الخميس، 3 مايو 2018

4 حلف الفضول


الكتاب : الروض الأنف

حِلْفُ الْفُضُولِ
[ ص 242 ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَأَمّا حِلْفُ الْفُضُولِ فَحَدّثَنِي زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْبَكّائِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ قَالَ تَدَاعَتْ قَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى حِلْفٍ فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ [ ص 243 ] جُدْعَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ ، لِشَرَفِهِ وَسِنّهِ . فَكَانَ حِلْفَهُمْ عِنْدَهُ بَنُو هَاشِمٍ ، وَبَنُو الْمُطّلِبِ ، وَأَسَدَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى ، وَزُهْرَةُ بْنُ كِلَابٍ ، [ ص 244 ] فَتَعَاقَدُوا وَتَعَاهَدُوا عَلَى أَنْ لَا يَجِدُوا بِمَكّةَ مَظْلُومًا مِنْ أَهْلِهَا وَغَيْرِهِمْ مِمّنْ دَخَلَهَا مِنْ سَائِرِ النّاسِ إلّا قَامُوا مَعَهُ وَكَانُوا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ حَتّى تُرَدّ عَلَيْهِ مَظْلِمَتُهُ فَسَمّتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ الْحِلْفَ حِلْفَ الْفُضُولِ .
S[ ص 242 ] وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ الْحِلْفَ الّذِي عَقَدَتْهُ قُرَيْشٌ بَيْنَهَا عَلَى نُصْرَةِ كُلّ مَظْلُومٍ بِمَكّةَ قَالَ وَيُسَمّى حِلْفَ الْفُضُولِ وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبَ هَذِهِ التّسْمِيَةِ وَذَكَرَهَا ابْنُ قُتَيْبَةَ ، فَقَالَ كَانَ قَدْ سَبَقَ قُرَيْشًا إلَى مِثْلِ هَذَا الْحِلْفِ جُرْهُمٌ فِي الزّمَنِ الْأَوّلِ فَتَحَالَفَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ هُمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ أَحَدُهُمْ الْفَضْلُ بْنُ فَضَالَةَ ، وَالثّانِي : الْفَضْلُ بْنُ وَدَاعَةَ ، وَالثّالِثُ فُضَيْلُ بْنُ الْحَارِثِ . هَذَا قَوْلُ الْقُتَبِيّ . وَقَالَ الزّبَيْرُ الْفُضَيْلُ بْنُ شُرَاعَةَ وَالْفَضْلُ بْنُ وَدَاعَةَ ، وَالْفَضْلُ بْنُ قُضَاعَةَ ، فَلَمّا أَشْبَهَ حِلْفُ قُرَيْشٍ الْآخَرُ فِعْلَ هَؤُلَاءِ الْجُرْهُمِيّينَ سُمّيَ حِلْفَ الْفُضُولِ وَالْفُضُولُ جَمْعُ فَضْلٍ وَهِيَ أَسْمَاءُ أُولَئِكَ الّذِينَ تَقَدّمَ ذِكْرُهُمْ . وَهَذَا الّذِي قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ حَسَنٌ وَلَكِنْ فِي الْحَدِيثِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَأَوْلَى . رَوَى الْحُمَيْدِيّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَبْدِ اللّهِ عَنْ مُحَمّدٍ وَعَبْدِ الرّحْمَنِ ابْنَيْ أَبِي بَكْرٍ قَالَا : قَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - لَقَدْ شَهِدْت فِي دَارِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا لَوْ دُعِيت بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْت . تَحَالَفُوا أَنْ تُرَدّ الْفُضُولُ عَلَى أَهْلِهَا ، وَأَلّا يَعُزّ ظَالِمٌ مَظْلُومًا . وَرَوَاهُ فِي مُسْنَدِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ التّمِيمِيّ ِ . فَقَدْ بَيّنَ هَذَا الْحَدِيثَ لِمَ سُمّيَ حِلْفَ الْفُضُولِ وَكَانَ حِلْفُ الْفُضُولِ بَعْدَ الْفُجّارِ وَذَلِكَ أَنّ حَرْبَ الْفُجّارِ كَانَتْ فِي شَعْبَانَ وَكَانَ حِلْفُ الْفُضُولِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ قَبْلَ الْمَبْعَثِ بِعِشْرِينَ سَنَةً وَكَانَ حِلْفُ الْفُضُولِ أَكْرَمَ حِلْفٍ سُمِعَ بِهِ وَأَشْرَفَهُ فِي الْعَرَبِ . وَكَانَ أَوّلَ مَنْ تَكَلّمَ بِهِ وَدَعَا إلَيْهِ الزّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، وَكَانَ سَبَبُهُ أَنّ رَجُلًا مِنْ زُبَيْدٍ قَدِمَ مَكّةَ بِبِضَاعَةِ فَاشْتَرَاهَا مِنْهُ الْعَاصِي بْنُ وَائِلٍ وَكَانَ ذَا قَدْرٍ بِمَكّةَ وَشَرَفٍ فَحَبَسَ عَنْهُ حَقّهُ فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ الزّبَيْدِيّ الْأَحْلَافَ : عَبْدَ الدّارِ وَمَخْزُومًا وَجُمَحَ وَسَهْمًا وَعَدِيّ بْنَ كَعْبٍ ، فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُوهُ عَلَى الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ وَزَبَرُوهُ أَيْ انْتَهَرُوهُ فَلَمّا رَأَى الزّبَيْدِيّ الشّرّ أَوْفَى عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ عِنْدَ طُلُوعِ الشّمْسِ وَقُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ ، فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ
يَا آلَ فِهْرٍ لِمَظْلُومِ بِضَاعَتُهُ ... بِبَطْنِ مَكّةَ نَائِي الدّارِ وَالنّفَرِ
وَمُحْرِمٍ أَشْعَثٍ لَمْ يَقْضِ عُمْرَتَهُ ... يَا لَلرّجَالِ وَبَيْنَ الْحِجْرِ وَالْحَجَرِ
إنّ الْحَرَامَ لِمَنْ تَمّتْ كَرَامَتُهُ ... وَلَا حَرَامَ لِثَوْبِ الْفَاجِرِ الْغُدَرِ
[ ص 243 ] الزّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، وَقَالَ مَا لِهَذَا مُتَرّكٌ فَاجْتَمَعَتْ هَاشِمٌ وَزُهْرَةُ وَتَيْمُ بْنُ مُرّةَ فِي دَارِ ابْنِ جُدْعَانَ ، فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا ، وَتَحَالَفُوا فِي ذِي الْقَعْدَةِ فِي شَهْرٍ حَرَامٍ قِيَامًا ، فَتَعَاقَدُوا ، وَتَعَاهَدُوا بِاَللّهِ لَيَكُونَنّ يَدًا وَاحِدَةً مَعَ الْمَظْلُومِ عَلَى الظّالِمِ حَتّى يُؤَدّى إلَيْهِ حَقّهُ مَا بَلّ بَحْرٌ صُوفَةَ وَمَا رَسَا حِرَاءٌ وَثَبِيرٌ مَكَانَهُمَا ، وَعَلَى التّأَسّي فِي الْمَعَاشِ فَسَمّتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ الْحِلْفَ حِلْفَ الْفُضُولِ وَقَالُوا : لَقَدْ دَخَلَ هَؤُلَاءِ فِي فَضْلٍ مِنْ الْأَمْرِ ثُمّ مَشَوْا إلَى الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ فَانْتَزَعُوا مِنْهُ سِلْعَةَ الزّبَيْدِيّ فَدَفَعُوهَا إلَيْهِ وَقَالَ الزّبَيْرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ
حَلَفْت لَنَقْعُدَنْ حِلْفًا عَلَيْهِمْ ... وَإِنْ كُنّا جَمِيعًا أَهْلَ دَارِ
نُسَمّيهِ الْفُضُولَ إذَا عَقَدْنَا ... يَعِزّ بِهِ الْغَرِيبُ لَدَى الْجِوَارِ
وَيَعْلَمُ مَنْ حَوَالِي الْبَيْتِ أَنّا ... أُبَاةُ الضّيْمِ نَمْنَعُ كُلّ عَارِ
وَقَالَ الزّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ :
إنّ الْفُضُولَ تَحَالَفُوا ، وَتَعَاقَدُوا ... أَلّا يُقِيمَ بِبَطْنِ مَكّةَ ظَالِمُ
أَمْرٌ عَلَيْهِ تَعَاهَدُوا ، وَتَوَاثَقُوا ... فَالْجَارُ وَالْمُعَتّرُ فِيهِمْ سَالِمُ
وَذَكَرَ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ أَنّ رَجُلًا مِنْ خَثْعَمَ قَدِمَ مَكّةَ مُعْتَمِرًا ، أَوْ حَاجّا ، وَمَعَهُ بِنْتٌ لَهُ يُقَالُ لَهَا : الْقَتُولُ مِنْ أَوْضَأِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ فَاغْتَصَبَهَا مِنْهُ نُبَيْهُ بْنُ الْحَجّاجِ وَغَيّبَهَا عَنْهُ فَقَالَ الْخَثْعَمِيّ : مَنْ يُعْدِينِي عَلَى هَذَا الرّجُلِ فَقِيلَ لَهُ عَلَيْك بِحِلْفِ الْفُضُولِ فَوَقَفَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ ، وَنَادَى : يَا لَحِلْفِ الْفُضُولِ فَإِذَا هُمْ يُعْنِقُونَ إلَيْهِ مِنْ كُلّ جَانِبٍ وَقَدْ انْتَضَوْا أَسْيَافَهُمْ يَقُولُونَ جَاءَك الْغَوْثُ ، فَمَا لَك ؟ فَقَالَ إنّ نُبَيْهًا ظَلَمَنِي فِي ابْنَتِي ، وَانْتَزَعَهَا مِنّي قَسْرًا ، فَسَارُوا مَعَهُ حَتّى وَقَفُوا عَلَى بَابِ الدّارِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ أَخْرِجْ الْجَارِيَةَ وَيْحَك ، فَقَدْ عَلِمْت مَنْ نَحْنُ وَمَا تَعَاقَدْنَا عَلَيْهِ فَقَالَ أَفْعَلُ وَلَكِنْ مَتّعُونِي بِهَا اللّيْلَةَ فَقَالُوا لَهُ لَا وَاَللّهِ وَلَا شَخْبَ لِقْحَةٍ فَأَخْرَجَهَا إلَيْهِمْ وَهُوَ يَقُولُ [ ص 244 ]
رَاحَ صَحْبِي وَلَمْ أُحَيّ الْقَتُولَا ... لَمْ أُوَدّعْهُمْ وَدَاعًا جَمِيلَا
ذْ أَجَدّ الْفُضُولُ أَنْ يَمْنَعُوهَا ... قَدْ أَرَانِي ، وَلَا أَخَافُ الْفُضُولَا
لَا تَخَالِي أَنّي عَشِيّةَ رَاحَ الرّ ... كْبُ هُنْتُمْ عَلَيّ أَلّا أَقُوّلَا
فِي أَبْيَاتٍ غَيْرِ هَذِهِ ذَكَرَهَا الزّبَيْرُ وَذَكَرَ مِنْ قَوْلِهِ فِيهَا أَيْضًا :
حَلّتْ تِهَامَةُ حِلّةً ... مِنْ بَيْتِهَا وَوِطَائِهَا
وَلَهَا بِمَكّةَ مَنْزِلٌ ... مِنْ سَهْلِهَا وَحِرَائِهَا
أَخَذَتْ بَشَاشَةَ قَلْبِهِ ... وَنَأَتْ فَكَيْفَ بِنَأْيِهَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : [ ص 245 ] التّيْمِيّ أَنّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَوْفٍ الزّهْرِيّ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 246 ] لَقَدْ شَهِدْت فِي دَارِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا ، مَا أُحِبّ أَنّ لِي بِهِ حُمْرَ النّعَمِ وَلَوْ أُدْعَى بِهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتSالْحِلْفُ وَابْنُ جُدْعَانَ
فَصْلٌ وَذَكَرَ قَوْلَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَقَدْ شَهِدْت فِي دَارِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفًا مَا أُحِبّ أَنّ لِي بِهِ حُمْرَ النّعَمِ وَلَوْ دُعِيت إلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْت وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ جُدْعَانَ هَذَا تَيْمِيّ هُوَ ابْنُ جُدْعَانَ بْنِ عُمَرَ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمٍ يُكَنّى : أَبَا زُهَيْرِ ابْنَ عَمّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا - وَلِذَلِكَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إ نّ ابْنَ جُدْعَانَ كَانَ يُطْعِمُ الطّعَامَ وَيَقْرِي الضّيْفَ فَهَلْ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ لَا إنّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا : رَبّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدّينِ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ . وَمِنْ غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِابْنِ قُتَيْبَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ كُنْت أَسَتَظِلّ بِظِلّ جَفْنَةِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جُدْعَانَ صَكّةَ عُمَيّ يَعْنِي : فِي الْهَاجِرَةِ وَسُمّيَتْ الْهَاجِرَةُ صَكّةَ عُمَيّ لِخَبَرِ ذَكَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْأَنْوَاءِ أَنّ عُمَيّا رَجُلٌ مِن ْ عَدْوَانَ ، وَقِيلَ مِنْ إيَادٍ ، وَكَانَ فَقِيهَ الْعَرَبِ فِي الْجَاهِلِيّةِ فَقَدِمَ فِي قَوْمٍ مُعْتَمِرًا أَوْ حَاجّا : فَلَمّا كَانَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكّةَ قَالَ لِقَوْمِهِ وَهُمْ فِي نَحْرِ الظّهِيرَةِ مَنْ أَتَى مَكّةَ غَدًا فِي مِثْلِ هَذَا الْوَقْتِ كَانَ لَهُ أَجْرُ عُمْرَتَيْنِ فَصَكّوا الْإِبِلَ صَكّةً شَدِيدَةً حَتّى أَتَوْا مَكّةَ مِنْ الْغَدِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَأَنْشَدَ
وَصَكّ بِهَا نَحْرَ الظّهِيرَةِ صَكّةَ ... عُمَيّ وَمَا يَبْغِينَ إلّا ظِلَالَهَا
[ ص 245 ] وَعُمَيّ : تَصْغِيرُ أَعْمَى عَلَى التّرْخِيمِ فَسُمّيَتْ الظّهِيرَةُ صَكّةَ عُمَيّ بِهِ . وَقَالَ الْبَكْرِيّ فِي شَرْحِ الْأَمْثَالِ عُمَيّ : رَجُلٌ مِنْ الْعَمَالِيقِ أَوْقَعَ بِالْعَدُوّ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْوَقْتِ فَسُمّيَ ذَلِكَ الْوَقْتُ صَكّةَ عُمَيّ وَاَلّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ أَوْلَى ، وَقَائِلُهُ أَعْلَى . وَقَالَ يَعْقُوبُ عَمِيَ الظّبْيُ يَتَحَيّرُ بَصَرُهُ فِي الظّهِيرَةِ مِنْ شِدّةِ الْحَرّ . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : وَكَانَتْ جَفْنَتُهُ يَأْكُلُ مِنْهَا الرّاكِبُ عَلَى الْبَعِيرِ وَسَقَطَ فِيهَا صَبِيّ ، فَغَرِقَ أَيْ مَاتَ . وَكَانَ أُمَيّةُ بْنُ أَبِي الصّلْتِ قَبْلَ أَنْ يَمْدَحَهُ قَدْ أَتَى بَنِي الدّيّانِ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ فَرَأَى طَعَامَ بَنِي عَبْدِ الْمَدَانِ مِنْهُمْ لُبَابُ الْبُرّ وَالشّهْدُ وَالسّمْنُ وَكَانَ ابْنُ جُدْعَانَ يُطْعِمُ التّمْرَ وَالسّوِيقَ وَيَسْقِي اللّبَنَ فَقَالَ أُمَيّةُ
وَلَقَدْ رَأَيْت الْفَاعِلِينَ وَفِعْلَهُمْ ... فَرَأَيْت أَكْرَمَهُمْ بَنِي الدّيّانِ
الْبُرّ يُلْبَكُ بِالشّهَادِ طَعَامُهُمْ ... لَا مَا يُعَلّلُنَا بَنُو جُدْعَانَ
فَبَلَغَ شِعْرُهُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ جُدْعَانَ ، فَأَرْسَلَ أَلْفَيْ بَعِيرٍ إلَى الشّامِ ، تَحْمِلُ إلَيْهِ الْبُرّ وَالشّهْدَ وَالسّمْنَ وَجَعَلَ مُنَادِيًا يُنَادِي عَلَى الْكَعْبَةِ : أَلَا هَلُمّوا إلَى جَفْنَةِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جُدْعَانَ ، فَقَالَ أُمَيّةُ عِنْدَ ذَلِكَ
لَهُ دَاعٍ بِمَكّةَ مُشْمِعَلّ ... وَآخَرُ فَوْقَ كَعْبَتِهَا يُنَادِي
إلَى رُدُحٍ مِنْ الشّيزَى عَلَيْهَا ... لُبَابُ الْبُرّ يُلْبَكُ بِالشّهَادِ
وَكَانَ ابْنُ جُدْعَانَ فِي بَدْءِ أَمْرِهِ صُعْلُوكًا تَرِبَ الْيَدَيْنِ وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ شِرّيرًا فَاتِكًا ، وَلَا يَزَالُ يَجْنِي الْجِنَايَاتِ فَيَعْقِلُ عَنْهُ أَبُوهُ وَقَوْمُهُ حَتّى أَبْغَضَتْهُ عَشِيرَتُهُ وَنَفَاهُ أَبُوهُ وَحَلَفَ أَلّا يُؤْوِيَهُ أَبَدًا لِمَا أَثْقَلَهُ بِهِ مِنْ الْغُرْمِ وَحَمَلَهُ مِنْ الدّيَاتِ فَخَرَجَ فِي شِعَابِ مَكّةَ حَائِرًا بَائِرًا ، يَتَمَنّى الْمَوْتَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ فَرَأَى شَقّا فِي جَبَلٍ فَظَنّ فِيهِ حَيّةً فَتَعَرّضَ لِلشّقّ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا يَقْتُلُهُ فَيَسْتَرِيحَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا ، فَدَخَلَ فِيهِ فَإِذَا فِيهِ ثُعْبَانٌ عَظِيمٌ لَهُ عَيْنَانِ تَقِدَانِ كَالسّرَاجِينِ . فَحَمَلَ عَلَيْهِ الثّعْبَانُ فَأَفْرَجَ لَهُ فَانْسَابَ عَنْهُ مُسْتَدِيرًا بِدَارَةِ عِنْدَهَا بَيْتٌ فَخَطَا خُطْوَةٌ أُخْرَى ، فَصَفَرَ بِهِ الثّعْبَانُ وَأَقْبَلَ عَلَيْهِ كَالسّهْمِ فَأَفْرَجَ عَنْهُ فَانْسَابَ عَنْهُ قُدُمًا لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ أَنّهُ مَصْنُوعٌ فَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ فَإِذَا هُوَ مَصْنُوعٌ مِنْ ذَهَبٍ وَعَيْنَاهُ يَاقُوتُتَانِ [ ص 246 ] وَأَخَذَ عَيْنَيْهِ وَدَخَلَ الْبَيْتَ فَإِذَا جُثَثٌ عَلَى سُرُرٍ طِوَالٍ لَمْ يُرَ مِثْلُهُمْ طُولًا وَعِظَمًا ، وَعِنْدَ رُءُوسِهِمْ لَوْحٌ مِنْ فِضّةٍ فِيهِ تَارِيخُهُمْ وَإِذْ هُمْ رِجَالٌ مِنْ مُلُوكِ جُرْهُمٍ ، وَآخِرُهُمْ مَوْتًا : الْحَارِثُ بْنُ مُضَاضٍ صَاحِبُ الْغُرْبَةِ الطّوِيلَةِ وَإِذَا عَلَيْهِمْ ثِيَابٌ لَا يُمَسّ مِنْهَا شَيْءٌ إلّا انْتَثَرَ كَالْهَبَاءِ مِنْ طُولِ الزّمَنِ وَشِعْرٌ مَكْتُوبٌ فِي اللّوْحِ فِيهِ عِظَاتٌ آخِرُ بَيْتٍ مِنْ هُ
صَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْت بِرَاعٍ ... رَدّ فِي الضّرْعِ مَا قَرَى فِي الْحِلَابِ
وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ : كَانَ اللّوْحُ مِنْ رُخَامٍ وَكَانَ فِيهِ أَنَا نُفَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ بْنِ خَشْرَمِ بْنِ عَبْدِ يَالَيْل بْنِ جُرْهُمِ بْنِ قَحْطَانَ بْنِ هُودٍ نَبِيّ اللّهِ عِشْت خَمْسَمِائَةِ عَامٍ وَقَطَعْت غَوْرَ الْأَرْضِ بَاطِنَهَا وَظَاهِرَهَا فِي طَلَبِ الثّرْوَةِ وَالْمَجْدِ وَالْمُلْكِ فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ يُنْجِينِي مِنْ الْمَوْتِ وَتَحْتَهُ مَكْتُوب :
قَدْ قَطَعْت الْبِلَادَ فِي طَلَبِ الثّرْ ... وَةِ وَالْمَجْدُ قَالِصُ الْأَثْوَابِ
وَسَرَيْت الْبِلَادَ قَفْرًا لِقَفْرِ ... بِقَنَاتِي وَقُوّتِي وَاكْتِسَابِي
فَأَصَابَ الرّدَى بَنَاتِ فُؤَادِي ... بِسِهَامِ مِنْ الْمَنَايَا صِيَابِ
فَانْقَضَتْ شِرّتِي ، وَأَقْصَرَ جَهْلِي ... وَاسْتَرَاحَتْ عَوَاذِلِي مِنْ عِتَابِي
وَدَفَعْت السّفَاهَ بِالْحِلْمِ لَمّا ... نَزَلَ الشّيْبُ فِي مَحَلّ الشّبَابِ
صَاحِ هَلْ رَيْتَ أَوْ سَمِعْت بِرَاعٍ ... رَدّ فِي الضّرْعِ مَا قَرَى فِي الْحِلَابِ
وَإِذَا فِي وَسَطِ الْبَيْتِ كَوْمٌ عَظِيمٌ مِنْ الْيَاقُوتِ وَاللّؤْلُؤِ وَالذّهَبِ وَالْفِضّةِ وَالزّبَرْجَدِ فَأَخَذَ مِنْهُ مَا أَخَذَ ثُمّ عَلّمَ عَلَى الشّقّ بِعَلَامَةِ وَأَغْلَقَ بَابَهُ بِالْحِجَارَةِ وَأَرْسَلَ إلَى أَبِيهِ بِالْمَالِ الّذِي خَرَجَ بِهِ يَسْتَرْضِيهِ وَيَسْتَعْطِفُهُ وَوَصَلَ عَشِيرَتَهُ كُلّهُمْ فَسَادَهُمْ وَجَعَلَ يُنْفِقُ مِنْ ذَلِكَ الْكَنْزِ وَيُطْعِمُ النّاسَ وَيَفْعَلُ الْمَعْرُوفَ . ذَكَرَ حَدِيثَ كَنْزِ ابْنِ جُدْعَانَ مَوْصُولًا بِحَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ مُضَاضٍ ابْنُ هِشَامٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ وَوَقَعَ أَيْضًا فِي كِتَابِ رِيّ الْعَاطِشِ وَأُنْسِ الْوَاحِشِ لِأَحْمَدَ بْنِ عَمّارٍ [ ص 247 ] وَابْنُ جُدْعَانَ مِمّنْ حَرّمَ الْخَمْرَ فِي الْجَاهِلِيّةِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُغْرَى بِهَا ، وَذَلِكَ أَنّهُ سَكِرَ فَتَنَاوَلَ الْقَمَرَ لِيَأْخُذَهُ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ حِينَ صَحَا ، فَحَلَفَ لَا يَشْرَبُهَا أَبَدًا ، وَلَمّا كَبِرَ وَهَرِمَ أَرَادَ بَنُو تَمِيمٍ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ تَبْدِيدِ مَالِهِ وَلَامُوهُ فِي الْعَطَاءِ فَكَانَ يَدْعُو الرّجُلَ فَإِذَا دَنَا مِنْهُ لَطَمَهُ لَطْمَةً خَفِيفَةً ثُمّ يَقُولُ لَهُ قُمْ فَانْشُدْ لَطْمَتَك ، وَاطْلُبْ دِيَتَهَا ، فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ أَعْطَتْهُ بَنُو تَمِيمٍ مِنْ مَالِ ابْنِ جُدْعَانَ حَتّى يَرْضَى ، وَهُوَ جَدّ عُبَيْدِ اللّهِ بْن أَبِي مُلَيْكَةَ الْفَقِيهِ . وَاَلّذِي وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ ذِكْرِ نُفَيْلَةَ أَحْسَبُهُ نُفَيْلَةَ بِالنّونِ وَالْفَاءِ لِأَنّ بَنِي نُفَيْلَةَ كَانُوا مُلُوكَ الْحِيرَةِ ، وَهُمْ مِنْ غَسّانَ ، لَا مِنْ جُرْهُمٍ ، وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : [ ص 247 ] الْهَادِي اللّيْثِيّ أَنّ مُحَمّدَ بْنَ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ حَدّثَهُ أَنّهُ كَانَ بَيْنَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا ، وَبَيْنَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ . وَالْوَلِيدُ يَوْمَئِذٍ أَمِيرٌ عَلَى الْمَدِينَةِ ، أَمّرَهُ عَلَيْهَا عَمّهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ - مُنَازَعَةً فِي مَالٍ كَانَ بَيْنَهُمَا بِذِي الْمَرْوَةِ ، فَكَانَ الْوَلِيدُ تَحَامَلَ عَلَى الْحُسَيْنِ - فِي حَقّهِ لِسُلْطَانِهِ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ أَحْلِفُ بِاَللّهِ لَتُنْصِفَنّي مِنْ حَقّي ، أَوْ لَآخُذَنّ سَيْفِي ، ثُمّ لَأَقُومَنّ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - ثُمّ لَأَدْعُوَنّ بِحِلْفِ الْفُضُولِ قَالَ فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الزّبَيْرِ ، وَهُوَ عِنْدَ الْوَلِيدِ حِينَ قَالَ الْحُسَيْنُ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - مَا قَالَ وَأَنَا أَحْلِفُ بِاَللّهِ لَئِنْ دَعَا بِهِ لَآخُذَنّ سَيْفِي ، ثُمّ لَأَقُومَنّ مَعَهُ حَتّى يُنْصَفَ مِنْ حَقّهِ أَوْ نَمُوتَ جَمِيعًا . قَالَ فَبَلَغَتْ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ الزّهْرِيّ ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ وَبَلَغَتْ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ التّيْمِيّ ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ أَنْصَفَ الْحُسَيْنَ مِنْ حَقّهِ حَتّى رَضِيَ . [ ص 248 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ الْهَادِي اللّيْثِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ قَالَ قَدِمَ مُحَمّدُ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ - وَكَانَ مُحَمّدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَعْلَمَ قُرَيْشٍ - فَدَخَلَ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ حِينَ قُتِلَ ابْنُ الزّبَيْرِ وَاجْتَمَعَ النّاسُ عَلَى عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ با أَبَا سَعِيدٍ أَلَمْ نَكُنْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ يَعْنِي بَنِي عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنِيّ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ فِي حِلْفِ الْفُضُولِ ؟ قَالَ أَنْتَ أَعْلَمُ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَتُخْبِرَنّي يَا أَبَا سَعِيدٍ بِالْحَقّ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا وَاَللّهِ لَقَدْ خَرَجْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ مِنْهُ قَالَ صَدَقْت .Sمَوْقِفُ الْإِسْلَامِ مِنْ الْحِلْفِ فَصْلٌ وَذَكَرَ خَبَرَ الْحُسَيْنِ مَعَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ ، وَقَوْلَهُ لَآخُذَنّ سَيْفِي ، ثُمّ لَأَدْعُوَنّ بِحِلْفِ الْفُضُولِ إلَى آخِرِ الْقِصّةِ وَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ تَخْصِيصُ أَهْلِ هَذَا الْحِلْفِ بِالدّعْوَةِ وَإِظْهَارِ التّعَصّبِ إذَا خَافُوا ضَيْمًا ، وَإِنْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ رَفَعَ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيّةِ مِنْ قَوْلِهِمْ يَا لَفُلَانٍ عِنْدَ التّحَزّبِ وَالتّعَصّبِ وَقَدْ سَمِعَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - يَوْمَ الْمُرَيْسِيعِ رَجُلًا يَقُولُ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ وَقَالَ آخَرُ يَا لَلْأَنْصَارِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - دَعُوهَا فَإِنّهَا مُنْتِنَةٌ وَقَالَ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مَنْ ادّعَى بِدَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ فَأَعْضُوهُ بِهَنِ أَبِيهِ وَلَا تُكَنّوا وَنَادَى رَجُلٌ [ ص 248 ] النّابِعَةُ الْجَعْدِيّ بِعُصْبَةِ لَهُ فَضَرَبَهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - خَمْسِينَ جَلْدَةً وَذَلِكَ أَنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ جَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ إخْوَةً وَلَا يُقَالُ إلّا كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَا لَلّهِ وَيَا لَلْمُسْلِمِينَ لِأَنّهُمْ كُلّهُمْ حِزْبٌ وَاحِدٌ وَإِخْوَةٌ فِي الدّينِ إلّا مَا خَصّ الشّرْعُ بِهِ أَهْلَ حِلْفِ الْفُضُولِ وَالْأَصْلُ فِي تَخْصِيصِهِ قَوْلُهُ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَلَوْ دُعِيت بِهِ الْيَوْمَ لَأَجَبْت يُرِيدُ لَوْ قَالَ قَائِلٌ مِنْ الْمَظْلُومِينَ يَا لَحِلْفِ الْفُضُولِ لَأَجَبْت ، وَذَلِكَ أَنّ الْإِسْلَامَ إنّمَا جَاءَ بِإِقَامَةِ الْحَقّ وَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِينَ فَلَمْ يَزْدَدْ بِهِ هَذَا الْحِلْفُ إلّا قُوّةً وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السّلَامُ وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيّةِ فَلَنْ يَزِيدَهُ الْإِسْلَامُ إلّا شِدّةً لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنْ يَقُولَ الْحَلِيفُ يَا لَفُلَانٍ لِحُلَفَائِهِ فَيُجِيبُوهُ بَلْ الشّدّةُ الّتِي عَنَى رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إنّمَا هِيَ رَاجِعَةٌ إلَى مَعْنَى التّوَاصُلِ وَالتّعَاطُفِ وَالتّآلُفِ وَأَمّا دَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ فَقَدْ رَفَعَهَا الْإِسْلَامُ إلّا مَا كَانَ مِنْ حِلْفِ الْفُضُولِ كَمَا قَدّمْنَا ، فَحُكْمُهُ بَاقٍ وَالدّعْوَةُ بِهِ جَائِزَةٌ وَقَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنّ الْحَلِيفَ يَعْقِلُ مَعَ الْعَاقِلَةِ إذَا وَجَبَتْ الدّيَةُ لِقَوْلِهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إلّا شِدّةً وَلِقَوْلِهِ أَيْضًا لِلّذِي حَبَسَهُ فِي الْمَسْجِدِ إنّمَا حَبَسْتُك بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِك .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [ ص 249 ] الرّفَادَةَ وَالسّقَايَةَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ وَذَلِكَ أَنّ عَبْدَ شَمْسٍ كَانَ رَجُلًا سَفّارًا قَلّمَا يُقِيمُ بِمَكّةَ وَكَانَ مُقِلّا ذَا وَلَدٍ وَكَانَ هَاشِمٌ مُوسِرًا فَكَانَ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - إذَا حَضَرَ الْحَجّ ، قَامَ فِي قُرَيْشٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنّكُمْ جِيرَانُ اللّهِ ، وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَإِنّهُ يَأْتِيكُمْ فِي هَذَا الْمَوْسِمِ زُوّارُ اللّهِ وَحُجّاجُ بَيْتِهِ وَهُمْ ضَيْفُ اللّهِ وَأَحَقّ الضّيْفِ بِالْكَرَامَةِ ضَيْفُهُ فَاجْمَعُوا لَهُمْ مَا تَصْنَعُونَ لَهُمْ بِهِ طَعَامًا أَيّامَهُمْ هَذِهِ الّتِي لَا بُدّ لَهُمْ مِنْ الْإِقَامَةِ بِهَا ؛ فَإِنّهُ - وَاَللّهِ - لَوْ كَانَ مَالِي يَسَعُ لِذَلِكَ مَا كَلّفْتُكُمُوهُ . فَيَخْرُجُونَ لِذَلِكَ خَرْجًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ كُلّ امْرِئِ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ فَيُصْنَعُ بِهِ لِلْحُجّاجِ طَعَامٌ حَتّى يَصْدُرُوا مِنْهَا . [ ص 250 ] وَكَانَ هَاشِمٌ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - أَوّلَ مَنْ سَنّ الرّحْلَتَيْنِ لِقُرَيْشِ رِحْلَتَيْ الشّتَاءِ وَالصّيْفِ وَأَوّلُ مَنْ أَطْعَمَ الثّرِيدَ لِلْحُجّاجِ بِمَكّةَ وَإِنّمَا كَانَ اسْمُهُ عَمْرًا ، فَمَا سُمّيَ هَاشِمًا إلّا بِهَشْمِهِ الْخُبْزَ بِمَكّةَ لِقَوْمِهِ فَقَالَ شَاعِرٌ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ مِنْ بَعْضِ الْعَرَبِ :
عَمْرُو الّذِي هَشَمَ الثّرِيدَ لِقَوْمِهِ ... قَوْمٍ بِمَكّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ
سُنّتْ إلَيْهِ الرّحْلَتَانِ كِلَاهُمَا ... سَفَرُ الشّتَاءِ وَرِحْلَةُ الْإِيلَافِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : أَنْشَدَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ : قَوْمٍ بِمَكّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ
Sعَنْ أَوْلَادِ عَبْدِ مَنَافٍ
فَصْلٌ وَذَكَرَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ الْأَرْبَعَةَ وَقَدْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ خَامِسٌ وَهُوَ أَبُو عَمْرٍو ، وَاسْمُهُ عُبَيْدٌ ، دَرَجَ وَلَا عَقِبَ لَهُ ذَكَرَهُ الْبَرْقِيّ وَالزّبَيْرُ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ الْبَرْقِيّ أَنّ قُصَيّا كَانَ سَمّى ابْنَهُ عَبْدَ قُصَيّ ، وَقَالَ سَمّيْته بِنَفْسِي وَسَمّيْت الْآخَرَ بِدَارِ الْكَعْبَةِ ، يَعْنِي : عَبْدَ الدّارِ ثُمّ إنّ النّاسَ حَوّلُوا اسْمَ عَبْدِ قُصَيّ ، فَقَالُوا : عَبْدَ بْنَ قُصَيّ ، وَقَالَ الزّبَيْرُ أَيْضًا : كَانَ اسْمُ عَبْدِ الدّارِ عَبْدَ الرّحْمَنِ . [ ص 249 ] وَذَكَرَ هَاشِمًا وَمَا صَنَعَ فِي أَمْرِ الرّفَادَةِ وَإِطْعَامِ الْحَجِيجِ وَأَنّهُ سُمّيَ هَاشِمًا لِهَشْمِهِ الثّرِيدَ لِقَوْمِهِ وَالْمَعْرُوفُ فِي اللّغَةِ أَنْ يُقَالَ ثَرَدْت الْخُبْزَ فَهُوَ ثَرِيدٌ وَمَثْرُودٌ فَلَمْ يُسَمّ ثَارِدًا ، وَسُمّيَ هَاشِمًا ، وَكَانَ الْقِيَاسُ - كَمَا لَا يُسَمّى الثّرِيدُ هَشِيمًا ، بَلْ يُقَالُ فِيهِ - ثَرِيدٌ وَمَثْرُودٌ - أَنْ يُقَالَ فِي اسْمِ الْفَاعِلِ أَيْضًا كَذَلِكَ وَلَكِنْ سَبَبُ هَذِهِ التّسْمِيَةِ يَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ بَيَانٍ . ذَكَرَ أَصْحَابَ الْأَخْبَارِ أَنّ هَاشِمًا كَانَ يَسْتَعِينُ عَلَى إطْعَامِ الْحَاجّ بِقُرَيْشِ فَيَرْفِدُونَهُ بِأَمْوَالِهِمْ وَيُعِينُونَهُ ثُمّ جَاءَتْ أَزْمَةٌ شَدِيدَةٌ فَكَرِهَ أَنْ يُكَلّفَ قُرَيْشًا أَمْرَ الرّفَادَةِ فَاحْتَمَلَ إلَى الشّامِ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَاشْتَرَى بِهِ أَجْمَعَ كَعْكًا وَدَقِيقًا ، ثُمّ أَتَى الْمَوْسِمَ فَهَشّمَ ذَلِكَ الْكَعْكَ كُلّهُ هَشْمًا ، وَدَقّهُ دَقّا ، ثُمّ صَنَعَ لِلْحُجّاجِ طَعَامًا شِبْهَ الثّرِيدِ فَبِذَلِكَ سُمّيَ هَاشِمًا لِأَنّ الْكَعْكَ الْيَابِسَ لَا يُثْرَدُ وَإِنّمَا يُهْشَمُ هَشْمًا ، فَبِذَلِكَ مُدِحَ حَتّى قَالَ شَاعِرُهُمْ فِيهِ وَهُوَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الزّبَعْرَى :
كَانَتْ قُرَيْشٌ بَيْضَةً فَتَفَقّأَتْ ... فَالْمُحّ خَالِصُهُ لِعَبْدِ مَنَافِ
الْخَالِطِينَ فَقِيرَهُمْ بِغَنِيّهِمْ ... وَالطّاعِنِينَ لِرِحْلَةِ الْأَضْيَافِ
وَالرّائِشِينَ وَلَيْسَ يُوجَدُ رَائِشٌ ... وَالْقَائِلِينَ هَلُمّ لِلْأَضْيَافِ
عَمْرُو الْعُلَا هَشَمَ الثّرِيدَ لِقَوْمِهِ ... قَوْمٍ بِمَكّةَ مُسْنِتِينَ عِجَافِ
[ ص 250 ] وَكَانَ سَبَبَ مَدْحِ ابْنِ الزّبَعْرَى بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَهُوَ سَهْمِيّ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ - فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ - أَنّهُ كَانَ قَدْ هَجَا قُصَيّا بِشِعْرِ كَتَبَهُ فِي أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ ، أَوّلُهُ
أَلْهَى قُصَيّا عَنْ الْمَجْدِ الْأَسَاطِيرُ ... وَمِشْيَةٌ مِثْلُ مَا تَمْشِي الشّقَارِيرُ
فَاسْتَعْدَوْا عَلَيْهِ بَنِي سَهْمٍ فَأَسْلَمُوهُ إلَيْهِمْ فَضَرَبُوهُ وَحَلَقُوا شَعْرَهُ وَرَبَطُوهُ إلَى صَخْرَةٍ بِالْحَجُونِ فَاسْتَغَاثَ قَوْمَهُ فَلَمْ يُغِيثُوهُ فَجَعَلَ يَمْدَحُ قُصَيّا وَيَسْتَرْضِيهِمْ فَأَطْلَقَهُ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ مِنْهُمْ وَأَكْرَمُوهُ فَمَدَحَهُمْ بِهَذَا الشّعْرِ وَبِأَشْعَارِ كَثِيرَةٍ ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ هَلَكَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ بِغَزّةَ مِنْ أَرْضِ الشّامِ تَاجِرًا ، فَوَلِيَ السّقَايَةَ وَالرّفَادَةَ مِنْ بَعْدِهِ الْمُطّلِبُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَكَانَ أَصْغَرَ مِنْ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمٍ وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ وَفَضْلٍ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ إنّمَا تُسَمّيهِ الْفَيْضَ لِسَمَاحَتِهِ وَفَضْلِهِ . [ ص 251 ] وَكَانَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، فَتَزَوّجَ سَلْمَى بِنْتَ عَمْرٍو أَحَدِ بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ بْنِ الْحَرِيشِ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُقَالُ الْحَرِيشُ بْنُ جَحْجَبَى بْنِ كُلْفَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَمْرَو بْنَ أُحَيْحَةَ وَكَانَتْ لَا تَنْكِحُ الرّجَالَ لِشَرَفِهَا فِي قَوْمِهَا حَتّى يَشْتَرِطُوا لَهَا أَنّ أَمْرَهَا بِيَدِهَا ، إذَا كَرِهَتْ رَجُلًا فَارَقَتْهُ . فَوَلَدَتْ لِهَاشِمِ عَبْدَ الْمُطّلِبِ ، فَسَمّتْهُ شَيْبَةَ فَتَرَكَهُ هَاشِمٌ عِنْدَهَا حَتّى كَانَ وَصِيفًا ، أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ ثُمّ خَرَجَ إلَيْهِ عَمّهُ الْمُطّلِبُ لِيَقْبِضَهُ فَيُلْحِقَهُ بِبَلَدِهِ وَقَوْمِهِ فَقَالَتْ لَهُ سَلْمَى : لَسْت بِمُرْسِلَتِهِ مَعَك ، فَقَالَ لَهَا الْمُطّلِبُ إنّي غَيْرُ مُنْصَرِفٍ حَتّى أَخْرُجَ بِهِ مَعِي ، إنّ ابْنَ أَخِي قَدْ بَلَغَ وَهُوَ غَرِيبٌ فِي غَيْرِ قَوْمِهِ وَنَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ شَرَفٍ فِي قَوْمِنَا ، نَلِي كَثِيرًا مِنْ أَمْرِهِمْ وَقَوْمُهُ وَبَلَدُهُ وَعَشِيرَتُهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ الْإِقَامَةِ فِي غَيْرِهِمْ أَوْ كَمَا قَالَ . وَقَالَ شَيْبَةُ لِعَمّهِ الْمُطّلِبِ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - لَسْت بِمُفَارِقِهَا إلّا أَنْ تَأْذَنَ لِي ، فَأَذِنَتْ لَهُ وَدَفَعَتْهُ إلَيْهِ فَاحْتَمَلَهُ فَدَخَلَ بِهِ مَكّةَ مُرْدِفَهُ مَعَهُ عَلَى بَعِيرِهِ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ : عَبْدُ الْمُطّلِبِ ابْتَاعَهُ فَبِهَا سُمّيَ شَيْبَةُ عَبْدَ الْمُطّلِبِ . فَقَالَ الْمُطّلِبُ وَيْحَكُمْ إنّمَا هُوَ ابْنُ أَخِي هَاشِمٍ قَدِمْت بِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ .Sعَبْدُ الْمُطّلِبِ وَابْنُ ذِي يَزَنَ فَصْلٌ وَذَكَرَ نِكَاحَ هَاشِمٍ سَلْمَى بِنْتَ عَمْرٍو النّجّارِيّةَ وَوِلَادَتَهَا لَهُ عَبْدَ الْمُطّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ ، وَمِنْ أَجْلِ هَذِهِ الْوِلَادَةِ قَالَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزَنَ أَوْ ابْنُهُ مَعْدِي كَرِبَ بْنُ سَيْفٍ مَلِكُ الْيَمَنِ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ حِينَ وَفَدَ عَلَيْهِ رَكْبٌ مِنْ قُرَيْشٍ : مَرْحَبًا بِابْنِ أُخْتِنَا ، لِأَنّ سَلْمَى مِنْ الْخَزْرَجِ ، وَهُمْ مِنْ الْيَمَنِ مِنْ سَبَأٍ ، وَسَيْفٌ مِنْ حِمْيَرَ بْنِ سَبَأٍ ، ثُمّ قَالَ لَهُ مَرْحَبًا وَأَهْلًا ، وَنَاقَةً وَرَحْلًا ، وَمُلْكًا سِبَحْلًا ، يُعْطِي عَطَاءً جَزْلًا . ثُمّ بَشّرَهُ بِالنّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَأَنّهُ مِنْ وَلَدِهِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ : مِثْلُك أَيّهَا الْمَلِكُ سِرّ وَبِرّ ، ثُمّ أَجْزَلَ الْمَلِكُ حِبَاءَهُ وَفَضّلَهُ عَلَى أَصْحَابِهِ وَانْصَرَفَ مَغْبُوطًا عَلَى مَا أَعْطَاهُ الْمَلِكُ فَقَالَ وَاَللّهِ لَمَا بَشّرَنِي بِهِ أَحَبّ إلَيّ مِنْ كُلّ مَا أَعْطَانِي . فِي خَبَرٍ فِيهِ طُولٌ . [ ص 251 ] أُحَيْحَةَ وَذَكَرَ نَسَبَ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ بْنِ الْحَرِيشِ بْنِ جَحْجَبَى ، وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ : هُوَ الْحَرِيسُ يَعْنِي . بِالسّينِ الْمُهْمَلَةِ - وَقَالَ الدّارَقُطْنِيّ عَنْ الزّبَيْرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ إنّ كُلّ مَا فِي الْأَنْصَارِ فَهُوَ حَرِيسٌ بِالسّينِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ إلّا هَذَا ، وَوَجَدْت فِي حَاشِيَةِ كِتَابِ أَبِي بَحْرٍ - رَحِمَهُ اللّهُ - صَوَابَ هَذَا الِاسْمِ يَعْنِي فِي نَسَبِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ بْنِ الْحَرِيشِ بِالشّينِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى لَفْظِ الْحَرِيشِ بْنِ كَعْبٍ الْبَطْنِ الّذِي فِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ .
ثُمّ هَلَكَ الْمُطّلِبُ بِرَدْمَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ يَبْكِيهِ
قَدْ ظَمِئَ الْحَجِيجُ بَعْدَ الْمُطّلِبْ ... بَعْدَ الْجِفَانِ وَالشّرَابِ المُنْثَعِبْ
لَيْتَ قُرَيْشًا بَعْدَهُ عَلَى نَصَبْ وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزَاعِيّ ، يَبْكِي الْمُطّلِبَ وَبَنِيّ عَبْدِ مَنَافٍ جَمِيعًا حِينَ أَتَاهُ نَعْيُ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَكَانَ نَوْفَلٌ آخِرَهُمْ هُلْكًا : [ ص 252 ]
يَا لَيْلَةً هَيّجْت لَيْلَاتِي ... إحْدَى لَيَالِيّ الْقَسِيّاتِ
وَمَا أُقَاسِي مِنْ هُمُومٍ وَمَا ... عَالَجْت مِنْ رُزْءِ الْمَنِيّاتِ
إذَا تَذَكّرْت أَخِي نَوْفَلًا ... ذَكّرَنِي بِالْأَوّلِيّاتِ
ذَكّرَنِي بِالْأُزُرِ الْحُمْرِ وَاَلْ ... أَرْدِيَةِ الصّفْرِ الْقَشِيبَاتِ
أَرْبَعَةٌ كُلّهُمْ سَيّدٌ ... أَبْنَاءُ سَادَاتٍ لِسَادَاتِ
مَيْتٌ بِرَدْمَانَ وَمَيْتٌ بِسَلْ ... مَانَ وَمَيْتٌ بَيْنَ غَزّاتِ
وَمَيْتٌ أُسْكِنَ لَحْدًا لَدَى الْ ... مَحْجُوبِ شَرْقِيّ الْبَنِيّاتِ
أَخْلَصُهُمْ عَبْدُ مَنَافٍ فَهُمْ ... مِنْ لَوْمِ مَنْ لَامَ بِمَنْجَاةِ
إنّ الْمُغِيرَاتِ وَأَبْنَاءَهَا ... مِنْ خَيْرِ أَحْيَاءٍ وَأَمْوَاتِ
[ ص 253 ] وَكَانَ اسْمُ عَبْدِ مَنَافٍ الْمُغِيرَةُ وَكَانَ أَوّلَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ هُلْكًا : هَاشِمٌ بِغَزّةَ مِنْ أَرْضِ الشّامِ ، ثُمّ عَبْدُ شَمْسٍ بِمَكّةَ ثُمّ الْمُطّلِبُ بِرَدْمَانَ مِنْ أَرْضِ الْيَمَنِ ، ثُمّ نَوْفَلٌ بِسَلْمَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِرَاقِ . فَقِيلَ لِمَطْرُودِ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - لَقَدْ قُلْت فَأَحْسَنْت ، وَلَوْ كَانَ أَفْحَلَ مِمّا قُلْت كَانَ أَحْسَنَ فَقَالَ أَنْظِرْنِي لَيَالِيَ فَمَكَثَ أَيّامًا ، ثُمّ قَالَ [ ص 254 ] [ ص 255 ]
يَا عَيْنُ جُودِي ، وَأَذْرِي الدّمْعَ وَانْهَمِرِي ... وَابْكِي عَلَى السّرّ مِنْ كَعْبِ الْمُغِيرَاتِ
يَا عَيْنُ وَاسْحَنْفِرِي بِالدّمْعِ وَاحْتَفِلِي ... وَابْكِي خَبِيئَةَ نَفْسِي فِي الْمُلِمّاتِ
وَابْكِي عَلَى كُلّ فَيّاضٍ أَخِي ثِقَةٍ ... ضَخْمِ الدّسِيّةِ وَهّابِ الْجَزِيلَاتِ
مَحْضِ الضّرِيبَةِ عَالِي الْهَمّ مُخْتَلَقٍ ... جَلْدِ النّحِيزَةِ نَاءٍ بِالْعَظِيمَاتِ
صَعْبِ الْبَدِيهَةِ لَا نُكْسٌ وَلَا وَكَلٌ ... مَاضِي الْعَزِيمَةِ مِتْلَافِ الْكَرِيمَاتِ
صَقْرٍ تَوَسّطَ مِنْ كَعْبٍ إذَا نُسِبُوا ... بُحْبُوحَةَ الْمَجْدِ وَالشّمّ الرّفِيعَاتِ
ثُمّ اُنْدُبِي الْفَيْضَ وَالْفَيّاضَ مُطّلِبًا ... وَاسْتَخْرِطِي بَعْدَ فَيْضَاتٍ بِجَمّاتِ
أَمْسَى بِرَدْمَانَ عَنّا الْيَوْمَ مُغْتَرِبًا ... يَا لَهْفَ نَفْسِي عَلَيْهِ بَيْنَ أَمْوَاتِ
وَابْكِي - لَكِ الْوَيْلُ - إمّا كُنْت بَاكِيَةً ... لِعَبْدِ شَمْسٍ بِشَرْقِيّ الْبَنِيّاتِ
وَهَاشِمٍ فِي ضَرِيحٍ وَسْطَ بَلْقَعَةٍ ... تَسْفِي الرّيَاحَ عَلَيْهِ بَيْنَ غَزّاتِ
وَنَوْفَلٍ كَانَ دُونَ الْقَوْمِ خَالِصَتِي ... أَمْسَى بِسَلْمَانَ فِي رَمْسٍ بِمَوْمَاةِ
لَمْ أَلْقَ مِثْلَهُمْ عُجْمًا وَلَا عَرَبًا ... إذَا اسْتَقَلّتْ بِهِمْ أُدْمُ الْمَطِيّاتِ
أَمْسَتْ دِيَارُهُمْ مِنْهُمْ مُعَطّلَةً ... وَقَدْ يَكُونُونَ زَيْنًا فِي السّرِيّاتِ
أَفْنَاهُمْ الدّهْرُ أَمْ كَلّتْ سُيُوفُهُمْ ... أَمْ كُلّ مَنْ عَاشَ أَزْوَادُ الْمَنِيّاتِ
أَصْبَحْت أَرْضَى مِنْ الْأَقْوَامِ بَعْدَهُمْ ... بَسْطَ الْوُجُوهِ وَإِلْقَاءَ التّحِيّاتِ
يَا عَيْنُ فَابْكِي أَبَا الشّعْثِ الشّجِيّاتِ ... يَبْكِينَهُ حُسّرًا مِثْلَ الْبَلِيّاتِ
يَبْكِينَ أَكْرَمَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ ... يُعْوِلْنَهُ بِدُمُوعِ بَعْدَ عَبَرَاتِ
يَبْكِينَ شَخْصًا طَوِيلَ الْبَاعِ ذَا فَجَرٍ ... آبِي الْهَضِيمَةِ فَرّاجَ الْجَلِيلَاتِ
يَبْكِينَ عَمْرَو الْعُلَا إذْ حَانَ مَصْرَعُهُ ... سَمْحَ السّجِيّةِ بَسّامَ الْعَشِيّاتِ
يَبْكِينَهُ مُسْتَكِينَاتٍ عَلَى حَزَنٍ ... يَا طُولَ ذَلِكَ مِنْ حُزْنٍ وَعَوْلَاتِ
يَبْكِينَ لَمّا جَلَاهُنّ الزّمَانُ لَهُ ... خُضْرَ الْخُدُودِ كَأَمْثَالِ الْحَمِيّاتِ
مُحْتَزِمَاتٍ عَلَى أَوْسَاطِهِنّ لِمَا ... جَرّ الزّمَانُ مِنْ إحداث الْمُصِيبَاتِ
أَبِيت لَيْلِي أُرَاعِي النّجْمَ مِنْ أَلَمٍ ... أَبْكِي ، وَتَبْكِي مَعِي شَجْوِي بُنَيّاتِي
مَا فِي الْقُرُومِ لَهُمْ عِدْلٌ وَلَا خَطَرٌ ... وَلَا لِمَنْ تَرَكُوا شَرْوَى بَقِيّاتِ
أَبْنَاؤُهُمْ خَيْرُ أَبْنَاءٍ وَأَنْفُسُهُمْ ... خَيْرُ النّفُوسِ لَدَى جَهْدِ الْأَلِيّاتِ
كَمْ وَهَبُوا مِنْ طِمِرّ سَابِحٍ أَرِنٍ ... وَمِنْ طِمِرّةِ نَهْبٍ فِي طِمِرّاتِ
وَمِنْ سُيُوفٍ مِنْ الْهِنْدِيّ مُخْلَصَةٍ ... وَمِنْ رِمَاحٍ كَأَشْطَانِ الرّكِيّاتِ
وَمِنْ تَوَابِعَ مِمّا يُفْضِلُونَ بِهَا ... عِنْدَ الْمَسَائِلِ مِنْ بَذْلِ الْعَطِيّاتِ
فَلَوْ حَسَبْت وَأَحْصَى الْحَاسِبُونَ مَعِي ... لَمْ أَقْضِ أَفْعَالَهُمْ تِلْكَ الْهَنِيّاتِ
هُمْ الْمُدِلّونَ إمّا مَعْشَرٌ فَخَرُوا ... عِنْدَ الْفَخَارِ بِأَنْسَابِ نَقِيّاتِ
زَيْنُ الْبُيُوتِ الّتِي خَلّوْا مَسَاكِنَهَا ... فَأَصْبَحَتْ مِنْهُمْ وَحْشًا خَلِيّاتِ
أَقُولُ وَالْعَيْنُ لَا تَرْقَا مَدَامِعُهَا : ... لَا يُبْعِدُ اللّهُ أَصْحَابَ الرّزِيّاتِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : الْفَجَرُ الْعَطَاءُ قَالَ أَبُو خِرَاشٍ الْهُذَلِيّ :
عَجّفَ أَضْيَافِي جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ ... بِذِي فَجَرٍ تَأْوِي إلَيْهِ الْأَرَامِلُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : أَبُو الشّعْثِ الشّجِيّاتِ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ .
Sفَصْلٌ وَأَنْشَدَ لِمَطْرُودِ بْنِ كَعْبٍ
يَا لَيْلَةً هَيّجْت لَيْلَاتِي ... إحْدَى لَيَالِيّ الْقَسِيّاتِ
[ ص 252 ] أَنْتِ إحْدَى لَيَالِيّ الْقَسِيّاتِ . فَعِيلَاتٌ مِنْ الْقَسْوَةِ أَيْ لَا لِينَ عِنْدَهُنّ وَلَا رَأْفَةَ فِيهِنّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُمْ مِنْ الدّرْهَمِ الْقَسِيّ وَهُوَ الزّائِفُ وَقَدْ قِيلَ فِي الدّرْهَمِ الْقَسِيّ إنّهُ أَعْجَمِيّ مُعَرّبٌ وَقِيلَ هُوَ مِنْ الْقَسَاوَةِ لِأَنّ الدّرْهَمَ الطّيّبَ أَلْيَنُ مِنْ الزّائِفِ وَالزّائِفُ أَصْلَبُ مِنْهُ . وَنَصَبَ لَيْلَةً عَلَى التّمْيِيزِ كَذَلِكَ قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي قَوْلِ الصّلَتَانِ الْعَبْدِيّ أَيَا شَاعِرًا لَا شَاعِرَ الْيَوْمَ مِثْلُهُ
وَذَلِكَ أَنّ فِي الْكَلَامِ مَعْنَى التّعَجّبِ . وَقَوْلُهُ وَمَيْتٌ بِغَزّاتِ . هِيَ غَزّةُ ، وَلَكِنّهُمْ يَجْعَلُونَ لِكُلّ نَاحِيَةٍ أَوْ لِكُلّ رَبَضٍ مِنْ الْبَلْدَةِ اسْمَ الْبَلْدَةِ فَيَقُولُونَ غَزّاتٍ فِي غَزّةَ ، وَيَقُولُونَ فِي بَغْدَانَ بَغَادِينَ ، كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُحَدّثِينَ
شَرِبْنَا فِي بَغَادِينَ ... عَلَى تِلْكَ الْمَيَادِينِ
وَلِهَذَا نَظَائِرُ سَتَمُرّ فِي الْكِتَابِ - إنْ شَاءَ اللّهُ - وَمِنْ هَذَا الْبَابِ حُكْمُهُمْ لِلْبَعْضِ بِحُكْمِ الْكُلّ كَمَا سَمّوْهُ بِاسْمِهِ نَحْوُ قَوْلِهِمْ شَرِقَتْ صَدْرُ الْقَنَاةِ مِنْ الدّمِ وَذَهَبَتْ بَعْضُ أَصَابِعِهِ وَتَوَاضَعَتْ سُوَرُ الْمَدِينَةِ . وَقَدْ تَرَكّبَتْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ مَسْأَلَةٌ مِنْ الْفِقْهِ قَالَ الْفُقَهَاءُ أَوْ أَكْثَرُهُمْ مَنْ حَلَفَ أَلّا يَأْكُلَ هَذَا الرّغِيفَ فَأَكَلَ بَعْضَهُ فَقَدْ حَنِثَ فَحَكَمُوا لِلْبَعْضِ بِحُكْمِ الْكُلّ وَأَطْلَقُوا عَلَيْهِ اسْمَهُ . وَفِيهِ
إنّ الْمُغِيرَاتِ وَأَبْنَاءَهَا ... مِنْ خَيْرِ أَحْيَاءٍ وَأَمْوَاتِ
[ ص 253 ] فَالْمُغِيرَاتُ بَنُو الْمُغِيرَةِ ، وَهُوَ عَبْدُ مَنَافٍ كَمَا قَالُوا : الْمَنَاذِرَةُ فِي بَنِي الْمُنْذِرِ وَالْأَشْعَرُونَ فِي بَنِي أَشْعَرَ بْنِ أُدَدَ كَمَا قَالَ عَلِيّ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبّاسٍ فِي ابْنِ الزّبَيْرِ آثَرَ عَلَيّ الْحُمَيْدَاتِ وَالتّوَيْتَاتِ وَالْأُسَامَاتِ يَعْنِي : بَنِي حُمَيْدٍ وَبَنِيّ تُوَيْتٍ وَبَنِيّ أُسَامَةَ وَهُمْ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى . وَأَنْشَدَ لَهُ فِي الْقَصِيدَةِ التّاوِيّةِ مَحْضِ الضّرِيبَةِ ، عَالِي الْهَمّ مُخْتَلَقٍ أَيْ عَظِيمِ الْخَلْقِ جَلْدِ النّحِيزَةِ نَاءٍ بِالْعَظِيمَاتِ . لَيْسَ قَوْلُهُ نَاءٍ مِنْ النّأْيِ فَتَكُونَ الْهَمْزَةُ فِيهِ عَيْنَ الْفِعْلِ وَإِنّمَا هُوَ مِنْ نَاءَ يَنُوءُ إذَا نَهَضَ فَالْهَمْزَةُ فِيهِ لَامُ الْفِعْلِ كَمَا هُوَ فِي جَاءَ عِنْدَ الْخَلِيلِ فَإِنّهُ عِنْدَهُ مَقْلُوبٌ وَوَزْنُهُ فَالِعٌ وَالْيَاءُ الّتِي بَعْدَ الْهَمْزَةِ هِيَ عَيْنُ الْفِعْلِ فِي جَاءَ يَجِيءُ . [ ص 254 ] [ ص 255 ] الْبَنِيّاتِ " يَعْنِي : الْبَنِيّةَ وَهِيَ الْكَعْبَةُ ، وَهُوَ نَحْوٌ مِمّا تَقَدّمَ فِي غَزّاتٍ . وَفِيهِ الشّعْثُ الشّجِيّاتُ . فَشَدّدَ يَاءَ الشّجِيّ وَإِنْ كَانَ أَهْلَ اللّغَةِ قَدْ قَالُوا : يَاءُ الشّجِي مُخَفّفَةٌ وَيَاءُ الْخَلِيّ مُشَدّدَةٌ وَقَدْ اعْتَرَضَ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَلَى أَبِي تَمّامٍ الطّائِيّ فِي قَوْلِهِ
أَيَا وَيْحَ الشّجِيّ مِنْ الْخَلِيّ ... وَوَيْحَ الدّمْعِ مِنْ إحْدَى بَلِيّ
وَاحْتَجّ بِقَوْلِ يَعْقُوبَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ الطّائِيّ : وَمَنْ أَفْصَحُ عِنْدَك : ابْنُ الجُرْمُقَانِيّةِ يَعْقُوبُ أَمْ أَبُو الْأَسْوَدِ الدّؤَلِيّ حَيْثُ يَقُولُ ؟
وَيْلُ الشّجِيّ مِنْ الْخَلِيّ فَإِنّهُ ... وَصِبُ الْفُؤَادِ بِشَجْوِهِ مَغْمُومُ
قَالَ الْمُؤَلّفُ وَبَيْتُ مَطْرُودٍ أَقْوَى فِي الْحُجّةِ مِنْ بَيْتِ أَبِي الْأَسْوَدِ الدّؤَلِيّ لِأَنّهُ جَاهِلِيّ مُحَكّكٌ وَأَبُو الْأَسْوَدِ أَوّلُ مَنْ صَنَعَ النّحْوَ فَشِعْرُهُ قَرِيبٌ مِنْ التّوْلِيدِ وَلَا يَمْتَنِعُ فِي الْقِيَاسِ أَيْضًا أَنْ يُقَالَ شَجِيّ وَشَجٍ لِأَنّهُ فِي مَعْنَى : حَزِنٌ وَحَزِينٌ وَقَدْ قِيلَ مَنْ شَدّدَ الْيَاءَ فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ . وَفِيهِ بُعْدٌ قَوْلُهُ أَبَا الشّعْثِ الشّجِيّاتِ . يَبْكِينَهُ حُسّرًا مِثْلَ الْبَلِيّاتِ . الْبَلِيّةُ النّاقَةُ الّتِي كَانَتْ تُعْقَلُ عِنْدَ قَبْرِ صَاحِبِهَا إذَا مَاتَ حَتّى تَمُوتَ جَوْعًا وَعَطَشًا ، وَيَقُولُونَ إنّهُ يُحْشَرُ رَاكِبًا [ ص 256 ] كَانَ مِنْهُمْ يَقُولُ بِالْبَعْثِ وَهُمْ الْأَقَلّ ، وَمِنْهُمْ زُهَيْرٌ فَإِنّهُ قَالَ
يُؤَخّرْ فَيُوضَعْ فِي كِتَابٍ فَيُدّخَرْ ... لِيَوْمِ الْحِسَابِ أَوْ يُعَجّلْ فَيُنْقَمْ
وَقَالَ الشّاعِرُ فِي الْبَلِيّةِ
وَالْبَلَايَا رُءُوسُهَا فِي الْوَلَايَا ... مَانِحَاتِ السّمُومِ حُرّ الْخُدُودِ
وَالْوَلَايَا : هِيَ الْبَرَاذِعُ وَكَانُوا يَثْقُبُونَ الْبَرْذَعَةَ فَيَجْعَلُونَهَا فِي عُنُقِ الْبَلِيّةِ وَهِيَ مَعْقُولَةٌ حَتّى تَمُوتَ وَأَوْصَى رَجُلٌ ابْنَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ بِهَذَا :
لَا تَتْرُكَنّ أَبَاك يُحْشَرُ مُرّةً ... عَدْوًا يَخِرّ عَلَى الْيَدَيْنِ وَيَنْكُبُ
فِي أَبْيَاتٍ ذَكَرَهَا الْخَطّابِيّ . وَقَوْلُهُ قِيَامًا كَالْحَمِيّاتِ . أَيْ مُخْتَرِقَاتِ الْأَكْبَادِ كَالْبَقَرِ أَوْ الظّبَاءِ الّتِي حَمِيَتْ الْمَاءَ وَهِيَ عَاطِشَةٌ فَحَمِيّةٌ بِمَعْنَى : مَحْمِيّةٍ لَكِنّهَا جَاءَتْ بِالتّاءِ لِأَنّهَا أُجْرِيَتْ مَجْرَى الْأَسْمَاءِ كَالرّمِيّةِ وَالضّحِيّةِ وَالطّرِيدَةِ وَفِي مَعْنَى الْحَمِيّ قَوْلُ رُؤْبَةَ قَوَاطِنُ مَكّةَ مِنْ وُرْقِ الْحَمِيّ يُرِيدُ الْحَمَامَ الْمَحْمِيّ أَيْ الْمَمْنُوعَ . وَقَوْلُهُ فِي رَمْسٍ بِمَوْمَاةِ الْأَظْهَرُ فِيهِ أَنْ تَكُونَ الْمِيمُ أَصْلِيّةً وَيَكُونُ مِمّا ضُوعِفَتْ فَاؤُهُ وَعَيْنُهُ وَحَمْلُهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَوْلَى لِكَثْرَتِهِ فِي الْكَلَامِ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ الْمِيمِ أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً إذَا كَانَتْ أَوّلَ الْكَلِمَةِ الرّبَاعِيّةِ أَوْ الْخُمَاسِيّةِ إلّا أَنْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ اشْتِقَاقٌ وَلَا اشْتِقَاقَ هَهُنَا ، أَوْ يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ دُخُولُهُ فِيمَا قَلّ مِنْ الْكَلَامِ نَحْوُ قَلِقَ وَسَلِسَ . قَالَ أَبُو عَلِيّ فِي الْمَرْمَرِ حَمْلُهُ عَلَى بَابِ قَرْقَرَ وَبَرْبَرَ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى بَابِ قَلِقَ وَسَلِسَ يُرِيدُ إنّك إنْ جَعَلْت الْمِيمَ زَائِدَةً كَانَتْ فَاءَ الْفِعْلِ - وَهِيَ الرّاءُ - مُضَاعَفَةً دُونَ عَيْنِ الْفِعْلِ وَهِيَ الْمِيمُ وَإِذَا جَعَلْت الْمِيمَ الْأُولَى فِي مَرْمَرَ أَصْلِيّةً كَانَ مِنْ بَابِ مَا ضُوعِفَتْ فِيهِ الْفَاءُ وَالْعَيْنُ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ سِيبَوَيْهِ فِي الْمَرْمَرِ مَرّ وَهُوَ الْقِيَاسُ الْمُسْتَتِبّ ، وَالطّرِيقُ الْمَهِيعُ دُونَ مَا ضُوعِفَتْ فِيهِ الْفَاءُ وَحْدَهَا ، فَتَأَمّلْهُ . وَقَوْلُهُ طَوِيلَ الْبَاعِ ذَا فَجَرٍ . الْفَجَرُ الْجُودُ شُبّهَ بِانْفِجَارِ الْمَاءِ . وَيُرْوَى ذَا فَنَعٍ وَالْفَنَعُ كَثْرَةُ الْمَالِ وَقَدْ قَالَ أَبُو مِحْجَنٍ الثّقَفِيّ : [ ص 257 ]
وَقَدْ أَجُودُ وَمَا مَالِي بِذِي فَنَعٍ ... وَأَكْتُمُ السّرّ فِيهِ ضَرْبَةُ الْعُنُقِ
وَقَوْلُهُ بَسّامَ الْعَشِيّاتِ يَعْنِي : أَنّهُ يَضْحَكُ لِلْأَضْيَافِ وَيَبْسِمُ عِنْدَ لِقَائِهِمْ كَمَا قَالَ الْآخَرُ وَهُوَ حَاتِمٌ الطّائِيّ :
أُضَاحِكُ ضَيْفِي قَبْلَ إنْزَالِ رَحْلِهِ ... وَيَخْصِبُ عِنْدِي ، وَالْمَحَلّ جَدِيبُ
وَمَا الْخِصْبُ لِلْأَضْيَافِ أَنْ يَكْثُرَ الْقِرَى ... وَلَكِنّمَا وَجْهُ الْكَرِيمِ خَصِيبُ
قَالَ ثُمّ وَلِيَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ السّقَايَةَ وَالرّفَادَةَ بَعْدَ عَمّهِ الْمُطّلِبِ فَأَقَامَهَا لِلنّاسِ وَأَقَامَ لِقَوْمِهِ مَا كَانَ آبَاؤُهُ يُقِيمُونَ قَبْلَهُ لِقَوْمِهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ وَشَرُفَ فِي قَوْمِهِ شَرَفًا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِنْ آبَائِهِ وَأَحَبّهُ قَوْمُهُ وَعَظُمَ خَطَرُهُ فِيهِمْ . [ ص 256 ] [ ص 257 ]
ذَكَرَ حَفْرَ زَمْزَمَ وَمَا جَرَى مِنْ الْخُلْفِ
فِيهَا ثُمّ إنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ بَيْنَمَا هُوَ نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إذْ أُتِيَ فَأُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ أَوّلَ مَا اُبْتُدِئَ بِهِ عَبْدُ الْمُطّلِبِ مِنْ حَفْرِهَا ، كَمَا حَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ الْمِصْرِيّ عَنْ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ الْيَزَنِيّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ زُرَيْرٍ الْغَافِقِيّ : أَنّهُ سَمِعَ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ تَعَالَى عَنْهُ يُحَدّثُ حَدِيثَ زَمْزَمَ حِينَ أُمِرَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بِحَفْرِهَا ، قَالَ قَالَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ : إنّي لَنَائِمٌ فِي الْحِجْرِ إذْ أَتَانِي آتٍ فَقَالَ احْفِرْ طِيبَةَ . قَالَ قُلْت : وَمَا طِيبَةُ ؟ قَالَ ثُمّ ذَهَبَ عَنّي . فَلَمّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْت إلَى مَضْجَعِي فَنِمْت فِيهِ فَجَاءَنِي فَقَالَ احْفِرْ بَرّةَ . قَالَ فَقُلْت : وَمَا بَرّةُ ؟ قَالَ ثُمّ ذَهَبَ عَنّي ، فَلَمّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْت إلَى مَضْجَعِي ، فَنِمْت فِيهِ فَجَاءَنِي فَقَالَ احْفِرْ الْمَضْنُونَةَ . قَالَ قُلْت : وَمَا الْمَضْنُونَةُ ؟ قَالَ ثُمّ ذَهَبَ عَنّي . فَلَمّا كَانَ الْغَدُ رَجَعْت إلَى مَضْجَعِي ، فَنِمْت فِيهِ فَجَاءَنِي فَقَالَ احْفِرْ زَمْزَمَ . قَالَ قُلْت : وَمَا زَمْزَمُ ؟ قَالَ لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذَمّ ، تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمَ وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدّمِ عِنْدَ نُقْرَةِ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ عِنْدَ قَرْيَةِ النّمْلِ . [ ص 258 ] [ ص 259 ] [ ص 260 ] [ ص 261 ]
Sحَدِيثُ زَمْزَمَ
وَكَانَتْ زَمْزَمُ - كَمَا تَقَدّمَ - سُقْيَا إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السّلَامُ فَجّرَهَا لَهُ رُوحُ الْقُدُسِ بِعَقِبِهِ وَفِي تَفْجِيرِهِ إيّاهَا بِالْعَقِبِ دُونَ أَنْ يُفَجّرَهَا بِالْيَدِ أَوْ غَيْرِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنّهَا لِعَقِبِهِ وِرَاثَةً وَهُوَ مُحَمّدٌ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَأُمّتُهُ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ { وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ } [ الزّخْرُفَ 43 ] . أَيْ فِي أُمّةِ مُحَمّدٍ - عَلَيْهِ السّلَامُ - ثُمّ إنّ زَمْزَمَ لَمّا أَحْدَثَتْ جُرْهُمٌ فِي الْحَرَمِ ، وَاسْتَخَفّوا بِالْمَنَاسِكِ وَالْحُرَمِ ، وَبَغَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَاجْتَرَمَ تَغَوّرَ مَاءُ زَمْزَمَ وَاكْتُتِمَ فَلَمّا أَخْرَجَ اللّهُ جُرْهُمًا مِنْ مَكّةَ بِالْأَسْبَابِ الّتِي تَقَدّمَ ذِكْرُهَا عَمَدَ الْحَارِثُ بْنُ مُضَاضٍ الْأَصْغَرُ إلَى مَا كَانَ عِنْدَهُ [ ص 258 ] مَالِ الْكَعْبَةِ ، وَفِيهِ غَزَالَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَأَسْيَافٌ قَلْعِيّةٌ كَانَ سَاسَانُ مَلِكُ الْفُرْسِ قَدْ أَهْدَاهَا إلَى الْكَعْبَةِ ، وَقِيلَ سَابُورُ وَقَدْ قَدّمْنَا أَنّ الْأَوَائِلَ مِنْ مُلُوكِ الْفُرْسِ كَانَتْ تَحُجّهَا إلَى عَهْدِ سَاسَانَ أَوْ سَابُورَ فَلَمّا عَلِمَ ابْنُ مُضَاضٍ أَنّهُ مُخْرَجٌ مِنْهَا ، جَاءَ تَحْتَ جُنْحِ اللّيْلِ حَتّى دَفَنَ ذَلِكَ فِي زَمْزَمَ ، وَعَفّى عَلَيْهَا ، وَلَمْ تَزَلْ دَارِسَةً عَافِيًا أَثَرُهَا ، حَتّى آنَ مَوْلِدُ الْمُبَارَكِ الّذِي كَانَ يُسْتَسْقَى بِوَجْهِهِ غَيْثُ السّمَاءِ وَتَتَفَجّرُ مِنْ بَنَانِهِ يَنَابِيعُ الْمَاءِ صَاحِبُ الْكَوْثَرِ وَالْحَوْضِ الرّوَاءِ فَلَمّا آنَ ظُهُورُهُ أَذِنَ اللّهُ تَعَالَى لِسُقْيَا أَبِيهِ أَنْ تَظْهَرَ وَلِمَا انْدَفَنَ مِنْ مَائِهَا أَنْ تَجْتَهِرَ فَكَانَ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَدْ سَقَتْ النّاسَ بَرَكَتُهُ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ وَسُقُوا بِدَعْوَتِهِ وَهُوَ طِفْلٌ حِينَ أَجْدَبَتْ الْبَلَدُ وَذَلِكَ حِينَ خَرَجَ بِهِ جَدّهُ مُسْتَسْقِيًا لِقُرَيْشِ وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ - فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللّهُ - وَسُقِيَتْ الْخَلِيقَةُ كُلّهَا غُيُوثَ السّمَاءِ فِي حَيَاتِهِ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ وَالْمَرّةَ بَعْدَ الْمَرّةِ ، وَتَارَةً بِدُعَائِهِ وَتَارَةً مِنْ بَنَانِهِ وَتَارَةً بِإِلْقَاءِ سَهْمِهِ ثُمّ بَعْدَ مَوْتِهِ - عَلَيْهِ السّلَامُ - اسْتَشْفَعَ عُمَرُ بِعَمّهِ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا - عَامَ الرّمَادَةِ . وَأَقْسَمَ عَلَيْهِ بِهِ وَبِنَبِيّهِ فَلَمْ يَبْرَحْ حَتّى قَلَصُوا لِمَازِرٍ وَاعْتَلَقُوا الْحِذَاءَ وَخَاضُوا الْغُدْرَانَ وَسَمِعَتْ الرّفَاقُ الْمُقْبِلَةُ إلَى الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ صَائِحًا يَصِيحُ فِي السّحَابِ أَتَاك الْغَوْثُ أَبَا حَفْصٍ أَتَاك الْغَوْثُ أَبَا حَفْصٍ كُلّ هَذَا بِبَرَكَةِ الْمُبْتَعَثِ بِالرّحْمَتَيْنِ وَالدّاعِي إلَى الْحَيَاتَيْنِ الْمَوْعُودِ بِهِمَا عَلَى يَدَيْهِ فِي الدّارَيْنِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - صَلَاةً تَصْعَدُ وَلَا تَنْفَدُ وَتَتّصِلُ وَلَا تَنْفَصِلُ وَتُقِيمُ وَلَا تَرِيمُ ، إنّهُ مُنْعِمٌ كَرِيمٌ .
أَسْمَاءُ زَمْزَمَ
فَصْلٌ فَأُرِيَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ فِي مَنَامِهِ أَنْ احْفِرْ طِيبَةَ ، فَسُمّيَتْ طِيبَةَ ، لِأَنّهَا لِلطّيّبِينَ وَالطّيّبَاتِ مِنْ وَلَدِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ - عَلَيْهِمَا السّلَامُ - وَقِيلَ لَهُ احْتَفِرْ بَرّةَ وَهُوَ اسْمٌ صَادِقٌ عَلَيْهَا أَيْضًا ، لِأَنّهَا فَاضَتْ لِلْأَبْرَارِ وَغَاضَتْ عَنْ الْفُجّارِ وَقِيلَ لَهُ احْفِرْ الْمَضْنُونَةَ . قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبّهٍ : سُمّيَتْ زَمْزَمُ : الْمَضْنُونَةَ لِأَنّهَا ضُنّ بِهَا عَلَى غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يَتَضَلّعُ مِنْهَا [ ص 259 ] الدّارَقُطْنِيّ مَا يُقَوّي ذَلِكَ مُسْنَدًا عَنْ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مَنْ شَرِبَ مِنْ زَمْزَمَ فَلْيَتَضَلّعْ فَإِنّهُ فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَتَضَلّعُوا مِنْهَا أَوْ كَمَا قَالَ . وَفِي تَسْمِيَتِهَا بِالْمَضْنُونَةِ رِوَايَةٌ أُخْرَى ، رَوَاهَا الزّبَيْرُ أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ قِيلَ لَهُ احْفِرْ الْمَضْنُونَةَ ضَنِنْت بِهَا عَلَى النّاسِ إلّا عَلَيْك ، أَوْ كَمَا قَالَ .
الْعَلَامَاتُ الّتِي رَآهَا عَبْدُ الْمُطّلِبِ وَتَأْوِيلُهَا
وَدُلّ عَلَيْهَا بِعَلَامَاتِ ثَلَاثٍ بِنُقْرَةِ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ وَأَنّهَا بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدّمِ وَعِنْدَ قَرْيَةِ النّمْلِ ، وَيُرْوَى أَنّهُ لَمّا قَامَ لِيَحْفِرَهَا رَأَى مَا رُسِمَ مِنْ قَرْيَةِ النّمْلِ وَنُقْرَةِ الْغُرَابِ وَلَمْ يَرَ الْفَرْثَ وَالدّمَ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ نَدّتْ بَقَرَةٌ بِجَازِرِهَا ، فَلَمْ يُدْرِكْهَا ، حَتّى دَخَلَتْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، فَنَحَرَهَا فِي الْمَوْضِعِ الّذِي رُسِمَ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ فَسَالَ هُنَاكَ الْفَرْثُ وَالدّمُ فَحَفَرَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ حَيْثُ رُسِمَ لَهُ . وَلَمْ تُخَصّ هَذِهِ الْعَلَامَاتُ الثّلَاثُ بِأَنْ تَكُونَ دَلِيلًا عَلَيْهَا إلّا لِحِكْمَةِ إلَهِيّةٍ وَفَائِدَةٍ مُشَاكِلَةٍ فِي عِلْمِ التّعْبِيرِ وَالتّوَسّمُ الصّادِقُ لِمَعْنَى زَمْزَمَ وَمَائِهَا . أَمَا الْفَرْثُ وَالدّمُ فَإِنّ مَاءَهَا طَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سُقْمٍ وَهِيَ لِمَا شُرِبَتْ لَهُ وَقَدْ تَقَوّتَ مِنْ مَائِهَا أَبُو ذَرّ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - ثَلَاثِينَ بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَسَمِنَ حَتّى تَكَسّرَتْ عُكَنُهُ [ وَمَا وُجِدَ عَلَى كَبِدِهِ سَخْفَةُ جُوعٍ ] فَهِيَ إذًا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِي اللّبَنِ إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ اللّبَنَ فَلْيَقُلْ اللّهُمّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ فَإِنّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يَسُدّ مَسَدّ الطّعَامِ وَالشّرَابِ إلّا اللّبَنُ وَقَدْ [ ص 260 ] قَالَ اللّهُ تَعَالَى فِي اللّبَنِ { مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشّارِبِينَ } [ النّحْلَ 66 ] . فَظَهَرَتْ هَذِهِ السّقْيَا الْمُبَارَكَةُ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدّمِ وَكَانَتْ تِلْكَ مِنْ دَلَائِلِهَا الْمُشَاكِلَةِ لِمَعْنَاهَا . وَأَمّا قَوْلُهُ الْغُرَابِ الْأَعْصَمِ قَالَ الْقُتَبِيّ : الْأَعْصَمُ مِنْ الْغِرْبَانِ الّذِي فِي جَنَاحَيْهِ بَيَاضٌ وَحَمَلَ عَلَى أَبِي عُبَيْدٍ لِقَوْلِهِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الْأَعْصَمُ الّذِي فِي يَدَيْهِ بَيَاضٌ وَقَالَ كَيْفَ يَكُونُ لِلْغُرَابِ يَدَانِ ؟ . وَإِنّمَا أَرَادَ أَبُو عُبَيْدٍ أَنّ هَذَا الْوَصْفَ لِذَوَاتِ الْأَرْبَعِ وَلِذَلِكَ قَالَ إنّ هَذَا الْوَصْفَ فِي الْغِرْبَانِ عَزِيزٌ وَكَأَنّهُ ذَهَبَ إلَى الّذِي أَرَادَ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِنْ بَيَاضِ الْجَنَاحَيْنِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَالَ إنّهُ فِي الْغِرْبَانِ مُحَالٌ لَا يُتَصَوّرُ . وَفِي مُسْنَدِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُمَامَةَ عَنْ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مَا يُغْنِي عَنْ قَوْلَيْهِمَا ، وَفِيهِ الشّفَاءُ أَنّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - الْمَرْأَةُ الصّالِحَةُ فِي النّسَاءِ كَالْغُرَابِ الْأَعْصَمِ . قِيلَ يَا رَسُولَ اللّهِ وَمَا الْغُرَابُ الْأَعْصَمُ ؟ قَالَ الّذِي إحْدَى رِجْلَيْهِ بَيْضَاءُ فَالْغُرَابُ فِي التّأْوِيلِ فَاسِقٌ وَهُوَ أَسْوَدُ فَدَلّتْ نُقْرَتُهُ عِنْدَ الْكَعْبَةِ عَلَى نُقْرَةِ الْأَسْوَدِ الْحَبَشِيّ بِمِعْوَلِهِ فِي أَسَاسِ الْكَعْبَةِ يَهْدِمُهَا فِي آخِرِ الزّمَانِ فَكَانَ نَقْرُ الْغُرَابِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ يُؤْذِنُ بِمَا يَفْعَلُهُ الْفَاسِقُ الْأَسْوَدُ فِي آخِرِ الزّمَانِ بِقِبْلَةِ الرّحْمَنِ وَسُقْيَا أَهْلِ الْإِيمَانِ وَذَلِكَ عِنْدَمَا يُرْفَعُ الْقُرْآنُ وَتُحْيَا عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ وَفِي الصّحِيحِ عَنْ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - لَيُخَرّبَنّ الْكَعْبَةَ ذُو السّوَيْقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ وَفِي الصّحِيحِ أَيْضًا مِنْ صِفَتِهِ أَنّهُ [ أَسْوَدُ ] أَفْحَجُ [ يَقْلَعُهَا حَجَرًا حَجَرًا ] وَهَذَا أَيْضًا يَنْظُرُ إلَى كَوْنِ الْغُرَابِ أَعْصَمَ إذْ الْفَحَجُ تَبَاعُدٌ فِي الرّجْلَيْنِ كَمَا أَنّ الْعَصَمَ اخْتِلَافٌ فِيهِمَا ، وَالِاخْتِلَافُ تَبَاعُدٌ وَقَدْ عُرِفَ بِذِي السّوَيْقَتَيْنِ كَمَا نُعِتَ الْغُرَابُ بِصِفَةِ فِي سَاقَيْهِ فَتَأَمّلْهُ وَهَذَا مِنْ خَفِيّ عِلْمِ التّأْوِيلِ لِأَنّهَا كَانَتْ رُؤْيَا ، وَإِنْ شِئْت : كَانَ مِنْ بَابِ الزّجْرِ وَالتّوَسّمِ الصّادِقِ وَالِاعْتِبَارِ وَالتّفْكِيرِ فِي مَعَالِمِ حِكْمَةِ - اللّهِ تَعَالَى - فَهَذَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ ، وَهُوَ مَنْ هُوَ عِلْمًا وَوَرَعًا حِينَ حُدّثَ بِحَدِيثِ الْبِئْرِ فِي الْبُسْتَانِ وَأَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَعَدَ عَلَى قُفّهَا ، وَدَلّى رِجْلَيْهِ فِيهَا ، ثُمّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمّ جَاءَ عُمَرُ - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمّ جَاءَ عُثْمَانُ فَانْتَبَذَ مِنْهُمْ نَاحِيَةً وَقَعَدَ حَجْرَةً . قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ : فَأَوّلْت ذَلِكَ قُبُورَهُمْ اجْتَمَعَتْ قُبُورُ الثّلَاثَةِ وَانْفَرَدَ قَبْرُ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - وَاَللّهُ سُبْحَانَهُ [ ص 261 ] { إِنّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسّمِينَ } [ الْحِجْرَ : 75 ] . فَهَذَا مِنْ التّوَسّمِ وَالْفِرَاسَةِ الصّادِقَةِ وَإِعْمَالِ الْفِكْرِ فِي دَلَائِلِ الْحِكْمَةِ وَاسْتِنْبَاطِ الْفَوَائِدِ اللّطِيفَةِ مِنْ إشَارَاتِ الشّرِيعَةِ . وَأَمّا قَرْيَةُ النّمْلِ ، فَفِيهَا مِنْ الْمُشَاكَلَةِ أَيْضًا ، وَالْمُنَاسَبَةِ أَنّ زَمْزَمَ هِيَ عَيْنُ مَكّةَ الّتِي يَرِدُهَا الْحَجِيجُ وَالْعُمّارُ مِنْ كُلّ جَانِبٍ فَيَحْمِلُونَ إلَيْهَا الْبُرّ وَالشّعِيرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ وَهِيَ لَا تَحْرُثُ وَلَا تَزْرَعُ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ خَبَرًا عَنْ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلَامُ { رَبّنَا إِنّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرّيّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ } إلَى قَوْلِهِ { وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثّمَرَاتِ لَعَلّهُمْ يَشْكُرُونَ } [ إبْرَاهِيمَ 37 ] وَقَرْيَةُ النّمْلِ لَا تَحْرُثُ وَلَا تَبْذُرُ وَتَجْلِبُ الْحُبُوبَ إلَى قَرْيَتِهَا مِنْ كُلّ جَانِبٍ وَفِي مَكّةَ قَالَ اللّهُ سُبْحَانَهُ { وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلّ مَكَانٍ } [ النّحْلَ 112 ] . مَعَ أَنّ لَفْظَ قَرْيَةِ النّمْلِ مَأْخُوذٌ مِنْ قَرَيْت الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ إذَا جَمَعْته ، وَالرّؤْيَا تُعَبّرُ عَلَى اللّفْظِ تَارَةً وَعَلَى الْمَعْنَى أُخْرَى ، فَقَدْ اجْتَمَعَ اللّفْظُ وَالْمَعْنَى فِي هَذَا التّأْوِيلِ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
مِنْ صِفَاتِ زَمْزَمَ
وَقَدْ قِيلَ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ فِي صِفَةِ زَمْزَمَ : لَا تَنْزِفُ أَبَدًا ، وَلَا تُذَمّ ، وَهَذَا بُرْهَانٌ عَظِيمٌ لِأَنّهَا لَمْ تَنْزِفْ مِنْ ذَلِكَ الْحِينِ إلَى الْيَوْمِ قَطّ ، وَقَدْ وَقَعَ فِيهَا حَبَشِيّ فَنُزِحَتْ مِنْ أَجْلِهِ فَوَجَدُوا مَاءَهَا يَثُورُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَعْيُنٍ أَقْوَاهَا وَأَكْثَرُهَا مَاءً مِنْ نَاحِيَةِ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ، وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ الدّارَقُطْنِيّ . وَقَوْلُهُ وَلَا تُذَمّ ، فِيهِ نَظَرٌ وَلَيْسَ هُوَ عَلَى مَا يَبْدُو مِنْ ظَاهِرِ اللّفْظِ مِنْ أَنّهَا لَا يَذُمّهَا أَحَدٌ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ الذّمّ لَكَانَ مَاؤُهَا أَعْذَبَ الْمِيَاهِ وَلَتَضَلّعَ مِنْهُ كُلّ مَنْ يَشْرَبُهُ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي الْحَدِيثِ أَنّهُ لَا يَتَضَلّعُ مِنْهَا مُنَافِقٌ فَمَاؤُهَا إذًا مَذْمُومٌ عِنْدَهُمْ وَقَدْ كَانَ خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْقَسْرِيّ أَمِيرَ الْعِرَاقِ يَذُمّهَا ، وَيُسَمّيهَا : أُمّ جِعْلَانَ وَاحْتَفَرَ بِئْرًا خَارِجَ مَكّةَ بِاسْمِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَجَعَلَ يُفَضّلُهَا عَلَى زَمْزَمَ ، وَيَحْمِلُ النّاسَ عَلَى التّبَرّكِ بِهَا دُونَ زَمْزَمَ جُرْأَةً مِنْهُ عَلَى اللّهِ - عَزّ وَجَلّ - وَقِلّةَ حِيَاءٍ مِنْهُ وَهُوَ الّذِي يُعْلِنُ وَيُفْصِحُ بِلَعْنِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رِضْوَانُ اللّهِ عَلَيْهِ - عَلَى الْمِنْبَرِ وَإِنّمَا ذَكَرْنَا هَذَا ، أَنّهَا قَدْ ذُمّتْ فَقَوْلُهُ إذًا : لَا تُذَمّ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ : بِئْرٌ ذَمّةٌ أَيْ قَلِيلَةُ الْمَاءِ فَهُوَ مِنْ أَذْمَمْتَ الْبِئْرَ إذَا وَجَدْتهَا ذَمّةً كَمَا تَقُولُ أَجْبَنْت الرّجُلَ إذَا وَجَدْته جَبَانًا ، وَأَكْذَبْته إذَا وَجَدْته كَاذِبًا ، [ ص 262 ] { فَإِنّهُمْ لَا يُكَذّبُونَكَ وَلَكِنّ الظّالِمِينَ بِآيَاتِ اللّهِ يَجْحَدُونَ } [ الْأَنْعَامَ 33 ] وَقَدْ فَسّرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ قَوْلَهُ حَتّى مَرَرْنَا بِبِئْرِ ذَمّةٍ . وَأَنْشَدَ مُخَيّسَةً خُزْرًا كَأَنّ عُيُونَهَا ذِمَامُ الرّكَايَا أَنْكَزَتْهَا الْمَوَاتِحُ فَهَذَا أَوْلَى مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مَعْنَى قَوْلِهِ . وَلَا تُذَمّ ؛ لِأَنّهُ نَفْيٌ مُطْلَقٌ وَخَبَرٌ صَادِقٌ وَاَللّهُ أَعْلَمُ - وَحَدِيثُ الْبِئْرِ الذّمّةِ الّتِي ذَكَرَهَا أَبُو عُبَيْدٍ ، حَدّثَنَا بِهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيّ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْمُطَهّرِ سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي الرّجَاءِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ الْحَافِظُ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَلّادٍ قَالَ حَدّثَنَا الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ . قَالَ حَدّثَنَا أَبُو النّضْرِ قَالَ حَدّثَنَا سُلَيْمَانُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ يُونُسَ عَنْ الْبَرَاءِ قَالَ كُنّا مَعَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِي مَسِيرٍ فَأَتَيْنَا عَلَى رَكِيّ ذَمّةٍ يَعْنِي : قَلِيلَةَ الْمَاءِ قَالَ فَنَزَلَ فِيهَا سِتّةٌ - أَنَا سَادِسُهُمْ - مَاحَةٌ فَأُدْلِيَتْ إلَيْنَا دَلْوٌ قَالَ وَرَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - عَلَى الرّكِيّ فَجَعَلْنَا فِيهَا نِصْفَهَا ، أَوْ قَرِيبَ ثُلُثَيْهَا ، فَرُفِعَتْ إلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ فَجِئْت بِإِنَائِي . هَلْ أَجِدُ شَيْئًا أَجْعَلُهُ فِي حَلْقِي ، فَمَا وَجَدْت ، فَرُفِعَتْ الدّلْوُ إلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَغَمَسَ يَدَهُ فِيهَا ، فَقَالَ مَا شَاءَ اللّهُ أَنْ يَقُولَ - قَالَ فَأُعِيدَتْ إلَيْنَا الدّلْوُ بِمَا فِيهَا ، قَالَ فَلَقَدْ رَأَيْت أَحَدَنَا أُخْرِجَ بِثَوْبِ خَشْيَةَ الْغَرَقِ . قَالَ ثُمّ سَاحَتْ يَعْنِي : جَرَتْ نَهَرًا .
