَا ، فَقَالُوا : لَقِيته ذَا صَبَاحٍ وَهَذَا لَا يَتَمَكّنُ كَمَا لَا يَتَمَكّنُ ذَاتُ يَوْمٍ وَذَاتُ حِينٍ وَلَا يُضَافُ إلَيْهِ مَصْدَرٌ وَلَا غَيْرُهُ . وَقَوْلُ الْخَثْعَمِيّ عَزَمْت عَلَى إقَامَةِ ذِي صَبَاحٍ قَدْ أَضَافَ إلَيْهِ فَكَيْفَ يُضِيفُ إلَيْهِ ثُمّ يَنْصِبُهُ أَوْ كَيْفَ يُضَارِعُ الْحَالَ مَعَ إضَافَةِ الْمَصْدَرِ إلَيْهِ ؟ فَكَذَلِكَ خَفْضُهُ وَأَخْرَجَهُ عَنْ نَظَائِرِهِ إلّا أَنْ يَكُونَ سِيبَوَيْهِ سَمِعَ خَثْعَمَ يَقُولُونَ سِرْت فِي ذَاتِ يَوْمٍ أَوْ سِيَر عَلَيْهِ ذَاتُ يَوْمٍ بِرَفْعِ التّاءِ فَحِينَئِذٍ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَقُولَ لُغَةُ خَثْعَمَ ، وَأَمّا الْبَيْتُ الّذِي تَقَدّمَ فَالشّاهِدُ لَهُ فِيهِ وَمَا أَظُنّ خَثْعَمَ ، وَلَا أَحَدًا مِنْ الْعَرَبِ يُجِيزُ التّمَكّنَ فِي نَحْوِ هَذَا ، وَإِخْرَاجِهِ عَنْ النّصْبِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . لَا الّتِي لِلتّبْرِئَةِ فَصْلٌ وَفِيهِ وَلَا خَيْرَ مِمّنْ خَصّهُ اللّهُ بِالْحُبّ
وَهُوَ مُشْكِلٌ جِدّا لِأَنّ لَا فِي بَابِ التّبْرِئَةِ لَا تَنْصِبُ مِثْلَ هَذَا إلّا مُنَوّنًا تَقُولُ لَا خَيْرًا مِنْ زَيْدٍ فِي الدّارِ وَلَا شَرّا مِنْ فُلَانٍ وَإِنّمَا تَنْصِبُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ إذَا كَانَ الِاسْمُ غَيْرَ مَوْصُولٍ بِمَا بَعْدَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ } [ يُوسُفُ 92 ] . لِأَنّ عَلَيْكُمْ لَيْسَ مِنْ صِلَةِ التّثْرِيبِ لِأَنّهُ فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ ، وَأَشْبَهَ مَا يُقَالُ فِي بَيْتِ أَبِي طَالِبٍ أَنّ خَيْرًا مُخَفّفٌ مِنْ خَيْرِ كَهَيْنِ وَمَيْت [ مِنْ هَيّنٍ وَمَيّتٍ ] وَفِي التّنْزِيلِ { خَيْرَاتٌ حِسَانٌ } [ الرّحْمَنُ 70 ] هُوَ مُخَفّفٌ مِنْ خَيْرَاتٍ . عَوْدٌ إلَى شَرْحِ شِعْرِ أَبِي طَالِبٍ وَقَوْلُهُ مِمّنْ . مَنْ مُتَعَلّقَةٌ بِمَحْذُوفِ كَأَنّهُ قَالَ لَا خَيْرَ أَخْيَرُ مِمّنْ خَصّهُ اللّهُ وَخَيْرٌ وَأَخْيَرُ لَفْظَانِ مِنْ جَنْسٍ وَاحِدٍ فَحَسُنَ الْحَذْفُ اسْتِثْقَالًا لِتَكْرَارِ اللّفْظِ كَمَا حَسُنَ { وَلَكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ } [ الْبَقَرَةُ 177 ] . و { الْحَجّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ } [ الْبَقَرَةُ 197 ] لِمَا فِي تَكْرَارِ الْكَلِمَةِ مَرّتَيْنِ مِنْ الثّقَلِ عَلَى اللّسَانِ وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا قَوْلُ اللّهِ تَعَالَى : { وَلَوْ يُعَجّلُ اللّهُ لِلنّاسِ الشّرّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ } [ يُونُسُ 11 ] أَيْ لَوْ عَجّلَهُ لَهُمْ إذَا اسْتَعْجَلُوا بِهِ اسْتِعْجَالًا مِثْلَ اسْتِعْجَالِهِمْ بِالْخَيْرِ فَحَسُنَ هَذَا الْكَلَامُ لِمَا فِي الْكَلَامِ مِنْ ثِقَلِ التّكْرَارِ وَإِذَا حَذَفُوا حَرْفًا وَاحِدًا لِهَذِهِ الْعِلّةِ كَقَوْلِهِمْ بَلّحَرث بَنُونَ فُلَانٍ وَظَلِلْت وَأُحِشّتْ فَأَحْرَى أَنْ يَحْذِفُوا كَلِمَةَ مِنْ [ ص 133 ] يَكُونَ حَذْفُ التّنْوِينِ مُرَاعَاةً لِأَصْلِ الْكَلِمَةِ لِأَنّ خَيْرًا مِنْ زَيْدٍ إنّمَا مَعْنَاهُ أَخْيَرُ مِنْ زَيْدٍ وَكَذَلِكَ شَرّ مِنْ فُلَانٍ إنّمَا أَصْلُهُ أَشَرّ عَلَى وَزْنِ أَفْعَلَ وَحُذِفَتْ الْهَمْزَةُ تَخْفِيفًا ، وَأَفْعَلُ لَا يَنْصَرِفُ فَإِذَا انْحَذَفَتْ الْهَمْزَةُ انْصَرَفَ وَنُوّنَ فَإِذَا تَوَهّمْتهَا غَيْرَ سَاقِطَةٍ الْتِفَاتًا إلَى أَصْلِ الْكَلِمَةِ لَمْ يَبْعُدْ حَذْفُ التّنْوِينِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَعَ مَا يُقَوّيهِ مِنْ ضَرُورَةِ الشّعْرِ . وَقَوْلُهُ بِالّقُسَاسِيّةِ الشّهُبِ يَعْنِي : السّيُوفَ نَسَبَهَا إلَى قُسَاس ، وَهُوَ مَعْدِنٌ حَدِيدٌ لِبَنِي أَسَدٍ ، وَقِيلَ اسْمٌ لِلْجَبَلِ الّذِي فِيهِ الْمَعْدِنُ قَالَ الرّاجِزُ يَصِفُ فَأْسًا :
أَحْضِرْ مِنْ مَعْدِنِ ذِي قُسَاس ... كَأَنّهُ فِي الْحَيْدِ ذِي الْأَضْرَاسِ
يُرْمَى بِهِ فِي الْبَلَدِ الدّهَاسِ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْقُسَاسِيّة : لَا أَدْرِي إلَى أَيّ شَيْءٍ نُسِبَ وَاَلّذِي ذَكَرْنَاهُ قَالَهُ الْمُبَرّدُ وَقَوْلُهُ ذِي قُسَاس كَمَا حَكَى ، ذُو زَيْدٍ أَيْ صَاحِبُ هَذَا الِاسْمِ وَفِي أَقْيَالِ حِمْيَرَ : ذُو كَلَاعٍ وَذُو عَمْرٍو ، أُضِيفَ الْمُسَمّى إلَى اسْمِهِ كَمَا قَالُوا : زَيْدُ بَطّةَ أَضَافُوهُ إلَى لَقَبِهِ . وَذُكِرَ فِيهِ النّسُورِ الطّخْمَة ، قِيلَ هِيَ السّودُ الرّءُوسُ قَالَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَقَالَ أَيْضًا : الطّخْمَة سَوَادٌ فِي مُقَدّمِ الْأَنْفِ . وَقَوْلُهُ كَرَاغِيَةِ السّقْبِ يُرِيدُ وَلَد النّاقَةِ الّتِي عُقْرُهَا قُدَار ، فَرَغَا وَلَدُهَا ، فَصَاحَ بِرُغَائِهِ كُلّ شَيْءٍ لَهُ صَوْتٌ فَهَلَكَتْ ثَمُودُ عِنْدَ ذَلِكَ فَضَرَبَتْ الْعَرَبُ ذَلِكَ مَثَلًا فِي كُلّ هَلَكَةٍ . كَمَا قَالَ عَلْقَمَةُ [ بْنُ عَبْدَةَ ] :
رَغَا فَوْقَهُمْ سَقْبُ السّمَاءِ فَدَاحِصٌ ... بِشِكّتِهِ لَمْ يُسْتَلَبْ وَسَلِيبُ
[ ص 134 ] وَقَالَ آخَرُ
لَعَمْرِي لَقَدْ لَاقَتْ سُلَيْمٌ وَعَامِرٌ ... عَلَى جَانِبِ الثّرْثَارِ رَاغِيَةَ الْبِكْرِ
مَا لَقِيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ قَوْمِهِ
فَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ حِينَ مَنَعَهُ اللّهُ مِنْهَا ، وَقَامَ عَمّهُ وَقَوْمُهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيّ الْمُطّلِبِ دُونَهُ وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا أَرَادُوا مِنْ الْبَطْشِ بِهِ يَهْمِزُونَهُ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وَيُخَاصِمُونَهُ وَجَعَلَ الْقُرْآنَ يَنْزِلُ فِي قُرَيْشٍ بِأَحْدَاثِهِمْ وَفِيمَنْ نُصّبَ لِعَدَاوَتِهِ مِنْهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ سُمّيَ لَنَا
أَبُو لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ
[ ص 135 ] نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ فِي عَامّةِ مَنْ ذَكَرَ اللّهُ مِنْ الْكُفّارِ فَكَانَ مِمّنْ سُمّيَ لَنَا مِنْ قُرَيْشٍ مِمّنْ نَزَلَ فِيهِ الْقُرْآنُ عَمّهُ أَبُو لَهَبِ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَامْرَأَتُهُ أُمّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيّةَ حَمّالَةَ الْحَطْبِ وَإِنّمَا سَمّاهَا اللّهُ تَعَالَى حَمَالَةَ الْحَطْبِ ؟ لِأَنّهَا كَانَتْ - فِيمَا بَلَغَنِي - تَحْمِلُ الشّوْكَ فَتَطْرَحُهُ عَلَى طَرِيقِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حَيْثُ يَمُرّ ، فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِمَا : تَبّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ } قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : الْجِيدُ الْعُنُقُ . قَالَ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ
يَوْمَ تُبْدِي لَنَا قَتِيلَةٌ عَنْ جيـ ... وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ . وَجَمْعُهُ أَجْيَادٌ . وَالْمَسَدُ شَجَرٌ يُدَقّ كَمَا يُدَقّ الْكَتّانُ فَتُفْتَلُ مِنْهُ حِبَالٌ . قَالَ النّابِغَةُ الذّبْيَانِيّ - وَاسْمُهُ زِيَادُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ
مَقْذُوفَةٍ بِدَخِيسِ النّحْضِ بَازِلُهَا ... لَهُ صَرِيفٌ صَرِيفَ الْقَعْوِ بِالْمَسَدِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ وَوَاحِدَتُهُ مَسَدَةٌ [ ص 136 ] [ ص 137 ] [ ص 138 ] [ ص 139 ]
Sذِكْرُ أُمّ جَمِيلٍ وَالْمَسَدِ وَعَذَابِهَا
[ ص 135 ] وَذَكَرَ أُمّ جَمِيلٍ بِنْتَ حَرْبٍ عَمّةَ مُعَاوِيَةَ وَذَكَرَ أَنّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ الشّوْكَ وَتَطْرَحُهُ فِي طَرِيقِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَأَنْزَلَ اللّهُ فِيهَا : { وَامْرَأَتُهُ حَمّالَةَ الْحَطَبِ } قَالَ الْمُؤَلّفُ فَلَمّا كَنّى عَنْ ذَلِكَ الشّوْكِ بِالْحَطَبِ وَالْحَطَبُ لَا يَكُونُ إلّا فِي حَبْلٍ مِنْ ثُمّ جَعَلَ الْحَبْلَ فِي عُنُقِهَا ، لِيُقَابِلَ الْجَزَاءُ الْفِعْلَ . وَقَوْلُهُ مِنْ مَسَدٍ هُوَ مِنْ مَسَدْت الْحَبْلَ إذَا أَحَكَمْت فَتْلَهُ إلّا أَنّهُ قَالَ مِنْ مَسَدٍ وَلَمْ يَقُلْ حَبْلُ مَسَدٍ وَلَا مَمْسُودٍ لِمَعْنَى لَطِيفٍ ذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ التّفْسِيرِ قَالَ الْمَسَدُ يُعَبّر بِهِ فِي الْعُرْفِ عَنْ حَبْلِ الدّلْوِ وَقَدْ رُوِيَ أَنّهُ يُصْنَعُ بِهَا فِي النّارِ مَا يُصْنَعُ بِالدّلْوِ تُرْفَعُ بِالْمَسَدِ فِي عُنُقِهَا إلَى شَفِيرِ جَهَنّمَ ثُمّ يُرْمَى بِهَا إلَى قَعْرِهَا هَكَذَا أَبَدًا ، وَقَوْلُهُمْ أَنّ الْمَسَدَ هُوَ حَبْلُ الدّلْوِ فِي الْعُرْفِ صَحِيحٌ فَإِنّا لَمْ نَجِدْهُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إلّا كَذَلِكَ كَقَوْلِ [ النّابِغَةِ ] الذّبْيَانِي : لَهُ صَرِيفٌ صَرِيفَ الْقَعْوِ بِالْمَسَدِ
[ ص 136 ] وَقَالَ الْآخَرُ وَهُوَ يَسْتَقِي عَلَى إبِلِهِ
يَا مَسَدَ الْخُوصِ تَعَوّذْ مِنّي ... إنْ تَكُ لَدْنًا لَيّنًا فَإِنّي
مَا شِئْت مِنْ أَشْمَطَ مَقْسَئِنّ
وَقَالَ آخَرُ
يَا رَبّ عَبْسٍ لَا تُبَارِكْ فِي أَحَدْ ... فِي قَائِمٍ مِنْهُمْ وَلَا فِيمَنْ قَعَدْ
غَيْرَ الْأُولَى شِدّوا بِأَطْرَافِ الْمَسَدْ أَيْ اسْتَقَوْا ، وَقَالَ آخَرُ وَهُوَ يَسْتَقِي :
وَمَسَدٍ أُمِرّ مِنْ أَيَانِقِ ... لَيْسَ بِأَنْيَابِ وَلَا حَقَائِقِ
يُرِيدُ جَمْعَ أَيْنُقٍ وَأَيْنُقٌ جَمْعُ نَاقَةٍ مَقْلُوبٌ وَأَصْلُهُ أَنْوُقٌ فَقُلِبَ وَأُبْدِلَتْ الْوَاوُ يَاءً لِأَنّهَا قَدْ أُبْدِلَتْ يَاءً لِلْكِسْرَةِ إذَا قَالُوا : نِيَاقٌ وَقَلَبُوهُ فِرَارًا مِنْ اجْتِمَاعِ هَمْزَتَيْنِ لَوْ قَالُوا : أَنْوُقٌ عَلَى الْأَصْلِ يُرِيدُ أَنّ الْمَسَدَ مِنْ جُلُودِهَا . وَفِي الْحَدِيثِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ فِي الْمَدِينَةِ : قَدْ حَرّمْتهَا إلّا لِعُصْفُورِ قَتَبٍ أَوْ مَسَدٍ مَحَالَةُ وَالْمَحَالَةُ الْبَكَرَةُ . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنّهُ حَرّمَهَا بَرِيدًا فِي بَرِيدٍ إلّا الْمِنْجَدَةَ أَوْ مَسَدَ وَالْمِنْجَدَةُ عَصَا الرّاعِي . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي النّبَاتِ كُلّ مَسَدٍ رِشَاءٌ وَأَنْشَدَ
وَبَكْرَةً وَمِحْوَرًا صَرّارَا ... وَمَسَدًا مِنْ أَبَقٍ مُغَارَا
وَالْأَبَقُ الْقِنّبُ وَالزّبْرُ الْكَتّانُ وَأَنْشَدَ أَيْضًا :
أَنَزَعُهَا تَمَطّيًا وَمَثّا ... بِالْمَسَدِ الْمَثْلُوثِ أَوْ يَرْمِثَا
فَقَدْ بَانَ لَك بِهَذَا أَنّ الْمَسَدَ حَبْلُ الْبِئْرِ وَقَدْ جَاءَ فِي صِفَةِ جَهَنّمَ - أَعَاذَنَا اللّهُ مِنْهَا - أَنّهَا كَطَيّ الْبِئْرِ لَهَا قَرْنَانِ وَالْقَرْنَانِ مِنْ الْبِئْرِ كَالدّعَامَتَيْنِ لِلْبَكَرَةِ فَقَدْ بَانَ لَك بِهَذَا كُلّهِ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ التّفْسِيرِ مِنْ صِفَةِ عَذَابِهَا أَعَاذَنَا اللّهُ مِنْ عَذَابِهِ وَأَلِيمِ عِقَابِهِ وَبِهَذَا تُنَاسِبُ الْكَلَامَ وَكَثُرَتْ مَعَانِيهِ وَتَنَزّهَ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِيهِ حَشْوٌ أَوْ لَغْوٌ - تَعَالَى اللّهُ مَنْزِلُهُ فَإِنّهُ كِتَابٌ عَزِيزٌ . [ ص 137 ] مُجَاهِدٍ : إنّهَا السّلْسِلَةُ الّتِي ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا لَا يَنْفِي مَا تَقَدّمَ إذْ يَجُوزُ أَنْ يَرْبِقَ فِي تِلْكَ السّلْسِلَةِ أُمّ جَمِيلٍ وَغَيْرَهَا ، فَقَدْ قَالَ أَبُو الدّرْدَاءِ لِامْرَأَتِهِ يَا أُمّ الدّرْدَاءِ إنّ لِلّهِ سِلْسِلَةٌ تَغْلِي بِهَا مَرَاجِلُ جَهَنّمَ مُنْذُ خَلَقَ اللّهُ النّارَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَدْ نَجَاك مِنْ نِصْفِهَا بِالْإِيمَانِ بِاَللّهِ فَاجْتَهِدِي فِي النّجَاةِ مِنْ النّصْفِ الْآخَرِ بِالْحَضّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ : إنّهَا كَانَتْ تَمْشِي بِالنّمَائِمِ لَا يَنْفِي حَمْلَهَا الشّوْكَ وَهُوَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ سَائِغٌ أَيْضًا ، فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْأَسْلَتِ لِقُرَيْشِ حِينَ اخْتَلَفُو ا :
وَنُبّئْتُكُمْ شَرْجَيْنِ كُلّ قَبِيلَةٍ ... لَهَا زُمّلٌ مِنْ بَيْنِ مُذْكٍ وَحَاطِبٍ
فَالْمُذَكّي الّذِي يُذَكّي نَارَ الْعَدَاوَةِ وَالْحَاطِبُ الّذِي يَنُمّ وَيُغْرِي كَالْمُحْتَطَبِ النّارَ وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى ، وَكَأَنّهُ مُنْتَزَعٌ مِنْهُ قَوْلُ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - لَا يَدْخُلُ الْجَنّةَ قَتّاتٌ وَالْقَتّاتُ هُوَ الّذِي يَجْمَعُ الْقَتّ وَهُوَ مَا يُوقَدُ بِهِ النّارُ مِنْ حَشِيشٍ وَحَطَبٍ صِغَارٍ . عَنْ الْجِيدِ وَالْعُنُقِ وَقَوْلُهُ فِي جِيدِهَا ، وَلَمْ يَقُلْ فِي عُنُقِهَا ، وَالْمَعْرُوفُ أَنْ يُذْكَرَ الْعُنُقَ إذَا ذُكِرَ الْغُلّ ، أَوْ الصّفْعُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : إنّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا [ يس : 8 ] وَيُذْكَرُ الْجِيدُ إذَا ذُكِرَ الْحُلِيّ أَوْ الْحُسْنُ فَإِنّمَا حَسُنَ هَهُنَا ذِكْرُ الْجِيدِ فِي حُكْمِ الْبَلَاغَةِ لِأَنّهَا امْرَأَةٌ وَالنّسَاءُ تُحَلّي أَجِيَادَهُنّ وَأُمّ جَمِيلٍ لَا حُلِيّ لَهَا فِي الْآخِرَةِ إلّا الْحَبْلُ الْمَجْعُولُ فِي عُنُقِهَا ، فَلَمّا أُقِيمَ لَهَا ذَلِكَ مَقَامَ الْحُلِيّ ذُكِرَ الْجِيدَ مَعَهُ فَتَأَمّلْهُ فَإِنّهُ مَعْنًى لَطِيفٌ أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ الْأَعْشَى : يَوْم تُبْدِي لَنَا قُتَيْلَة عَنْ جِيدٍ
وَلَمْ يَقُلْ عَنْ عُنُقٍ يَقُولُ الْآخَرُ وَأَحْسَنُ مِنْ عُقَدِ الْمَلِيحَةِ جِيدُهَا
و قَالَهُ لَكَانَ غَثّا مِنْ الْكَلَامِ فَإِنّمَا يَحْسُنُ ذِكْرُ الْجِيدِ حَيْثُ قُلْنَا ، [ ص 138 ] { فَبَشّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آلُ عِمْرَانَ : 21 ] أَيْ لَا بُشْرَى لَهُمْ إلّا ذَلِكَ وَقَوْلُ الشّاعِرِ [ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ ] :
[ وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْت لَهَا بِخَيْلِ ] ... تَحِيّةُ بَيْنِهِمْ كَرْبٌ وَجِيعُ
أَ يْ لَا تَحِيّةَ لَهُمْ . كَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ أَيْ لَيْسَ ثُمّ جِيدٌ يُحَلّى ، إنّمَا هُوَ حَبْلُ الْمَسَدِ وَانْظُرْ كَيْفَ قَالَ وَامْرَأَتُهُ وَلَمْ يَقُلْ وَزَوْجُهُ لِأَنّهَا لَيْسَتْ بِزَوْجِ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَلِأَنّ التّزْوِيجَ حِلْيَةٌ شَرْعِيّةٌ وَهُوَ مِنْ أَمْرِ الدّينِ يُجَرّدُهَا مِنْ هَذِهِ الصّفّةِ كَمَا جَرّدَ مِنْهَا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ ، فَلَمْ يَقُلْ زَوْجَ نُوحٍ وَقَدْ قَالَ لِآدَمَ { اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ } [ الْبَقَرَةُ 35 ] وَقَالَ لِنَبِيّهِ عَلَيْهِ السّلَامُ { قُلْ لِأَزْوَاجِكَ } وَقَالَ وَأَزْوَاجُهُ أُمّهَاتُهُمْ إلّا أَنْ يَكُونَ مُسَاقَ الْكَلَامِ فِي ذِكْرِ الْوِلَادَةِ وَالْحَمْلِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ لَفْظُ الْمَرْأَةِ لَائِقًا بِذَلِكَ الْمَوْطِنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا } [ مَرْيَمُ : 5 - 8 ] ، { فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرّةٍ } [ الذّارِيَاتُ 29 ] لِأَنّ الصّفَةَ الّتِي هِيَ الْأُنُوثَةُ هِيَ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْحَمْلِ وَالْوَضْعِ لَا مِنْ حَيْثُ كَانَ زَوْجًا . غُلُوّ فِي الْوَصْفِ بِالْحُسْنِ فَصْلٌ وَأَنْشَدَ شَاهِدًا عَلَى الْجِيدِ قَوْلَ الْأَعْشَى :
يَوْمَ تُبْدِي لَنَا قُتَيْلَة عَنْ ... جِيدِ أَسِيلٍ تَزْيِنُهُ الْأَطْوَاقُ
وَقَوْلُهُ تَزْيِنُهُ أَيْ تَزِيدُهُ حَسَنًا ، وَهَذَا مِنْ الْقَصْدِ فِي الْكَلَامِ وَقَدْ أَبَى الْمُوَلّدُونَ إلّا الْغُلُوّ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَأَنْ يَغْلِبُوهُ فَقَالَ فِي الْحَمَاسَةِ حُسَيْنُ بْنُ مُطَيْرٍ [ الْأَسَدِيّ ] :
مُبَلّلَةُ الْأَطْرَافِ زَانَتْ عُقُودُهَا ... بِأَحْسَنَ مِمّا زِينَتُهَا عُقُودُهَا
وَقَالَ خَالِدٌ الْقَسْرِيّ لِعُمَرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَنْ تَكُنْ الْخِلَافَةُ زِينَتُهُ فَأَنْتَ زِينَتُهَا ، وَمَنْ تَكُنْ شَرّفْته ، فَأَنْتَ شَرّفْتهَا ، وَأَنْتَ كَمَا قَالَ [ مَالِكُ ابْنُ أَسَمَاءَ ] :
وَتَزِيدِينَ أَطْيَبَ الطّيبِ طِيبًا ... إنّ تَمَسّيهِ أَيْنَ مِثْلُك أَيْنَا
وَإِذَا الدّرّ زَانٍ حُسْنَ وُجُوهٍ ... كَانَ لِلدّرّ حَسَنُ وَجْهِك زَيْنَا
[ ص 139 ] فَقَالَ عُمَرُ إنّ صَاحِبَكُمْ أَعْطَى مَقُولًا ، وَلَمْ يُعْطِ مَعْقُولًا ، قَالَ الْمُؤَلّفُ وَإِنّمَا لَمْ يَحْسُنْ هَذَا مِنْ خَالِدٍ لَمّا قَصَدَ بِهِ التّمَلّقَ . وَإِلّا فَقَدْ صَدَرَ مِثْلُ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ الصّدّيقِ فَحَسُنَ لِمَا عَضّدَهُ مِنْ التّحْقِيقِ وَالتّحَرّي لِلْحَقّ وَالْبَعْدِ عَنْ الْمَلَقِ وَالْخِلَابَةِ وَذَلِكَ حِينَ عَهِدَ إلَى عُمَرَ بِالْخِلَافَةِ وَدَفَعَ إلَيْهِ عَهْدَهُ مَخْتُومًا ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَا فِيهِ فَلَمّا عَرَفَ مَا فِيهِ رَجَعَ إلَيْهِ حَزِينًا كَهَيْئَةِ الثّكْلَى : يَقُولُ حَمّلْتنِي عِبْئًا أَلّا أَضْطَلِعُ بِهِ وَأَوْرَدْتنِي مَوْرِدًا لَا أَدْرِي : كَيْفَ الصّدْرُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ الصّدّيقُ مَا آثَرْتُك بِهَا ، وَلَكِنّي آثَرْتهَا بِك ، وَمَا قَصَدْت مُسَاءَتَك ، وَلَكِنْ رَجَوْت إدْخَالَ السّرُورِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِك ، وَمِنْ هَاهُنَا أَخَذَ الْحُطَيْئَة قَوْلُهُ
مَا آثَرُوك بِهَا إذْ قَدّمُوك لَهَا ... لَكِنْ لِأَنْفُسِهِمْ كَانَتْ بِهَا الْإِثْرُ
وَقَدْ سَبَكَ هَذَا الْمَعْنَى فِي النّسِيبِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبّاسٍ الرّومِيّ ، فَقَالَ
وَأَحْسَنُ مِنْ عِقْدِ الْمَلِيحَةِ جِيدُهَا ... وَأَحْسَنُ مِنْ سِرْبَالِهَا الْمُتَجَرّدُ
وَمِمّا هُوَ دُونَ الْغُلُوّ وَفَوْقَ التّقْصِيرِ قَوْلُ الرّضِيّ
حَلْيُهُ جِيدُهُ لَا مَا يُقَلّدُهُ ... وَكُحْلُهُ مَا بِعَيْنَيْهِ مِنْ الْكُحْلِ
وَنَحْوٌ مِنْهُ مَا أَنْشَدَهُ الثّعَالِبِيّ :
وَمَا الْحَلْيُ إلّا حِيلَةٌ مِنْ نَقِيصَةٍ ... يُتَمّمُ مِنْ حُسْنٍ إذَا الْحُسْنُ قَصّرَا
فَأَمّا إذَا كَانَ الْجَمَالُ مُوَفّرًا ... فَحَسْبُك لَمْ يَحْتَجْ إلَى أَنْ يُزَوّرَا
وَسَمِعْت الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ مُحَمّدَ بْنَ الْعَرَبِيّ يَقُولُ حَجّ أَبُو الْفَضْلِ الْجَوْهَرِيّ الزّاهِدُ ذَاتَ مَرّةٍ فَلَمّا أَشْرَفَ عَلَى الْكَعْبَةِ ، وَرَأَى مَا عَلَيْهَا مِنْ الدّيبَاجِ تَمَثّلَ وَقَالَ
مَا عَلّقَ الْحُلِيّ عَلَى صَدْرِهَا ... إلّا لِمَا يُخْشَى مِنْ الْعَيْنِ
تَقُولُ وَالدّرّ عَلَى نَحْرِهَا ... مَنْ عَلّقَ الشّيْن عَلَى الزّيْنِ
وَبَيْتُ الْأَعْشَى الْمُتَقَدّمُ بَعْدَهُ
وَشَتِيتٍ كَالْأُقْحُوَانِ جَلّاهُ ... الطّلّ فِيهِ عُذُوبَةٌ وَاتّسَاقُ
وَأَثِيثٍ جَثْلِ النّبَاتِ تَرْوِي ... ه لَعُوبٌ غَرِيرَةٌ مِفْتَاقُ
حُرّةٌ طِفْلَةُ الْأَنَامِلِ كَالدّمْ ... لَا عَانِسٌ وَلَا مِهْزَاقُ
[ ص 140 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَذَكَرَ لِي : أَنّ أُمّ جَمِيلٍ حَمَالَةَ الْحَطَبِ حِينَ سَمِعَتْ مَا نَزَلَ فِيهَا ، وَفِي زَوْجِهَا مِنْ الْقُرْآنِ أَتَتْ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ، وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ مِنْ حِجَارَةٍ فَلَمّا وَقَفَتْ عَلَيْهِمَا أَخَذَ اللّهُ بِبَصَرِهَا عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَا تَرَى إلّا أَبَا بَكْرٍ فَقَالَتْ يَا أَبَا بَكْرٍ أَيْنَ صَاحِبُك ، فَقَدْ بَلَغَنِي أَنّهُ يَهْجُونِي ؟ وَاَللّهِ لَوْ وَجَدْته لَضَرَبْت بِهَذَا الْفِهْرِ فَاهُ أَمَا وَاَللّهِ إنّي لَشَاعِرَةٌ ثُمّ قَالَتْ
مُذَمّمًا عَصَيْنَا ... وَأَمْرَهُ أَبَيْنَا
وَدِينَهُ قَلَيْنَا
ثُمّ انْصَرَفْت ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللّهِ أَمَا تَرَاهَا رَأَتْك ؟ فَقَالَ مَا رَأَتْنِي ، لَقَدْ أَخَذَ اللّهُ بِبَصَرِهَا عَنّي قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : قَوْلُهَا : " وَدِينَهُ قَلَيْنَا " عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَتْ قُرَيْشٌ إنّمَا تُسَمّي رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مُذَمّمًا ، ثُمّ يَسُبّونَهُ فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ أَلَا تَعْجَبُونَ لِمَا يَصْرِفُ اللّهُ عَنّي مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ ، يَسُبّونَ وَيَهْجُونَ مُذَمّمًا ، وَأَنَا مُحَمّدٌ
Sالْفِهْرُ [ ص 140 ] وَذَكَرَ قَوْلَ أُمّ جَمِيلٍ لِأَبِي بَكْرٍ لَوْ وَجَدْت صَاحِبَك لَشَدَخْت رَأْسَهُ بِهَذَا الْفِهْرِ . الْمَعْرُوفُ فِي الْفِهْرِ التّأْنِيثُ وَتَصْغِيرُهُ فُهَيْرَةُ وَوَقَعَ هَاهُنَا مُذّكّرًا . حَوْلَ قَوْلِهِمْ مُذَمّمٌ وَحَدِيثُ خَبّابٍ وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَلَا تَرَوْنَ إلَى مَا يَدْفَعُ اللّهُ عَنّي مِنْ أَذَى قُرَيْشٍ ، يَشْتُمُونَ وَيَهْجُونَ مُذَمّمًا وَأَنَا مُحَمّدٌ " ؟ وَأَدْخَلَ النّسَوِيّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الطّلَاقِ فِي بَابِ " مَنْ طَلّقَ بِكَلَامِ لَا يُشْبِهُ الطّلَاقَ فَإِنّهُ غَيْرُ لَازِمٍ " وَهُوَ فِقْهٌ حَسَنٌ لِقَوْلِ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَلَا تَرَوْنَ إلَى مَا يَدْفَعُ اللّهُ عَنّي فَجَعَلَ أَذَاهُمْ مَصْرُوفًا عَنْهُ لِمَا سَبّوا مُذَمّمًا ، وَمُذَمّمًا لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا لَهُ فَكَذَلِكَ إذَا قَالَ لَهَا : كُلِي وَاشْرَبِي ، وَأَرَادَ بِهِ الطّلَاقَ لَمْ يَلْزَمْهُ وَكَانَ مَصْرُوفًا عَنْهُ لِأَنّ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ لَا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَبّارَةً عَنْ الطّلَاقِ .
إيذَاءُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ لِلرّسُولِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
[ ص 141 ] وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ جُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ كَانَ إذَا رَأَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَمَزَهُ وَلَمَزَهُ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِ { وَيْلٌ لِكُلّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ الّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدّدَهُ يَحْسَبُ أَنّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ كَلّا لَيُنْبَذَنّ فِي الْحُطَمَةِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ نَارُ اللّهِ الْمُوقَدَةُ الّتِي تَطّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ إِنّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدّدَةٍ } . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : الْهُمَزَةُ الّذِي يَشْتِمُ الرّجُلَ عَلَانِيَةً وَيَكْسِرُ عَيْنَيْهِ عَلَيْهِ وَيَغْمِزُ بِهِ . قَالَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ :
هَمَزْتُك فَاخْتَضَعْت لِذُلّ نَفْسٍ ... بِقَافِيَةِ تَأَجّجُ كَالشّوَاظِ
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ . وَجَمْعُهُ هَمَزَاتٌ . وَاللّمَزَةُ الّذِي يَعِيبُ النّاسَ سِرّا وَيُؤْذِيهِمْ . قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجّاجِ : فِي ظِلّ عَصْرِي بَاطِلِي وَلَمْزِي
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ وَجَمْعُهُ لَمَزَاتٌ . إيذَاءُ الْعَاصِ لِلرّسُولِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السّهْمِيّ ، كَانَ خَبّابُ بْنُ الْأَرَتّ ، صَاحِبَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَيْنًا بِمَكّةَ يَعْمَلُ السّيُوفَ وَكَانَ قَدْ بَاعَ مِنْ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ سُيُوفًا عَمِلَهَا لَهُ حَتّى كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مَالٌ فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ فَقَالَ لَهُ يَا خَبّابُ أَلَيْسَ يَزْعُمُ مُحَمّدٌ صَاحِبُكُمْ هَذَا الّذِي أَنْتَ عَلَى دِينِهِ أَنّ فِي الْجَنّةِ مَا ابْتَغَى أَهْلُهَا مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضّةٍ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ خَدَمٍ ؟ قَالَ خَبّابٌ بَلَى . قَالَ فَأَنْظِرْنِي إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَا خَبّابُ حَتّى أَرْجِعَ إلَى تِلْكَ الدّارِ فَأَقْضِيك هُنَالِكَ حَقّك ، فَوَاَللّهِ لَا تَكُونُ أَنْتَ وَصَاحِبُك يَا خَبّابُ آثَرَ عِنْدَ اللّهِ مِنّي ، وَلَا أَعْظَمَ حَظّ فِي ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِ { أَفَرَأَيْتَ الّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنّ مَالًا وَوَلَدًا أَطّلَعَ الْغَيْبَ } إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا } [ هِيَ وَمَا قَبْلَهَا مِنْ سُورَةِ مَرْيَمَ : 77 - 80 ]
S[ ص 141 ] وَذَكَرَ حَدِيثَ خَبّابٍ مَعَ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ وَمَا أَنَزَلَ اللّهُ فِيهِ مِنْ قَوْلِهِ { أَفَرَأَيْتَ الّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا } وَقَدْ تَقَدّمَ الْكَلَامُ عَلَى : أَرَأَيْت ، وَأَنّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَلِيَهَا الِاسْتِفْهَامُ كَمَا يَلِي : عَلِمْت وَنَحْوَهَا ، وَهِيَ هَاهُنَا : عَامِلَةٌ فِي الّذِي كَفَرَ وَقَدْ قَدّمْنَا مِنْ الْقَوْلِ فِيهَا مَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ هَاهُنَا ، فَلْيُنْظَرْ فِي سُورَةِ اقْرَأْ وَحَدِيثِ نُزُولِهَا
إيذَاءُ أَبِي جَهْلٍ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
[ ص 142 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِيمَا بَلَغَنِي - فَقَالَ لَهُ وَاَللّهِ يَا مُحَمّدُ لَتَتْرُكَنّ سَبّ آلِهَتِنَا ، أَوْ لَنَسُبّنّ إلَهَك الّذِي تَعْبُدُ . فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِ { وَلَا تَسُبّوا الّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَسُبّوا اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } [ الْأَنْعَامُ 108 ] فَذَكَرَ لِي أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَفّ عَنْ سَبّ آلِهَتِهِمْ وَجَعَلَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللّهِ .
Sسَدّ الذّرَائِعِ
[ ص 142 ] وَذَكَرَ قَوْلَ أَبِي جَهْلٍ لَتَكُفّنّ عَنْ سَبّ آلِهَتِنَا أَوْ لَنَسُبّنّ إلَهَك ، فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى { وَلَا تَسُبّوا الّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَسُبّوا اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } [ الْأَنْعَامُ 108 ] الْآيَةَ . وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيّة ِ فِي إثْبَاتِ الذّرَائِعِ وَمُرَاعَاتِهَا فِي الْبُيُوعِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَذَلِكَ أَنّ سَبّ آلِهَتِهِمْ كَانَ مِنْ الدّينِ فَلَمّا كَانَ سَبَبًا إلَى سَبّهِمْ الْبَارِيَ - سُبْحَانَهُ - نَهَى عَنْ سَبّ آلِهَتِهِمْ فَكَذَلِكَ مَا يَخَافُ مِنْهُ الذّرِيعَةَ إلَى الرّبَا ، يَنْبَغِي الزّجْرُ عَنْهُ وَمِنْ الذّرَائِعِ مَا يَقْرُبُ مِنْ الْحَرَامِ وَمِنْهَا مَا يَبْعُدُ فَتَقَعُ الرّخْصَةُ وَالتّشْدِيدُ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ وَلَمْ يَجْعَلْ الشّافِعِيّ الذّرِيعَةَ إلَى الْحَرَامِ أَصْلًا ، وَلَا كَرِهَ شَيْئًا مِنْ الْبُيُوعِ الّتِي تُتّقَى فِيهَا الذّرِيعَةُ إلَى الرّبَا ، وَقَالَ تُهْمَةُ الْمُسْلِمِ وَسُوءُ الظّنّ بِهِ حَرَامٌ وَمِنْ حُجّتِهِمْ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ : إنّمَا الرّبَا عَلَى مَنْ قَصَدَ الرّبَا ، وَقَوْلُ النّبِيّ عَلَيْهِ السّلَامُ إنّمَا الْأَعْمَالُ بِالنّيّاتِ ، وَإِنّمَا لِكُلّ امْرِئِ مَا نَوَى فِيهِ أَيْضًا مُتَعَلّقٌ لَهُمْ وَقَالُوا : وَنَهْيُهُ تَعَالَى عَنْ سَبّ آلِهَتِهِمْ لِئَلّا يُسَبّ اللّهُ تَعَالَى لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ لِأَنّهُ لَا تُهْمَةَ فِيهِ لِمُؤْمِنِ وَلَا تَضْيِيقَ عَلَيْهِ وَكَمَا تُتّقَى الذّرِيعَةُ إلَى تَحْلِيلِ مَا حَرّمَ اللّهُ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُتّقَى تَحْرِيمُ مَا أَحَلّ اللّهُ فَكِلَا الطّرَفَيْنِ ذَمِيمٌ وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا ، وَالرّبَا مَعْلُومٌ فَمَا لَيْسَ مِنْ الرّبَا فَهُوَ مِنْ الْبَيْعِ وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلطّائِفَتَيْنِ وَالِاحْتِجَاجُ لِلْفَرِيقَيْنِ يَتّسِعُ مِجَالُهُ وَيَصُدّنَا عَنْ مَقْصُودِنَا مِنْ الْكِتَابِ .
إيذَاءُ النّضْرِ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
وَالنّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ كَلَدَةَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ ، [ ص 143 ] كَانَ إذَا جَلَسَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَجْلِسًا ، فَدَعَا فِيهِ إلَى اللّهِ تَعَالَى ، وَتَلَا فِيهِ الْقُرْآنَ وَحَذّرَ قُرَيْشًا مَا أَصَابَ الْأُمَمَ الْخَالِيَةَ خَلْفُهُ فِي مَجْلِسِهِ إذَا قَامَ فَحَدّثَهُمْ عَنْ رُسْتُم السّدِيدِ وَعَنْ إسفنديار ، وَمُلُوكِ فَارِسَ ، ثُمّ يَقُولُ وَاَللّهِ يَا مُحَمّدُ بِأَحْسَنَ حَدِيثًا مِنّي ، وَمَا حَدِيثُهُ إلّا أَسَاطِيرُ الْأَوّلِينَ اكْتَتَبَهَا كَمَا اكْتَتَبَتْهَا . فَأَنْزَلَ اللّهُ فِيهِ { وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا قُلْ أَنْزَلَهُ الّذِي يَعْلَمُ السّرّ فِي السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } [ الْفُرْقَانُ : 5 ، 6 ] . وَنَزَلَ فِيهِ { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوّلِينَ } وَنَزَلَ فِيهِ { وَيْلٌ لِكُلّ أَفّاكٍ أَثِيمٍ يَسْمَعُ آيَاتِ اللّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمّ يُصِرّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الْجَاثِيَةُ 7 ، 8 ] . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : الْأَفّاكُ الْكَذّابُ . وَفِي كِتَابِ اللّهِ تَعَالَى : { أَلَا إِنّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللّهُ وَإِنّهُمْ لَكَاذِبُونَ } [ الصّافّاتُ 151 ، 152 ] . وَقَالَ رُؤْبَةُ لِامْرِئِ أَفّكَ قَوْلًا إفْكًا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أُرْجُوزَةٍ لَهُ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَجَلَسَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمًا - فِيمَا بَلَغَنِي - مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَجَاءَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ حَتّى جَلَسَ مَعَهُمْ فِي الْمَجْلِسِ وَفِي الْمَجْلِسِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَتَكَلّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَعَرَضَ لَهُ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ فَكَلّمَهُ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حَتّى أَفْحَمَهُ ثُمّ تَلَا عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ { إِنّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ حَصَبُ جَهَنّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلّ فِيهَا خَالِدُونَ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ } [ الْأَنْبِيَاءُ 98 - 100 ] . [ ص 144 ] ابْنُ هِشَامٍ : حَصَبُ جَهَنّمَ كُلّ مَا أُوقِدَتْ بِهِ . قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ الْهُذَلِيّ وَاسْمُهُ خُوَيْلِدُ بْنُ خَالِدٍ
فَأَطْفِئْ وَلَا تُوقِدْ وَلَا تَكُ مُحْصِبًا ... لِنَارِ الْعُدَاةِ أَنْ تَطِيرَ شَكَاتُهَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ . وَيُرْوَى : وَلَا تَكُ مِحْضَأ . قَالَ الشّاعِرُ
حَضَأْت لَهُ نَارِي فَأَبْصَرَ ضَوْأَهَا ... وَمَا كَانَ لَوْلَا حَضَأْةُ النّارَ يَهْتَدِي
Sعَنْ النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ وَرُسْتُم
فَصْلٌ حَدِيثُ النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ وَقَالَ فِي نَسَبَهُ كَلَدَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ وَغَيْرُهُ مِنْ النّسّابِ [ ص 143 ] حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ وَحَدِيثُ النّضْرِ أَنّهُ تَعَلّمَ أَخْبَارَ رُسْتُم وإسفندياز ، وَكَانَ يَقُولُ اكْتَتَبْتهَا كَمَا اكْتَتَبَهَا مُحَمّدٌ وَوَقَعَ فِي الْأَصْلِ اكْتَتَبَهَا كَمَا اكْتَتَبَهَا مُحَمّدٌ وَفِي الرّوَايَةِ الْأُخْرَى عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ اكْتَتَبْتهَا كَمَا اكْتَتَبَهَا ، وَرُسْتُم الشّيْد بِالْفَارِسِيّةِ مَعْنَاهُ ذُو الضّيَاءِ وَالْيَاءُ فِي الشّيْد وَالْأَلِفُ سَوَاءٌ وَمِنْهُ " أرفخشاذ " وَقَدْ تَقَدّمَ شَرْحُهُ وَمِنْهُ " جَمّ شَاذّ " ، وَهُوَ مِنْ أَوّلِ مُلُوكِ " الْأَرْضِ " وَهُوَ الّذِي قَتَلَهُ الضّحّاكُ " بيوراسب " ، ثُمّ عَاشَ إلَى مُدّةِ " أفريذون وَأَبِيهِ جَمّ " ، وَبَيْنَ " أفريذون " وَبَيْنَ " جَمّ " تِسْعَة آبَاءٍ وَقَالَ لَهُ حِينَ قَتَلَهُ مَا قَتَلْتُك بِجَمّ وَمَا أَنْتَ لَهُ بِكُفْءِ وَلَكِنْ قَتَلْتُك بِثَوْرِ كَانَ فِي دَارِهِ وَقَدْ تَقَدّمَ طَرَفٌ مِنْ أَخْبَارِ رُسْتُم وإسفندياز فِي الْجُزْءِ قَبْلَ هَذَا .
ابْنُ الزّبَعْرَى وَالْأَخْنَسِ وَمَا قِيلَ فِيهِمَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ قَامَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الزّبَعْرَى السّهْمِيّ حَتّى جَلَسَ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَعْرَى : وَاَللّهِ مَا قَامَ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ لَابْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ آنِفًا وَمَا قَعَدَ وَقَدْ زَعَمَ مُحَمّدٌ أَنّا وَمَا نَعْبُدُ مِنْ آلِهَتِنَا هَذِهِ حَصَبُ جَهَنّمَ فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الزّبَعْرَى : أَمَا وَاَللّهِ لَوْ وَجَدْته لَخَصَمْته ، فَسَلُوا مُحَمّدًا : أَكُلّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللّهِ فِي جَهَنّمَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ ؟ فَنَحْنُ نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ وَالْيَهُودَ تَعْبُدُ عُزَيْرًا وَالنّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَيْهِمَا السّلَامُ فَعَجِبَ الْوَلِيدُ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْمَجْلِسِ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَعْرَى ، وَرَأَوْا أَنّهُ قَدْ احْتَجّ وَخَاصَمَ . فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الزّبَعْرَى فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كُلّ مَنْ أَحَبّ أَنْ يَعْبُدَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَهُوَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ إنّهُمْ إنّمَا يَعْبُدُونَ الشّيَاطِينَ وَمَنْ أَمَرَتْهُمْ بِعِبَادَتِهِ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ { إِنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ } [ الْأَنْبِيَاءُ 101 ، 102 ] : أَيْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَعُزَيْرًا ، وَمَنْ عَبَدُوا مِنْ الْأَحْبَارِ وَالرّهْبَانِ الّذِينَ مَضَوْا عَلَى طَاعَةِ اللّهِ فَاِتّخَذَهُمْ مَنْ يَعْبُدُهُمْ مِنْ أَهْلِ الضّلَالَةِ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ . [ ص 145 ] وَنَزَلَ فِيمَا يَذْكُرُونَ أَنّهُمْ يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَةَ وَأَنّهَا بَنَاتُ اللّهِ { وَقَالُوا اتّخَذَ الرّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ } [ الْأَنْبِيَاءُ 26 ، 27 ] . إلَى قَوْلِهِ { وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ } [ الْأَنْبِيَاءُ 29 ] . وَنَزَلَ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ أَمْرِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ أَنّهُ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللّهِ وَعَجِبَ الْوَلِيدُ وَمَنْ حَضَرَهُ مِنْ حُجّتِهِ وَخُصُومَتِهِ { وَلَمّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدّونَ } [ الزّخْرُفُ 57 ] . أَيْ يَصِدّونَ عَنْ أَمْرِك بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ . ثُمّ ذَكَرَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَقَالَ [ ص 146 ] { إِنْ هُوَ إِلّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ وَإِنّهُ لَعِلْمٌ لِلسّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنّ بِهَا وَاتّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } [ الزّخْرُفُ 59 - 61 ] أَيْ مَا وُضِعَتْ عَلَى يَدَيْهِ مِنْ الْآيَاتِ مِنْ إحْيَاءِ الْمَوْتَى ، وَإِبْرَاءِ الْأَسْقَامِ فَكَفَى بِهِ دَلِيلًا عَلَى عِلْمِ السّاعَةِ يَقُولُ { فَلَا تَمْتَرُنّ بِهَا وَاتّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ }
Sحَدِيثُ ابْنِ الزّبَعْرَى وَعُزَيْرٍ
[ ص 144 ] وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ الزّبَعْرَى ، وَقَوْلُهُ إنّا نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ وَأَنّ النّصَارَى تَعْبُدُ الْمَسِيحَ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ وَمَا أَنَزَلَ اللّهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنّ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنّا الْحُسْنَى } الْآيَةَ قَالَ الْمُؤَلّفُ وَلَوْ تَأَمّلَ ابْنُ الزّبَعْرَى وَغَيْرُهُ مِنْ كُفّارِ قُرَيْشٍ الْآيَةَ لَرَأَى اعْتِرَاضَهُ غَيْرَ لَازِمٍ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّهُ خِطَابٌ مُتَوَجّهٌ عَلَى الْخُصُوصِ لِقُرَيْشِ وَعَبَدَةِ الْأَصْنَامِ وَقَوْلُهُ إنّا نَعْبُدُ الْمَلَائِكَةَ حَيْدَةً وَإِنّمَا وَقَعَ الْكَلَامُ وَالْمُحَاجّةُ فِي اللّاتِي وَالْعُزّى وَهُبَلَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْنَامِهِمْ . [ ص 145 ] وَالثّانِي : أَنّ لَفْظَ التّلَاوَةِ { إِنّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ } وَلَمْ يَقُلْ وَمَنْ تَعْبُدُونَ فَكَيْفَ يَلْزَمُ اعْتِرَاضُهُ بِالْمَسِيحِ وَعُزَيْرٍ وَالْمَلَائِكَةِ وَهُمْ يَعْقِلُونَ وَالْأَصْنَامُ لَا تَعْقِلُ وَمِنْ ثُمّ جَاءَتْ الْآيَةُ بِلَفْظِ مَا الْوَاقِعَةِ عَلَى مَا لَا يَعْقِلُ وَإِنّمَا تَقَعُ مَا عَلَى مَا يَعْقِلُ وَتُعْلَمُ بِقَرِينَةِ مِنْ التّعْظِيمِ وَالْإِبْهَامِ وَلَعَلّنَا نَشْرَحُهَا وَنُبَيّنُهَا فِيمَا بَعْدُ إنّ قُدّرَ لَنَا ذَلِكَ وَسَبَبُ عِبَادَةِ النّصَارَى لِلْمَسِيحِ مَعْرُوفٌ وَأَمّا عِبَادَةُ الْيَهُودِ عُزَيْرًا ، وَقَوْلُهُمْ فِيهِ إنّهُ ابْنُ اللّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ قَوْلِهِمْ وَسَبَبُهُ فِيمَا ذَكَرَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ الْكَشّيّ أَنّ التّوْرَاةَ لَمّا احْتَرَقَتْ أَيّامَ بُخْتَ نَصّرَ وَذَهَبَ بِذَهَابِهَا دِينُ الْيَهُودِ ، فَلَمّا ثَابَ إلَيْهِمْ أَمْرُهُمْ وَجُدُوا لِفَقْدِهَا أَعْظَمَ الْكَرْبِ فَبَيْنَمَا عُزَيْرٌ يَبْكِي لِفَقْدِ التّوْرَاةِ ، إذْ مَرّ بِامْرَأَةِ جَاثِمَةٍ عَلَى قَبْرٍ قَدْ نَشَرَتْ شَعْرَهَا ، فَقَالَ لَهَا عُزَيْرٌ مَنْ أَنْتِ ؟ قَالَتْ أَنَا إيلْيَا أُمّ الْقُرَى أَبْكِي عَلَى وَلَدِي ، وَأَنْتَ تَبْكِي عَلَى كِتَابِك ، وَقَالَتْ لَهُ إذَا كَانَ غَدًا ، فَأْتِ هَذَا الْمَكَانَ فَلَمّا أَنْ جَاءَ مِنْ الْغَدِ لِلسّاعَةِ الّتِي وَعَدَتْهُ إذَا هُوَ بِإِنْسَانِ خَارِجٍ مِنْ الْأَرْضِ فِي يَدِهِ كَهَيْئَةِ الْقَارُورَةِ فِيهَا نُورٌ فَقَالَ لَهُ افْتَحْ فَاك ، فَأَلْقَاهَا فِي جَوْفِهِ فَكَتَبَ عُزَيْرٌ التّوْرَاةَ - كَمَا أَنَزَلَهَا اللّهُ ثُمّ قُدّرَ عَلَى التّوْرَاةِ بَعْدَمَا كَانَتْ دُفِنَتْ أَنْ ظَهَرَتْ فَعُرِضَتْ التّوْرَاةُ ، وَمَا كَانَ عُزَيْرٌ كَتَبَ فَوَجَدُوهُ سَوَاءَ فَمِنْهَا قَالُوا : إنّهُ وَلَدُ اللّهِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ .
حَصَبُ جَهَنّمَ
[ ص 146 ] { أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا } وَيُرْوَى : حَضَبُ جَهَنّمَ بِضَادِ مُعْجَمَةٍ فِي شَوَاذّ الْقِرَاءَاتِ وَهُوَ مِنْ حَضَبَتْ النّارُ بِمَنْزِلَةِ حَضَأْتهَا ، يُقَالُ أَرّثْتهَا وَأَثْقَبِتهَا وَحَشَشْتهَا وَأَذْكَيْتهَا وَفَسّرَ ابْنُ إسْحَاقَ قَوْلَهُ يَصُدّونِ وَمَنْ قَرَأَ يَصِدّونَ فَمَعْنَاهُ يَعْجَبُونَ .
وَالْأَخْنَسُ بْنُ شَرِيقِ بْنِ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ الثّقَفِيّ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ الْقَوْمِ وَمِمّنْ يُسْتَمَعُ مِنْهُ فَكَانَ يُصِيبُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيَرُدّ عَلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِ { وَلَا تُطِعْ كُلّ حَلّافٍ مَهِينٍ هَمّازٍ مَشّاءٍ بِنَمِيمٍ } [ الْقَلَمُ 10 ، 11 ] . إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { زَنِيمٍ } وَلَمْ يَقُلْ زَنِيمٌ لِعَيْبِ فِي نَسَبِهِ لِأَنّ اللّهَ لَا يَعِيبُ أَحَدًا بِنَسَبِ وَلَكِنّهُ حَقّقَ بِذَلِكَ نَعْتَهُ لِيُعْرَفَ . وَالزّنِيمُ الْعَدِيدُ لِلْقَوْمِ وَقَدْ قَالَ الْخَطِيمِ التّمِيمِيّ فِي الْجَاهِلِيّةِ
زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرّجَالُ زِيَادَةً ... كَمَا زِيدَ فِي عَرْضِ الْأَدِيمِ الْأَكَارِعُ
مَا قِيلَ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَأُبَيّ بْنِ خَلَفٍ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ
[ ص 147 ] وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، قَالَ أَيُنَزّلُ عَلَى مُحَمّدٍ وَأُتْرَكُ وَأَنَا كَبِيرُ قُرَيْشٍ وَسَيّدُهَا ، وَيُتْرَكُ أَبُو مَسْعُودٍ عَمْرُو بْنُ عُمَيْرٍ الثّقَفِيّ سَيّدُ ثَقِيفٍ ، وَنَحْنُ عَظِيمَا الْقَرْيَتَيْنِ ؟ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِ فِيمَا بَلَغَنِي : { وَقَالُوا لَوْلَا نُزّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ } [ الزّخْرُفُ 30 ] . إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { مِمّا يَجْمَعُونَ } وَأُبَيّ بْنُ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَكَانَا مُتَصَافِيَيْنِ حَسَنًا مَا بَيْنَهُمَا . فَكَانَ عُقْبَةُ قَدْ جَلَسَ إلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَسَمِعَ مِنْهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ أُبَيّا ، فَأَتَى عُقْبَةُ فَقَالَ أَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنّك جَالَسْت مُحَمّدًا ، وَسَمِعْت مِنْهُ ثُمّ قَالَ وَجْهِي مِنْ وَجْهِك حَرَامٌ أَنْ أُكَلّمَك - وَاسْتَغْلَظَ مِنْ الْيَمِينِ - إنْ أَنْتَ جَلَسْت إلَيْهِ أَوْ سَمِعْت مِنْهُ أَوْ لَمْ تَأْتِهِ فَتَتْفُلَ فِي وَجْهِهِ . فَفَعَلَ مِنْ ذَلِكَ عَدُوّ اللّهِ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ لَعَنَهُ اللّهُ . فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِمَا : { وَيَوْمَ يَعَضّ الظّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتّخَذْتُ مَعَ الرّسُولِ سَبِيلًا } إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا } [ الْفُرْقَانُ : 27 - 29 ] . وَمَشَى أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ إلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بِعَظْمِ بَالٍ قَدْ ارْفَتّ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ أَنْتَ تَزْعُمُ أَنْ يُبْعَثَ هَذَا بَعْدَ مَا أَرِمَ ثُمّ فَتّهُ بِيَدِهِ ثُمّ نَفَخَهُ فِي الرّيحِ نَحْوَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - نَعَمْ أَنَا أَقُولُ ذَلِكَ ، يَبْعَثُهُ اللّهُ وَإِيّاكَ بَعْدَمَا تَكُونَانِ هَكَذَا ، ثُمّ يُدْخِلُك اللّهُ النّارَ . فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِ { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الّذِي أَنْشَأَهَا أَوّلَ مَرّةٍ وَهُوَ بِكُلّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ } [ يس : 79 ، 80 ] .
Sمَا نَزَلَ فِي الْأَخْنَسِ
فَصْلٌ وَذَكَرَ مَا أَنَزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِي الْأَخْنَسِ بْنِ شَرِيقٍ - وَاسْمُهُ أُبَيّ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : { عُتُلّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ } وَقَدْ قِيلَ نَزَلَتْ فِي الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَقَدْ قِيلَ فِي الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الزّهْرِيّ ، وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَهُ زَنَمَتَانِ كَزَنَمَتَيْ الشّاةِ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنّهُ قَالَ الزّنِيمُ الّذِي لَهُ زَنَمَتَانِ مِنْ الْبَشَرِ يُعْرَفُ بِهَا ، كَمَا تُعْرَفُ الشّاةُ بِزَنَمَتِهَا ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَيْضًا مِثْلُ مَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّ الزّنِيمَ الْمُلْصَقُ بِالْقَوْمِ وَلَيْسَ مِنْهُمْ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الْأَزْرَقِ الْحَرُورِيّ وَقَالَ أَمَا سَمِعْت قَوْلَ حَسّانَ زَنِيمٌ تَدَاعَاهُ الرّجَالُ الْبَيْتَ وَقَدْ أَنْشَدَ ابْنُ هِشَامٍ هَذَا الْبَيْتَ مُسْتَشْهِدًا بِهِ وَنَسَبَهُ لِلْخَطِيمِ التّمِيمِيّ ، وَالْأَعْرَف أَنّهُ لِحَسّانَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ ، وَأَمّا الْعُتُلّ فَهُوَ الْغَلِيظُ الْجَافِي مِنْ [ ص 147 ] { خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ } [ الدّخَانُ 47 ] . وَقَالَ عَلَيْهِ السّلَامُ أَنَا أُنَبّئُكُمْ بِأَهْلِ النّارِ كُلّ عُتُلّ جَوّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ جَمّاعٍ مَنّاعٍ
مَا قِيلَ فِي حَقّ الّذِينَ اعْتَرَضُوا الرّسُولَ فِي الطّوَافِ
[ ص 148 ] وَاعْتَرَضَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ - فِيمَا بَلَغَنِي - الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، وَأُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ ، وَالْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ السّهْمِيّ ، وَكَانُوا ذَوِي أَسْنَانٍ فِي قَوْمِهِمْ فَقَالُوا : يَا مُحَمّدُ هَلُمّ فَلْنَعْبُدْ مَا تَعْبُدُ ، وَتَعْبُدُ مَا نَعْبُدُ فَنَشْتَرِكَ نَحْنُ وَأَنْتَ فِي الْأَمْرِ فَإِنْ كَانَ الّذِي تَعْبُدُ خَيْرًا مِمّا نَعْبُدُ كُنّا قَدْ أَخَذْنَا بِحَظّنَا مِنْهُ وَإِنْ كَانَ مَا نَعْبُدُ خَيْرٌ مِمّا تَعْبُدُ كُنْت قَدْ أَخَذْت بِحَظّك مِنْهُ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِمْ { قُلْ يَا أَيّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ } [ الْكَافِرُونَ 1 - 6 ] . [ ص 149 ]
S{ قُلْ يَا أَيّهَا الْكَافِرُونَ }
فَصْلٌ وَذَكَرَ قَوْلَهُمْ الّذِي أَنَزَلَ اللّهُ فِيهِ { قُلْ يَا أَيّهَا الْكَافِرُونَ } إلَى آخِرِهَا فَقَالَ [ ص 148 ] { لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } أَيْ فِي الْحَالِ { وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ } أَيْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَكَذَلِكَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَقُولُ لَهُمْ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَهُمْ قَدْ قَالُوا : هَلُمّ فَلْنَعْبُدْ رَبّك ، وَتَعْبُدُ رَبّنَا ، كَيْفَ نَفَى عَنْهُمْ مَا أَرَادُوا وَعَزَمُوا عَلَيْهِ ؟ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّهُ عَلِمَ أَنّهُمْ لَا يَفْعَلُونَ فَأَخْبَرَ بِمَا عَلِمَ . الثّانِي : أَنّهُمْ لَوْ عَبَدُوهُ عَلَى الْوَجْهِ الّذِي قَالُوهُ مَا كَانَتْ عِبَادَةً وَلَا يُسَمّى عَابِدًا لِلّهِ مَنْ عَبَدَهُ سَنَةً وَعَبَدَ غَيْرَهُ أُخْرَى ، فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ قَالَ { وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } وَلَمْ يَقُلْ مَنْ أَعْبُدُ وَقَدْ قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيّةِ إنّ مَا تَقَعُ عَلَى مَا لَا يَعْقِلُ فَكَيْفَ عَبّرَ بِهَا عَنْ الْبَارِي تَعَالَى ؟ فَالْجَوَابُ أَنّا قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا قَبْلُ أَنّ مَا قَدْ تَقَعُ عَلَى مَنْ يَعْقِلُ بِقَرِينَةِ فَهَذَا أَوَانُ ذِكْرِهَا ، وَتِلْكَ الْقَرِينَةُ الْإِبْهَامُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي التّعْظِيمِ وَالتّفْخِيمِ وَهِيَ فِي مَعْنَى الْإِبْهَامِ لِأَنّ مَنْ جَلّتْ عَظَمَتُهُ حَتّى خَرَجَتْ عَنْ الْحَصْرِ ، وَعَجَزَتْ الْأَفْهَامُ عَنْ كُنْهُ ذَاتِهِ وَجَبَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ هُوَ مَا هُوَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ : سُبْحَانَ مَا سَبّحَ الرّعْدُ بِحَمْدِهِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ { وَالسّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا } فَلَيْسَ كَوْنُهُ عَالِمًا مِمّا يُوجِبُ لَهُ مِنْ التّعْظِيمِ مَا يُوجِبُ لَهُ أَنّهُ بَنَى السّمَوَاتِ وَدَحَا الْأَرْضَ فَكَانَ الْمَعْنَى : إنّ شَيْئًا بَنَاهَا لَعَظِيمٌ أَوْ مَا أَعْظَمَهُ مِنْ شَيْءٍ فَلَفْظُ مَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يُؤْذِنُ بِالتّعَجّبِ مِنْ عَظَمَتِهِ كَائِنًا مَا كَانَ هَذَا الْفَاعِلُ لِهَذَا ، فَمَا أَعْظَمَهُ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي قِصّةِ آدَم : { مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ } وَلَمْ يَقُلْ لِمَنْ خَلَقْت ، وَهُوَ يَعْقِلُ لِأَنّ السّجُودَ لَمْ يَجِبْ لَهُ مِنْ حَيْثُ كَانَ يَعْقِلُ وَلَا مِنْ حَيْثُ كَانَ لَا يَعْقِلُ وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ أُمِرُوا بِالسّجُودِ لَهُ فَكَائِنًا مَا كَانَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ فَقَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ مَا أُمِرُوا بِهِ فَمِنْ هَاهُنَا حَسُنَتْ مَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا مِنْ جِهَةِ التّعْظِيمِ لَهُ وَلَكِنْ مِنْ جِهَةِ مَا يَقْتَضِيهِ الْأَمْرُ مِنْ السّجُودِ لَهُ فَكَائِنًا مَنْ كَانَ وَأَمّا قَوْلُهُ تَعَالَى : { لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ } فَوَاقِعَةٌ عَلَى مَا لَا يَعْقِلُ لِأَنّهُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ وَقَوْلُهُ { وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } اقْتَضَاهَا الْإِبْهَامُ وَتَعْظِيمُ الْمَعْبُودِ مَعَ أَنّ الْحِسّ مِنْهُمْ مَانِعٌ لَهُمْ أَنْ يَعْبُدُوا مَعْبُودَهُ كَائِنًا مَا كَانَ فَحَسُنَتْ مَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِهَذِهِ الْوُجُوهِ فَبِهَذِهِ الْقَرَائِنِ يَحْسُنُ وُقُوعُ مَا عَلَى أُولِي الْعِلْمِ وَبَقِيَتْ نُكْتَةٌ بَدِيعَةٌ يَتَعَيّنُ التّنْبِيهُ عَلَيْهَا ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ } بِلَفْظِ الْمَاضِي ، ثُمّ قَالَ { وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ } بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ فِي الْآيَتَيْنِ جَمِيعًا ، إذَا أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ مَا أَعْبُدُ وَلَمْ يَقُلْ مَا عَبَدْت ، وَالنّكْتَةُ فِي ذَلِكَ أَنّ مَا لِمَا فِيهَا مِنْ الْإِبْهَامِ - وَإِنْ كَانَتْ خَبَرِيّةً - تُعْطِي مَعْنَى الشّرْطِ فَكَأَنّهُ قَالَ مَهْمَا عَبَدْتُمْ شَيْئًا ، فَإِنّي لَا أَعْبُدُهُ وَالشّرْطُ يُحَوّلُ الْمُسْتَقْبِلَ إلَى لَفْظِ الْمَاضِي ، تَقُولُ إذَا قَامَ زَيْدٌ غَدًا فَعَلْت كَذَا ، [ ص 149 ] خَرَجَ زَيْدٌ غَدًا خَرَجْت ، فَمَا : فِيهَا رَائِحَةُ الشّرْطِ مِنْ أَجْلِ إبْهَامِهَا ؛ فَلِذَلِكَ جَاءَ الْفِعْلُ بَعْدَهَا بِلَفْظِ الْمَاضِي ، وَلَا يَدْخُلُ الشّرْطُ عَلَى فِعْلِ الْحَالِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي أَوّلِ السّورَةِ مَا تَعْبُدُونَ لِأَنّهُ حَالٌ لِأَنّ رَائِحَةَ الشّرْطِ مَعْدُومَةٌ فِيهَا مَعَ الْحَالِ وَكَذَلِكَ رَائِحَةُ الشّرْطِ مَعْدُومَةٌ فِي قَوْلِهِ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ لِأَنّهُ - عَلَيْهِ السّلَامُ - يَسْتَحِيلُ أَنْ يَتَحَوّلَ عَنْ عِبَادَةِ رَبّهِ لِأَنّهُ مَعْصُومٌ فَلَمْ يَسْتَقِمْ تَقْدِيرُهُ بِمَهْمَا ، كَمَا اسْتَقَامَ ذَلِكَ فِي حَقّهِمْ لِأَنّهُمْ فِي قَبْضَةِ الشّيْطَانِ يَقُودُهُمْ بِأَهْوَائِهِمْ فَجَائِزٌ أَنْ يَعْبُدُوا الْيَوْمَ شَيْئًا ، وَيَعْبُدُوا غَدًا غَيْرَهُ وَلَكِنْ مَهْمَا عَبَدُوا شَيْئًا ، فَالرّسُولُ عَلَيْهِ السّلَامُ لَا يَعْبُدُهُ فَلِذَلِكَ قَالَ وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ فِي الْحَالِ وَفِي الْمَآلِ لِمَا عَلِمَ مِنْ عِصْمَةِ اللّهِ لَهُ وَلِمَا عَلِمَ اللّهُ مِنْ ثَبَاتِهِ عَلَى تَوْحِيدِهِ فَلَا مَدْخَلَ لِمَعْنَى الشّرْطِ فِي حَقّهِ عَلَيْهِ السّلَامُ وَإِذَا لَمْ يَدْخُلْ الشّرْطُ فِي الْكَلَامِ بَقِيَ الْفِعْلُ الْمُسْتَقْبَلُ عَلَى لَفْظِهِ كَمَا تَرَاهُ وَنَظِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : { كَيْفَ نُكَلّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّا } اضْطَرَبُوا فِي إعْرَابِهَا وَتَقْدِيرُهَا لَمّا كَانَتْ مَنْ بِمَعْنَى الّذِي ، وَجَاءَ بَكَانِ عَلَى لَفْظِ الْمَاضِي ، وَفَهِمَهَا الزّجّاجُ فَأَشَارَ إلَى أَنّ مَنْ فِيهَا طَرَفٌ مِنْ مَعْنَى الشّرْطِ وَلِذَلِكَ جَاءَتْ كَانَ بِلَفْظِ الْمَاضِي بَعْدَهُ فَصَارَ مَعْنَى الْكَلَامِ مَنْ يَكُنْ صَبِيّا ، فَكَيْفَ يُكَلّمُ ؟ لَمّا أَشَارَتْ إلَى الصّبِيّ أَنْ كَلّمُوهُ وَلَوْ قَالُوا : كَيْفَ نُكَلّمُ مَنْ هُوَ فِي الْمَهْدِ الْآنَ لَكَانَ الْإِنْكَارُ وَالتّعَجّبُ مَخْصُوصًا بِهِ فَلَمّا قَالُوا : كَيْفَ نُكَلّمُ مَنْ كَانَ صَارَ الْكَلَامُ أَبْلَغَ فِي الِاحْتِجَاجِ لِلْعُمُومِ الدّاخِلِ فِيهِ . إلَى هَذَا الْغَرَضِ أَشَارَ أَبُو إسْحَاقَ وَهُوَ الّذِي أَرَادَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا لَفْظَهُ فَلَيْسَ الْمَقْصُودُ الْعِبَارَاتِ وَإِنّمَا الْمَقْصُودُ تَصْحِيحُ الْمَعَانِي الْمُتَلَقّاةِ مِنْ الْأَلْفَاظِ وَالْإِشَارَاتِ .