[ ص 262 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا بُيّنَ لَهُ شَأْنُهَا ، وَدُلّ عَلَى مَوْضِعِهَا ، وَعَرَفَ أَنّهُ قَدْ صُدِقَ غَدَا بِمِعْوَلِهِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، لَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرُهُ فَحَفَرَ فِيهَا . فَلَمّا بَدَا لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ الطّيّ ، كَبّرَ فَعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنّهُ قَدْ أَدْرَكَ حَاجَتَهُ فَقَامُوا إلَيْهِ فَقَالُوا : يَا عَبْدَ الْمُطّلِبِ ، إنّهَا بِئْرُ أَبِينَا إسْمَاعِيلَ وَإِنّ لَنَا فِيهَا حَقّا فَأَشْرِكْنَا مَعَك فِيهَا . قَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلِ إنّ هَذَا الْأَمْرَ قَدْ خُصِصْت بِهِ دُونَكُمْ وَأُعْطِيته مِنْ بَيْنِكُمْ فَقَالُوا لَهُ فَأَنْصِفْنَا ، فَإِنّا غَيْرُ تَارِكِيك حَتّى نُخَاصِمَك فِيهَا ، قَالَ فَاجْعَلُوا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أُحَاكِمُكُمْ إلَيْهِ قَالُوا : كَاهِنَةُ بَنِي سَعْدِ هُذَيْمٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَكَانَتْ بِأَشْرَافِ الشّامِ ، فَرَكِبَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ بَنِي أَبِيهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَرَكِبَ مِنْ كُلّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ [ ص 263 ] قَالَ وَالْأَرْضُ إذْ ذَاكَ مَفَاوِزُ . قَالَ فَخَرَجُوا حَتّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ تِلْكَ الْمَفَاوِزِ بَيْن الْحِجَازِ وَالشّامِ ، فَنِيَ مَاءُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَأَصْحَابِهِ فَظَمِئُوا حَتّى أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ فَاسْتَسْقَوْا مَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ ، فَأَبَوْا عَلَيْهِمْ وَقَالُوا : إنّا بِمَفَازَةِ وَنَحْنُ نَخْشَى عَلَى أَنْفُسِنَا مِثْلَ مَا أَصَابَكُمْ فَلَمّا رَأَى عَبْدُ الْمُطّلِبِ مَا صَنَعَ الْقَوْمُ وَمَا يَتَخَوّفُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَصْحَابِهِ قَالَ مَاذَا تَرَوْنَ ؟ قَالُوا : مَا رَأْيُنَا إلّا تَبَعٌ لِرَأْيِك ، فَمُرْنَا بِمَا شِئْت ، قَالَ فَإِنّي أَرَى أَنْ يَحْفِرَ كُلّ رَجُلٍ مِنْكُمْ حُفْرَتَهُ لِنَفْسِهِ بِمَا بِكُمْ الْآنَ مِنْ الْقُوّةِ - فَكَلَمّا مَاتَ رَجُلٌ دَفَعَهُ أَصْحَابُهُ فِي حُفْرَتِهِ ثُمّ وَارَوْهُ - حَتّى يَكُونَ آخِرُكُمْ رَجُلًا وَاحِدًا ، فَضَيْعَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ أَيْسَرُ مِنْ ضَيْعَةِ رَكْبٍ جَمِيعًا ، قَالُوا : نِعْمَ مَا أَمَرْت بِهِ . فَقَامَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَحَفَرَ حُفْرَتَهُ ثُمّ قَعَدُوا يَنْتَظِرُونَ الْمَوْتَ عَطَشًا ، ثُمّ إنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ وَاَللّهِ إنّ إلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا هَكَذَا لِلْمَوْتِ لَا نَضْرِبُ فِي الْأَرْضِ وَلَا نَبْتَغِي لِأَنْفُسِنَا ، لَعَجْزٌ فَعَسَى اللّهُ أَنْ يَرْزُقَنَا مَاءً بِبَعْضِ الْبِلَادِ ارْتَحِلُوا ، فَارْتَحَلُوا حَتّى إذَا فَرَغُوا ، وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ يَنْظُرُونَ إلَيْهِمْ مَا هُمْ فَاعِلُونَ تَقَدّمَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ إلَى رَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا . فَلَمّا انْبَعَثَتْ بِهِ انْفَجَرَتْ مِنْ تَحْتِهَا خُفّهَا عَيْنُ مَاءٍ عَذْبٍ فَكَبّرَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ ، وَكَبّرَ أَصْحَابُهُ ثُمّ نَزَلَ فَشَرِبَ وَشَرِبَ أَصْحَابُهُ وَاسْتَقَوْا حَتّى مَلَئُوا أَسْقِيَتَهُمْ ثُمّ دَعَا الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ هَلُمّ إلَى الْمَاءِ فَقَدْ سَقَانَا اللّهُ فَاشْرَبُوا وَاسْتَقُوا ، فَجَاءُوا ، فَشَرِبُوا وَاسْتَقَوْا . ثُمّ قَالُوا : قَدْ - وَاَللّهِ - قُضِيَ لَك عَلَيْنَا يَا عَبْدَ الْمُطّلِبِ ، وَاَللّهِ لَا نُخَاصِمُك فِي زَمْزَمَ أَبَدًا ، إنّ الّذِي سَقَاك هَذَا الْمَاءَ بِهَذِهِ الْفَلَاةِ لَهُوَ الّذِي سَقَاك زَمْزَمَ ، فَارْجِعْ إلَى سِقَايَتِك رَاشِدًا . فَرَجَعَ وَرَجَعُوا مَعَهُ وَلَمْ يَصِلُوا إلَى الْكَاهِنَةِ وَخَلّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا . [ ص 264 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَهَذَا الّذِي بَلَغَنِي مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي زَمْزَمَ ، وَقَدْ سَمِعْت مَنْ يُحَدّثُ عَنْ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَنّهُ قِيلَ لَهُ حِينَ أُمِرَ بِحَفْرِ زَمْزَمَ :
ثُمّ اُدْعُ بِالْمَاءِ الرّوِيّ غَيْرِ الْكَدِرِ ... يَسْقِي حَجِيجَ اللّهِ فِي كُلّ مَبَرْ
لَيْسَ يُخَافُ مِنْهُ شَيْءٌ مَا عَمَرْ
فَخَرَجَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ إلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ تَعْلَمُوا أَنّي قَدْ أُمِرْت أَنْ أَحْفِرَ لَكُمْ زَمْزَمَ ، فَقَالُوا : فَهَلْ بُيّنَ لَك أَيْنَ هِيَ ؟ قَالَ لَا . قَالُوا فَارْجِعْ إلَى مَضْجَعِك الّذِي رَأَيْت فِيهِ مَا رَأَيْت ، فَإِنْ يَكُ حَقّا مِنْ اللّهِ يُبَيّنْ لَك ، وَإِنّ يَكُ مِنْ الشّيْطَانِ فَلَنْ يَعُودَ إلَيْك . فَرَجَعَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ إلَى مَضْجَعِهِ فَنَامَ فِيهِ فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ احْفِرْ زَمْزَمَ ، إنّك إنْ حَفَرْتهَا لَمْ تَنْدَمْ وَهِيَ تُرَاثٌ مِنْ أَبِيك الْأَعْظَمِ لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذَمّ ، تَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَعْظَمَ مِثْلُ نَعَامٍ جَافِلٍ لَمْ يُقْسَمْ يَنْذِرُ فِيهَا نَاذِرٌ لِمُنْعِمِ تَكُونُ مِيرَاثًا وَعَقْدًا مُحْكَمًا ، لَيْسَتْ كَبَعْضِ مَا قَدْ تَعْلَمُ وَهِيَ بَيْنَ الْفَرْثِ وَالدّمِ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : هَذَا الْكَلَامُ وَالْكَلَامُ الّذِي قَبْلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ فِي حَفْرِ زَمْزَمَ مِنْ قَوْلِهِ " لَا تَنْزِفُ أَبَدًا وَلَا تُذَمّ " إلَى قَوْلِهِ " عِنْدَ قَرْيَةِ النّمْلِ " عِنْدَنَا سَجْعٌ وَلَيْسَ شِعْرًا . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَزَعَمُوا أَنّهُ حِينَ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ وَأَيْنَ هِيَ ؟ قِيلَ لَهُ عِنْدَ قَرْيَةِ النّمْلِ ، حَيْثُ يَنْقُرُ الْغُرَابُ غَدًا . وَاَللّهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ فَغَدَا عَبْدُ الْمُطّلِبِ وَمَعَهُ ابْنُهُ الْحَارِثُ وَلَيْسَ لَهُ يَوْمَئِذٍ وَلَدٌ غَيْرُهُ فَوَجَدَ قَرْيَةَ النّمْلِ ، وَوَجَدَ الْغُرَابَ يَنْقُرُ عِنْدَهَا . بَيْنَ الْوَثَنَيْنِ إسَافَ وَنَائِلَةَ اللّذَيْنِ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَنْحَرُ عِنْدَهُمَا ذَبَائِحَهَا . فَجَاءَ بِالْمِعْوَلِ وَقَامَ لِيَحْفِرَ حَيْثُ أُمِرَ فَقَامَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ حِينَ رَأَوْا جِدّهُ [ ص 265 ] فَقَالُوا : وَاَللّهِ لَا نَتْرُكُك تَحْفِرُ بَيْنَ وَثَنَيْنَا هَذَيْنِ اللّذَيْنِ نَنْحَرُ عِنْدَهُمَا ، فَقَالَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ لِابْنِهِ الْحَارِثِ ذُدْ عَنّي حَتّى أَحْفِرَ ، فَوَاَللّهِ لَأَمْضِيَنّ لِمَا أُمِرْت بِهِ . فَلَمّا عَرَفُوا أَنّهُ نَازِعٌ خَلّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَفْرِ ، وَكَفّوا عَنْهُ فَلَمْ يَحْفِرْ إلّا يَسِيرًا ، حَتّى بَدَا لَهُ الطّيّ ، فَكَبّرَ وَعَرَفَ أَنّهُ قَدْ صُدِقَ فَلَمّا تَمَادَى بِهِ الْحَفْرُ وَجَدَ فِيهَا غَزَالَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَهُمَا الْغَزَالَانِ اللّذَانِ دَفَنَتْ جُرْهُمٌ فِيهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ مَكّةَ ، وَوَجَدَ فِيهَا أَسْيَافًا قَلْعِيّةً وَأَدْرَاعًا فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ يَا عَبْدَ الْمُطّلِبِ ، لَنَا مَعَك فِي هَذَا شِرْكٌ وَحَقّ ، قَالَ لَا ، وَلَكِنْ هَلُمّ إلَى أَمْرٍ نَصَفٍ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ نَضْرِبُ عَلَيْهَا بِالْقِدَاحِ قَالُوا : وَكَيْفَ تَصْنَعُ ؟ قَالَ أَجْعَلُ لِلْكَعْبَةِ قِدْحَيْنِ وَلِي قِدْحَيْنِ وَلَكُمْ قِدْحَيْنِ فَمَنْ خَرَجَ لَهُ قِدْحَاهُ عَلَى شَيْءٍ كَانَ لَهُ وَمَنْ تَخَلّفَ قِدْحَاهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ قَالُوا : أَنْصَفْت ، فَجَعَلَ قِدْحَيْنِ أَصْفَرَيْنِ لِلْكَعْبَةِ وَقِدْحَيْنِ أَسْوَدَيْنِ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ وَقِدْحَيْنِ أَبْيَضَيْنِ لِقُرَيْشِ ثُمّ أَعْطَوْا صَاحِبَ الْقِدَاحِ الّذِي يَضْرِبُ بِهَا عِنْدَ هُبَلَ - وَهُبَلُ صَنَمٌ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ ، وَهُوَ أَعْظَمُ أَصْنَامِهِمْ وَهُوَ الّذِي يَعْنِي أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ قَالَ أَعْلِ هُبَلُ أَيْ أَظْهِرْ دِينَك - وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللّهَ عَزّ وَجَلّ فَضَرَبَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ فَخَرَجَ الْأَصْفَرَانِ عَلَى الْغَزَالَيْنِ لِلْكَعْبَةِ وَخَرَجَ الْأَسْوَدَانِ عَلَى الْأَسْيَافِ وَالْأَدْرَاعِ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ وَتَخَلّفَ قِدْحَا قُرَيْشٍ . فَضَرَبَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ الْأَسْيَافَ [ ص 266 ] وَضَرَبَ فِي الْبَابِ الْغَزَالَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَانَ أَوّلَ ذَهَبٍ حُلّيَتْهُ الْكَعْبَةُ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - ثُمّ إنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ أَقَامَ سِقَايَةَ زَمْزَمَ لِلْحُجّاجِ .
Sاشْتِقَاقُ مَفَازَةٍ
[ ص 263 ] وَذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فِي مَسِيرِهِ مَعَ قُرَيْشٍ إلَى الْكَاهِنَةِ وَذَكَرَ الْمَفَاوِزَ الّتِي عَطِشُوا فِيهَا . الْمَفَاوِزُ جَمْعُ مَفَازَةٍ وَفِي اشْتِقَاقِ اسْمِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . رُوِيَ عَنْ الْأَصْمَعِيّ أَنّهَا سُمّيَتْ مَفَازَةً عَلَى جِهَةِ التّفَاؤُلِ لِرَاكِبِهَا بِالْفَوْزِ وَالنّجَاةِ وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيّ أَنّهُ قَالَ سَأَلْت أَبَا الْمَكَارِمِ لِمَ سُمّيَتْ الْفَلَاةُ مَفَازَةً ؟ فَقَالَ لِأَنّ رَاكِبَهَا إذَا قَطَعَهَا وَجَاوَزَهَا فَازَ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهَا : مَهْلَكَةٌ لِأَنّهُ يُقَالُ فَازَ الرّجُلُ وَفَوّزَ وَفَادَ وَفَطَسَ إذَا هَلَكَ . وَذُكِرَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رِضْوَانُ اللّهِ عَلَيْهِ - ثُمّ اُدْعُ بِالْمَاءِ الرّوِيّ غَيْرِ الْكَدَرِ يُقَالُ مَاءٌ رِوَى بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ وَرَوَاءٌ بِالْفَتْحِ وَالْمَدّ وَفِيهِ الْجَمْعُ وَاسْمُ الْجَمْعِ يُسْقَى حَجِيجُ اللّهِ فِي كُلّ مَبَرْ . الْحَجِيجُ جَمْعُ حَاجّ . وَفِي الْجُمُوعِ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ كَثِيرٌ كَالْعَبِيدِ وَالْبَقِيرِ وَالْمَعِيزِ وَالْأَبِيلِ وَأَحْسَبُهُ اسْمًا لِلْجَمْعِ لِأَنّهُ لَوْ كَانَ جَمْعًا لَهُ وَاحِدٌ مِنْ [ ص 264 ] قِيَاسٍ وَاحِدٍ كَسَائِرِ الْجُمُوعِ وَهَذَا يَخْتَلِفُ وَاحِدُهُ فَحَجِيجٌ وَاحِدُهُ حَاجّ ، وَعَبِيدٌ وَاحِدُهُ عَبْدٌ وَبَقِيرٌ وَاحِدُهُ بَقَرَةٌ [ وَمَعِيزٌ وَاحِدُهُ مَاعِزٌ ] إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَجَائِزٌ أَنْ يُقَالَ إنّهُ اسْمٌ لِلْجَمْعِ غَيْرَ أَنّهُ مَوْضُوعٌ لِلْكَثْرَةِ وَلِذَلِكَ لَا يُصَغّرُ عَلَى لَفْظِهِ كَمَا تُصَغّرُ أَسْمَاءُ الْجُمُوعِ فَلَا يُقَالُ فِي الْعَبِيدِ عُبَيّدٌ ، وَلَا فِي النّخِيلِ : نُخَيّلٌ بَلْ يُرَدّ إلَى وَاحِدِهِ كَمَا تُرَدّ الْجُمُوعُ فِي التّصْغِيرِ فَيُقَالُ نُخَيْلَاتٌ وَعُبَيْدُونَ وَإِذَا قُلْت : نَخِيلٌ أَوْ عَبِيدٌ ، فَهُوَ اسْمٌ يَتَنَاوَلُ الصّغِيرَ وَالْكَبِيرَ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ قَالَ اللّهُ سُبْحَانَهُ { وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ } وَقَالَ { وَمَا رَبّكَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ } [ فُصّلَتْ 46 ] وَحِينَ ذَكَرَ الْمُخَاطَبِينَ مِنْهُمْ قَالَ الْعِبَادُ وَكَذَلِكَ قَالَ حِينَ ذَكَرَ الثّمَرَ مِنْ النّخِيلِ : { وَالنّخْلَ بَاسِقَاتٍ } [ ق : 10 ] وَقَالَ { أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ } [ الْقَمَرَ 20 ] فَتَأَمّلْ الْفَرْقَ بَيْنَ الْجَمْعَيْنِ فِي حُكْمِ الْبَلَاغَةِ وَاخْتِيَارِ الْكَلَامِ وَأَمّا فِي مَذْهَبِ أَهْلِ اللّغَةِ فَلَمْ يُفَرّقُوا هَذَا التّفْرِيقَ وَلَا نَبّهُوا عَلَى هَذَا الْغَرَضِ الدّقِيقِ . 265 - شُرُوحٌ وَقَوْلُهُ فِي كُلّ مَبَرّ هُوَ مَفْعَلٌ مِنْ الْبِرّ يُرِيدُ فِي مَنَاسِكِ الْحَجّ وَمَوَاضِعِ الطّاعَةِ . وَقَوْلُهُ مِثْلُ نَعَامٍ جَافِلٍ لَمْ يُقْسَمْ . الْجَافِلُ مِنْ جَفَلَتْ الْغَنَمُ إذَا انْقَلَعَتْ بِجُمْلَتِهَا ، وَلَمْ يُقْسَمْ أَيْ لَمْ يَتَوَزّعْ وَلَمْ يَتَفَرّقْ . وَقَوْلُهُ لَيْسَ يُخَافُ مِنْهُ شَيْءٌ مَا عَمَرْ . أَيْ مَا عَمَرَ هَذَا الْمَاءُ فَإِنّهُ لَا يُؤْذِي ، وَلَا يُخَافُ مِنْهُ مَا يُخَافُ مِنْ الْمِيَاهِ إذَا أُفْرِطَ فِي شُرْبِهَا ، بَلْ هُوَ بَرَكَةٌ عَلَى كُلّ حَالٍ وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ لَا تَنْزِفُ وَلَا تُذَمّ عَاقِبَةُ شُرْبِهَا ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ سَائِغٌ أَيْضًا عَلَى مَا قَدّمْنَاهُ مِنْ التّأْوِيلِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ فِي صِفَتِهَا . وَقَوْلُهُ وَضَرَبَ [ فِي الْبَابِ ] الْغَزَالَيْنِ حِلْيَةَ الْكَعْبَةِ ، وَهُوَ أَوّلُ ذَهَبٍ حُلّيَتْ بِهِ الْكَعْبَةُ ، وَقَدْ قَدّمْنَا ذِكْرَ الْغَزَالَيْنِ وَمَنْ أَهْدَاهُمَا إلَى الْكَعْبَةِ ، وَمَنْ دَفَنَهُمَا مِنْ جُرْهُمٍ ، وَتَقَدّمَ أَنّ أَوّلَ مَنْ كَسَا الْكَعْبَةَ : تُبّعٌ ، وَأَنّهُ أَوّلُ مَنْ اتّخَذَ لَهَا غَلَقًا إلَى أَنْ ضَرَبَ لَهَا عَبْدُ الْمُطّلِبِ بَابَ حَدِيدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَسْيَافِ وَاِتّخَذَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ حَوْضًا لِزَمْزَمَ يُسْقَى مِنْهُ فَكَانَ يُخَرّبُ لَهُ بِاللّيْلِ حَسَدًا لَهُ فَلَمّا غَمّهُ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ فِي النّوْمِ قُلْ لَا أُحِلّهَا لِمُغْتَسِلِ وَهِيَ لِشَارِبِ حِلّ وَبِلّ وَقَدْ كُفِيتُمْ فَلَمّا أَصْبَحَ قَالَ ذَلِكَ فَكَانَ بَعْدُ مَنْ أَرَادَهَا بِمَكْرُوهِ رُمِيَ بِدَاءِ فِي جَسَدِهِ حَتّى انْتَهَوْا عَنْهُ . ذَكَرَهُ الزّهْرِيّ فِي سِيَرِهِ .
ذِكْرُ بِئَارَ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ بِمَكّةَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَبْلَ حَفْرِ زَمْزَمَ قَدْ احْتَفَرَتْ بِئَارًا بِمَكّةَ فِيمَا حَدّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْبَكّائِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ قَالَ حَفَرَ عَبْدُ شَمْسِ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ الطّوِيّ وَهِيَ الْبِئْرُ الّتِي بِأَعْلَى مَكّةَ عِنْدَ الْبَيْضَاءِ دَارِ مُحَمّدِ بْنِ يُوسُفَ . وَحَفَرَ هَاشِمُ بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ بَذّرَ وَهِيَ الْبِئْرُ الّتِي عِنْدَ الْمُسْتَنْذَرِ خَطْمِ الْخَنْدَمَةِ عَلَى فَمِ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ ، وَزَعَمُوا أَنّهُ قَالَ حِينَ حَفَرَهَا : لَأَجْعَلَنّهَا بَلَاغًا لِلنّاسِ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَقَالَ الشّاعِرُ
سَقَى اللّهُ أَمْوَاهًا عَرَفْت مَكَانَهَا ... جُرَابًا وَمَلْكُومًا وَبَذّرَ وَالْغَمْرَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَفَرَ سَجْلَةَ ، وَهِيَ بِئْرُ الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الّتِي يَسْقُونَ عَلَيْهَا الْيَوْمَ . وَيَزْعُمُ بَنُو نَوْفَلٍ أَنّ الْمُطْعِمَ ابْتَاعَهَا مِنْ أَسَدِ بْنِ هَاشِمٍ وَيَزْعُمُ بَنُو هَاشِمٍ أَنّهُ وَهَبَهَا لَهُ حِينَ ظَهَرَتْ زَمْزَمُ ، فَاسْتَغْنَوْا بِهَا عَنْ تِلْكَ الْآبَارِ . [ ص 267 ] عَبْدِ شَمْسٍ الْحَفْرَ لِنَفْسِهِ وَحَفَرَتْ بَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى : سُقَيّةً وَهِيَ بِئْرُ بَنِي أَسَدٍ . وَحَفَرَتْ بَنُو عَبْدِ الدّارِ أُمّ أَحْرَادٍ . وَحَفَرَتْ بَنُو جُمَحَ السّنْبُلَةَ وَهِيَ بِئْرُ خَلَفِ بْنِ وَهْبٍ . وَحَفَرَتْ بَنُو سَهْمٍ : الْغَمْرَ ، وَهِيَ بِئْرُ بَنِي سَهْمٍ ، وَكَانَتْ آبَارٌ حَفَائِرُ خَارِجًا مِنْ مَكّةَ قَدِيمَةً مِنْ عَهْدِ مُرّةَ بْنِ كَعْبٍ ، وَكِلَابِ بْنِ مُرّةَ ، وَكُبَرَاءُ قُرَيْشٍ الْأَوَائِلُ مِنْهَا يَشْرَبُونَ وَهَى رُمّ ، وَرُمّ : بِئْرُ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ . وَخُمّ ، وَخُمّ . بِئْرُ بَنِي كِلَابِ بْنِ مُرّةَ ، وَالْحَفْرُ . قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ : قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَهُوَ أَبُو أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ
وَقِدْمًا غَنَيْنَا قَبْلَ ذَلِكَ حَقْبَةً ... وَلَا نَسْتَقِي إلّا بِخُمّ أَوْ الْحَفْرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ سَأَذْكُرُهَا إنْ شَاءَ اللّهُ فِي مَوْضِعِهَا .
Sبِئَارُ قُرَيْشٍ بِمَكّةَ
[ ص 266 ] وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَبْلَ حَفْرِ زَمْزَمَ قَدْ اتّخَذَتْ بِئَارًا بِمَكّةَ . ذَكَرُوا أَنّ قُصَيّا كَانَ يَسْقِي الْحَجِيجَ فِي حِيَاضٍ مِنْ أَدَمٍ وَكَانَ يَنْقُلُ الْمَاءَ إلَيْهَا مِنْ آبَارٍ خَارِجَةٍ مِنْ مَكّةَ مِنْهَا : بِئْرُ مَيْمُونَ الْحَضْرَمِيّ ، وَكَانَ يَنْبِذُ لَهُمْ الزّبِيبَ ثُمّ احْتَفَرَ قُصَيّ الْعَجُولَ فِي دَارِ أُمّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ ، وَهِيَ أَوّلُ سِقَايَةٍ اُحْتُفِرَتْ بِمَكّةَ وَكَانَتْ الْعَرَبُ إذَا اسْتَقَوْا مِنْهَا ارْتَجَزُوا ، فَقَالُوا :
نُرْوَى عَلَى الْعَجُولِ ثُمّ نَنْطَلِقْ ... إنّ قُصَيّا قَدْ وَفّى وَقَدْ صَدَقْ
بِشِبَعِ الْحَجّ وَرِيّ مُغْتَبِقْ
[ ص 267 ] قُصَيّ ، وَبَعْدَ مَوْتِهِ حَتّى كَبِرَ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ قُصَيّ ، فَسَقَطَ فِيهَا رَجُلٌ مِنْ بَنِي جُعَيْلٍ فَعَطّلُوا الْعَجُولَ وَانْدَفَنَتْ وَاحْتَفَرَتْ كُلّ قَبِيلَةٍ بِئْرًا ، وَاحْتَفَرَ قُصَيّ سَجْلَةَ ، وَقَالَ حِينَ حَفَرَهَا :
أَنَا قُصَيّ ، وَحَفَرْت سَجْلَهْ ... تُرْوِي الْحَجِيجَ زُغْلَةً فَزُغْلَهْ
وَقِيلَ بَلْ حَفَرَهَا هَاشِمٌ وَوَهَبَهَا أَسَدُ بْنُ هَاشِمٍ لِعَدِيّ بْنِ نَوْفَلٍ وَفِي ذَلِكَ تَقُولُ خَالِدَةُ بِنْتُ هَاشِمٍ
نَحْنُ وَهَبْنَا لِعَدِيّ سَجْلَهْ ... تُرْوِي الْحَجِيجَ زُغْلَةً فَزُغْلَهْ
وَأَمّا أُمّ أَحْرَادٍ الّتِي ذَكَرَهَا ، فَأَحْرَادٌ جَمْعُ : حِرْدٍ وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنْ السّنَامِ فَكَأَنّهَا سُمّيَتْ بِهَذَا ، لِأَنّهَا تُنْبِتُ الشّحْمَ أَوْ تُسَمّنُ الْإِبِلَ أَوْ نَحْوَ هَذَا وَالْحِرْدُ الْقَطَا الْوَارِدَةُ لِلْمَاءِ فَكَأَنّهَا تَرِدُهَا الْقَطَا وَالطّيْرُ فَيَكُونُ أَحْرَادٌ جَمْعَ : حُرْدٍ بِالضّمّ عَلَى هَذَا . وَقَالَتْ أُمَيّةُ بِنْتُ عُمَيْلَةَ بْنِ السّبّاقِ بْنِ عَبْدِ الدّارِ امْرَأَةُ الْعَوّامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ حِينَ حَفَرَتْ بَنُو عَبْدِ الدّارِ أُمّ أَحْرَادٍ :
نَحْنُ حَفَرْنَا الْبَحْرَ أُمّ أَحْرَادِ ... لَيْسَتْ كَبَذّرَ الْبُرُورِ الْجَمَادِ
فَأَجَابَتْهَا ضَرّتُهَا : صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أُمّ الزّبَيْرِ بْنِ الْعَوّامِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ
نَحْنُ حَفَرْنَا بَذّرْ ... نَسْقِي الْحَجِيجَ الْأَكْبَرْ
مِنْ مُقْبِلٍ وَمُدْبِرْ ... وَأُمّ أَحْرَادَ شَرْ
[ ص 268 ] يَكُونَ بِمَعْنَى : جَرِيبٍ نَحْوُ كُبَارٍ وَكَبِيرٍ وَالْجَرِيبُ الْوَادِي ، وَالْجَرِيبُ أَيْضًا : مِكْيَالٌ كَبِيرٌ وَالْجَرِيبُ أَيْضًا : الْمَزْرَعَةُ . وَأَمّا مَلْكُومٌ فَهُوَ عِنْدِي مَقْلُوبٌ وَالْأَصْلُ مَمْكُولٌ مِنْ مَكَلْت الْبِئْرَ إذَا اسْتَخْرَجْت مَاءَهَا ، وَالْمَكْلَةُ مَاءُ الرّكِيّةِ وَقَدْ قَالُوا : بِئْرٌ عَمِيقَةٌ وَمَعِيقَةٌ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اللّفْظُ كَذَلِكَ يُقَالُ فِيهِ مَمْكُولٌ وَمَلْكُومٌ ، وَالْمَلْكُومُ فِي اللّغَةِ الْمَظْلُومُ إذَا لَمْ يَكُنْ مَقْلُوبًا . وَأَمّا بَذّرُ فَمِنْ التّبْذِيرِ وَهُوَ التّفْرِيقُ وَلَعَلّ مَاءَهَا كَانَ يَخْرُجُ مُتَفَرّقًا مِنْ غَيْرِ مَكَانٍ وَاحِدٍ وَهَذَا الْبِنَاءُ فِي الْأَسْمَاءِ قَلِيلٌ نَحْو : شَلّمَ وَخَضّمَ وَبَذّرَ وَهِيَ أَسْمَاءُ أَعْلَامٍ وَشَلّمُ اسْمُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَأَمّا فِي غَيْرِ الْأَعْلَامِ فَلَا يُعْرَفُ إلّا الْبَقّمُ وَلَعَلّ أَصْلَهُ أَنْ يَكُونَ أَعْجَمِيّا ، فَعُرّبَ . وَأَمّا خُمّ وَهِيَ بِئْرُ مُرّةَ فَهِيَ مِنْ خَمَمْت الْبَيْتَ إذَا كَنَسْته ، وَيُقَالُ فُلَانٌ مَخْمُومُ الْقَلْبِ أَيْ نَقِيّهُ فَكَأَنّهَا سُمّيَتْ بِذَلِكَ لِنِقَائِهَا . وَأَمّا غَدِيرُ خُمّتْ الّذِي عِنْدَ الْجُحْفَةِ ، فَسُمّيَتْ بِغَيْضَةِ عِنْدَهُ يُقَالُ لَهَا : خُمّ فِيمَا ذَكَرُوا . وَأَمّا رُمّ بِئْرُ بَنِي كِلَابِ بْنِ مُرّةَ ، فَمِنْ رَمَمْت الشّيْءَ إذَا جَمَعْته وَأَصْلَحْته ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ كُنّا أَهْلَ ثُمّةٍ وَرُمّةٍ وَمِنْهُ الرّمّانُ فِي قَوْلِ سِيبَوَيْهِ ، لِأَنّهُ عِنْدَهُ فُعْلَانُ وَأَمّا الْأَخْفَشُ فَيَقُولُ فِيهِ فُعّالٌ فَيَجْعَلُ فِيهِ النّونَ أَصْلِيّةً وَيَقُولُ إنْ سَمّيْت بِهِ رَجُلًا صَرَفْته . وَمِنْ قَوْلِ [ ص 269 ] عَبْدِ شَمْسِ بْنِ قُصَيّ :
حَفَرْت رُمّا ، وَحَفَرْت خُمّا ... حَتّى تَرَى الْمَجْدَ بِهَا قَدْ تَمّا
وَأَمّا شُفَيّةُ بِئْرُ بَنِي أَسَدٍ ، فَقَالَ فِيهَا الْحُوَيْرِثُ بْنُ أَسَدٍ :
مَاءُ شُفَيّةَ كَمَاءِ الْمُزْنِ ... وَلَيْسَ مَاؤُهَا بِطَرْقِ أَجْنِ
وَأَمّا سُنْبُلَةُ بِئْرُ بَنِي جُمَحَ وَهِيَ بِئْرُ بَنِي خَلَفِ بْنِ وَهْبٍ - فَقَالَ فِيهَا شَاعِرُهُمْ
نَحْنُ حَفَرْنَا لِلْحَجِيجِ سُنْبُلَهْ ... صَوْبَ سَحَابٍ ذُو الْجَلَالِ أَنْزَلَهْ
ثُمّ تَرَكْنَاهَا بِرَأْسِ الْقُنْبُلَهْ ... تَصُبّ مَاءً مِثْلَ مَاءِ الْمَعْبَلَهْ
نَحْنُ سَقَيْنَا النّاسَ قَبْلَ الْمَسْأَلَهْ
مِنْ شَرْحِ شِعْرِ مُسَافِرٍ وَأَمّا الْغَمْرُ : بِئْرُ بَنِي سَهْمٍ ، فَقَالَ فِيهَا بَعْضُهُمْ
نَحْنُ حَفَرْنَا الْغَمْرَ لِلْحَجِيجِ ... تَثُجّ مَاءً أَيّمَا ثَجِيجِ
ذَكَرَ أَكْثَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيّ ، وَبَعْضُ هَذِهِ الْأَرْجَازِ أَوْ أَكْثَرُهُ فِي كِتَابِ الزّبَيْرِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رَحْمَةُ اللّهِ عَلَيْهِ .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَعَفّتْ زَمْزَمُ عَلَى الْبِئَارِ الّتِي كَانَتْ قَبْلَهَا يُسْقَى عَلَيْهَا الْحَاجّ وَانْصَرَفَ النّاسُ إلَيْهَا لِمَكَانِهَا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ؛ وَلِفَضْلِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا مِنْ الْمِيَاهِ وَلِأَنّهَا بِئْرُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السّلَامُ وَافْتَخَرَتْ بِهَا بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى قُرَيْشٍ كُلّهَا ، وَعَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ ، فَقَالَ مُسَافِرُ بْنُ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَهُوَ يَفْخَرُ عَلَى قُرَيْشٍ بِمَا وُلّوا عَلَيْهِمْ مِنْ السّقَايَةِ وَالرّفَادَةِ وَمَا أَقَامُوا لِلنّاسِ مِنْ ذَلِكَ وَبِزَمْزَمَ حِينَ ظَهَرَتْ لَهُمْ وَإِنّمَا كَانَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ أَهْلُ بَيْتٍ وَاحِدٍ شَرَفُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ شَرَفٌ وَفَضْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضِ فَضْلٌ
وَرِثْنَا الْمَجْدَ مِنْ آبَا ... ئِنَا فَنَمَى بِنَا صُعُدَا
أَلَمْ نَسْقِ الْحَجِيجَ وَنَنْ ... حَرْ الدّلّافَةَ الرّفُدَا
وَنُلْفَى عِنْدَ تَصْرِيفِ الْمَ ... نَايَا شُدّدًا رُفُدَا
فَإِنْ نَهْلِكْ فَلَمْ نُمْلَكْ ... وَمَنْ ذَا خَالِدٌ أَبَدَا
وَزَمْزَمُ فِي أَرُومَتِنَا ... وَنَفْقَأُ عَيْنَ مَنْ جَسَدَ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ .
وَسَاقِي الْحَجِيجِ ثُمّ لِلْخُبْزِ هَاشِمٌ ... وَعَبْدُ مَنَافٍ ذَلِكَ السّيّدُ الْفِهْرِي
طَوَى زَمْزَمًا عِنْدَ الْمَقَامِ فَأَصْبَحَتْ ... سِقَايَتُهُ فَخْرًا عَلَى كُلّ ذِي فَخْرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : يَعْنِي عَبْدَ الْمُطّلِبِ بْنَ هَاشِمٍ . وَهَذَانِ الْبَيْتَانِ فِي قَصِيدَةٍ لِحُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ سَأَذْكُرُهَا فِي مَوْضِعِهَا إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى .
Sفَصْلٌ وَذَكَرَ شِعْرَ مُسَافِرِ بْنِ أَبِي عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ . وَاسْمُ أَبِي عَمْرٍو : ذَكْوَانُ ، وَهُوَ الّذِي يَقُولُ فِيهِ أَبُو سُفْيَانَ
لَيْتَ شِعْرِي مُسَافِرَ بْنَ أَبِي عَمْ ... رٍو ، وَلَيْتٌ يَقُولُهَا الْمَحْزُونُ
بُورِكَ الْمَيّتُ الْغَرِيبُ كَمَا بُو ... رِكَ نَضْحُ الرّمّانِ وَالزّيْتُونُ
فِي شِعْرٍ يَرْثِيهِ بِهِ وَكَانَ مَاتَ مِنْ حُبّ صَعْبَةَ بِنْتِ الْحَضْرَمِيّ . وَفِي الشّعْرِ وَنَنْحَرُ الدّلّافَةَ الرّفُدَا . [ ص 270 ] جَمْعُ رَفُودٍ مِنْ الرّفْدِ وَهِيَ الّتِي تَمْلَأُ إنَاءَيْنِ عِنْدَ الْحَلْبِ . وَقَوْلُهُ وَنُلْفَى عِنْدَ تَصْرِيفِ الْمَنَايَا شُدّدًا رُفُدَا
هُوَ جَمْعُ رَفُودٍ أَيْضًا مِنْ الرّفْدِ وَهُوَ الْعَوْنُ وَالْأَوّلُ مِنْ الرّفْدِ بِفَتْحِ الرّاءِ [ وَبِكَسْرِهَا ] وَهُوَ إنَاءٌ كَبِيرٌ قَالَ الشّاعِرُ
رُبّ رَفْدٍ هَرَقْته ذَلِكَ الْيَوْ ... مَ وَأَسْرَى مِنْ مَعْشَرٍ أَقْتَالِ
وَذَكَرَ أُمّ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، وَهِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ هَكَذَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ . وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : عَائِذُ بْنُ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ ، وَالصّحِيحُ مَا قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ ؛ لِأَنّ الزّبَيْرِيّينَ ذَكَرُوا أَنّ عَبْدًا هُوَ أَخُو عَائِذِ بْنِ عِمْرَانَ وَأَنّ بِنْتَ عَبْدٍ هِيَ صَخْرَةُ امْرَأَةُ عَمْرِو بْنِ عَائِذٍ عَلَى قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ ؛ لِأَنّهَا كَانَتْ لَهُ عَمّةً لَا بِنْتَ عَمّ فَتَأَمّلْهُ فَقَدْ تَكَرّرَ هَذَا النّسَبُ فِي السّيرَةِ مِرَارًا ، وَفِي كُلّ ذَلِكَ يَقُولُ ابْنُ إسْحَاقَ : عَائِذُ بْنُ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ ، وَيُخَالِفُهُ ابْنُ هِشَامٍ . وَصَخْرَةُ بِنْتُ عَبْدٍ أُمّ فَاطِمَةَ أُمّهَا : تَخْمُرُ بِنْتُ عَبْدِ بْنِ قُصَيّ ، وَأُمّ تَخْمُرَ سُلْمَى بِنْتُ عُمَيْرَةَ بْنِ وَدِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ . قَالَهُ الزّبَيْرُ .
ذِكْرُ نَذْرِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ذَبْحَ وَلَدِهِ
[ ص 271 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ - فِيمَا يَزْعُمُونَ وَاَللّهُ أَعْلَمُ - قَدْ نَذَرَ حِينَ لَقِيَ مِنْ قُرَيْشٍ مَا لَقِيَ عِنْدَ حَفْرِ زَمْزَمَ : لَئِنْ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ نَفَرٍ ثُمّ بَلَغُوا مَعَهُ حَتّى يَمْنَعُوهُ لَيَنْحَرَنّ أَحَدَهُمْ لِلّهِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ . فَلَمّا تَوَافَى بَنُوهُ عَشَرَةً وَعَرَفَ أَنّهُمْ سَيَمْنَعُونَهُ جَمَعَهُمْ ثُمّ أَخْبَرَهُمْ بِنَذْرِهِ وَدَعَاهُمْ إلَى الْوَفَاءِ لِلّهِ بِذَلِكَ فَأَطَاعُوهُ وَقَالُوا : كَيْفَ نَصْنَعُ ؟ قَالَ لِيَأْخُذْ كُلّ رَجُلٍ مِنْكُمْ قِدْحًا ثُمّ يَكْتُبْ فِيهِ اسْمَهُ ثُمّ ائْتُونِي ، فَفَعَلُوا ، ثُمّ أَتَوْهُ فَدَخَلَ بِهِمْ عَلَى هُبَلَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ ، وَكَانَ هُبَلُ عَلَى بِئْرٍ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ ، وَكَانَتْ تِلْكَ الْبِئْرُ هِيَ الّتِي يُجْمَعُ فِيهَا مَا يُهْدَى لِلْكَعْبَةِ . وَكَانَ عِنْدَ هُبَلَ قِدَاحٌ سَبْعَةٌ كُلّ قِدْحٍ مِنْهَا فِيهِ كِتَابٌ . قِدْحٌ فِيهِ الْعَقْلُ إذَا اخْتَلَفُوا فِي الْعَقْلِ مَنْ يَحْمِلُهُ مِنْهُمْ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ السّبْعَةِ فَإِنْ خَرَجَ الْعَقْلُ فَعَلَى مَنْ خَرَجَ حَمَلَهُ . وَقِدْحٌ فِيهِ نَعَمْ . لِلْأَمْرِ إذَا أَرَادُوهُ يُضْرَبُ بِهِ فِي الْقِدَاحِ فَإِنْ خَرَجَ قِدْحُ نَعَمْ عَمِلُوا بِهِ . وَقِدْحٌ فِيهِ لَا ، إذَا أَرَادُوا أَمْرًا ضَرَبُوا بِهِ فِي الْقِدَاحِ فَإِنْ خَرَجَ ذَلِكَ الْقِدَاحُ لَمْ [ ص 272 ] أَرَادُوا أَنْ يَحْفِرُوا لِلْمَاءِ ضَرَبُوا بِالْقِدَاحِ وَفِيهَا ذَلِكَ الْقِدْحُ فَحَيْثُمَا خَرَجَ عَمِلُوا بِهِ . وَكَانُوا إذَا أَرَادُوا أَنْ يَخْتِنُوا غُلَامًا ، أَوْ يَنْكِحُوا مُنْكَحًا ، أَوْ يَدْفِنُوا مَيّتًا ، أَوْ شَكّوا فِي نَسَبِ أَحَدِهِمْ ذَهَبُوا بِهِ إلَى هُبَلَ وَبِمِئَةِ دِرْهَمٍ وَجَزُورٍ فَأَعْطَوْهَا صَاحِبَ الْقِدَاحِ الّذِي يَضْرِبُ بِهَا ، ثُمّ قَرّبُوا صَاحِبَهُمْ الّذِي يُرِيدُونَ بِهِ مَا يُرِيدُونَ ثُمّ قَالُوا : يَا إلَهَنَا هَذَا فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ قَدْ أَرَدْنَا بِهِ كَذَا وَكَذَا ، فَأَخْرِجْ الْحَقّ فِيهِ . ثُمّ يَقُولُونَ لِصَاحِبِ الْقِدَاحِ اضْرِبْ فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ مِنْكُمْ كَانَ مِنْهُمْ وَسِيطًا ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِكُمْ كَانَ حَلِيفًا ، وَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ مُلْصَقٌ كَانَ عَلَى مَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ لَا نَسَبَ لَهُ وَلَا حِلْفَ وَإِنْ خَرَجَ فِيهِ شَيْءٌ مِمّا سِوَى هَذَا مِمّا يَعْمَلُونَ بِهِ نَعَمْ عَمِلُوا بِهِ وَإِنْ خَرَجَ لَا ، أَخّرُوهُ عَامَهُ ذَلِكَ حَتّى يَأْتُوهُ بِهِ مَرّةً أُخْرَى ، يَنْتَهُونَ فِي أُمُورِهِمْ إلَى ذَلِكَ مِمّا خَرَجَتْ بِهِ الْقِدَاحُ . فَقَالَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ لِصَاحِبِ الْقِدَاحِ اضْرِبْ عَلَى بَنِيّ هَؤُلَاءِ بِقِدَاحِهِمْ هَذِهِ وَأَخْبَرَهُ بِنَذْرِهِ الّذِي نَذَرَ فَأَعْطَاهُ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ قِدْحَهُ الّذِي فِيهِ اسْمُهُ وَكَانَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَصْغَرَ بَنِي أَبِيهِ كَانَ هُوَ وَالزّبَيْرُ وَأَبُو طَالِبٍ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : عَائِذُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ عَبْدُ اللّهِ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - أَحَبّ وَلَدِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ إلَيْهِ فَكَانَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَرَى أَنّ السّهْمَ إذَا أَخْطَأَهُ فَقَدْ أَشْوَى . وَهُوَ أَبُو رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَلَمّا أَخَذَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ الْقِدَاحَ لِيَضْرِبَ بِهَا ، قَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ عِنْدَ هُبَلَ يَدْعُو اللّهَ ثُمّ ضَرَبَ صَاحِبُ الْقِدَاحِ فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللّهِ فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بِيَدِهِ وَأَخَذَ الشّفْرَةَ ثُمّ أَقْبَلَ بِهِ إلَى إسَافَ وَنَائِلَةَ لِيَذْبَحَهُ فَقَامَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنْ أَنْدِيَتِهَا ، فَقَالُوا : مَاذَا تُرِيدُ يَا عَبْدَ الْمُطّلِبِ ؟ قَالَ أَذْبَحُهُ فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ وَاَللّهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا ، حَتّى تُعْذَرَ فِيهِ . لَئِنْ فَعَلْت هَذَا لَا يَزَالُ الرّجُلُ يَأْتِي بِابْنِهِ حَتّى يَذْبَحَهُ فَمَا بَقَاءُ النّاسِ عَلَى هَذَا ؟ وَقَالَ لَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ يَقَظَةَ - وَكَانَ عَبْدُ اللّهِ ابْنَ أُخْتِ الْقَوْمِ وَاَللّهِ لَا تَذْبَحُهُ أَبَدًا ، حَتّى تُعْذَرَ فِيهِ فَإِنْ كَانَ فِدَاؤُهُ بِأَمْوَالِنَا فَدَيْنَاهُ . وَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ وَبَنُوهُ . لَا تَفْعَلْ وَانْطَلِقْ بِهِ إلَى الْحِجَازِ ، فَإِنّ بِهِ عَرّافَةً لَهَا تَابِعٌ فَسَلْهَا ، ثُمّ أَنْتَ عَلَى رَأْسِ أَمْرِك ، إنْ أَمَرَتْك بِذَبْحِهِ ذَبَحْته ، وَإِنْ أَمَرَتْك بِأَمْرِ لَك وَلَهُ فِيهِ فَرَجٌ قَبِلْته . [ ص 273 ] فَانْطَلَقُوا حَتّى قَدِمُوا الْمَدِينَةَ ، فَوَجَدُوهَا - فِيمَا يَزْعُمُونَ - بِخَيْبَرِ . فَرَكِبُوا حَتّى جَاءُوهَا ، فَسَأَلُوهَا ، وَقَصّ عَلَيْهَا عَبْدُ الْمُطّلِبِ خَبَرَهُ وَخَبَرَ ابْنِهِ وَمَا أَرَادَ بِهِ وَنَذْرَهُ فِيهِ فَقَالَتْ لَهُمْ ارْجِعُوا عَنّي الْيَوْمَ حَتّى يَأْتِيَنِي تَابِعِي فَأَسْأَلَهُ . فَرَجَعُوا مِنْ عِنْدِهَا فَلَمّا خَرَجُوا عَنْهَا قَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللّهَ ثُمّ غَدَوْا عَلَيْهَا ، فَقَالَتْ لَهُمْ قَدْ جَاءَنِي الْخَبَرُ ، كَمَا الدّيَةُ فِيكُمْ ؟ قَالُوا : عَشْرٌ مِنْ الْإِبِلِ وَكَانَتْ كَذَلِكَ . قَالَتْ فَارْجِعُوا إلَى بِلَادِكُمْ ثُمّ قَرّبُوا صَاحِبَكُمْ وَقَرّبُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ ثُمّ اضْرِبُوا عَلَيْهَا ، وَعَلَيْهِ بِالْقِدَاحِ فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى صَاحِبِكُمْ فَزِيدُوا مِنْ الْإِبِلِ حَتّى يَرْضَى رَبّكُمْ وَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الْإِبِلِ فَانْحَرُوهَا عَنْهُ فَقَدْ رَضِيَ رَبّكُمْ وَنَجَا صَاحِبُكُمْ . فَخَرَجُوا حَتّى قَدِمُوا مَكّةَ ، فَلَمّا أَجْمَعُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَمْرِ قَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللّهَ ثُمّ قَرّبُوا عَبْدَ اللّهِ وَعَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ وَعَبْدُ الْمُطّلِبِ قَائِمٌ عِنْدَ هُبَلَ يَدْعُو اللّهَ عَزّ وَجَلّ ثُمّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللّهِ فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ عِشْرِينَ وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللّهَ عَزّ وَجَلّ ثُمّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللّهِ فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ ثَلَاثِينَ وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللّهَ ثُمّ ضَرَبُوا ، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللّهِ فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ أَرْبَعِينَ وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللّهَ ثُمّ ضَرَبُوا ، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللّهِ فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ خَمْسِينَ وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللّهَ ثُمّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللّهِ فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ سِتّينَ وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللّهَ ثُمّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللّهِ فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ سَبْعِينَ وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللّهَ ثُمّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللّهِ فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ ثَمَانِينَ وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللّهَ ثُمّ ضَرَبُوا ، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللّهِ فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ تِسْعِينَ وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللّهَ ثُمّ ضَرَبُوا ، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى عَبْدِ اللّهِ فَزَادُوا عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ فَبَلَغَتْ الْإِبِلُ مِئَةً وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللّهَ ثُمّ ضَرَبُوا فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ حَضَرَ قَدْ انْتَهَى رِضَا رَبّك يَا عَبْدَ الْمُطّلِبِ ، فَزَعَمُوا أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ قَالَ لَا وَاَللّهِ حَتّى أَضْرِبَ عَلَيْهَا ثَلَاثَ مَرّاتٍ فَضَرَبُوا عَلَى عَبْدِ اللّهِ وَعَلَى الْإِبِلِ وَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ يَدْعُو اللّهَ فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ ثُمّ عَادُوا الثّانِيَةَ وَعَبْدُ الْمُطّلِبِ قَائِمٌ يَدْعُو اللّهَ فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ ثُمّ عَادُوا الثّالِثَةَ وَعَبْدُ الْمُطّلِبِ قَائِمٌ يَدْعُو اللّهَ فَضَرَبُوا ، فَخَرَجَ الْقِدْحُ عَلَى الْإِبِلِ فَنُحِرَتْ ثُمّ تُرِكَتْ لَا يُصَدّ عَنْهَا إنْسَانٌ وَلَا يُمْنَعُ . [ ص 274 ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُقَالُ إنْسَانٌ وَلَا سَبُعٌ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَبَيْنَ أَضْعَافِ هَذَا الْحَدِيثِ رَجَزٌ لَمْ يَصِحّ عِنْدَنَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ .
S[ ص 271 ] نَذْرُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَصْلٌ وَذَكَرَ نَذْرَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ . وَفِيهِ أَنّ عَبْدَ اللّهِ يَعْنِي : وَالِدَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - كَانَ أَصْغَرَ بَنِي أَبِيهِ وَهَذَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَلَعَلّ الرّوَايَةَ أَصْغَرَ بَنِي أُمّهِ وَإِلّا فَحَمْزَةُ كَانَ أَصْغَرَ مِنْ عَبْدِ اللّهِ وَالْعَبّاسُ أَصْغَرُ مِنْ حَمْزَةَ وَرُوِيَ عَنْ الْعَبّاسِ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - أَنّهُ قَالَ أَذْكُرُ مَوْلِدَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَأَنَا ابْنُ ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ أَوْ نَحْوِهَا ، فَجِيءَ بِي حَتّى نَظَرْت إلَيْهِ وَجَعَلَ النّسْوَةُ يَقُلْنَ لِي : قَبّلْ أَخَاك ، قَبّلْ أَخَاك ، فَقَبّلْته ، فَكَيْفَ يَصِحّ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللّهِ هُوَ الْأَصْغَرَ مَعَ هَذَا ؟ وَلَكِنْ رَوَاهُ الْبَكّائِيّ كَمَا تَقَدّمَ وَلِرِوَايَتِهِ وَجْهٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَصْغَرَ وَلَدِ أَبِيهِ حِينَ أَرَادَ نَحْرَهُ ثُمّ وُلِدَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ حَمْزَةُ وَالْعَبّاسُ . وَسَائِرُ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ لَيْسَ فِيهِ مَا يُشْكِلُ . وَفِيهِ أَنّ الدّيَةَ كَانَتْ بِعَشْرِ مِنْ الْإِبِلِ قَبْلَ هَذِهِ الْقِصّةِ وَأَوّلُ مَنْ وُدِيَ بِالْمِائَةِ إذًا : عَبْدُ اللّهِ . وَقَدْ قَدّمْنَا مَا ذَكَرَهُ الْأَصْبَهَانِيّ عَنْ أَبِي الْيَقْظَانِ أَنّ أَبَا سَيّارَةَ هُوَ أَوّلُ مَنْ جَعَلَ الدّيَةَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَمّا أَوّلُ مَنْ وُدِيَ بِالْإِبِلِ مِنْ الْعَرَبِ : فَزَيْدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ قَتَلَهُ أَخُوهُ مُعَاوِيَةُ جَدّ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ . وَأَمّا الْكَاهِنَةُ الّتِي تَحَاكَمُوا إلَيْهَا بِالْمَدِينَةِ فَاسْمُهَا : قُطْبَةُ . ذَكَرَهَا عَبْدُ الْغَنِيّ فِي كِتَابِ الْغَوَامِضِ وَالْمُبْهَمَاتِ وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ أَنّ اسْمَهَا : سَجَاحُ . [ ص 272 ] [ ص 273 ]
ذِكْرُ الْمَرْأَةِ الْمُتَعَرّضَةِ لِنِكَاحِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ آخِذًا بِيَدِ عَبْدِ اللّهِ فَمَرّ بِهِ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ : وَهِيَ أُخْتُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى : وَهِيَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ : فَقَالَتْ لَهُ حِينَ نَظَرَتْ إلَى وَجْهِهِ أَيْن تَذْهَبُ يَا عَبْدَ اللّهِ ؟ قَالَ مَعَ أَبِي . قَالَتْ لَك مِثْلُ الْإِبِلِ الّتِي نُحِرَتْ عَنْك : وَقَعْ عَلَيّ الْآنَ . قَالَ أَنَا مَعَ أَبِي ، وَلَا أَسْتَطِيعُ خِلَافَهُ . وَلَا فِرَاقَهُ . [ ص 275 ] فَخَرَجَ بِهِ عَبْدُ الْمُطّلِبِ حَتّى أَتَى بِهِ وَهْبَ بْنَ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ - وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيّدُ بَنِي زُهْرَةَ نَسَبًا وَشَرَفًا - فَزَوّجَهُ ابْنَتَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ أَفْضَلُ امْرَأَةٍ فِي قُرَيْشٍ نَسَبًا وَمَوْضِعًا . وَهِيَ لِبَرّةَ بِنْتِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ . وَبَرّةُ لِأُمّ حَبِيبِ بِنْتِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ .وَأُمّ حَبِيبٍ لِبَرّةَ بِنْتِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ . فَزَعَمُوا أَنّهُ دَخَلَ عَلَيْهَا حِينَ أَمْلَكَهَا مَكَانَهُ فَوَضَعَ عَلَيْهَا ، فَحَمَلَتْ بِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - ثُمّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا ، فَأَتَى الْمَرْأَةَ الّتِي عَرَضَتْ عَلَيْهِ مَا عَرَضَتْ فَقَالَ لَهَا : مَا لَك لَا تَعْرِضِينَ عَلَيّ الْيَوْمَ مَا كُنْت عَرَضْت عَلَيّ بِالْأَمْسِ ؟ قَالَتْ لَهُ فَارَقَك النّورُ الّذِي كَانَ مَعَك بِالْأَمْسِ فَلَيْسَ [ لِي ] بِك الْيَوْمَ حَاجَةٌ .وَقَدْ كَانَتْ تَسْمَعُ مِنْ أَخِيهَا وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ - وَكَانَ قَدْ تَنَصّرَ وَاتّبَعَ الْكُتُبَ أَنّهُ كَائِنٌ فِي هَذِهِ الْأُمّةِ نَبِيّ . [ ص 276 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ : أَنّهُ حُدّثَ أَنّ عَبْدَ اللّهِ إنّمَا دَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ كَانَتْ لَهُ مَعَ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ وَقَدْ عَمِلَ فِي طِينٍ لَهُ وَبِهِ آثَارٌ مِنْ الطّينِ فَدَعَاهَا إلَى نَفْسِهِ فَأَبْطَأَتْ عَلَيْهِ لِمَا رَأَتْ بِهِ مِنْ أَثَرِ الطّينِ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا فَتَوَضّأَ وَغَسَلَ مَا كَانَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الطّينِ ثُمّ خَرَجَ عَامِدًا إلَى آمِنَةَ فَمَرّ بِهَا ، فَدَعَتْهُ إلَى نَفْسِهَا ، فَأَبَى عَلَيْهَا ، وَعَمَدَ إلَى آمِنَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَأَصَابَهَا ، فَحَمَلَتْ بِمُحَمّدِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - ثُمّ مَرّ بِامْرَأَتِهِ تِلْكَ فَقَالَ لَهَا : هَلْ لَك ؟ قَالَتْ لَا ، مَرَرْت بِي وَبَيْن عَيْنَيْك غُرّةٌ بَيْضَاءُ فَدَعَوْتُك فَأَبَيْت عَلَيّ وَدَخَلْت عَلَى آمِنَةَ فَذَهَبَتْ بِهَا . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَزَعَمُوا أَنّ امْرَأَتَهُ تِلْكَ كَانَتْ تُحَدّثُ أَنّهُ مَرّ بِهَا وَبَيْنَ عَيْنَيْهِ غُرّةٌ مِثْلُ غُرّةِ الْفَرَسِ ، قَالَتْ فَدَعَوْته رَجَاءَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ بِي ، فَأَبَى عَلَيّ وَدَخَلَ عَلَى آمِنَةَ فَأَصَابَهَا ، فَحَمَلَتْ بِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَوْسَطَ قَوْمِهِ نَسَبًا ، وَأَعْظَمَهُمْ شَرَفًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ -
ذِكْرُ مَا قِيلَ لِآمِنَةَ عِنْدَ حَمْلِهَا بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
وَيَزْعُمُونَ - فِيمَا يَتَحَدّثُ النّاسُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ - أَنّ آمِنَةَ ابْنَةَ وَهْبٍ أُمّ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - كَانَتْ تُحَدّثُ أَنّهَا أُتِيَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَقِيلَ لَهَا : إنّك قَدْ حَمَلْت بِسَيّدِ هَذِهِ الْأُمّةِ ، فَإِذَا وَقَعَ إلَى الْأَرْضِ فَقُولِي : أُعِيذُهُ بِالْوَاحِدِ مِنْ شَرّ كُلّ حَاسِدٍ ثُمّ سَمّيهِ مُحَمّدًا . وَرَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ أَنّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ رَأَتْ بِهِ قُصُورَ بُصْرَى ، مِنْ أَرْضِ الشّامِ ثُمّ لَمْ يَلْبَثْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، أَبُو رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَنْ هَلَكَ وَأُمّ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حَامِلٌ بِهِ .
Sتَزْوِيجُ عَبْدِ اللّهِ
[ ص 277 ] [ ص 274 ] وَذَكَرَ تَزْوِيجَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ وَذَكَرَ الْبَرْقِيّ فِي سَبَبِ تَزْوِيجِ عَبْدِ اللّهِ آمِنَةَ أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ كَانَ يَأْتِي الْيَمَنَ ، وَكَانَ يَنْزِلُ فِيهَا عَلَى عَظِيمٍ مِنْ عُظَمَائِهِمْ فَنَزَلَ عِنْدَهُ مَرّةً فَإِذَا عِنْدَهُ رَجُلٌ مِمّنْ قَرَأَ الْكُتُبَ فَقَالَ لَهُ ائْذَنْ لِي أَقِسْ مَنْخِرَك ، فَقَالَ دُونَك فَانْظُرْ فَقَالَ أَرَى نُبُوّةً وَمُلْكًا ، وَأَرَاهُمَا فِي الْمَنَافَيْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيّ ، وَعَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ فَلَمّا انْصَرَفَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ انْطَلَقَ بِابْنِهِ عَبْدِ اللّهِ فَتَزَوّجَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ هَالَةَ بِنْتَ وُهَيْبٍ وَهِيَ أُمّ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللّهُ - عَنْهُ وَزَوّجَ ابْنَهُ عَبْدَ اللّهِ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ فَوَلَدَتْ لَهُ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ -
حَوْلَ أُمّهَاتِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
وَذَكَرَ أُمّهَا وَأُمّ أُمّهَا ، وَالثّالِثَةَ وَهِيَ بَرّةُ بِنْتُ عَوْفٍ وَقَدْ قَدّمْنَا فِي أَوّلِ الْمَوْلِدِ ذِكْرَ أُمّ الثّالِثَةِ وَالرّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ وَنَسَبَهُنّ فَلْيُنْطَرْ هُنَالِكَ . وَأَمّا أُمّ هَالَةَ فَهِيَ الْعَبْلَةُ بِنْتُ الْمُطّلِبِ وَأُمّهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ سَهْمٍ وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى بَعْضِ النّاسِ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ نَذَرَ نَحْرَ أَحَدِ بَنِيهِ إذَا بَلَغُوا عَشَرَةً ثُمّ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّ تَزْوِيجَهُ هَالَةَ أُمّ ابْنَه حَمْزَةَ كَانَ بَعْدَ وَفَائِهِ بِنَذْرِهِ فَحَمْزَةُ وَالْعَبّاسُ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا - إنّمَا وُلِدَا بَعْدَ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ وَإِنّمَا كَانَ جَمِيعُ أَوْلَادِهِ عَشَرَةً . وَلَا إشْكَالَ [ ص 275 ] قَالُوا : كَانَ أَعْمَامُهُ - عَلَيْهِ السّلَامُ - اثْنَيْ عَشَرَ وَقَالَهُ أَبُو عُمَرَ فَإِنْ صَحّ هَذَا فَلَا إشْكَالَ فِي الْخَبَرِ ، وَإِنْ صَحّ قَوْلُ مَنْ قَالَ كَانُوا عَشَرَةً بِلَا مَزِيدٍ فَالْوَلَدُ يَقَعُ عَلَى الْبَنِينَ وَبَنِيهِمْ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا ، فَكَانَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ قَدْ اجْتَمَعَ لَهُ مِنْ وَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ عَشَرَةُ رِجَالٍ حِينَ وَفّى بِنَذْرِهِ .
الْمَرْأَةُ الّتِي دَعَتْ عَبْدَ اللّهِ
وَيُرْوَى أَنّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ حِينَ دَعَتْهُ الْمَرْأَةُ الْأَسَدِيّةُ إلَى نَفْسِهَا لِمَا رَأَتْ فِي وَجْهِهِ مِنْ نُورِ النّبُوّةِ وَرَجَتْ أَنْ تَحْمِلَ بِهَذَا النّبِيّ فَتَكُونَ أُمّهُ دُونَ غَيْرِهَا ، فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ حِينَئِذٍ فِيمَا ذَكَرُوا :
أَمّا الْحَرَامُ فَالْحِمَامُ دُونَهْ ... وَالْحِلّ لَا حِلّ فَأَسْتَبِينَهْ
فَكَيْفَ بِالْأَمْرِ الّذِي تَبْغِينَهْ ... يَحْمِي الْكَرِيمُ عِرْضَهُ وَدِينَهْ ؟
وَاسْمُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ رُقَيّةُ بِنْتُ نَوْفَلِ أُخْتُ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ ؛ تُكَنّى : أُمّ قَتّالٍ وَبِهَذِهِ الْكُنْيَةِ وَقَعَ ذِكْرُهَا فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ ، وَذَكَرَ الْبَرْقِيّ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيّ قَالَ إنّمَا مَرّ عَلَى امْرَأَةٍ اسْمُهَا : فَاطِمَةُ بِنْتُ مُرّ كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ النّسَاءِ وَأَعَفّهِنّ وَكَانَتْ قَرَأَتْ [ ص 276 ] نُورَ النّبُوّةِ فِي وَجْهِهِ فَدَعَتْهُ إلَى نِكَاحِهَا ، فَأَبَى ، فَلَمّا أَبَى قَالَتْ
إنّي رَأَيْت مُخِيلَةً نَشَأَتْ ... فَتَلَأْلَأَتْ بِحَنَاتِمِ الْقَطْرِ
فَلَمَأْتهَا نُورًا يُضِيءُ بِهِ ... مَا حَوْلَهُ كَإِضَاءَةِ الْفَجْرِ
وَرَأَيْت سُقْيَاهَا حَيَا بَلَدٍ ... وَقَعَتْ بِهِ وَعِمَارَةَ الْقَفْرِ
وَرَأَيْته شَرَفًا أَبُوءُ بِهِ ... مَا كُلّ قَادِحِ زَنْدِهِ يُورِي
لِلّهِ مَا زُهْرِيّةٌ سَلَبَتْ ... مِنْك الّذِي اسْتَلَبَتْ وَمَا تَدْرِي
وَفِي غَرِيبِ ابْنِ قُتَيْبَةَ : أَنّ الّتِي عَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ هِيَ لَيْلَى الْعَدَوِيّةُ .
وِلَادَةُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
[ ص 278 ] قَالَ حَدّثَنَا أَبُو مُحَمّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْبَكّائِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ قَالَ وُلِدَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ، لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ عَامَ الْفِيلِ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي الْمُطّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ . قَالَ وُلِدْت أَنَا وَرَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - عَامَ الْفِيلِ فَنَحْنُ لِدَتَانِ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي صَالِحُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيّ . قَالَ حَدّثَنِي مَنْ [ ص 279 ] قَوْمِي عَنْ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ ، قَالَ وَاَللّهِ إنّي لَغُلَامٌ يَفَعَةٌ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ أَعْقِلُ كُلّ مَا سَمِعْت ، إذْ سَمِعْت يَهُودِيّا يَصْرُخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ عَلَى أَطَمَةٍ بِيَثْرِبَ يَا مَعْشَرَ يَهُودَ حَتّى إذَا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ قَالُوا لَهُ وَيْلَك مَا لَك ؟ قَالَ طَلَعَ اللّيْلَةَ نَجْمُ أَحْمَدَ الّذِي وُلِدَ بِهِ . قَالَ مُحَمّدُ بْنُ إسْحَاقَ فَسَأَلْت سَعِيدَ بْنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ حَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ فَقُلْت : ابْنُ كَمْ كَانَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ مَقْدَمَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - الْمَدِينَةَ ؟ فَقَالَ ابْنُ سِتّينَ وَقَدِمَهَا رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً فَسَمِعَ حَسّانُ مَا سَمِعَ وَهُوَ ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا وَضَعَتْهُ أُمّهُ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَرْسَلَتْ إلَى جَدّهِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ : أَنّهُ قَدْ وُلِدَ لَك غُلَامٌ فَأْتِهِ فَانْظُرْ إلَيْهِ فَأَتَاهُ فَنَظَرَ إلَيْهِ وَحَدّثَتْهُ بِمَا رَأَتْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ وَمَا قِيلَ لَهَا فِيهِ وَمَا أُمِرَتْ بِهِ أَنْ تُسَمّيَهُ .
Sفَصْلٌ فِي الْمَوْلِدِ
[ ص 278 ] بَقِيّ بْنِ مَخْلَدٍ أَنّ إبْلِيسَ - لَعَنَهُ اللّهُ - رَنّ أَرْبَعَ رَنّاتٍ رَنّةً حِينَ لُعِنَ وَرَنّةً حِينَ أُهْبِطَ وَرَنّةً حِينَ وُلِدَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَرَنّةً حِينَ أُنْزِلَتْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ . قَالَ وَالرّنِينُ وَالنّخَارُ مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ . قَالَ وَيُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ أُمّ الْكِتَابِ وَلَكِنْ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ . وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ عَنْ أُمّهِ أُمّ عُثْمَانَ الثّقَفِيّةِ وَاسْمُهَا : فَاطِمَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللّهِ [ ص 279 ] قَالَتْ " حَضَرْت وِلَادَةَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَرَأَيْت الْبَيْتَ حِينَ وُضِعَ قَدْ امْتَلَأَ نُورًا ، وَرَأَيْت النّجُومَ تَدْنُو حَتّى ظَنَنْت أَنّهَا سَتَقَعُ عَلَيّ " . ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ فِي كِتَابِ النّسَاءِ . وَذَكَرَهُ الطّبَرِيّ أَيْضًا فِي التّارِيخِ . وَوُلِدَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مَعْذُورًا مَسْرُورًا ، أَيْ مَخْتُونًا مَقْطُوعَ السّرّةِ يُقَالُ عُذِرَ الصّبِيّ وَأُعْذِرَ . إذَا خُتِنَ وَكَانَتْ أُمّهُ تُحَدّثُ أَنّهَا لَمْ تَجِدْ حِينَ حَمَلَتْ بِهِ مَا تَجِدُهُ الْحَوَامِلُ مِنْ ثِقَلٍ وَلَا وَحَمٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ وَلَمّا وَضَعَتْهُ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَقَعَ إلَى الْأَرْضِ مَقْبُوضَةً [ ص 280 ] أَصَابِعُ يَدَيْهِ مُشِيرًا بِالسّبّابَةِ كَالْمُسَبّحِ بِهَا ، وَذَكَرَ ابْنُ دُرَيْدٍ أَنّهُ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ جَفْنَةٌ لِئَلّا يَرَاهُ أَحَدٌ قَبْلَ جَدّهِ فَجَاءَ جَدّهُ وَالْجَفْنَةُ قَدْ انْفَلَقَتْ عَنْهُ وَلَمّا قِيلَ لَهُ مَا سَمّيْت ابْنَك ؟ فَقَالَ مُحَمّدًا ، فَقِيلَ لَهُ كَيْفَ سَمّيْت بِاسْمِ لَيْسَ لِأَحَدِ مِنْ آبَائِك وَقَوْمِك ؟ فَقَالَ إنّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْمَدَهُ أَهْلُ الْأَرْضِ كُلّهُمْ وَذَلِكَ لِرُؤْيَا كَانَ رَآهَا عَبْدُ الْمُطّلِبِ ، وَقَدْ ذَكَرَ حَدِيثَهَا عَلِيّ الْقَيْرَوَانِيّ الْعَابِرُ فِي كِتَابِ الْبُسْتَانِ . قَالَ كَانَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ قَدْ رَأَى فِي مَنَامِهِ كَأَنّ سِلْسِلَةً مِنْ فِضّةٍ خَرَجَتْ مِنْ ظَهْرِهِ لَهَا طَرَفٌ فِي السّمَاءِ وَطَرَفٌ فِي الْأَرْضِ وَطَرَفٌ فِي الْمَشْرِقِ وَطَرَفٌ فِي الْمَغْرِبِ ثُمّ عَادَتْ كَأَنّهَا شَجَرَةٌ عَلَى كُلّ وَرَقَةٍ مِنْهَا نُورٌ وَإِذَا أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ كَأَنّهُمْ يَتَعَلّقُونَ بِهَا ، فَقَصّهَا ، فَعُبّرَتْ لَهُ بِمَوْلُودِ يَكُونُ مِنْ صُلْبِهِ يَتْبَعُهُ أَهْلُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَيَحْمَدُهُ أَهْلُ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَلِذَلِكَ سَمّاهُ مُحَمّدًا مَعَ مَا حَدّثَتْهُ بِهِ أُمّهُ حِينَ قِيلَ لَهَا : إنّك حَمَلْت بِسَيّدِ هَذِهِ الْأُمّةِ فَإِذَا وَضَعْته فَسَمّيهِ مُحَمّدًا . الْحَدِيثَ .
اسْمُ مُحَمّدٍ وَأَحْمَدَ
قَالَ الْمُؤَلّفُ لَا يُعْرَفُ فِي الْعَرَبِ مَنْ تَسَمّى بِهَذَا الِاسْمِ قَبْلَهُ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إلّا ثَلَاثَةٌ طَمِعَ آبَاؤُهُمْ - حِينَ سَمِعُوا بِذِكْرِ مُحَمّدٍ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَبِقُرْبِ زَمَانِهِ وَأَنّهُ يُبْعَثُ فِي الْحِجَازِ - أَنْ يَكُونَ وَلَدًا لَهُمْ . ذَكَرَهُمْ ابْنُ فَوْرَكٍ فِي كِتَابِ الْفُصُولِ وَهُمْ مُحَمّدُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعٍ ، جَدّ جَدّ الْفَرَزْدَقِ الشّاعِرِ وَالْآخَرُ مُحَمّدُ بْنُ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ بْنِ الْحَرِيشِ بْنِ جُمَحِىّ بْنِ كُلْفَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ ، وَالْآخَرُ مُحَمّدُ بْنُ حُمْرَانَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَكَانَ آبَاءُ هَؤُلَاءِ الثّلَاثَةِ قَدْ وَفَدُوا عَلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ وَكَانَ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ الْأَوّلِ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَبْعَثِ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَبِاسْمِهِ وَكَانَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَدْ خَلّفَ امْرَأَتَهُ حَامِلًا ، فَنَذَرَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إنْ وُلِدَ لَهُ ذَكَرٌ أَنْ يُسَمّيَهُ مُحَمّدًا ، فَفَعَلُوا ذَلِكَ . قَالَ الْمُؤَلّفُ وَهَذَا الِاسْمُ مَنْقُولٌ مِنْ الصّفَةِ فَالْمُحَمّدُ فِي اللّغَةِ هُوَ الّذِي يُحْمَدُ حَمْدًا بَعْدَ حَمْدٍ وَلَا يَكُونُ مُفَعّلٌ مِثْلُ مُضَرّبٍ وَمُمَدّحٍ إلّا لِمَنْ تَكَرّرَ فِيهِ الْفِعْلُ مَرّةً بَعْدَ مَرّةً . [ ص 281 ] أَحْمَدُ فَهُوَ اسْمُهُ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - الّذِي سُمّيَ بِهِ عَلَى لِسَانِ عِيسَى وَمُوسَى - عَلَيْهِمَا السّلَامُ - فَإِنّهُ مَنْقُولٌ أَيْضًا مِنْ الصّفَةِ الّتِي مَعْنَاهَا التّفْضِيلُ فَمَعْنَى أَحْمَدَ أَيْ أَحْمَدُ الْحَامِدِينَ لِرَبّهِ وَكَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى ؛ لِأَنّهُ تُفْتَحُ عَلَيْهِ فِي الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ مَحَامِدُ لَمْ تُفْتَحْ عَلَى أَحَدٍ قَبْلَهُ فَيَحْمَدُ رَبّهُ بِهَا ؛ وَلِذَلِكَ يُعْقَدُ لَهُ لِوَاءُ الْحَمْدِ . وَأَمّا مُحَمّدٌ فَمَنْقُولٌ مِنْ صِفَةٍ أَيْضًا ، وَهُوَ فِي مَعْنَى : مَحْمُودٍ . وَلَكِنْ فِيهِ مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ وَالتّكْرَارِ فَالْمُحَمّدُ هُوَ الّذِي حُمِدَ مَرّةً بَعْدَ مَرّةً كَمَا أَنّ الْمُكَرّمَ مَنْ أُكْرِمَ مَرّةً بَعْدَ مَرّةً وَكَذَلِكَ الْمُمَدّحُ وَنَحْوُ ذَلِكَ . فَاسْمُ مُحَمّدٍ مُطَابِقٌ لِمَعْنَاهُ وَاَللّهُ - سُبْحَانَهُ - وَتَعَالَى سَمّاهُ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُسَمّيَ بِهِ نَفْسَهُ فَهَذَا عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ نُبُوّتِهِ إذْ كَانَ اسْمُهُ صَادِقًا عَلَيْهِ فَهُوَ مَحْمُودٌ - عَلَيْهِ السّلَامُ - فِي الدّنْيَا بِمَا هَدَى إلَيْهِ وَنَفَعَ بِهِ مِنْ الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ وَهُوَ مَحْمُودٌ فِي الْآخِرَةِ بِالشّفَاعَةِ فَقَدْ تَكَرّرَ مَعْنَى الْحَمْدِ كَمَا يَقْتَضِي اللّفْظُ ثُمّ إنّهُ لَمْ يَكُنْ مُحَمّدًا ، حَتّى كَانَ أَحْمَدُ حَمِدَ رَبّهُ فَنَبّأَهُ وَشَرّفَهُ فَلِذَلِكَ تَقَدّمَ اسْمُ أَحْمَدَ عَلَى الِاسْمِ الّذِي هُوَ مُحَمّدٌ فَذَكَرَهُ عِيسَى - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَقَالَ اسْمُهُ أَحْمَدُ وَذَكَرَهُ مُوسَى - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حِينَ قَالَ لَهُ رَبّهُ تِلْكَ أُمّةُ أَحْمَدَ فَقَالَ اللّهُمّ اجْعَلْنِي مِنْ أُمّةِ أَحْمَدَ فَبِأَحْمَدَ ذُكِرَ قَبْلَ أَنْ يُذْكَرَ بِمُحَمّدِ لِأَنّ حَمْدَهُ لِرَبّهِ كَانَ قَبْلَ حَمْدِ النّاسِ لَهُ فَلَمّا وُجِدَ وَبُعِثَ كَانَ مُحَمّدًا بِالْفِعْلِ . وَكَذَلِكَ فِي الشّفَاعَةِ يَحْمَدُ رَبّهُ بِالْمَحَامِدِ الّتِي يَفْتَحُهَا عَلَيْهِ فَيَكُونُ أَحْمَدَ الْحَامِدِينَ لِرَبّهِ ثُمّ يَشْفَعُ فَيُحْمَدُ عَلَى شَفَاعَتِهِ . فَانْظُرْ كَيْفَ تَرَتّبَ هَذَا الِاسْمُ قَبْلَ الِاسْمِ الْآخَرِ فِي الذّكْرِ وَالْوُجُودِ وَفِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَلُحْ لَك الْحِكْمَةُ الْإِلَهِيّةُ فِي تَخْصِيصِهِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ وَانْظُرْ كَيْفَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْحَمْدِ وَخُصّ بِهَا دُونَ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ وَخُصّ بِلِوَاءِ الْحَمْدِ وَخُصّ بِالْمَقَامِ الْمَحْمُودِ وَانْظُرْ كَيْفَ شَرّعَ لَنَا سُنّةً وَقُرْآنًا أَنْ نَقُولَ عِنْدَ اخْتِتَامِ الْأَفْعَالِ وَانْقِضَاءِ الْأُمُورِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ . قَالَ اللّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } [ الزّمَرَ 75 ] . وَقَالَ أَيْضًا : { وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ } [ يُونُسَ 10 ] [ ص 282 ] وَسَنّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - الْحَمْدَ بَعْدَ الْأَكْلِ وَالشّرْبِ وَقَالَ عِنْدَ انْقِضَاءِ السّفَرِ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبّنَا حَامِدُونَ ثُمّ اُنْظُرْ لِكَوْنِهِ - عَلَيْهِ السّلَامُ - خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ وَمُؤْذِنًا بِانْقِضَاءِ الرّسَالَةِ وَارْتِفَاعِ الْوَحْيِ وَنَذِيرًا بِقُرْبِ السّاعَةِ وَتَمَامِ الدّنْيَا مَعَ أَنّ الْحَمْدَ كَمَا قَدّمْنَا مَقْرُونٌ بِانْقِضَاءِ الْأُمُورِ مَشْرُوعٌ عِنْدَهُ - تَجِدُ مَعَانِيَ اسْمَيْهِ جَمِيعًا ، وَمَا خُصّ بِهِ مِنْ الْحَمْدِ وَالْمَحَامِدِ مُشَاكِلًا لِمَعْنَاهُ مُطَابِقًا لِصِفَتِهِ وَفِي ذَلِكَ بُرْهَانٌ عَظِيمٌ وَعِلْمٌ وَاضِحٌ عَلَى نُبُوّتِهِ وَتَخْصِيصِ اللّهِ لَهُ بِكَرَامَتِهِ وَأَنّهُ قَدّمَ لَهُ هَذِهِ الْمُقَدّمَاتِ قَبْلَ وُجُودِهِ تَكْرِمَةً لَهُ وَتَصْدِيقًا لِأَمْرِهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَشَرَفٌ وَكَرَمٌ .
فَيَزْعُمُونَ أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ أَخَذَهُ فَدَخَلَ بِهِ الْكَعْبَةَ ، فَقَامَ يَدْعُو اللّهَ وَيَشْكُرُ لَهُ مَا أَعْطَاهُ ثُمّ خَرَجَ بِهِ إلَى أُمّهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهَا ، وَالْتَمَسَ لِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - الرّضَعَاءَ . [ ص 280 ] [ ص 281 ] [ ص 282 ] [ ص 283 ]Sتَعْوِيذُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ
وَذُكِرَ أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِب ِ دَخَلَ بِهِ الْكَعْبَةَ وَعَوّذَهُ وَدَعَا لَهُ . وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ قَالَ وَهُوَ يُعَوّذُهُ
الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَعْطَانِي ... هَذَا الْغُلَامَ الطّيّبَ الْأَرْدَانِ
قَدْ سَادَ فِي الْمَهْدِ عَلَى الْغِلْمَانِ ... أُعِيذُهُ بِالْبَيْتِ ذِي الْأَرْكَانِ
حَتّى يَكُونَ بُلْغَةَ الْفِتْيَانِ ... حَتّى أَرَاهُ بَالِغَ الْبُنْيَانِ
أُعِيذُهُ مِنْ كُلّ ذِي شَنَآنِ ... مِنْ حَاسِدٍ مُضْطَرِبِ الْعِنَانِ
ذِي هِمّةٍ لَيْسَ لَهُ عَيْنَانِ ... حَتّى أَرَاهُ رَافِعَ السّانِ
أَنْتَ الّذِي سُمّيت فِي الْقُرْآنِ ... فِي كُتُبٍ ثَابِتَةِ الْمَثَانِي
أَحْمَدُ مَكْتُوبٌ عَلَى الْبَيَانِ
تَارِيخُ مَوْلِدِهِ
فَصْلٌ
وَذُكِرَ أَنّ مَوْلِدَهُ عَلَيْهِ السّلَامُ كَانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ وَقَالَ الزّبَيْرُ كَانَ مَوْلِدُهُ فِي رَمَضَانَ وَهَذَا الْقَوْلُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إنّ أُمّهُ حَمَلَتْ بِهِ فِي أَيّامِ التّشْرِيقِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . [ ص 283 ] مَكّةَ فِي الْمُحَرّمِ وَأَنّهُ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وُلِدَ بَعْدَ مَجِيءِ الْفِيلِ بِخَمْسِينَ يَوْمًا ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ وَالْأَشْهَرُ وَأَهْلُ الْحِسَابِ يَقُولُونَ وَافَقَ مَوْلِدُهُ مِنْ الشّهُورِ الشّمْسِيّةِ نَيْسَانَ فَكَانَتْ لِعِشْرِينَ مَضَتْ مِنْهُ وَوُلِدَ بِالْغَفْرِ مِنْ الْمَنَازِلِ وَهُوَ مَوْلِدُ النّبِيّينَ وَلِذَلِكَ قِيلَ خَيْرُ مَنْزِلَتَيْنِ فِي الْأَبَدِ بَيْنَ الزّنَابَا وَالْأَسَدِ لِأَنّ الْغَفْرَ يَلِيهِ مِنْ الْعَقْرَبِ زُنَابَاهَا ، وَلَا ضَرَرَ فِي الزّنَابَا إنّمَا تَضُرّ الْعَقْرَبُ بِذَنَبِهَا ، وَيَلِيهِ مِنْ الْأَسَدِ أَلْيَتُهُ وَهُوَ السّمَاكُ وَالْأَسَدُ لَا يَضُرّ بِأَلْيَتِهِ إنّمَا يَضُرّ بِمِخْلَبِهِ وَنَابِهِ . وَوُلِدَ بِالشّعْبِ ، وَقِيلَ بِالدّارِ الّتِي عِنْدَ الصّفَا ، وَكَانَتْ بَعْدُ لِمُحَمّدِ بْنِ يُوسُفَ أَخِي الْحَجّاجِ ، ثُمّ بَنَتْهَا زُبَيْدَةُ مَسْجِدًا حِينَ حَجّتْ .