مَا قِيلَ فِي حَقّ أَبِي جَهْلٍ
وَأَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ - لَمّا ذَكَرَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ شَجَرَةَ الزّقّومِ تَخْوِيفًا بِهَا لَهُمْ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، هَلْ تَدْرُونَ مَا شَجَرَةُ الزّقّومِ الّتِي يُخَوّفُكُمْ بِهَا مُحَمّدٌ ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ عَجْوَةُ يَثْرِبَ بِالزّبْدِ وَاَللّهِ لَئِنْ اسْتَمْكَنّا مِنْهَا لَنتَزَقّمنّها تَزَقّمًا . فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِ [ ص 150 ] { إِنّ شَجَرَةَ الزّقّومِ طَعَامُ الْأَثِيمِ كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ كَغَلْيِ الْحَمِيمِ } [ الْجَاثِيَةُ 44 - 46 ] . أَيْ لَيْسَ كَمَا يَقُولُ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : الْمُهْلُ كُلّ شَيْءٍ أَذَبْته ، مِنْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فِيمَا أَخْبَرَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ . وَبَلَغَنَا عَنْ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ أَنّهُ قَالَ كَانَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَالِيًا لِعُمَرِ بْنِ الْخَطّابِ عَلَى بَيْتِ مَالِ الْكُوفَةِ ، وَأَنّهُ أَمَرَ يَوْمًا بِفِضّةِ فَأُذِيبَتْ فَجُعِلَتْ تُلَوّنُ أَلْوَانًا ، فَقَالَ هَلْ بِالْبَابِ مِنْ أَحَدٍ ؟ قَالُوا : نَعَمْ قَالَ فَأَدْخَلُوهُمْ فَأُدْخِلُوا فَقَالَ إنّ أَدْنَى مَا أَنْتُمْ رَاءُونَ شَبَهًا بِالْمُهْلِ لِهَذَا وَقَالَ الشّاعِرُ
يَسْقِيهِ رَبّي حَمِيمَ الْمُهْلِ يَجْرَعُهُ ... يَشْوِي الْوُجُوهَ فَهُوَ فِي بَطْنِهِ صَهْر
وَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الزّبَيْرِ الْأَسَدِيّ
فَمَنْ عَاشَ مِنْهُمْ عَاشَ عَبْدًا وَإِنْ يَمُتْ ... فَفِي النّارِ يُسْقَى مُهْلَهَا وَصَدِيدَهَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ . وَيُقَالُ إنّ الْمُهْلَ صَدِيدُ الْجَسَدِ . بَلَغَنَا أَنّ أَبَا بَكْرٍ الصّدّيقَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - لَمّا حَضَرَ أَمَرَ بِثَوْبَيْنِ لَبِيسَيْنِ يُغْسَلَانِ فَيُكَفّنُ فِيهِمَا ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ قَدْ أَغْنَاك اللّهُ يَا أَبَتْ عَنْهُمَا ، فَاشْتَرِ كَفَنًا ، فَقَالَ إنّمَا هِيَ سَاعَةٌ حَتّى يَصِيرَ إلَى الْمُهْلِ قَالَ الشّاعِرُ
شَابَ بِالْمَاءِ مِنْهُ مُهْلًا كَرِيهًا ... ثُمّ عَلّ الْمَنُونُ بَعْدَ النّهَالِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِ { وَالشّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلّا طُغْيَانًا كَبِيرًا } [ الْإِسْرَاءُ 60 ]
Sالزّقّومُ
فَصْلٌ وَذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي جَهْلٍ حِينَ ذَكَرَ شَجَرَةَ الزّقّومِ يُقَالُ إنّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ لَمْ تَكُنْ مِنْ لُغَةِ قُرَيْشٍ ، وَأَنّ رَجُلًا أَخْبَرَهُ أَنّ أَهْلَ يَثْرِبَ : يَقُولُونَ تَزَقّمْتُ إذَا أَكَلْت التّمْرَ بِالزّبْدِ [ ص 150 ] فَجَعَلَ بِجَهْلِهِ اسْمَ الزّقّومِ مِنْ ذَلِكَ اسْتِهْزَاءً وَقِيلَ إنّ هَذَا الِاسْمَ أَصْلًا فِي لُغَةِ الْيَمَنِ ، وَأَنّ الزّقّومَ عِنْدَهُمْ كُلّ مَا يُتَقَيّأُ مِنْهُ . وَذَكَرَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي النّبَاتِ أَنّ شَجَرَةً بِالْيَمَنِ يُقَالُ لَهَا : الزّقّومُ لَا وَرَقَ لَهَا وَفُرُوعُهَا أَشْبَهُ شَيْءٍ بِرُءُوسِ الْحَيّاتِ فَهِيَ كَرِيهَةُ الْمَنْظَرِ وَفِي تَفْسِيرِ ابْنِ سَلّامٍ وَالْمَاوَرْدِيّ أَنّ شَجَرَةَ الزّقّومِ فِي الْبَابِ السّادِسِ مِنْ جَهَنّمَ أَعَاذَنَا اللّهُ مِنْهَا ، وَأَنّ أَهْلَ النّارِ يَنْحَدِرُونَ إلَيْهَا . قَالَ ابْنُ سَلّامٍ وَهِيَ تَحْيَا بِاللّهَبِ كَمَا تَحْيَا شَجَرَةُ الدّنْيَا بِالْمَطَرِ . وَقَوْلُهُ { الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ } أَيْ الْمَلْعُونُ آكُلّهَا ، وَقِيلَ بَلْ هُوَ وَصْفٌ لَهَا كَمَا يُقَالُ يَوْمٌ مَلْعُونٌ أَيْ مَشْئُومٌ .
قِصّةُ ابْنِ أُمّ مَكْتُومٍ
[ ص 151 ] وَوَقْفُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُكَلّمُهُ وَقَدْ طَمِعَ فِي إسْلَامِهِ فَبَيْنَا هُوَ فِي ذَلِكَ إذْ مَرّ بِهِ ابْنُ أُمّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى ، فَكَلّمَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَجَعَلَ يَسْتَقْرِئُهُ الْقُرْآنَ فَشَقّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حَتّى أَضْجَرَهُ وَذَلِكَ أَنّهُ شَغَلَهُ عَمّا كَانَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْوَلِيدِ وَمَا طَمِعَ فِيهِ مِنْ إسْلَامِهِ فَلَمّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ انْصَرَفَ عَنْهُ عَابِسًا ، وَتَرَكَهُ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى فِيهِ { عَبَسَ وَتَوَلّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى } إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { فِي صُحُفٍ مُكَرّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهّرَةٍ } أَيْ إنّمَا بَعَثْتُك بَشِيرًا وَنَذِيرًا ، لَمْ أَخُصّ بِك أَحَدًا دُونَ أَحَدٍ ، فَلَا تَمْنَعْهُ مِمّنْ ابْتَغَاهُ وَلَا تَتَصَدّيَنّ بِهِ لِمَنْ لَا يُرِيدُهُ . [ ص 152 ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : ابْنُ أُمّ مَكْتُومٍ ، أَحَدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللّهِ وَيُقَالُ عَمْرٌو
Sحَدِيثُ ابْنِ أُمّ مَكْتُومٍ
فَصْلٌ
[ ص 151 ] وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ أُمّ مَكْتُومٍ ، وَذَكَرَ اسْمَهُ وَنَسَبَهُ . وَأُمّ مَكْتُومٍ اسْمُهَا : عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَنْكَثَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَخْزُومٍ . وَذَكَرَ الرّجُلَ الّذِي كَانَ شَغَلَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنّهُ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، وَقَدْ قِيلَ كَانَ أُمَيّةَ بْنَ خَلَفٍ ، وَفِي حَدِيثِ الْمُوَطّأِ : عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يُسَمّهِ وَفِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى } مِنْ الْفِقْهِ أَنْ لَا غِيبَةَ فِي ذِكْرِ الْإِنْسَانِ بِمَا ظَهَرَ فِي خِلْقَتِهِ مِنْ عَمًى أَوْ عَرَجٍ إلّا أَنْ يَقْصِدَ بِهِ الِازْدِرَاءَ فَيَلْحَقُ الْمَأْثَمُ بِهِ لِأَنّهُ مِنْ أَفْعَالِ الْجَاهِلِينَ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { أَتَتّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } [ الْبَقَرَةُ 67 ] . وَفِي ذِكْرِهِ إيّاهُ بِالْعَمَى مِنْ الْحِكْمَةِ وَالْإِشَارَةِ اللّطِيفَةِ التّنْبِيهُ عَلَى مَوْضِعِ الْعَتَبِ لِأَنّهُ قَالَ { أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى } فَذَكَرَ الْمَجِيءَ مَعَ الْعَمَى ، وَذَلِكَ يُنْبِئُ عَنْ تَجَشّمِ كُلْفَةٍ وَمَنْ تَجَشّمَ الْقَصْدَ إلَيْك عَلَى ضَعْفِهِ فَحَقّك الْإِقْبَالُ عَلَيْهِ لَا الْإِعْرَاضُ عَنْهُ فَإِذَا كَانَ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مَعْتُوبًا عَلَى تَوَلّيهِ عَنْ الْأَعْمَى ، فَغَيْرُهُ أَحَقّ بِالْعَتَبِ مَعَ أَنّهُ لَمْ يَكُنْ آمَنَ بَعْدُ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلّهُ يَزّكّى } الْآيَةَ وَلَوْ كَانَ قَدْ صَحّ إيمَانُهُ وَعُلِمَ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ يَعْرِضْ عَنْهُ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَلَوْ أَعَرَضَ لَكَانَ الْعَتَبُ أَشَدّ وَاَللّهُ أَعْلَمُ وَكَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْبِرَ عَنْهُ وَيُسَمّيهِ بِالِاسْمِ الْمُشْتَقّ مِنْ الْعَمَى ، دُونَ الِاسْمِ الْمُشْتَقّ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ لَوْ كَانَ دَخَلَ فِي الْإِيمَانِ قَبْلَ ذَلِكَ وَاَللّهُ أَعْلَمُ وَإِنّمَا دَخَلَ فِيهِ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ لِلنّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - اسْتَدِنّنِي يَا مُحَمّدُ وَلَمْ يَقُلْ اسْتَدِنّنِي يَا رَسُولَ اللّهِ مَعَ أَنّ ظَاهِرَ الْكَلَامِ يَدُلّ عَلَى أَنّ الْهَاءَ فِي لَعَلّهُ يَزّكّى عَائِدَةٌ عَلَى الْأَعْمَى ، لَا عَلَى الْكَافِرِ لِأَنّهُ لَمْ يَتَقَدّمْ لَهُ [ ص 152 ] ذَكَرَ بَعْدُ وَلَعَلّ تُعْطِي التّرَجّي وَالِانْتِظَارَ وَلَوْ كَانَ إيمَانُهُ قَدْ تَقَدّمَ قَبْلَ هَذَا لَخَرَجَ عَنْ حَدّ التّرَجّي وَالِانْتِظَارِ لِلتّزَكّي ، وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
الْعَائِدُونَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ
[ ص 153 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَبَلَغَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الّذِينَ خَرَجُوا إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، إسْلَامُ أَهْلِ مَكّةَ ، فَأَقْبَلُوا لَمّا بَلَغَهُمْ مِنْ ذَلِكَ حَتّى إذَا دَنَوْا مِنْ مَكّةَ ، بَلَغَهُمْ أَنّ مَا كَانُوا تَحَدّثُوا بِهِ مِنْ إسْلَامِ أَهْلِ مَكّةَ كَانَ بَاطِلًا ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا بِجِوَارِ أَوْ مُسْتَخْفِيًا . فَكَانَ مِمّنْ قَدِمَ عَلَيْهِ مَكّةَ مِنْهُمْ فَأَقَامَ بِهَا حَتّى هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ ، فَشَهِدَ مَعَهُ بَدْرًا ، وَمَنْ حُبِسَ عَنْهُ حَتّى فَاتَهُ بَدْرٌ وَغَيْرُهُ وَمَنْ مَاتَ بِمَكّةَ . مِنْهُمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ : عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ رُقْيَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، امْرَأَتُهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ . وَمِنْ حَلْفَائِهِمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ [ ص 154 ] وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ : عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ . وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ : الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوَامّ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ . وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ : مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَسُوَيْبِطُ بْنُ سَعْدِ بْنِ حَرْمَلَةَ . وَمِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيّ : طُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ وَهْبِ بْنِ أَبِي كَبِيرِ بْنِ عَبْدٍ . وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ : عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عَبْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ ، وَالْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو ، حَلِيفٌ لَهُمْ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، حَلِيفٌ لَهُمْ . وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ : أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمّ سَلَمَةَ بِنْت أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَشِمَاسُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ الشّرِيدِ بْنِ سُوَيْد بْنِ هَرَمِيّ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَخْزُومٍ وَسَلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ حَبَسَهُ عَمّهُ بِمَكّةَ فَلَمْ يَقْدَمْ إلّا بَعْدَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ ، وَعَيّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ هَاجَرَ مَعَهُ إلَى الْمَدِينَةِ ، وَلَحِقَ بِهِ أَخَوَاهُ لِأُمّهِ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ ، فَرَجَعَا بِهِ إلَى مَكّةَ ، فَحَبَسَاهُ بِهَا حَتّى مَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ . وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ ، يَشُكّ فِيهِ أَكَانَ خَرَجَ إلَى الْحَبَشَةِ أَمْ لَا ؟ وَمُعَتّبُ بْنُ عَوْفِ بْنِ عَامِرِ مِنْ خُزَاعَةَ . وَمِنْ بَنِي جُمَحٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْص بْنِ كَعْبٍ : عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحٍ وَابْنُهُ السّائِبُ بْنُ عُثْمَانَ وَقَدَامَةُ بْنُ مَظْعُونٍ ، وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ مَظْعُونٍ [ ص 155 ] بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْص بْنِ كَعْب ٍ خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ ، حُبِسَ بِمَكّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إلَى الْمَدِينَةِ ، حَتّى قَدِمَ بَعْدَ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ . وَمِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبٍ : عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ ، حَلِيفٌ لَهُمْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ غَانِمٍ . وَمِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ : عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَخْرَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ أَبِي قَيْسٍ : وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ، وَكَانَ حُبِسَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حِينَ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ ، حَتّى كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ فَانْحَازَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إلَى رَسُولِ اللّهِ فَشَهِدَ مَعَهُ بَدْرًا ، وَأَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْم بْنِ عَبْدِ الْعُزّى ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ أُمّ كُلْثُومٍ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ، وَالسّكْرَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسٍ ، مَاتَ بِمَكّةَ قَبْلَ هِجْرَةِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إلَى الْمَدِينَةِ ، فَخَلّفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى امْرَأَتِهِ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ . وَمِنْ حُلَفَائِهِمْ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ . وَمِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ : أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ ، وَهُوَ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْجَرّاحِ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي شَدّادٍ ، وَسُهَيْلُ ابْنُ بَيْضَاءَ . وَهُوَ سُهَيْلُ بْنُ وَهْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالٍ ، وَعَمْرُو بْنُ أَبِي سَرْحِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ هِلَالٍ " كُنْيَتُهُ أَبُو سَعْدٍ كَمَا فِي الْإِصَابَةِ " . فَجَمِيعُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْهِ مَكّةَ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا ، فَكَانَ مَنْ دَخَلَ مِنْهُمْ بِجِوَارِ فِيمَنْ سُمّيَ لَنَا : عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونِ بْنِ حَبِيبٍ الْجُمَحِيّ دَخَلَ بِجِوَارِ مِنْ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ ، دَخَلَ بِجِوَارِ مِنْ أَبِي طَالِبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، وَكَانَ خَالَهُ . وَأُمّ أَبِي سَلَمَةَ بَرّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ
Sقِصّةُ الْغَرَانِيقِ وَإِسْلَامُ مَكّةَ
[ ص 153 ] وَذَكَرَ مَا بَلَغَ أَهْلَ الْحَبَشَةِ مِنْ إسْلَامِ أَهْلِ مَكّةَ ، وَكَانَ بَاطِلًا ، وَسَبَبُهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَرَأَ سُورَةَ النّجْمِ فَأَلْقَى الشّيْطَانُ فِي أَمْنِيّتَهُ أَيْ فِي تِلَاوَتِهِ عِنْدَ ذِكْرِ اللّاتِي وَالْعُزّى ، وَإِنّهُمْ لَهُمْ الْغَرَانِقَة الْعُلَى ، وَإِنّ شَفَاعَتَهُمْ لَتُرْتَجَى ، فَطَارَ ذَلِكَ بِمَكّةَ فَسُرّ الْمُشْرِكُونَ وَقَالُوا : قَدْ ذَكَرَ آلِهَتَنَا بِخَيْرِ فَسَجَدَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِي آخِرِهَا ، وَسَجَدَ الْمُشْرِكُونَ وَالْمُسْلِمُونَ ثُمّ أَنَزَلَ اللّهُ تَعَالَى : { فَيَنْسَخُ اللّهُ مَا يُلْقِي الشّيْطَانُ } الْآيَةَ فَمِنْ هَاهُنَا [ ص 154 ] أَرْضِ الْحَبَشَةِ أَنّ قُرَيْشًا قَدْ أَسْلَمُوا ، ذَكَرَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ إسْحَاقَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ وَأَهْلُ الْأُصُولِ يَدْفَعُونَ هَذَا الْحَدِيثَ بِالْحُجّةِ وَمَنْ صَحّحَهُ قَالَ فِيهِ أَقْوَالًا ، مِنْهَا : أَنّ الشّيْطَانَ قَالَ ذَلِكَ وَأَشَاعَهُ . وَالرّسُولُ - عَلَيْهِ السّلَامُ - لَمْ يَنْطِقْ بِهِ وَهَذَا جَيّدٌ لَوْلَا أَنّ فِي حَدِيثِهِمْ أَنّ جِبْرِيل قَالَ لِمُحَمّدِ مَا أَتَيْتُك بِهَذَا ، وَمِنْهَا : أَنّ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَعَنَى بِهَا الْمَلَائِكَةَ إنّ شَفَاعَتَهُمْ لَتُرْتَجَى . وَمِنْهَا : أَنّ النّبِيّ - عَلَيْهِ السّلَامُ - قَالَهُ حَاكِيًا عَنْ الْكَفَرَةِ وَأَنّهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ فَقَالَهَا مُتَعَجّبًا مِنْ كُفْرِهِمْ وَالْحَدِيثُ عَلَى مَا خَيّلْت غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِصِحّتِهِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . [ ص 155 ] أَجْلِ ذَلِكَ الْخَبَرِ ، وَذَكَرَ فِيهِمْ طُلَيْبًا ، وَقَالَ فِي نَسَبِهِ ابْنُ أَبِي كَبِيرِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيّ ، وَزِيَادَةُ أَبِي كَبِيرٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا يُوَافِقُ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ وَجَدْت فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ التّنْبِيهِ عَلَى هَذَا وَذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ وَنَسَبَهُ كَمَا نَسَبَهُ ابْنُ إسْحَاقَ بِزِيَادَةِ أَبِي كَبِيرٍ وَكَانَ بَدْرِيّا فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْوَاقِدِيّ وَابْنُ عُقْبَةَ وَمَاتَ بِأَجْنَادَيْنِ شَهِيدًا لَا عَقِبَ لَهُ .
قِصّةُ ابْنِ مَظْعُونٍ مَعَ الْوَلِيدِ
[ ص 156 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَأَمّا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ، فَإِنّ صَالِحَ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ الأعلام" > عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ حَدّثَنِي عَمّنْ حَدّثَهُ عَنْ عُثْمَانَ قَالَ لَمّا رَأَى عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ مَا فِيهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مِنْ الْبَلَاءِ وَهُوَ يَغْدُو وَيَرُوحُ فِي أَمَانٍ مِنْ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، قَالَ وَاَللّهِ إنّ غُدُوّي وَرَوَاحِي آمِنًا بِجِوَارِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ - وَأَصْحَابِي ، وَأَهْلُ دِينِي يَلْقَوْنَ مِنْ الْبَلَاءِ وَالْأَذَى فِي اللّهِ مَا لَا يُصِيبُنِي - لَنَقْصٌ كَبِيرٌ فِي نَفْسِي ، فَمَشَى إلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا الأعلام" > عَبْدِ شَمْسٍ ، وَفَتْ ذِمّتُك ، قَدْ رَدَدْت إلَيْك جِوَارَك ، فَقَالَ لَهُ لَمْ يَا بْنَ أَخِي ؟ لَعَلّهُ آذَاكَ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِي ، قَالَ لَا ، وَلَكِنّي أَرْضَى بِجِوَارِ اللّهِ وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَسْتَجِيرَ بِغَيْرِهِ ؟ قَالَ فَانْطَلِقْ إلَى الْمَسْجِدِ فَارْدُدْ عَلَيّ جِوَارِي عَلَانِيَةً كَمَا أَجَرْتُك عَلَانِيَةً . قَالَ فَانْطَلَقَا فَخَرَجَا حَتّى أَتَيَا الْمَسْجِدَ فَقَالَ الْوَلِيدُ هَذَا عُثْمَانُ قَدْ جَاءَ يَرُدّ عَلَيّ جِوَارِي ، قَالَ صَدَقَ قَدْ وَجَدْته وَفِيّا كَرِيمَ الْجِوَارِ وَلَكِنّي قَدْ أَحْبَبْت أَنْ لَا أَسْتَجِيرَ بِغَيْرِ اللّهِ فَقَدْ رَدَدْت عَلَيْهِ جِوَارَهُ انْصَرَفَ عُثْمَانُ وَلَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ فِي مَجْلِسٍ مِنْ قُرَيْشٍ يَنْشُدُهُمْ فَجَلَسَ مَعَهُمْ عُثْمَانُ فَقَالَ لَبِيدٌ أَلَا كُلّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللّهَ بَاطِلُ [ ص 157 ] قَالَ عُثْمَانُ صَدَقْت ، قَالَ وَكُلّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ قَالَ عُثْمَانُ كَذَبْت ، نَعِيمُ الْجَنّةِ لَا يَزُولُ . قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، وَاَللّهِ مَا كَانَ يُؤْذَى جَلِيسُكُمْ فَمَتَى حَدَثَ هَذَا فِيكُمْ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : إنّ هَذَا سَفِيهٌ فِي سُفَهَاءَ مَعَهُ قَدْ فَارَقُوا دِينَنَا ، فَلَا تَجِدَنّ فِي نَفْسِك مِنْ قَوْلِهِ فَرَدّ عَلَيْهِ عُثْمَانُ حَتّى شَرِيَ أَمْرُهُمَا ، فَقَامَ إلَيْهِ ذَلِكَ الرّجُلُ فَلَطَمَ عَيْنَهُ فَخَضّرَهَا ، وَالْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ قَرِيبٌ يَرَى مَا بَلَغَ مِنْ عُثْمَانَ فَقَالَ أَمَا وَاَللّهِ يَا بْنَ أَخِي إنْ كَانَتْ عَيْنُك عَمّا أَصَابَهَا لَغَنِيّةً لَقَدْ كُنْت فِي ذِمّةٍ مَنِيعَةٍ . قَالَ يَقُولُ عُثْمَانُ بَلْ وَاَللّهِ إنّ عَيْنِي الصّحِيحَةَ لَفَقِيرَةٌ إلَى مِثْلِ مَا أَصَابَ أُخْتَهَا فِي اللّهِ وَإِنّي لَفِي جِوَارِ مَنْ هُوَ أَعَزّ مِنْك وَأَقْدَرُ يَا أَبَا عَبْدِ شَمْسٍ ، فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ هَلُمّ يَا بْنَ أَخِي ، إنْ شِئْت فَعُدْ إلَى جِوَارِك ، فَقَالَ لَا
Sتَأْوِيلُ كُلّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللّهَ بَاطِلُ [ ص 156 ] فَصْلٌ وَذَكَرَ قَوْلَ لَبِيدٍ : أَلَا كُلّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللّهَ بَاطِلُ وَقِصّةُ ابْنِ مَظْعُونٍ إلَى آخِرِهَا ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَشْكُلُ غَيْرَ سُؤَالٍ وَاحِدٍ وَهُوَ قَوْلُ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - " أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشّاعِرُ " قَوْلُ لَبِيدٍ أَلَا كُلّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللّهَ بَاطِلُ فَصَدّقَهُ فِي هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ - عَلَيْهِ السّلَامُ - يَقُولُ فِي مُنَاجَاتِهِ " أَنْتَ الْحَقّ ، وَقَوْلُك الْحَقّ ، وَوَعْدُك الْحَقّ ، وَالْجَنّةُ حَقّ ، وَالنّارُ حَقّ ، وَلِقَاؤُك حَقّ " . فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ أَلَا كُلّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللّهَ بَاطِلُ [ ص 157 ] أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ مَا خَلَا اللّهَ مَا عَدَاهُ وَعَدَا رَحْمَتِهِ الّتِي وَعَدَ بِهَا مَنْ رَحِمَهُ وَالنّارُ وَمَا تَوَعّدَ بِهِ مَنْ عِقَابِهِ وَمَا سِوَى هَذَا فَبَاطِلٌ أَيْ مُضْمَحِلّ وَالْجَوَابُ الثّانِي : أَنّ الْجَنّةَ وَالنّارَ وَإِنْ كَانَتَا حَقّا ، فَإِنّ الزّوَالَ عَلَيْهِمَا جَائِزٌ لِذَاتِهِمَا ، وَإِنّمَا يَبْقَيَانِ بِإِبْقَاءِ اللّهِ لَهُمَا ، وَأَنّهُ يَخْلُقُ الدّوَامَ لِأَهْلِهِمَا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ الدّوَامَ وَالْبَقَاءَ مَعْنًى زَائِدًا عَلَى الذّاتِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيّ وَإِنّمَا الْحَقّ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَنْ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الزّوَالُ وَهُوَ الْقَدِيمُ الّذِي انْعِدَامُهُ مُحَالٌ وَلِذَلِكَ قَالَ عَلَيْهِ السّلَامُ أَنْتَ الْحَقّ بِالْأَلِفِ وَاللّامّ أَيْ الْمُسْتَحِقّ لِهَذَا الِاسْمِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَقَوْلُك الْحَقّ ؛ لِأَنّ قَوْلَهُ قَدِيمٌ وَلَيْسَ بِمَخْلُوقِ فَيَبِيدُ وَوَعْدُك الْحَقّ كَذَلِكَ لِأَنّ وَعْدَهُ كَلَامُهُ هَذَا مُقْتَضَى الْأَلِفِ وَاللّامّ ثُمّ قَالَ وَالْجَنّةُ حَقّ ، وَالنّارُ حَقّ بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَامٍ وَلِقَاؤُك حَقّ كَذَلِكَ لِأَنّ هَذِهِ أُمُورٌ مُحْدَثَاتٌ وَالْمُحْدَثُ لَا يَجِبُ لَهُ الْبَقَاءُ مِنْ جِهَةِ ذَاتِهِ وَإِنّمَا عَلِمْنَا بَقَاءَهَا مِنْ جِهَةِ الْخَبَرِ الصّادِقِ الّذِي لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْخُلْفُ لَا مِنْ جِهَةِ اسْتِحَالَةِ الْبَقَاءِ عَلَيْهَا ، كَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَى الْقَدِيمِ - سُبْحَانَهُ - الّذِي هُوَ الْحَقّ ، وَمَا خَلَاه بَاطِلٌ فَإِمّا جَوْهَرٌ وَإِمّا عَرَضٌ وَلَيْسَ فِي الْأَعْرَاضِ إلّا مَا يَجِبُ لَهُ الْفَنَاءُ وَلَا فِي الْجَوْهَرِ إلّا مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الْفَنَاءُ وَالْبُطُولُ وَإِنْ بَقِيَ وَلَمْ يَبْطُلْ فَجَائِزٌ أَنْ يَبْطُلَ . وَأَمّا الْحَقّ - سُبْحَانَهُ - فَلَيْسَ مِنْ الْجَوَاهِرِ وَالْأَعْرَاضِ فَاسْتَحَالَ عَلَيْهِ مَا يَجِبُ لَهُمَا ، أَوْ يَجُوزُ عَلَيْهِمَا
أَبُو سَلَمَة فِي جِوَارِ أَبِي طَالِبٍ
[ ص 158 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَأَمّا أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ ، فَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنّهُ حَدّثَهُ أَنّ أَبَا سَلَمَةَ لَمّا اسْتَجَارَ بِأَبِي طَالِبٍ مَشَى إلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ ، فَقَالُوا : يَا أَبَا طَالِبٍ لَقَدْ مَنَعْت مِنّا ابْنَ أَخِيك مُحَمّدًا ، فَمَا لَك وَلِصَاحِبِنَا تَمْنَعُهُ مِنّا ؟ قَالَ إنّهُ اسْتَجَارَ بِي ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِي ، وَإِنْ أَنَا لَمْ أَمْنَعْ ابْنَ أُخْتِي لَمْ أَمْنَعْ ابْنَ أَخِي ، فَقَامَ أَبُو لَهَبٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، وَاَللّهِ لَقَدْ أَكَثُرْتُمْ عَلَى هَذَا الشّيْخِ مَا تَزَالُونَ تَتَوَاثَبُونَ عَلَيْهِ فِي جِوَارِهِ مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِ وَاَللّهِ لَتَنْتَهُنّ عَنْهُ أَوْ لَنَقُومَنّ مَعَهُ فِي كُلّ مَا قَامَ فِيهِ حَتّى يَبْلُغَ مَا أَرَادَ . قَالَ فَقَالُوا : بَلْ نَنْصَرِفُ عَمّا تَكْرَهُ يَا أَبَا عُتْبَةَ وَكَانَ لَهُمْ وَلِيّا وَنَاصِرًا عَلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَأَبْقَوْا عَلَى ذَلِكَ فَطَمِعَ فِيهِ أَبُو طَالِبٍ حِينَ سَمِعَهُ يَقُولُ مَا يَقُولُ وَرَجَا أَنْ يَقُومَ مَعَهُ فِي شَأْنِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ يُحَرّضُ أَبَا لَهَبٍ عَلَى نُصْرَتِهِ وَنُصْرَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
وَإِنّ امْرِئِ أَبُو عُتَيْبَةَ عَمّهُ ... لَفِي رَوْضَةٍ مَا إنْ يُسَامَ الْمَظَالِمَا
أَقُولُ لَهُ - وَأَيْنَ مِنْهُ نَصِيحَتِي ... أَبَا مُعَتّبٍ ثَبّتْ سَوَادَك قَائِمَا
فَلَا تَقْبَلَنّ الدّهْرَ مَا عِشْت خُطّةً ... تَسُبّ بِهَا ، إمّا هَبَطْت الْمُوَاسِمَا
وَوَلّ سَبِيلَ الْعَجْزِ غَيْرَك مِنْهُمْ ... فَإِنّك لَمْ تُخْلَقْ عَلَى الْعَجْزِ لَازِمَا
وَحَارِبِ فَإِنّ الْحَرْبَ نِصْفُ وَمَا تَرَى ... أَخَا الْحَرْبِ يُعْطَى الْخَسْفَ حَتّى يُسَالِمَا
وَكَيْفَ وَلَمْ يَجْنُوا عَلَيْك عَظِيمَةً ... وَلَمْ يَخْذُلُوك غَانِمًا ، أَوْ مُغَارِمَا
جَزَى اللّهُ عَنّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا ... وَتَيْمًا وَمَخْزُومًا عُقُوقًا وَمَأْثَمَا
بِتَفْرِيقِهِمْ مِنْ بَعْدِ وُدّ وَأُلْفَةٍ ... جَمَاعَتَنَا ، كَيْمَا يَنَالُوا الْمَحَارِمَا
كَذَبْتُمْ وَبَيْتُ اللّهِ نُبْزَى مُحَمّدًا ... وَلَمّا تَرَوْا يَوْمًا لَدَى الشّعْبِ قَائِمَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : نُبْزَى : نُسْلَبُ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَبَقِيَ مِنْهَا بَيْتٌ تَرَكْنَاهُ .
أَبُو بَكْرٍ يَرُدّ جِوَارَ ابْنِ الدّغُنّةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - كَمَا حَدّثَنِي : [ ص 159 ] الزّهْرِيّ ، عَنْ عُرْوَة ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا ، حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِ مَكّةُ ، وَأَصَابَهُ فِيهَا الْأَذَى ، وَرَأَى مِنْ تَظَاهُرِ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَأَصْحَابِهِ مَا رَأَى ، اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِي الْهِجْرَةِ فَأَذِنَ لَهُ فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا ، حَتّى إذَا سَارَ مِنْ مَكّةَ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ لَقِيَهُ ابْنُ الدّغُنّةِ أَخُو بَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ وَهُوَ يَوْمئِذٍ سَيّدُ الْأَحَابِيشِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَالْأَحَابِيشُ : بَنُو الْحَارِثِ بْنُ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ وَالْهُونُ بْنُ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : تَحَالَفُوا جَمِيعًا ، فَسُمّوا الْأَحَابِيشَ لِلْحِلْفِ . وَيُقَالُ ابْنُ الدغينة . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَدّثَنِي الزّهْرِيّ ، عَنْ عُرْوَةَ عَن عَائِشَة َ قَالَتْ فَقَالَ ابْنُ الدّغُنّةِ أَيْنَ يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ قَالَ أَخْرَجَنِي قَوْمِي وَآذَوْنِي ، وَضَيّقُوا عَلَيّ قَالَ وَلِمَ ؟ فَوَاَللّهِ إنّك لَتُزَيّنَ الْعَشِيرَةَ وَتُعِينُ عَلَى النّوَائِبِ وَتَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ ارْجِعْ وَأَنْتَ فِي جِوَارِي ، فَرَجَعَ مَعَهُ حَتّى إذَا دَخَلَ مَكّةَ ، قَامَ ابْنُ الدّغُنّةِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إنّي قَدْ أَجَرْت ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ فَلَا يَعْرِضَنّ لَهُ أَحَدٌ إلّا بِخَيْرِ . قَالَتْ فَكُفّوا عَنْهُ . قَالَتْ وَكَانَ لِأَبِي بَكْرٍ مَسْجِدٌ عِنْدَ بَابِ دَارِهِ فِي بَنِي جُمَحٍ فَكَانَ يُصَلّي فِيهِ وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا ، إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ اسْتَبْكَى . قَالَتْ فَيَقِفُ عَلَيْهِ الصّبْيَانُ وَالْعَبِيدُ وَالنّسَاءُ يَعْجَبُونَ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ هَيْئَتِهِ . قَالَتْ فَمَشَى رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى ابْنِ الدّغُنّةِ فَقَالُوا لَهُ يَا بْنَ الدّغُنّةِ إنّك لَمْ تُجِرْ هَذَا الرّجُلَ لَيُؤْذِينَا إنّهُ رَجُلٌ إذَا صَلّى ، وَقَرَأَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمّدٌ يَرِقّ وَيَبْكِي ، وَكَانَتْ لَهُ هَيْئَةٌ وَنَحْوٌ فَنَحْنُ نَتَخَوّفُ عَلَى صِبْيَانِنَا وَنِسَائِنَا وَضَعَفَتَنَا أَنْ يَفْتِنّهُمْ فَأْتِهِ فَمُرْهُ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ فَلْيَصْنَعْ فِيهِ مَا شَاءَ . قَالَتْ فَمَشَى ابْنُ الدّغُنّةِ إلَيْهِ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا بَكْرٍ إنّي لَمْ أُجِرْك لِتُؤْذِي قَوْمَك ، إنّهُمْ قَدْ كَرِهُوا مَكَانك الّذِي أَنْتَ فِيهِ وَتَأَذّوْا بِذَلِكَ مِنْك ، فَادْخُلْ بَيْتَك ، فَاصْنَعْ فِيهِ مَا أَحْبَبْت ، قَالَ أَوْ أَرُدّ عَلَيْك جِوَارَك وَأَرْضَى بِجِوَارِ [ ص 160 ] قَالَ فَارْدُدْ عَلَيّ جِوَارِي ، قَالَ قَدْ رَدَدْته عَلَيْك . قَالَتْ فَقَامَ ابْنُ الدّغُنّةِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إنّ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ قَدْ رَدّ عَلَيّ جِوَارِي ، فَشَأْنُكُمْ بِصَاحِبِكُمْ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ قَالَ لَقِيَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ ، وَهُوَ عَامِدٌ إلَى الْكَعْبَةَ ، فَحَثَا عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا . قَالَ فَمَرّ بِأَبِي بَكْرٍ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ ، أَوْ الْعَاصِ بْنُ وَائِلٍ . قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَلّا تَرَى إلَى مَا يَصْنَعُ هَذَا السّفِيهُ ؟ قَالَ أَنْتَ فَعَلْت ذَلِكَ بِنَفْسِك . قَالَ وَهُوَ يَقُولُ أَيْ رَبّ مَا أَحْلَمَك أَيْ رَبّ مَا أَحْلَمَك أَيْ رَبّ مَا أَحْلَمَك .
Sذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي بَكْرٍ مَعَ ابْنِ الدّغُنّةِ
[ ص 158 ] الْأَحَابِيشِ ، وَقَدْ سَمّاهُمْ ابْنُ إسْحَاقَ ، وَهُمْ بَنُو الْحَارِثِ وَبَنُو الْهُونِ مِنْ كِنَانَةَ وَبَنُو الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ [ ص 159 ] تَحَبّشُوا ، أَيْ تَجَمّوْا ، فَسُمّوا الْأَحَابِيشَ . قِيلَ إنّهُمْ تَحَالَفُوا عِنْدَ جُبَيْلٍ يُقَالُ لَهُ حُبْشِيّ ، فَاشْتُقّ لَهُمْ مِنْهُ هَذَا الِاسْمُ . وَقَوْلُهُ لِأَبِي بَكْرٍ إنّك لِتَكْسِبَ الْمَعْدُومَ يُقَالُ كَسَبْتِ الرّجُلَ مَالًا ، فَتَعُدّيهِ إلَى مَفْعُولَيْنِ . هَذَا قَوْلُ الْأَصْمَعِيّ ، وَحَكَى غَيْرُهُ أَكَسَبْته مَالًا ، فَمَعْنَى تَكْسِبُ الْمَعْدُومَ أَيْ يَكْسِبُ غَيْرَك مَا هُوَ مَعْدُومٌ عِنْدَهُ وَالدّغُنّةُ اسْمُ امْرَأَةٍ عُرِفَ بِهَا الرّجُلُ وَالدّغْنُ الْغَيْمُ يَبْقَى بَعْدَ الْمَطَرِ
حَدِيثُ نَقْضِ الصّحِيفَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَبَنُو هَاشِمٍ ، وَبَنُو الْمُطّلِبِ فِي مَنْزِلِهِمْ الّذِي تَعَاقَدَتْ فِيهِ قُرَيْشٌ عَلَيْهِمْ فِي الصّحِيفَةِ الّتِي كَتَبُوهَا ، ثُمّ إنّهُ قَامَ فِي نَقْضِ تِلْكَ الصّحِيفَةِ الّتِي تَكَاتَبَتْ فِيهَا قُرَيْشٌ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِيّ الْمُطّلِبِ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَلَمْ يَبْلُ فِيهَا أَحَدٌ أَحْسَنَ مِنْ بَلَاءِ هِشَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حِسْلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ ، وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ ابْنَ أَخِي نَضْلَةَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ لِأُمّهِ فَكَانَ هِشَامٌ لِبَنِي هَاشِمٍ وَاصِلًا ، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ فَكَانَ - فِيمَا بَلَغَنِي - يَأْتِي بِالْبَعِيرِ وَبَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطّلِبِ [ ص 161 ] الشّعْبِ لَيْلًا ، قَدْ أَوْقَرَهُ طَعَامًا ، حَتّى إذَا أَقْبَلَ بِهِ فَمَ الشّعْبِ ، خَلَعَ خِطَامَهُ مِنْ رَأْسِهِ ثُمّ ضَرَبَ عَلَى جَنْبِهِ فَيَدْخُلُ الشّعْبَ عَلَيْهِمْ ثُمّ يَأْتِي بِهِ قَدْ أَوْقَرَهُ بَزّا ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ إنّهُ مَشَى إلَى زُهَيْرِ بْنِ أَبِي أُمَيّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرِ بْنِ مَخْزُومٍ - وَكَانَتْ أُمّهُ عَاتِكَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ - فَقَالَ يَا زُهَيْرُ أَقَدْ رَضِيت أَنْ تَأْكُلَ الطّعَامَ وَتَلْبَسَ الثّيَابَ وَتَنْكِحَ النّسَاءَ وَأَخْوَالُك حَيْثُ قَدْ عَلِمْت ، لَا يُبَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ وَلَا يَنْكِحُونَ وَلَا يُنْكَحُ إلَيْهِمْ ؟ أَمَا إنّي أَحْلِفُ بِاَللّهِ أَنْ لَوْ كَانُوا أَخْوَالَ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ ثُمّ دَعَوْته إلَى مَا دَعَاك إلَيْهِ مِنْهُمْ مَا أَجَابَك إلَيْهِ أَبَدًا ، قَالَ وَيْحَك يَا هِشَامُ فَمَاذَا أَصْنَعُ ؟ إنّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَاَللّهِ لَوْ كَانَ مَعِي رَجُلٌ آخَرُ لَقُمْت فِي نَقْضِهَا حَتّى أَنْقُضَهَا ، قَالَ قَدْ وَجَدْت رَجُلًا قَالَ فَمَنْ هُوَ ؟ قَالَ أَنَا ، قَالَ لَهُ زُهَيْرٌ أَبْغِنَا رَجُلًا ثَالِثًا . فَذَهَبَ إلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيّ ، فَقَالَ لَهُ يَا مُطْعِمُ أَقَدْ رَضِيت أَنْ يَهْلِكَ بَطْنَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، وَأَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ مُوَافِقٌ لِقُرَيْشِ فِيهِ أَمَا وَاَللّهِ لَئِنْ أَمْكَنْتُمُوهُمْ مِنْ هَذِهِ لَتَجِدَنّهُمْ إلَيْهَا مِنْكُمْ سِرَاعًا ، قَالَ وَيْحَك فَمَاذَا أَصْنَعُ ؟ إنّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ قَالَ قَدْ وَجَدْت ثَانِيًا ، قَالَ مَنْ هُوَ ؟ قَالَ أَنَا ، قَالَ أَبْغِنَا ثَالِثًا ، قَالَ قَدْ فَعَلْت ، قَالَ مَنْ هُوَ ؟ قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ ، قَالَ أَبْغِنَا رَابِعًا [ ص 162 ] فَذَهَبَ إلَى أَبِي الْبَخْتَرِيّ بْنِ هِشَامٍ فَقَالَ لَهُ نَحْوًا مِمّا قَالَ لِمُطْعِمِ بْنِ عَدِيّ فَقَالَ وَهَلْ مِنْ أَحَدٍ يُعِينُ عَلَى هَذَا ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ مَنْ هُوَ ؟ قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ ، وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيّ ، وَأَنَا مَعَك ، قَالَ أَبْغِنَا خَامِسًا . فَذَهَبَ إلَى زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطّلِبِ بْنِ أَسَدٍ ، فَكَلّمَهُ وَذَكَرَ لَهُ قَرَابَتَهُمْ وَحَقّهُمْ فَقَالَ لَهُ وَهَلْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ الّذِي تَدْعُونِي إلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ ؟ قَالَ نَعَمْ ثُمّ سَمّى لَهُ الْقَوْمَ . فَاتّعَدُوا خَطْمَ الْحَجُونِ لَيْلًا بِأَعْلَى مَكّةَ ، فَاجْتَمَعُوا هُنَالِكَ فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَتَعَاقَدُوا عَلَى الْقِيَامِ فِي الصّحِيفَةِ حَتّى يَنْقُضُوهَا ، وَقَالَ زُهَيْرٌ أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فَأَكُونُ أَوّلَ مَنْ يَتَكَلّمَ . فَلَمّا أَصْبَحُوا غَدَوْا إلَى أَنْدِيَتِهِمْ وَغَدَا زُهَيْرُ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ عَلَيْهِ حُلّةٌ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا ، ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى النّاسِ فَقَالَ يَأْهَلَ مَكّةَ ، أَنَأْكُلُ الطّعَامَ وَنَلْبَسُ الثّيَابَ وَبَنُو هَاشِمٍ هَلْكَى لَا يُبَاعُ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ وَاَللّهِ لَا أَقْعُدُ حَتّى تُشَقّ هَذِهِ الصّحِيفَةُ الْقَاطِعَةُ الظّالِمَةُ . قَالَ أَبُو جَهْلٍ - وَكَانَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ : كَذَبْت وَاَللّهِ لَا تُشَقّ ، قَالَ زَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ : أَنْتَ وَاَللّهِ أَكْذَبَ مَا رَضِينَا كِتَابَهَا حَيْثُ كَتَبْت ، قَالَ أَبُو الْبَخْتَرِيّ صَدَقَ زَمْعَةُ لَا نَرْضَى مَا كُتِبَ فِيهَا ، وَلَا نُقِرّ بِهِ قَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيّ : صَدَقْتُمَا ، وَكَذَبَ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ نَبْرَأُ إلَى اللّهِ مِنْهَا ، وَمِمّا كُتِبَ فِيهَا ، قَالَ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ . فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلِ تُشُووِرَ فِيهِ بِغَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ وَأَبُو طَالِبٍ جَالِسٌ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ ، فَقَامَ الْمُطْعِمُ إلَى الصّحِيفَةِ لِيَشُقّهَا ، فَوَجَدَ الْأَرَضَةَ قَدْ أَكَلَتْهَا ، إلّا : " بِاسْمِك اللّهُمّ " . وَكَانَ كَاتِبُ الصّحِيفَةِ مَنْصُورَ بْنَ عِكْرِمَةَ . فَشَلَتْ يَدُهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ لِأَبِي طَالِبٍ يَا عَمّ إنّ رَبّي اللّهُ قَدْ سَلّطَ الْأَرَضَةَ عَلَى صَحِيفَةِ قُرَيْشٍ ، فَلَمْ تَدَعْ فِيهَا اسْمًا هُوَ لِلّهِ إلّا أَثْبَتَتْهُ فِيهَا ، وَنَفَتْ مِنْهُ الظّلْمَ وَالْقَطِيعَةَ وَالْبُهْتَانَ " ، فَقَالَ أَرَبّك أَخْبَرَك بِهَذَا ؟ قَالَ " نَعَمْ " ، قَالَ [ ص 163 ] أَحَدٌ ، ثُمّ خَرَجَ إلَى قُرَيْشٍ ، فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، إنّ ابْنَ أَخِي أَخْبَرَنِي بِكَذَا وَكَذَا ، فَهَلُمّ صَحِيفَتَكُمْ فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ ابْنُ أَخِي ، فَانْتَهُوا عَنْ قَطِيعَتِنَا ، وَانْزِلُوا عَمّا فِيهَا ، وَإِنْ يَكُنْ كَاذِبًا دَفَعْت إلَيْكُمْ ابْنَ أَخِي ، فَقَالَ الْقَوْمُ رَضِينَا ، فَتَعَاقَدُوا عَلَى ذَلِكَ ثُمّ نَظَرُوا ، فَإِذَا هِيَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَزَادَهُمْ ذَلِكَ شَرّا فَعِنْدَ ذَلِكَ صَنَعَ الرّهْطَ مِنْ قُرَيْشٍ فِي نَقْضِ الصّحِيفَةِ مَا صَنَعُوا .
Sعَنْ الشّعْبِ وَنَقْضِ الصّحِيفَةِ
فَصْلٌ
[ ص 160 ] وَذَكَرَ نَقْضَ الصّحِيفَةِ وَقِيَامَ هِشَامٍ فِيهَا وَنَسَبَهُ فَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْحَارِثِ بْنُ حَبِيبٍ وَفِي الْحَاشِيَةِ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ إنّمَا هُوَ هِشَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ، وَهَكَذَا وَقَعَ نَسَبُهُ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ ، وَكَانَ أَبُوهُ عَمْرٌو أَخَا نَضْلَةَ بْنِ هَاشِمٍ لِأُمّهِ . وَذَكَرَ أَنّهُ كَانَ يَأْتِي بِالْبَعِيرِ قَدْ أَوْقَرَهُ بَزّا بِالزّايِ الْمُعْجَمَةِ وَفِي غَيْرِ نُسْخَةِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ بُرّا ، وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بُرّا أَوْ بُرّا عَلَى الشّكّ مِنْ الرّاوِي . وَذَكَرَ أَنّ مَنْصُورَ بْنَ عِكْرِمَةَ كَانَ كَاتِبَ الصّحِيفَةِ فَشُلّتْ يَدُهُ وَلِلْنّسَابِ مِنْ قُرَيْشٍ فِي كَاتِبِ الصّحِيفَةِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : أَنّ كَاتِبَ الصّحِيفَةِ هُوَ بَغِيضُ بْنُ عَامِرِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ ، وَالْقَوْلُ الثّانِي : أَنّهُ مَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ شُرَحْبِيلَ بْنِ هَاشِمٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدّارِ أَيْضًا ، وَهُوَ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الزّبَيْرُ فِي كَاتِبِ الصّحِيفَةِ غَيْرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَالزّبَيْرِيّون أَعْلَمُ بِأَنْسَابِ قَوْمِهِمْ [ ص 161 ] وَذَكَرَ مَا أَصَابَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِي الشّعْبِ مِنْ ضِيقِ الْحِصَارِ لَا يُبَايَعُونَ وَلَا يُنَاكَحُونَ وَفِي الصّحِيحِ أَنّهُمْ جَهِدُوا حَتّى كَانُوا يَأْكُلُونَ الْخَبَطَ وَوَرَقَ السّمَرِ حَتّى إنّ أَحَدَهُمْ لَيَضَعُ كَمَا تَضَعُ الشّاةُ وَكَانَ فِيهِمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ . رُوِيَ أَنّهُ قَالَ لَقَدْ جُعْت ، حَتّى إنّي وَطِئْت ذَاتَ لَيْلَةٍ عَلَى شَيْءٍ رَطْبٍ فَوَضَعْته فِي فَمِي وَبَلَعْته ، وَمَا أَدْرِي مَا هُوَ إلَى الْآنَ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ أَنّ سَعْدًا قَالَ خَرَجْت ذَاتَ لَيْلَةٍ لِأَبُولَ فَسَمِعْت قَعْقَعَةً تَحْتَ الْبَوْلِ فَإِذَا قِطْعَةٌ مِنْ جِلْدِ بَعِيرٍ يَابِسَةٍ فَأَخَذْتهَا وَغَسَلْتهَا ، ثُمّ أَحْرَقْتهَا ثُمّ رَضَضْتهَا ، وَسَفِفْتهَا بِالْمَاءِ فَقَوِيت بِهَا ثَلَاثًا وَكَانُوا إذَا قَدِمَتْ الْعِيرُ مَكّةَ يَأْتِي أَحَدُهُمْ السّوقَ لِيَشْتَرِيَ شَيْئًا مِنْ الطّعَامِ لِعِيَالِهِ فَيَقُومُ أَبُو لَهَبٍ عَدُوّ اللّهِ فَيَقُولُ يَا مَعْشَرَ التّجّارِ غَالُوا عَلَى أَصْحَابِ مُحَمّدٍ حَتّى لَا يُدْرِكُوا مَعَكُمْ شَيْئًا ، فَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لِي وَوَفَاءُ ذِمّتِي ، فَأَنَا ضَامِنٌ أَنْ لَا خَسَارَ عَلَيْكُمْ فَيَزِيدُونَ عَلَيْهِمْ فِي السّلْعَةِ قِيمَتُهَا أَضْعَافًا ، حَتّى يَرْجِعَ إلَى أَطْفَالِهِ وَهُمْ يَتَضَاغَوْنَ مِنْ الْجَوْعِ وَلَيْسَ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ يُطْعِمُهُمْ بِهِ وَيَغْدُو التّجّارُ عَلَى أَبِي لَهَبٍ ، فَيُرْبِحُهُمْ فِيمَا اشْتَرَوْا مِنْ الطّعَامِ وَاللّبَاسِ حَتّى جَهِدَ الْمُؤْمِنُونَ وَمَنْ مَعَهُمْ جَوْعًا وَعُرْيًا ، وَهَذِهِ إحْدَى الشّدَائِدِ الثّلَاثِ الّتِي دَلّ عَلَيْهَا تَأْوِيلُ الْغَطّات الثّلَاثِ الّتِي غَطّهُ جِبْرِيلُ حِينَ قَالَ [ ص 162 ] اقْرَأْ قَالَ مَا أَنَا بِقَارِئِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَانَ فِي الْيَقَظَةِ وَلَكِنْ مَعَ ذَلِكَ لَهُ فِي مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ تَأْوِيلٌ وَإِيمَاءٌ وَقَدْ تَقَدّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَى هَذَا قَبْلُ وَإِلَى آخِرِ حَدِيثِ الصّحِيفَةِ لَيْسَ فِيهَا مَا يَشْكُلُ .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا مُزّقَتْ الصّحِيفَةُ وَبَطَلَ مَا فِيهَا . قَالَ أَبُو طَالِبٍ ، فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ أُولَئِكَ النّفَرِ الّذِينَ قَامُوا فِي نَقْضِهَا يَمْدَحُهُمْ [ ص 164 ] [ ص 165 ] [ ص 166 ]
أَلّا هَلْ أَتَى بَحْرِيّنَا صَنِعُ رَبّنَا ... عَلَى نَأْيِهِمْ وَاَللّهُ بِالنّاسِ أَرْوَدُ
فَيُخْبِرُهُمْ أَنّ الصّحِيفَةَ مُزّقَتْ ... وَأَنّ كُلّ مَا لَمْ يَرْضَهُ اللّهُ مُفْسَدُ
تَرَاوَحَهَا إفْكٌ وَسِحْرٌ مُجَمّعٌ ... وَلَمْ يُلْفَ سِحْرُ آخِرَ الدّهْرِ يَصْعَدُ
تَدَاعَى لَهَا مَنْ لَيْسَ فِيهَا بِقَرْقَرِ ... فَطَائِرُهَا فِي رَأْسِهَا يَتَرَدّدُ
وَكَانَتْ كِفَاءً رُقْعَة بِأَثِيمَةِ ... لِيُقْطَعَ مِنْهَا سَاعِدٌ وَمُقَلّدُ
وَيَظْعَنُ أَهْلُ الْمُكَتّيْنِ فَيَهْرُبُوا ... فَرَائِصُهُمْ مِنْ خَشْيَةِ الشّرّ تُرْعَدُ
وَيُتْرَكُ حَرّاثٌ يُقَلّبُ أَمْرُهُ ... أَيُتْهِمُ فِيهِمْ عِنْدَ ذَاكَ وَيُنْجِدُ
وَتَصْعَدُ بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ كَتِيبَةٌ ... لَهَا حُدُجٌ سَهْمٌ وَقَوْسٌ وَمِرْهَدُ
فَمَنْ يَنْشَ مِنْ حُضّارِ مَكّةَ عِزّهُ ... فَعِزّتُنَا فِي بَطْنِ مَكّةَ أَتَلْدُ
نَشَأْنَا بِهَا ، وَالنّاسُ فِيهَا قَلَائِلُ ... فَلَمْ نَنْفَكِكْ نَزْدَادُ خَيْرًا وَنَحْمَدُ
وَنُطْعِمُ حَتّى يَتْرُكَ النّاسُ فَضْلَهُمْ ... إذَا جُعِلَتْ أَيْدِي الْمُفِيضِينَ تَرْعَدُ
جَزَى اللّهُ رَهْطًا بِالْحَجُونِ تُبَايِعُوا ... عَلَى مَلَأٍ يَهْدِي لِحَزْمِ وَيُرْشِدُ
قُعُودًا لَدَى خَطْمِ الْحَجُونِ كَأَنّهُمْ ... مَقَاوِلَةٌ بَلْ هُمْ أَعَزّ وَأَمْجَدُ
أَعَانَ عَلَيْهَا كُلّ صَقْرٍ كَأَنّهُ ... إذَا مَا مَشَى فِي رَفْرَفِ الدّرْعِ أَحْرَدُ
جَرِيّ عَلَى جُلّى الْخُطُوبِ كَأَنّهُ ... شِهَابٌ بِكَفّيْ قَابِسٍ يَتَوَقّدُ
مِنْ الْأَكْرَمِينَ مِنْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ ... إذَا سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ يَتَرَبّدُ
طَوِيلُ النّجَادِ خَارِجٌ نِصْفُ سَاقِهِ ... عَلَى وَجْهِهِ يُسْقَى الْغَمَامُ وَيَسْعَدُ
عَظِيمُ الرّمَادِ سَيّدٌ وَابْنُ سَيّدٍ ... يَحُضّ عَلَى مَقْرَى الضّيُوفِ وَيَحْشِدُ
وَيُبْنَى لِأَبْنَاءِ الْعَشِيرَةِ صَالِحًا ... إذَا نَحْنُ طُفْنَا فِي الْبِلَادِ وَيَمْهَدُ
أَلَطّ بِهَذَا الصّلْحِ كُلّ مُبَرّأٍ ... عَظِيمُ اللّوَاءِ أَمْرُهُ ثَمّ يُحْمَدُ
قَضَوْا مَا قَضَوْا فِي لَيْلِهِمْ ثُمّ أَصْبَحُوا ... عَلَى مَهْلٍ وَسَائِرُ النّاسِ رُقّدُ
هُمْ رَجَعُوا سَهْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ رَاضِيًا ... وَسُرّ أَبُو بَكْرٍ بِهَا وَمُحَمّدُ
مَتَى شُرّكَ الْأَقْوَامُ فِي جُلّ أَمْرِنَا ... وَكُنّا قَدِيمًا قَبْلَهَا نُتَوَدّدُ
وَكُنّا قَدِيمًا لَا نُقِرّ ظُلَامَةً ... وَنُدْرِكُ مَا شِئْنَا ، وَلَا نَتَشَدّدُ
فَيَا لَقُصَيّ هَلْ لَكُمْ فِي نَفُوسِكُمْ ... وَهَلْ لَكُمْ فِيمَا يَجِيءُ بِهِ غَدٌ
فَإِنّي وَإِيّاكُمْ كَمَا قَالَ قَائِلٌ ... لَدَيْك الْبَيَانُ لَوْ تَكَلّمْت أَسْوَدُ
Sشَرْحُ دَالِيَةَ أَبِي طَالِبٍ
[ ص 163 ] أَبِي طَالِبٍ : أَلَا قَدْ أَتَى بَحْرِيّنَا ، يَعْنِي الّذِينَ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ ، نَسَبَهُمْ إلَى الْبَحْرِ لِرُكُوبِهِمْ إيّاهُ وَهَكَذَا وَجْهُ النّسَبِ إلَيْهِ وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السّلَامُ إذَا نَشَأَتْ بَحْرِيّةٌ وَزَعَمَ ابْنُ سِيدَهْ فِي كِتَابِ الْمُحْكَمِ لَهُ أَنّ الْعَرَبَ تَنْسِبُ إلَى الْبَحْرِ بَحْرَانِيّ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَأَنّهُ مِنْ شَوَاذّ النّسَبِ وَنُسِبَ هَذَا الْقَوْلُ إلَى سِيبَوَيْهِ وَالْخَلِيلِ ، وَلَمْ يَقُلْهُ سِيبَوَيْهِ قَطّ ، وَإِنّمَا قَالَ فِي شَوَاذّ النّسَب : تَقُولُ فِي بَهْرَاءَ : بَهْرَانِيّ وَفِي صَنْعَاءَ : صَنْعَانِيّ كَمَا تَقُولُ بَحْرَانِيّ فِي النّسَبِ إلَى الْبَحْرَيْنِ الّتِي هِيَ مَدِينَةٌ وَعَلَى هَذَا تَلَقّاهُ جَمِيعُ النّحَاةِ وَتَأَوّلُوهُ مِنْ كَلَامِ سِيبَوَيْهِ ، وَإِنّمَا شُبّهَ عَلَى ابْنِ سِيدَهْ لِقَوْلِ الْخَلِيلِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي مَسْأَلَةَ النّسَبِ إلَى الْبَحْرَيْنِ ، كَأَنّهُمْ بَنَوْا الْبَحْرَ عَلَى بَحْرَانِ ، وَإِنّمَا أَرَادَ لَفْظَ الْبَحْرَيْنِ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فِي كِتَابِ الْعَيْنِ تَقُولُ بَحْرَانِيّ فِي النّسَبِ إلَى الْبَحْرَيْنِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ النّسَبَ إلَى الْبَحْرِ أَصْلًا لِلْعِلْمِ بِهِ وَأَنّهُ عَلَى الْقِيَاسِ جَارٍ وَفِي الْغَرِيبِ الْمُصَنّفِ عَنْ الْيَزِيدِيّ أَنّهُ قَالَ إنّمَا قَالُوا : بَحْرَانِيّ فِي النّسَبِ إلَى الْبَحْرَيْنِ ، وَلَمْ يَقُولُوا : بَحْرِيّ لِيُفَرّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النّسَبِ إلَى الْبَحْرِ وَمَا زَالَ ابْنُ سِيدَهْ يَعْثِرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ [ عَثَرَاتٌ ] يَدْمِي مِنْهَا الْأَظَلّ ، وَيَدْحَضُ دَحَضَاتٍ تُخْرِجُهُ إلَى سَبِيلِ مَنْ ضَلّ أَلَا تَرَاهُ قَالَ فِي هَذَا الْبَابِ وَذَكَرَ بُحَيْرَةَ طَبَرِيّةَ ، فَقَالَ هِيَ مِنْ أَعْلَامِ خُرُوجِ الدّجّالِ وَأَنّ مَاءَهَا يَيْبَسُ عِنْدَ خُرُوجِهِ وَالْحَدِيثُ إنّمَا جَاءَ فِي غَيْرِ زُغَرٍ ، وَإِنّمَا ذَكَرْت بُحَيْرَةَ طَبَرِيّةَ فِي حَدِيثِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَأَنّهُمْ يَشْرَبُونَ مَاءَهَا ، وَقَالَ فِي الْجِمَارِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ [ إنّمَا ] هِيَ الّتِي تُرْمَى بِعَرَفَةَ ، وَهَذِهِ هَفْوَةٌ لَا تُقَالُ وَعَثْرَةُ [ لَا ] لَعًا لَهَا وَكَمْ لَهُ مِنْ هَذَا إذَا تَكَلّمَ فِي النّسَبِ وَغَيْرِهِ وَمِنْ النّسَبِ إلَى الْبَحْرِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السّلَامُ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ [ ص 164 ] أَرْضِ الْحَبَشَةِ : الْبَحْرِيّةُ الْحَبَشِيّةُ فَهَذَا مِثْلُ قَوْلِ أَبِي طَالِبٍ : أَلَا هَلْ أَتَى بَحْرِيّنَا . وَقَوْلُهُ وَاَللّهُ بِالنّاسِ أَرْوَدُ أَيْ أَرْفَقُ وَمِنْهُ رُوَيْدك ، أَيْ رِفْقًا جَاءَ بِلَفْظِ التّصْغِيرِ لِأَنّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ تَقْلِيلًا أَيْ اُرْفُقْ قَلِيلًا ، وَلَيْسَ لَهُ مُكَبّرٌ مِنْ لَفْظِهِ لِأَنّ الْمَصْدَرَ إرْوَادًا ، إلّا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ تَصْغِيرِ التّرْخِيمِ وَهُوَ أَنْ تُصَغّرَ الِاسْمُ الّذِي فِيهِ الزّوَائِدُ فَتَحْذِفُهَا فِي التّصْغِيرِ فَتَقُولُ فِي أَسْوَدَ سُوَيْد ، وَفِي مِثْلِ إرْوَادٍ رُوَيْدٌ . وَقَوْلُهُ مَنْ لَيْسَ فِيهَا بِقَرْقَرِ أَيْ لَيْسَ بِذَلِيلِ لِأَنّ الْقَرْقَرَ : الْأَرْضُ الْمَوْطُوءَةُ الّتِي لَا تَمْنَعُ سَالِكَهَا ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرِيدُ بِهِ لَيْسَ بِذِي هَزْلٍ لِأَنّ الْقَرْقَرَةَ : الضّحِكُ . وَقَوْلُهُ وَطَائِرُهَا فِي رَأْسِهَا يَتَرَدّدُ . أَيْ حَظّهَا مِنْ الشّؤْمِ وَالشّرّ وَفِي التّنْزِيلِ { أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ } [ الْإِسْرَاءُ 13 ] ، وَقَوْلُهُ لَهَا حُدُجٌ سَهْمٌ وَقَوْسٌ وَمِرْهَدُ وَجَدْت فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ الشّيْخِ مِمّا ك&#