تَحْقِيقُ وَفَاةِ أَبِيهِ
وَذَكَرَ أَنّهُ مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ حَمْلٌ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنّهُ كَانَ فِي الْمَهْدِ . ذَكَرَهُ الدّوْلَابِيّ وَغَيْرُهُ قِيلَ ابْنُ شَهْرَيْنِ ذَكَرَهُ [ أَحْمَدُ ] ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ [ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ] وَقِيلَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَمَاتَ أَبُوهُ عِنْدَ أَخْوَالِهِ بَنِي النّجّارِ ، ذَهَبَ لِيَمْتَارَ لِأَهْلِهِ تَمْرًا ، وَقَدْ قِيلَ مَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا ، وَأَنْشَدُوا رَجَزًا لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ يَقُولُهُ لِابْنِهِ أَبِي طَالِبٍ :
أُوصِيك يَا عَبْدَ مَنَافٍ بَعْدِي ... بِمُوتَمِ بَعْدَ أَبِيهِ فَرْدِ
فَارَقَهُ وَهُوَ ضَجِيعُ الْمَهْدِ وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ - عَلَيْهِ السّلَامُ - فِي السّنّ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَامًا .
[ ص 284 ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : الْمَرَاضِعُ . وَفِي كِتَابِ اللّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي قِصّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السّلَامُ { وَحَرّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ } [ ص 285 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَاسْتَرْضَعَ لَهُ امْرَأَةً مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، يُقَالُ لَهَا : حَلِيمَةُ ابْنَةُ أَبِي ذُؤَيْبٍ . وَأَبُو ذُؤَيْبٍ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ شِجْنَةَ بْنِ جَابِرِ بْنِ رِزَامِ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ فُصَيّةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ [ بْنِ مُضَرَ ] . وَاسْمُ أَبِيهِ الّذِي أَرْضَعَهُ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ مَلّانَ بْنِ نَاصِرَةَ بْنِ فُصَيّةَ بْنِ نَصْرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُقَالُ هِلَالُ بْنُ نَاصِرَةَ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَإِخْوَتُهُ مِنْ الرّضَاعَةِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْحَارِثِ ، وَأُنَيْسَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَخِدَامَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَهِيَ الشّيْمَاءُ غَلَبَ ذَلِكَ عَلَى اسْمِهَا فَلَا تُعْرَفُ فِي قَوْمِهَا إلّا بِهِ . وَهُمْ لِحَلِيمَةَ بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْبٍ ، عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْحَارِثِ ، أُمّ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَيَذْكُرُونَ أَنّ الشّيْمَاءَ كَانَتْ تَحْضُنُهُ مَعَ أُمّهَا إذَا كَانَ عِنْدَهُمْ .Sأَبُوهُ مِنْ الرّضَاعَة
وَذَكَرَ الْحَارِثَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى أَبَا رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مِنْ الرّضَاعَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ إسْلَامًا ، وَلَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِمّنْ أَلّفَ فِي الصّحَابَةِ وَقَدْ ذَكَرَهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ حَدّثَنَا ابْنُ إسْحَاقَ قَالَ حَدّثَنِي وَالِدِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ ، عَنْ رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، قَالَ قَدِمَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى ، أَبُو رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مِنْ الرّضَاعَةِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بِمَكّةَ حِينَ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فَقَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ : أَلَا تَسْمَعُ يَا حَارِ مَا يَقُولُ ابْنُك هَذَا ؟ فَقَالَ وَمَا [ ص 284 ] قَالُوا : يَزْعُمُ أَنّ اللّهَ يَبْعَثُ بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَنّ لِلّهِ دَارَيْنِ يُعَذّبُ فِيهِمَا مَنْ عَصَاهُ وَيُكْرِمُ فِيهِمَا مَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ شَتّتْ أَمْرَنَا ، وَفَرّقَ جَمَاعَتَنَا . فَأَتَاهُ فَقَالَ أَيْ بُنَيّ مَا لَك وَلِقَوْمِك يَشْكُونَك ، وَيَزْعُمُونَ أَنّك تَقُولُ إنّ النّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ ثُمّ يَصِيرُونَ إلَى جَنّةٍ وَنَارٍ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - نَعَمْ أَنَا أَزْعُمُ ذَلِكَ وَلَوْ قَدْ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَا أَبَتْ لَقَدْ أَخَذْت بِيَدِك ، حَتّى أُعَرّفَك حَدِيثَك الْيَوْمَ فَأَسْلَمَ الْحَارِثُ بَعْدَ ذَلِكَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَكَانَ يَقُولُ حِينَ أَسْلَمَ : لَوْ قَدْ أَخَذَ ابْنِي بِيَدِي ، فَعَرّفَنِي مَا قَالَ ثُمّ يُرْسِلُنِي إنْ شَاءَ اللّهُ حَتّى يُدْخِلَنِي الْجَنّةَ .
تَحْقِيقُ اسْمِ نَاصِرَةَ بْنِ قُصَيّةَ
وَذَكَرَ نَاصِرَةَ بْنَ قُصَيّةَ فِي نَسَبِ حَلِيمَةَ . وَهُوَ عِنْدَهُمْ فُصَيّةُ بِالْفَاءِ تَصْغِيرُ فَصَاةٍ وَهِيَ النّوَاةُ . وَوَقَعَ فِي الْأَصْلِ فِي جَمِيعِ النّسَخِ قُصَيّةُ بِالْقَافِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَيْضًا : الْفَصَا : حَبّ الزّبِيبِ وَهُوَ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى .
الشّيْمَاءُ
وَذَكَرَ الشّيْمَاءَ أُخْتَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مِنْ الرّضَاعَةِ وَقَالَ فِي اسْمِهَا : خِذَامَةُ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمَنْقُوطَةِ وَقَالَ غَيْرُهُ حُذَافَةُ بِالْحَاءِ الْمَضْمُومَةِ وَبِالْفَاءِ مَكَانَ الْمِيمِ وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ فِي كِتَابِ النّسَاءِ .
شَرْحُ مَا فِي حَدِيثِ الرّضَاعِ
الرّضَعَاءُ وَالْمَرَاضِعُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فَالْتَمَسَ لِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - الرّضَعَاءَ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ إنّمَا هُوَ الْمَرَاضِعُ . قَالَ وَفِي كِتَابِ اللّهِ سُبْحَانَهُ { وَحَرّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ } [ الْقَصَصَ 12 ] وَاَلّذِي قَالَهُ ابْنُ هِشَامٍ ظَاهِرٌ لِأَنّ الْمَرَاضِعَ جَمْعُ مُرْضِعٍ وَالرّضَعَاءُ جَمْعُ رَضِيعٍ وَلَكِنْ لِرِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ مَخْرَجٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا حَذْفُ الْمُضَافِ كَأَنّهُ قَالَ ذَوَاتَ الرّضَعَاءِ وَالثّانِي أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِالرّضَعَاءِ الْأَطْفَالَ عَلَى حَقِيقَةِ اللّفْظِ لِأَنّهُمْ إذَا وَجَدُوا لَهُ مُرْضِعَةً تُرْضِعُهُ فَقَدْ وَجَدُوا لَهُ رَضِيعًا ، يَرْضَعُ مَعَهُ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ الْتَمَسُوا لَهُ رَضِيعًا ، عِلْمًا بِأَنّ الرّضِيعَ لَا بُدّ لَهُ مِنْ مُرْضِعٍ . [ ص 285 ]
مُرْضِعَاتُهُ عَلَيْهِ السّلَامُ
وَأَرْضَعَتْهُ - عَلَيْهِ السّلَامُ - ثُوَيْبَةُ قَبْلَ حَلِيمَةَ . أَرْضَعَتْهُ وَعَمّهُ حَمْزَةَ وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ جَحْشٍ ، وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - يَعْرِفُ ذَلِكَ لِثُوَيْبَةَ وَيَصِلُهَا مِنْ الْمَدِينَةِ ، فَلَمّا افْتَتَحَ مَكّةَ سَأَلَ عَنْهَا وَعَنْ ابْنِهَا مَسْرُوحٍ ، فَأُخْبِرَ أَنّهُمَا مَاتَا ، وَسَأَلَ عَنْ قَرَابَتِهَا ، فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَيّا . وَثُوَيْبَةُ كَانَتْ جَارِيَةً لِأَبِي لَهَبٍ ، وَسَنَذْكُرُ بَقِيّةَ حَدِيثِهَا - إنْ شَاءَ اللّهُ - عِنْدَ وَفَاةِ أَبِي لَهَبٍ .
يُغَذّيهِ أَوْ يُغَدّيهِ
وَذَكَرَ قَوْلَ حَلِيمَةَ : وَلَيْسَ فِي شَارِفِنَا مَا يُغَذّيهِ . وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ : مَا يُغَذّيهِ بِالذّالِ الْمَنْقُوطَةِ وَهُوَ أَتَمّ فِي الْمَعْنَى مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى ذِكْرِ الْغَدَاءِ دُونَ الْعَشَاءِ وَلَيْسَ فِي أَصْلِ الشّيْخِ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ وَعِنْدَ بَعْضِ النّاسِ رِوَايَةٌ غَيْرُ هَاتَيْنِ وَهِيَ يُعْذِبُهُ بِعَيْنِ مُهْمَلَةٍ وَذَالٍ مَنْقُوطَةٍ وَبَاءٍ مُعْجَمَةٍ بِوَاحِدَةِ وَمَعْنَاهَا عِنْدَهُمْ مَا يُقْنِعُهُ حَتّى يَرْفَعَ رَأْسَهُ وَيَنْقَطِعَ عَنْ الرّضَاعِ يُقَالُ مِنْهُ عَذَبْته وَأَعْذَبْته : إذَا قَطَعْته عَنْ الشّرْبِ وَنَحْوِهِ وَالْعَذُوبُ الرّافِعُ رَأْسَهُ عَنْ الْمَاءِ وَجَمْعُهُ عُذُوبٌ بِالضّمّ وَلَا يُعْرَفُ فَعُولٌ جُمِعَ عَلَى فُعُولٍ غَيْرُهُ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَاَلّذِي فِي الْأَصْلِ أَصَحّ فِي الْمَعْنَى وَالنّقْلِ .
[ ص 286 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي جَهْمُ بْنُ أَبِي جَهْمٍ مَوْلَى الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ الْجُمَحِيّ : عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، أَوْ عَمّنْ حَدّثَهُ عَنْهُ قَالَ كَانَتْ حَلِيمَةُ بِنْتُ أَبِي ذُؤَيْبٍ السّعْدِيّةُ ، أُمّ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - الّتِي أَرْضَعَتْهُ تُحَدّثُ أَنّهَا خَرَجَتْ مِنْ بَلَدِهَا مَعَ زَوْجِهَا ، وَابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ تُرْضِعُهُ فِي نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ، تَلْتَمِسُ الرّضَعَاءَ قَالَتْ وَذَلِكَ فِي سَنَةٍ شَهْبَاءَ لَمْ تُبْقِ لَنَا شَيْئًا . قَالَتْ فَخَرَجْت عَلَى أَتَانٍ لِي قَمْرَاءَ مَعَنَا شَارِفٌ لَنَا ، وَاَللّهِ مَا تَبِضّ بِقَطْرَةِ وَمَا نَنَامُ لَيْلَنَا أَجْمَعَ مِنْ صَبِيّنَا الّذِي مَعَنَا ، مِنْ بُكَائِهِ مِنْ الْجُوعِ مَا فِي ثَدْيَيّ مَا يُغْنِيهِ وَمَا فِي شَارِفِنَا مَا يُغَدّيهِ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُقَالُ يُغَذّيهِ - وَلَكِنّا كُنّا نَرْجُو الْغَيْثَ وَالْفَرَجَ فَخَرَجْت عَلَى أَتَانِي تِلْكَ فَلَقَدْ أَدَمْت بِالرّكْبِ حَتّى شَقّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَعْفًا وَعَجَفًا ، حَتّى قَدِمْنَا مَكّةَ نَلْتَمِسُ [ ص 287 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَتَأْبَاهُ إذَا قِيلَ لَهَا إنّهُ يَتِيمٌ وَذَلِكَ أَنّا إنّمَا كُنّا نَرْجُو الْمَعْرُوفَ مِنْ أَبِي الصّبِيّ فَكُنّا نَقُولُ يَتِيمٌ وَمَا عَسَى أَنْ تَصْنَعَ أُمّهُ وَجَدّهُ فَكُنّا نَكْرَهُهُ لِذَلِكَ فَمَا بَقِيَتْ امْرَأَةٌ قَدِمَتْ مَعِي إلّا أَخَذَتْ رَضِيعًا غَيْرِي ، فَلَمّا أَجْمَعْنَا الِانْطِلَاقَ قُلْت لِصَاحِبِي : وَاَللّهِ إنّي لَأَكْرَهُ أَنْ أَرْجِعَ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِي وَلَمْ آخُذْ رَضِيعًا ، وَاَللّهِ لَأَذْهَبَنّ إلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ فَلَآخُذَنّهُ قَالَ لَا عَلَيْك أَنْ تَفْعَلِي ، عَسَى اللّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً . قَالَتْ فَذَهَبْت إلَيْهِ فَأَخَذْته ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى أَخْذِهِ إلّا أَنّي لَمْ أَجِدْ غَيْرَهُ . قَالَتْ فَلَمّا أَخَذْته ، رَجَعْت بِهِ إلَى رَحْلِي فَلَمّا وَضَعْته فِي حِجْرِي أَقْبَلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ حَتّى رَوِيَ وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتّى رَوِيَ ثُمّ نَامَا ، وَمَا كُنّا نَنَامُ مَعَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَقَامَ زَوْجِي إلَى شَارِفِنَا تِلْكَ فَإِذَا إنّهَا لَحَافِلٌ فَحَلَبَ [ ص 288 ] قَالَتْ يَقُولُ صَاحِبِي حِينَ أَصْبَحْنَا : تَعْلَمِي وَاَللّهِ يَا حَلِيمَةُ ، لَقَدْ أَخَذْت نَسَمَةً مُبَارَكَةً قَالَتْ فَقُلْت : وَاَللّهِ إنّي لَأَرْجُو ذَلِكَ . قَالَتْ ثُمّ خَرَجْنَا وَرَكِبْت أَتَانِي ، وَحَمَلْته عَلَيْهَا مَعِي ، فَوَاَللّهِ لَقَطَعْت بِالرّكْبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنْ خُمُرِهِمْ حَتّى إنّ صَوَاحِبِي لَيَقِفْنَ لِي : يَا ابْنَةَ أَبِي ذُؤَيْبٍ ، وَيْحَك ارْبَعِي عَلَيْنَا ، أَلَيْسَتْ هَذِهِ أَتَانَك الّتِي كُنْت خَرَجْت عَلَيْهَا ؟ فَأَقُولُ لَهُنّ بَلَى وَاَللّهِ إنّهَا لَهِيَ هِيَ فَيَقُلْنَ وَاَللّهِ إنّ لَهَا شَأْنًا . قَالَتْ ثُمّ قَدِمْنَا مَنَازِلَنَا مِنْ بِلَادِ بَنِي سَعْدٍ . وَمَا أَعْلَمُ أَرْضًا مِنْ أَرْضِ اللّه أَجْدَبَ مِنْهَا . فَكَانَتْ غَنَمِي تَرُوحُ عَلَيّ حِينَ قَدِمْنَا بِهِ مَعَنَا شِبَاعًا لُبْنًا . فَنَحْلُبُ وَنَشْرَبُ . وَمَا يَحْلُبُ إنْسَانٌ قَطْرَةَ لَبَنٍ وَلَا يَجِدُهَا فِي ضَرْعٍ . حَتّى كَانَ الْحَاضِرُونَ مِنْ قَوْمِنَا يَقُولُونَ لِرُعْيَانِهِمْ وَيْلَكُمْ اسْرَحُوا حَيْثُ يَسْرَحُ رَاعِي بِنْتِ أَبِي ذُؤَيْب ٍ فَتَرُوحُ أَغْنَامُهُمْ جِيَاعًا مَا تَبِضّ بِقَطْرَةِ لَبَنٍ وَتَرُوحُ غَنَمِي شِبَاعًا لُبْنًا ، فَلَمْ نَزَلْ نَتَعَرّفُ مِنْ اللّهِ الزّيَادَةَ وَالْخَيْرَ حَتّى مَضَتْ سَنَتَاهُ وَفَصَلْته ؛ وَكَانَ يَشِبّ شَبَابًا لَا يَشِبّهُ الْغِلْمَانُ فَلَمْ يَبْلُغْ سَنَتَيْهِ حَتّى كَانَ غُلَامًا جَفْرًا . قَالَتْ فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمّهِ وَنَحْنُ أَحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى مُكْثِهِ فِينَا ؛ لِمَا كُنّا نَرَى مِنْ بَرَكَتِهِ . فَكَلّمْنَا أُمّهُ وَقُلْت لَهَا : لَوْ تَرَكْت بُنَيّ عِنْدِي حَتّى يَغْلُظَ فَإِنّي أَخْشَى عَلَيْهِ وَبَأَمَكّةَ قَالَتْ فَلَمْ نَزَلْ بِهَا حَتّى رَدّتْهُ مَعَنَا .Sمِنْ شَرْحِ حَدِيثِ الرّضَاعَةِ
[ ص 286 ] وَذَكَرَ قَوْلَهَا : حَتّى أَذَمَمْت بِالرّكْبِ . تُرِيدُ أَنّهَا حَبَسَتْهُمْ وَكَأَنّهُ مِنْ الْمَاءِ الدّائِمِ وَهُوَ الْوَاقِفُ وَيُرْوَى : حَتّى أَذَمّتْ . أَيْ أَذَمّتْ الْأَتَانُ أَيْ جَاءَتْ بِمَا تُذَمّ عَلَيْهِ أَوْ يَكُونُ مِنْ قَوْلِهِمْ بِئْرٌ ذَمّةٌ أَيْ قَلِيلَةُ الْمَاءِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ عِنْدَ أَبِي الْوَلِيدِ وَلَا فِي أَصْلِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ وَقَدْ ذَكَرَهَا قَاسِمٌ فِي الدّلَائِلِ وَلَمْ يَذْكُرْ رِوَايَةً أُخْرَى ، وَذَكَرَ تَفْسِيرَهَا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَذَمّ بِالرّكْبِ إذَا أَبْطَأَ حَتّى حَبَسَتْهُمْ مِنْ الْبِئْرِ الذّمّةِ وَهِيَ الْقَلِيلَةُ الْمَاءِ . وَذَكَرَ قَوْلَ حَلِيمَةَ : فَلَمّا وَضَعْته فِي حِجْرِي أَقْبَلَ عَلَيْهِ ثَدْيَايَ بِمَا شَاءَ مِنْ لَبَنٍ فَشَرِبَ حَتّى رَوِيَ وَشَرِبَ مَعَهُ أَخُوهُ حَتّى رَوِيَ . وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - كَانَ لَا يُقْبِلُ إلّا عَلَى ثَدْيِهَا الْوَاحِدِ وَكَانَتْ تَعْرِضُ عَلَيْهِ الثّدْيَ الْآخَرَ فَيَأْبَاهُ كَأَنّهُ قَدْ أُشْعِرَ - عَلَيْهِ السّلَامُ - أَنّ مَعَهُ شَرِيكًا فِي لِبَانِهَا ، وَكَانَ مَفْطُورًا عَلَى الْعَدْلِ مَجْبُولًا عَلَى الْمُشَارَكَةِ وَالْفَضْلِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ -
الْتِمَاسُ الْأَجْرِ عَلَى الرّضَاعِ
قَالَ الْمُؤَلّفُ وَالْتِمَاسُ الْأَجْرِ عَلَى الرّضَاعِ لَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا عِنْدَ أَكْثَرِ نِسَاءِ الْعَرَبِ ، حَتّى جَرَى الْمَثَلُ تَجُوعُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَأْكُلُ بِثَدْيَيْهَا ، وَكَانَ عِنْدَ بَعْضِهِنّ لَا بَأْسَ بِهِ فَقَدْ كَانَتْ حَلِيمَةُ وَسِيطَةً فِي بَنِي سَعْدٍ ، كَرِيمَةً مِنْ كَرَائِمِ قَوْمِهَا ، بِدَلِيلِ اخْتِيَارِ اللّهِ - تَعَالَى - إيّاهَا لِرَضَاعِ نَبِيّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - كَمَا اخْتَارَ لَهُ أَشْرَفَ الْبُطُونِ وَالْأَصْلَابِ . وَالرّضَاعُ كَالنّسَبِ لِأَنّهُ يُغَيّرُ الطّبَاعَ . [ ص 287 ] الْمُسْنَدِ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا - تَرْفَعُهُ لَا تَسْتَرْضِعُوا الْحَمْقَى ؛ فَإِنّ اللّبَنَ يُورِثُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ حَلِيمَةُ وَنِسَاءُ قَوْمِهَا طَلَبْنَ الرّضَعَاءَ اضْطِرَارًا لِلْأَزْمَةِ الّتِي أَصَابَتْهُمْ وَالسّنَةِ الشّهْبَاءِ الّتِي اقْتَحَمَتْهُمْ .
لِمَ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَدْفَعُ أَوْلَادَهَا إلَى الْمَرَاضِعِ ؟
وَأَمّا دَفْعُ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ أَوْلَادَهُمْ إلَى الْمَرَاضِعِ فَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِوُجُوهِ . أَحَدُهَا : تَفْرِيغُ النّسَاءِ إلَى الْأَزْوَاجِ كَمَا قَالَ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ لِأُمّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا - وَكَانَ أَخَاهَا مِنْ الرّضَاعَةِ حِينَ انْتَزَعَ مِنْ حِجْرِهَا زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ ، فَقَالَ دَعِي هَذِهِ الْمَقْبُوحَةَ الْمَشْقُوحَةَ الّتِي آذَيْت بِهَا رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُمْ أَيْضًا لِيَنْشَأَ الطّفْلُ فِي الْأَعْرَابِ ، فَيَكُونَ أَفْصَحَ لِلِسَانِهِ وَأَجْلَدَ لِجِسْمِهِ وَأَجْدَرَ أَنْ لَا يُفَارِقَ الْهَيْئَةَ الْمَعَدّيّةَ كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ تَمَعْدَدُوا وَتَمَعْزَزُوا وَاخْشَوْشِنُوا [ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ ] . وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ السّلَامُ - لِأَبِي بَكْرٍ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - حِينَ قَالَ لَهُ مَا رَأَيْت أَفْصَحَ مِنْك يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ وَمَا يَمْنَعُنِي ، وَأَنَا مِنْ قُرَيْشٍ ، وَأُرْضِعْت فِي بَنِي سَعْدٍ ؟ فَهَذَا وَنَحْوُهُ كَانَ يَحْمِلُهُمْ عَلَى دَفْعِ الرّضَعَاءِ إلَى الْمَرَاضِعِ الْأَعْرَابِيّاتِ . وَقَدْ ذُكِرَ أَنّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ كَانَ يَقُولُ أَضَرّ بِنَا حُبّ الْوَلِيدِ لِأَنّ الْوَلِيدَ كَانَ لَحّانًا ، وَكَانَ سُلَيْمَانُ [ ص 288 ] أَقَامَ مَعَ أُمّهِ وَسُلَيْمَانُ وَغَيْرُهُ مِنْ إخْوَتِهِ سَكَنُوا الْبَادِيَةَ ، فَتَعَرّبُوا ، ثُمّ أُدّبُوا فَتَأَدّبُوا ، وَكَانَ مِنْ قُرَيْشٍ أَعْرَابٌ وَمِنْهُمْ حَضَرٌ فَالْأَعْرَابُ مِنْهُمْ بَنُو الْأَدْرَمِ وَبَنُو مُحَارِبٍ ، وَأَحْسَبُ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ كَذَلِكَ لِأَنّهُمْ مِنْ أَهْلِ الظّوَاهِرِ ، وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْبِطَاحِ .
قَالَتْ فَرَجَعْنَا بِهِ فَوَاَللّهِ إنّهُ بَعْدَ مَقْدَمِنَا بِأَشْهُرِ مَعَ أَخِيهِ لَفِي بَهْمٍ لَنَا خَلْفَ بُيُوتِنَا ، إذْ أَتَانَا أَخُوهُ يَشْتَدّ ، فَقَالَ لِي وَلِأَبِيهِ ذَاكَ أَخِي الْقُرَشِيّ قَدْ أَخَذَهُ رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ فَأَضْجَعَاهُ فَشَقّا بَطْنَهُ فَهُمَا يُسَوّطَانِهِ قَالَتْ فَخَرَجْت أَنَا وَأَبُوهُ نَحْوَهُ فَوَجَدْنَاهُ قَائِمًا مُنْتَقِعًا وَجْهُهُ . قَالَتْ فَالْتَزَمْته وَالْتَزَمَهُ أَبُوهُ فَقُلْنَا لَهُ مَا لَك يَا بُنَيّ قَالَ جَاءَنِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ فَأَضْجَعَانِي وَشَقّا بَطْنِي ، فَالْتَمَسَا شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ . قَالَتْ فَرَجَعْنَا إلَى خِبَائِنَا . قَالَتْ وَقَالَ لِي أَبُوهُ يَا حَلِيمَةُ ، لَقَدْ خَشِيت أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغُلَامُ قَدْ أُصِيبَ [ ص 289 ] قَالَتْ فَاحْتَمَلْنَاهُ فَقَدِمْنَا بِهِ عَلَى أُمّهِ فَقَالَتْ مَا أَقْدَمَك بِهِ يَا ظِئْرُ وَقَدْ كُنْت حَرِيصَةً عَلَيْهِ وَعَلَى مُكْثِهِ عِنْدَك ؟ قَالَتْ فَقُلْت : قَدْ بَلَغَ اللّهَ يَا بُنَيّ وَقَضَيْت الّذِي عَلَيّ وَتَخَوّفْت الْأَحْدَاثَ عَلَيْهِ فَأَدّيْته إلَيْك كَمَا تُحِبّينَ . قَالَتْ مَا هَذَا شَأْنَك ، فَأَصْدِقِينِي خَبَرَك . قَالَتْ فَلَمْ تَدَعْنِي حَتّى أَخْبَرْتهَا . قَالَتْ أَفَتَخَوّفْت عَلَيْهِ الشّيْطَانَ ؟ قَالَتْ قُلْت : نَعَمْ قَالَتْ كَلّا . وَاَللّهِ مَا لِلشّيْطَانِ عَلَيْهِ مِنْ سَبِيلٍ وَإِنّ لِبُنَيّ لَشَأْنًا ، أَفَلَا أُخْبِرُك خَبَرَهُ . قَالَتْ بَلَى . قَالَتْ رَأَيْت حِينَ حَمَلْت بِهِ أَنّهُ خَرَجَ مِنّي نُورٌ أَضَاءَ لِي قُصُورَ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشّامِ . ثُمّ حَمَلْت بِهِ فَوَاَللّهِ مَا رَأَيْت مِنْ حَمْلٍ قَطّ كَانَ أَخَفّ وَلَا أَيْسَرَ مِنْهُ وَوَقَعَ حِينَ وَلَدْته ، وَإِنّهُ لَوَاضِعٌ يَدَيْهِ بِالْأَرْضِ رَافِعٌ رَأْسَهُ إلَى السّمَاءِ . دَعِيهِ عَنْك ، وَانْطَلِقِي رَاشِدَةً . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي ثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا أَحْسَبُهُ إلّا عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ الْكَلَاعِيّ أَنّ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالُوا لَهُ يَا رَسُولَ [ ص 290 ] قَالَ نَعَمْ أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إبْرَاهِيمَ ، وَبُشْرَى أَخِي عِيسَى ، وَرَأَتْ أُمّي حِينَ حَمَلَتْ بِي أَنّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَ لَهَا قُصُورَ الشّامِ ، وَاسْتُرْضِعْت فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ . فَبَيْنَا أَنَا مَعَ أَخ لِي خَلْفَ بُيُوتِنَا نَرْعَى بَهْمًا لَنَا . إذْ أَتَانِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ بِطَسْتِ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ ثَلْجًا . ثُمّ أَخَذَانِي فَشَقّا بَطْنِي ، وَاسْتَخْرَجَا قَلْبِي ، فَشَقّاهُ فَاسْتَخْرَجَا مِنْهُ عَلَقَةً سَوْدَاءَ فَطَرَحَاهَا . ثُمّ غَسَلَا قَلْبِي وَبَطْنِي بِذَلِكَ الثّلْجِ حَتّى [ ص 291 ] أَنْقَيَاهُ ثُمّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ زِنْهُ بِعَشَرَةِ مِنْ أُمّتِهِ فَوَزَنَنِي بِهِ فَوَزَنْتهمْ ثُمّ قَالَ زِنْهُ بِمِئَةِ مِنْ أُمّتِهِ . فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ ثُمّ قَالَ زِنْهُ بِأَلْفِ مِنْ أُمّتِهِ فَوَزَنَنِي بِهِمْ فَوَزَنْتهمْ . فَقَالَ دَعْهُ عَنْك ، فَوَاَللّهِ لَوْ وَزَنْته بِأُمّتِهِ لَوَزَنَهَا [ ص 292 ] [ ص 293 ]Sشَقّ الصّدْرِ
وَذَكَرَ قَوْلَ أَخِيهِ مِنْ الرّضَاعَةِ نَزَلَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ أَبْيَضَانِ فَشَقّا عَنْ بَطْنِهِ وَهُمَا يَسُوطَانِهِ يُقَالُ سُطْت اللّبَنَ أَوْ الدّمَ أَوْ غَيْرَهُمَا ، أَسُوطُهُ إذَا ضَرَبْت بَعْضَهُ بِبَعْضِ . وَالْمِسْوَطُ عُودٌ يُضْرَبُ بِهِ . [ ص 289 ] ابْنِ إسْحَاقَ أَنّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ كُرْكِيّانِ فَشَقّ أَحَدُهُمَا بِمِنْقَارِهِ جَوْفَهُ وَمَجّ الْآخَرُ بِمِنْقَارِهِ فِيهِ ثَلْجًا ، أَوْ بَرَدًا ، أَوْ نَحْوَ هَذَا ، وَهِيَ رِوَايَةٌ غَرِيبَةٌ ذَكَرَهَا يُونُسُ عَنْهُ وَاخْتَصَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَ نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ عَلَيْهِ وَهُوَ أَطْوَلُ مِنْ هَذَا . وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدّنْيَا وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادِ يَرْفَعُهُ إلَى أَبِي ذَرّ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - قَالَ قُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ كَيْفَ عَلِمْت أَنّك نَبِيّ ، وَبِمَ عَلِمْت حَتّى اسْتَيْقَنْت ؟ قَالَ يَا أَبَا ذَرّ أَتَانِي مَلَكَانِ وَأَنَا بِبَطْحَاءِ مَكّةَ ، فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا بِالْأَرْضِ وَكَانَ الْآخَرُ بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَهُوَ هُوَ ؟ قَالَ هُوَ هُوَ قَالَ فَزِنْهُ بِرَجُلِ فَوَزَنَنِي بِرَجُلِ فَرَجَحْته ، ثُمّ قَالَ زِنْهُ بِعَشَرَةِ فَوَزَنَنِي فَرَجَحْتهمْ ثُمّ قَالَ زِنْهُ بِمِائَةِ فَوَزَنَنِي ، فَرَجَحْتهمْ ثُمّ قَالَ زِنْهُ بِأَلْفِ فَوَزَنَنِي فَرَجَحْتهمْ حَتّى جَعَلُوا يَتَثَاقَلُونَ عَلَيّ مِنْ كِفّةِ الْمِيزَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ شُقّ بَطْنَهُ فَشَقّ بَطْنِي ، فَأَخْرَجَ قَلْبِي ، فَأَخْرَجَ مَعَهُ مَغْمَزَ الشّيْطَانِ وَعَلَقَ الدّمِ فَطَرَحَهُمَا ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اغْسِلْ بَطْنَهُ غَسْلَ الْإِنَاءِ وَاغْسِلْ قَلْبَهُ غَسْلَ الْمُلَاءِ ثُمّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ خُطّ بَطْنَهُ فَخَاطَ بَطْنِي ، وَجَعَلَ الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيّ كَمَا هُوَ الْآنَ وَوَلّيَا عَنّي ، فَكَأَنّي أُعَايِنُ الْأَمْرَ مُعَايَنَةً فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانٌ لِمَا أُبْهِمَ فِي الْأَوّلِ لِأَنّهُ قَالَ فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَغْمَزَ [ ص 290 ] الشّيْطَانِ وَعَلَقَ الدّمِ فَبَيّنَ أَنّ الّذِي اُلْتُمِسَ فِيهِ هُوَ الّذِي يَغْمِزُهُ الشّيْطَانُ مِنْ كُلّ مَوْلُودٍ إلّا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمّهُ - عَلَيْهِمَا السّلَامُ - لِقَوْلِ أُمّهَا حُنّةَ { وَإِنّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرّيّتَهَا مِنَ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ } [ آلَ عِمْرَانَ : 36ْ ] . فَلَمْ يَصِلْ إلَيْهِ لِذَلِكَ وَلِأَنّهُ لَمْ يُخْلَقْ مِنْ مَنِيّ الرّجَالِ فَأُعِيذُهُ مِنْ مَغْمَزٍ وَإِنّمَا خُلِقَ مِنْ نَفْخَةِ رُوحِ الْقُدُسِ ، وَلَا يَدُلّ هَذَا عَلَى فَضْلِ عِيسَى عَلَيْهِ السّلَامُ عَلَى مُحَمّدٍ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - لِأَنّ مُحَمّدًا - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَدْ نُزِعَ مِنْهُ ذَلِكَ الْمَغْمَزُ وَمُلِئَ قَلْبُهُ حِكْمَةً وَإِيمَانًا ، بَعْدَ أَنْ غَسَلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ بِالثّلْجِ وَالْبَرَدِ وَإِنّمَا كَانَ ذَلِكَ الْمَغْمَزُ فِيهِ لِمَوْضِعِ الشّهْوَةِ الْمُحَرّكَةِ لِلْمَنِيّ وَالشّهَوَاتُ يَحْضُرُهَا الشّيَاطِينُ لَا سِيمَا شَهْوَةُ مَنْ لَيْسَ بِمُؤْمِنِ فَكَانَ ذَلِكَ الْمَغْمَزُ رَاجِعًا إلَى الْأَبِ لَا إلَى الِابْنِ الْمُطَهّرِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَفِي الْحَدِيثِ فَائِدَةٌ أُخْرَى ، وَهِيَ مِنْ نَفِيسِ الْعِلْمِ وَذَلِكَ أَنّ خَاتَمَ النّبُوّةِ لَمْ يُدْرَ هَلْ خُلِقَ بِهِ أَمْ وُضِعَ فِيهِ بَعْدَمَا وُلِدَ أَوْ حِينَ نُبّئَ فَبَيّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَتَى وُضِعَ وَكَيْفَ وُضِعَ وَمَنْ وَضَعَهُ زَادَنَا اللّهُ عِلْمًا ، وَأَوْزَعَنَا شُكْرَ مَا عَلّمَ وَفِيهِ الْبَيَانُ لِمَا سَأَلَ عَنْهُ أَبُو ذَرّ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - حِينَ قَالَ كَيْفَ عَلِمْت أَنّك نَبِيّ ، فَأَعْلَمَهُ بِكَيْفِيّةِ ذَلِكَ غَيْرَ أَنّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهْمًا مِنْ بَعْضِ النّقَلَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ بَيْنَمَا أَنَا بِبَطْحَاءِ مَكّةَ ، وَهَذِهِ الْقِصّةُ لَمْ تَعْرِضْ لَهُ إلّا وَهُوَ فِي بَنِي سَعْدٍ مَعَ حَلِيمَةَ ، كَمَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ وَغَيْرُهُ وَقَدْ رَوَاهُ الْبَزّارُ مِنْ طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِي ذَرّ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ بَطْحَاءَ مَكّةَ .
حَدِيثُ السّكِينَةِ
وَذُكِرَ فِيهِ أَنّهُ قَالَ وَأُوتِيت بِالسّكِينَةِ كَأَنّهَا رَهْرَهَةٌ فَوُضِعَتْ فِي صَدْرِي . قَالَ وَلَا أَعْلَمُ لِعُرْوَةِ سَمَاعًا مِنْ أَبِي ذَرّ . وَذَكَرَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ عَنْ أَبِي ذَرّ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ لَهُ يَا أَبَا ذَرّ وُزِنْت بِأَرْبَعِينَ أَنْتَ فِيهِمْ فَرَجَحْتهمْ وَالرّهْرَهَةُ بَصِيصُ الْبَشَرَةِ فَهَذَا بَيَانُ وَضْعِ الْخَاتَمِ مَتَى وُضِعَ . [ ص 291 ]
مَسْأَلَةُ شَقّ الصّدْرِ مَرّةً أُخْرَى
وَأَمّا مَتَى وَجَبَتْ لَهُ النّبُوّةُ فَرُوِيَ عَنْ مَيْسَرَةَ أَنّهُ قَالَ لَهُ مَتَى وَجَبَتْ لَك النّبُوّةُ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ فَقَالَ وَآدَمُ بَيْنَ الرّوحِ وَالْجَسَدِ وَيُرْوَى : وَآدَمُ مُجَنْدَلٌ فِي طِينَتِهِ . وَهَذَا الْخَبَرُ يُرْوَى عَنْهُ - عَلَيْهِ السّلَامُ - عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّهُ شُقّ عَنْ قَلْبِهِ وَهُوَ مَعَ رَابّتِهِ وَمُرْضِعَتِهِ فِي بَنِي سَعْدٍ ، وَأَنّهُ جِيءَ بِطَسْتِ مِنْ ذَهَبٍ فِيهِ ثَلْجٌ فَغُسِلَ بِهِ قَلْبُهُ وَالثّانِي فِيهِ أَنّهُ غُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ ، وَأَنّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ حِينَ عُرِجَ بِهِ إلَى السّمَاءِ بَعْدَمَا بُعِثَ بِأَعْوَامِ وَفِيهِ أَنّهُ أُتِيَ بِطَسْتِ مِنْ ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا ، فَأُفْرِغَ فِي قَلْبِهِ . وَذَكَرَ بَعْضُ مَنْ أَلّفَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ أَنّهُ تَعَارَضَ فِي الرّوَايَتَيْنِ وَجَعَلَ يَأْخُذُ فِي تَرْجِيحِ الرّوَاةِ وَتَغْلِيطِ بَعْضِهِمْ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَلْ كَانَ هَذَا التّقْدِيسُ وَهَذَا التّطْهِيرُ مَرّتَيْنِ . الْأُولَى : فِي حَالِ الطّفُولِيّةِ لِيُنَقّى قَلْبُهُ مِنْ مَغْمَزِ الشّيْطَانِ وَلِيُطَهّرَ وَيُقَدّسَ مِنْ كُلّ خُلُقٍ ذَمِيمٍ حَتّى لَا يَتَلَبّسَ بِشَيْءِ مِمّا يُعَابُ عَلَى الرّجَالِ وَحَتّى لَا يَكُونَ فِي قَلْبِهِ شَيْءٌ إلّا التّوْحِيدُ وَلِذَلِكَ قَالَ فَوَلّيَا عَنّي ، يَعْنِي : الْمَلَكَيْنِ وَكَأَنّي أُعَايِنُ الْأَمْرَ مُعَايَنَةً . وَالثّانِيَةُ فِي حَالِ اكْتِهَالٍ وَبَعْدَمَا نُبّئَ وَعِنْدَمَا أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى الْحَضْرَةِ الْمُقَدّسَةِ الّتِي لَا يَصْعَدُ إلَيْهَا إلّا مُقَدّسٌ وَعُرِجَ بِهِ هُنَالِكَ لِتُفْرَضَ عَلَيْهِ الصّلَاةُ وَلِيُصَلّيَ بِمَلَائِكَةِ السّمَوَاتِ وَمِنْ شَأْنِ الصّلَاةِ الطّهُورُ فَقُدّسَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَغُسِلَ بِمَاءِ زَمْزَمَ . وَفِي الْمَرّةِ الْأُولَى بِالثّلْجِ لِمَا يُشْعِرُ الثّلْجُ مِنْ ثَلْجِ الْيَقِينِ وَبَرْدِهِ عَلَى الْفُؤَادِ وَكَذَلِكَ هُنَاكَ حَصَلَ لَهُ الْيَقِينُ بِالْأَمْرِ الّذِي يُرَادُ بِهِ وَبِوَحْدَانِيّةِ رَبّهِ . وَأَمّا فِي الثّانِيَةِ فَقَدْ كَانَ مُوقِنًا مُنَبّئًا ، فَإِنّمَا طُهّرَ لِمَعْنَى آخَرَ وَهُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ دُخُولِ حَضْرَةِ الْقُدُسِ وَالصّلَاةِ فِيهَا ، وَلِقَاءِ الْمَلِكِ الْقُدّوسِ فَغَسَلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ بِمَاءِ زَمْزَمَ الّتِي هِيَ [ ص 292 ] الْقُدُسِ ، وَهَمْزَةُ عَقِبِهِ لِأَبِيهِ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السّلَامُ - وَجِيءَ بِطَسْتِ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وَإِيمَانًا ، فَأُفْرِغَ فِي قَلْبِهِ وَقَدْ كَانَ مُؤْمِنًا ، وَلَكِنّ اللّهَ تَعَالَى قَالَ { لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ } [ الْفَتْحَ 4 ] وَقَالَ { وَيَزْدَادَ الّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } [ الْمُدّثّرَ 31 ] . فَإِنْ قِيلَ وَكَيْفَ يَكُونُ الْإِيمَانُ وَالْحِكْمَةُ فِي طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ وَالْإِيمَانُ عَرَضٌ وَالْأَعْرَاضُ لَا يُوصَفُ بِهَا إلّا مَحَلّهَا الّذِي تَقُومُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ فِيهِ الِانْتِقَالُ لِأَنّ الِانْتِقَالَ مِنْ صِفَةِ الْأَجْسَامِ لَا مِنْ صِفَةِ الْأَعْرَاضِ ؟ قُلْنَا : إنّمَا عَبّرَ عَمّا كَانَ فِي الطّسْتِ بِالْحِكْمَةِ وَالْإِيمَانِ كَمَا عَبّرَ عَنْ اللّبَنِ الّذِي شَرِبَهُ وَأَعْطَى فَضْلَهُ عُمَرَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - بِالْعِلْمِ فَكَانَ تَأْوِيلُ مَا أُفْرِغَ فِي قَلْبِهِ حِكْمَةً وَإِيمَانًا ، وَلَعَلّ الّذِي كَانَ فِي الطّسْتِ كَانَ ثَلْجًا وَبَرَدًا - كَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوّلِ - فَعَبّرَ عَنْهُ فِي الْمَرّةِ الثّانِيَةِ بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ وَعَبّرَ عَنْهُ فِي الْمَرّةِ الْأُولَى بِصُورَتِهِ الّتِي رَآهَا ، لِأَنّهُ فِي الْمَرّةِ الْأُولَى كَانَ طِفْلًا ، فَلَمّا رَأَى الثّلْجَ فِي طَسْتِ الذّهَبِ اعْتَقَدَهُ ثَلْجًا ، حَتّى عَرَفَ تَأْوِيلَهُ بَعْدُ . وَفِي الْمَرّةِ الثّانِيَةِ كَانَ نَبِيّا ، فَلَمّا رَأَى طَسْتَ الذّهَبِ مَمْلُوءًا ثَلْجًا عَلِمَ التّأْوِيلَ لِحِينِهِ وَاعْتَقَدَهُ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ حِكْمَةً وَإِيمَانًا ، فَكَانَ لَفْظُهُ فِي الْحَدِيثَيْنِ عَلَى حَسَبِ اعْتِقَادِهِ فِي الْمَقَامَيْنِ . مُنَاسَبَةُ الذّهَبِ لِلْمَعْنَى الْمَقْصُودِ وَكَانَ الذّهَبُ فِي الْحَالَتَيْنِ جَمِيعًا مُنَاسِبًا لِلْمَعْنَى الّذِي قُصِدَ بِهِ . فَإِنْ نَظَرْت إلَى لَفْظِ الذّهَبِ فَمُطَابِقٌ لِلْإِذْهَابِ فَإِنّ اللّهَ - عَزّ وَجَلّ - أَرَادَ أَنْ يُذْهِبَ عَنْهُ الرّجْسَ وَيُطَهّرَهُ تَطْهِيرًا ، وَإِنْ نَظَرْت إلَى مَعْنَى الذّهَبِ وَأَوْصَافِهِ وَجَدْته أَنْقَى شَيْءٍ وَأَصْفَاهُ يُقَالُ فِي الْمَثَلِ أَنْقَى مِنْ الذّهَبِ . وَقَالَتْ بَرِيرَةُ فِي عَائِشَةَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا - مَا أَعْلَمُ عَلَيْهَا إلّا مَا يَعْلَمُ الصّائِغُ عَلَى الذّهَبِ الْأَحْمَرِ وَقَالَ حُذَيْفَةُ فِي صِلَةِ بْنِ أَشْيَمَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا : إنّمَا قَلْبُهُ مِنْ ذَهَبٍ وَقَالَ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ فِي الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ : إنّهُ لَرَجُلٌ مِنْ ذَهَبٍ يُرِيدُونَ النّقَاءَ مِنْ الْعُيُوبِ فَقَدْ طَابَقَ طَسْتَ الذّهَبِ مَا أُرِيدَ بِالنّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مِنْ نَقَاءِ قَلْبِهِ . وَمِنْ أَوْصَافِ الذّهَبِ أَيْضًا الْمُطَابِقَةِ لِهَذَا الْمَقَامِ ثِقَلُهُ وَرُسُوبُهُ فَإِنّهُ يُجْعَلُ فِي الزّيبَقِ الّذِي هُوَ أَثْقَلُ الْأَشْيَاءِ فَيَرْسُبُ وَاَللّهُ تَعَالَى يَقُولُ { إِنّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا } [ الْمُزّمّلَ 5 ] . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - إنّمَا ثَقُلَتْ مَوَازِينُ الْمُحِقّينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِاتّبَاعِهِمْ الْحَقّ وَحُقّ لِمِيزَانِ لَا يُوضَعُ فِيهِ إلّا الْحَقّ أَنْ يَكُون ثَقِيلًا ، وَقَالَ فِي أَهْلِ الْبَاطِلِ بِعَكْسِ هَذَا وَقَدْ رُوِيَ أَنّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَهُوَ عَلَى نَاقَتِهِ فَثَقُلَ عَلَيْهَا حَتّى سَاخَتْ قَوَائِمُهَا فِي الْأَرْضِ فَقَدْ [ ص 293 ] وَمِنْ أَوْصَافِ الذّهَبِ أَيْضًا أَنّهُ لَا تَأْكُلُهُ النّارُ وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ لَا تَأْكُلُ النّارُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَلْبًا وَعَاهُ وَلَا بَدَنًا عَمِلَ بِهِ قَالَ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - لَوْ كَانَ الْقُرْآنُ فِي إهَابٍ ثُمّ طُرِحَ فِي النّارِ مَا احْتَرَقَ وَمِنْ أَوْصَافِ الذّهَبِ الْمُنَاسِبَةِ لِأَوْصَافِ الْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ أَنّ الْأَرْضَ لَا تُبْلِيهِ وَأَنّ الثّرَى لَا يَذْرِيهِ وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ لَا يَخْلُقُ عَلَى كَثْرَةِ الرّدّ وَلَا يُسْتَطَاعُ تَغْيِيرُهُ وَلَا تَبْدِيلُهُ وَمِنْ أَوْصَافِهِ أَيْضًا : نَفَاسَتُهُ وَعِزّتُهُ عِنْدَ النّاسِ وَكَذَلِكَ الْحَقّ وَالْقُرْآنُ عَزِيزٌ قَالَ سُبْحَانَهُ { وَإِنّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ } [ فُصّلَتْ 41 ] . فَهَذَا إذَا نَظَرْت إلَى أَوْصَافِهِ وَلَفْظِهِ وَإِذَا نَظَرْت إلَى ذَاتِهِ وَظَاهِرِهِ فَإِنّهُ زُخْرُفُ الدّنْيَا وَزِينَتُهَا ، وَقَدْ فُتِحَ بِالْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ عَلَى مُحَمّدٍ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَأُمّتِهِ خَزَائِنُ الْمُلُوكِ وَتَصِيرُ إلَى أَيْدِيهِمْ ذَهَبُهَا وَفِضّتُهَا ، وَجَمِيعُ زُخْرُفِهَا وَزِينَتِهَا ، ثُمّ وُعِدُوا بِاتّبَاعِ الْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ قُصُورَ الذّهَبِ وَالْفِضّةِ فِي الْجَنّةِ . قَالَ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - جَنّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا مِنْ ذَهَبٍ وَفِي التّنْزِيلِ { يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ } [ الزّخْرُفَ 7 ] { يُحَلّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } [ الْحَجّ 23 ، وَفَاطِرَ 33 ] فَكَانَ ذَلِكَ الذّهَبُ يُشْعِرُ بِالذّهَبِ الّذِي يَصِيرُ إلَيْهِ مَنْ اتّبَعَ الْحَقّ وَالْقُرْآنَ وَأَوْصَافُهُ تُشْعِرُ بِأَوْصَافِ الْحَقّ وَالْقُرْآنُ وَلَفْظُهُ يُشْعِرُ بِإِذْهَابِ الرّجْسِ كَمَا تَقَدّمَ فَهَذِهِ حِكَمٌ بَالِغَةٌ لِمَنْ تَأَمّلَ وَاعْتِبَارٌ صَحِيحٌ لِمَنْ تَدَبّرَ وَالْحَمْدُ لِلّهِ . وَفِي ذِكْرِ الطّسْتِ وَحُرُوفِ اسْمِهِ حِكْمَةٌ تَنْظُرُ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ } [ النّمْلَ 1 ] وَمِمّا يُسْأَلُ عَنْهُ هَلْ خُصّ هُوَ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بِغَسْلِ قَلْبِهِ فِي الطّسْتِ أَمْ فُعِلَ ذَلِكَ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ فَفِي خَبَرِ التّابُوتِ وَالسّكِينَةِ أَنّهُ كَانَ فِيهِ الطّسْتُ الّتِي غُسِلَتْ فِيهَا قُلُوبُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السّلَامُ . ذَكَرَهُ الطّبَرِيّ ، وَقَدْ انْتَزَعَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ حَدِيثِ الطّسْتِ حَيْثُ جُعِلَ مَحَلّا لِلْإِيمَانِ وَالْحِكْمَةِ جَوَازَ تَحْلِيَةِ الْمُصْحَفِ بِالذّهَبِ وَهُوَ فِقْهٌ حَسَنٌ فَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرّ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - هَذَا الّذِي قَدّمْنَاهُ مَتَى عَلِمَ أَنّهُ نَبِيّ . [ ص 294 ]
الْحِكْمَةُ فِي خَتْمِ النّبُوّةِ
وَالْحِكْمَةُ فِي خَاتَمِ النّبُوّةِ عَلَى جِهَةِ الِاعْتِبَارِ أَنّهُ لَمّا مُلِئَ قَلْبُهُ حِكْمَةً وَيَقِينًا ، خُتِمَ عَلَيْهِ كَمَا يُخْتَمُ عَلَى الْوِعَاءِ الْمَمْلُوءِ مِسْكًا أَوْ دُرّا ، وَأَمّا وَضْعُهُ عِنْدَ نُغْضِ كَتِفِهِ فَلِأَنّهُ مَعْصُومٌ مِنْ وَسْوَسَةِ الشّيْطَانِ وَذَلِكَ الْمَوْضِعُ مِنْهُ يُوَسْوِسُ الشّيْطَانُ لِابْنِ آدَمَ . رَوَى مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنّ رَجُلًا سَأَلَ رَبّهُ أَنْ يُرِيَهُ مَوْضِعَ الشّيْطَانِ مِنْهُ فَأُرِيَ جَسَدًا مُمَهّى يُرَى دَاخِلُهُ مِنْ خَارِجِهِ وَالشّيْطَانُ فِي صُورَةِ ضِفْدَعٍ عِنْدَ نُغْضِ كَتِفِهِ حِذَاءَ قَلْبِهِ لَهُ خُرْطُومٌ كَخُرْطُومِ الْبَعُوضَةِ وَقَدْ أَدْخَلَهُ إلَى قَلْبِهِ يُوَسْوِسُ فَإِذَا ذَكَرَ اللّهَ تَعَالَى الْعَبْدُ خَنَسَ
رَدّ حَلِيمَةَ لِلنّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ -
فَصْلٌ
وَكَانَ رَدّ حَلِيمَةَ إيّاهُ إلَى أُمّهِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ وَشَهْرٍ فِيمَا ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ ثُمّ لَمْ تَرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا مَرّتَيْنِ إحْدَاهُمَا بَعْدَ تَزْوِيجِهِ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا - جَاءَتْهُ تَشْكُو إلَيْهِ السّنَةَ وَأَنّ قَوْمَهَا قَدْ أَسْنَتُوا فَكَلّمَ لَهَا خَدِيجَةَ ، فَأَعْطَتْهَا عِشْرِينَ رَأْسًا مِنْ غَنَمِ وَبَكَرَاتٍ وَالْمَرّةَ الثّانِيَةَ يَوْمُ حُنَيْنٍ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا إنْ شَاءَ اللّهُ .
تَأْوِيلُ النّورِ الّذِي رَأَتْهُ آمِنَةُ
فَصْلٌ
وَذَكَرَ النّورَ الّذِي رَأَتْهُ آمِنَةُ حِينَ وَلَدَتْهُ عَلَيْهِ السّلَامُ فَأَضَاءَتْ لَهَا قُصُورَ الشّامِ ، وَذَلِكَ بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْهِ مِنْ تِلْكَ الْبِلَادِ حَتّى كَانَتْ الْخِلَافَةُ فِيهَا مُدّةَ بَنِي أُمَيّةَ ، وَاسْتَضَاءَتْ تِلْكَ الْبِلَادُ وَغَيْرُهَا بِنُورِهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَكَذَلِكَ رَأَى خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي قَبْلَ الْمَبْعَثِ بِيَسِيرِ نُورًا يَخْرُجُ مِنْ زَمْزَمَ ، حَتّى ظَهَرَتْ لَهُ الْبُسْرُ فِي نَخِيلِ يَثْرِبَ ، فَقَصّهَا عَلَى أَخِيهِ عَمْرٍو ، فَقَالَ لَهُ إنّهَا حَفِيرَةُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، وَإِنّ هَذَا النّورَ مِنْهُمْ فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبَ مُبَادَرَتِهِ إلَى الْإِسْلَامِ .
[ ص 294 ] ابْنِ إسْحَاقَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - يَقُولُ مَا مِنْ نَبِيّ إلّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ [ ص 295 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ أَنَا أَعْرَبُكُمْ أَنَا قُرَشِيّ ، وَاسْتُرْضِعْت فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ . [ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ] . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَزَعَمَ النّاسُ فِيمَا يَتَحَدّثُونَ وَاَللّهُ أَعْلَمُ أَنّ أُمّهُ السّعْدِيّةَ لَمّا قَدِمَتْ بِهِ مَكّةَ أَضَلّهَا فِي النّاسِ وَهِيَ مُقْبِلَةٌ بِهِ نَحْوَ أَهْلِهِ فَالْتَمَسَتْهُ فَلَمْ تَجِدْهُ فَأَتَتْ عَبْدَ الْمُطّلِبِ ، فَقَالَتْ لَهُ إنّي قَدْ قَدِمْت بِمُحَمّدِ هَذِهِ اللّيْلَةَ فَلَمّا كُنْت بِأَعْلَى مَكّةَ أَضَلّنِي ، فَوَاَللّهِ مَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ فَقَامَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ يَدْعُو اللّهَ أَنْ يَرُدّهُ فَيَزْعُمُونَ أَنّهُ وَجَدَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ ، وَرَجُلٌ آخَرُ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَأَتَيَا بِهِ عَبْدَ الْمُطّلِبِ ، فَقَالَا لَهُ هَذَا ابْنُك وَجَدْنَاهُ بِأَعْلَى مَكّةَ ، فَأَخَذَهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ ، فَجَعَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ يَعُوذُهُ وَيَدْعُو لَهُ ثُمّ أَرْسَلَ بِهِ إلَى أُمّهِ آمِنَةَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّ مِمّا هَاجَ أُمّهُ السّعْدِيّةَ عَلَى رَدّهِ إلَى أُمّهِ مَعَ مَا ذَكَرَتْ لِأُمّهِ مِمّا أَخْبَرَتْهَا عَنْهُ أَنّ نَفَرًا مِنْ الْحَبَشَةِ نَصَارَى رَأَوْهُ مَعَهَا حِينَ رَجَعَتْ بِهِ بَعْدَ فِطَامِهِ فَنَظَرُوا إلَيْهِ وَسَأَلُوهَا عَنْهُ وَقَلّبُوهُ ثُمّ قَالُوا لَهَا : لَنَأْخُذَنّ هَذَا الْغُلَامَ ، فَلَنَذْهَبَنّ بِهِ إلَى مُلْكِنَا وَبَلَدِنَا ؛ فَإِنّ هَذَا غُلَامٌ كَائِنٌ لَهُ شَأْنٌ نَحْنُ نَعْرِفُ أَمْرَهُ فَزَعَمَ الّذِي حَدّثَنِي أَنّهَا لَمْ تَكَدْ تَنْفَلِتُ بِهِ مِنْهُمْ [ ص 296 ]Sرَعْيُهُ الْغَنَمَ
فَصْلٌ
وَذَكَرَ قَوْلَ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مَا مِنْ نَبِيّ إلّا وَقَدْ رَعَى الْغَنَمَ . قِيلَ وَأَنْتَ يَا [ ص 295 ] قَالَ " وَأَنَا " . وَإِنّمَا أَرَادَ ابْنُ إسْحَاقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ رِعَايَتَهُ الْغَنَمَ فِي بَنِي سَعْدٍ مَعَ أَخِيهِ مِنْ الرّضَاعَةِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصّحِيحِ أَنّهُ رَعَاهَا بِمَكّةَ أَيْضًا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكّةَ . ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ ، وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ عَنْهُ أَيْضًا أَنّهُ قَالَ مَا هَمَمْت بِشَيْءِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيّةِ إلّا مَرّتَيْنِ وَرَوَى أَنّ إحْدَى الْمَرّتَيْنِ كَانَ فِي غَنَمٍ يَرْعَاهَا هُوَ وَغُلَامٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ اكْفِنِي أَمْرَ الْغَنَمِ حَتّى آتِيَ مَكّةَ ، وَكَانَ بِهَا عُرْسٌ فِيهَا لَهْوٌ وَزَمْرٌ فَلَمّا دَنَا مِنْ الدّارِ لِيَحْضُرَ ذَلِكَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ النّوْمُ فَنَامَ حَتّى ضَرَبَتْهُ الشّمْسُ عِصْمَةً مِنْ اللّهِ لَهُ وَفِي الْمَرّةِ الْآخِرَةِ قَالَ لِصَاحِبِهِ مِثْلَ ذَلِكَ وَأُلْقِيَ عَلَيْهِ النّوْمُ فِيهَا ، كَمَا أُلْقِيَ فِي الْمَرّةِ الْأُولَى . ذَكَرَ هَذَا الْمَعْنَى ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ . وَفِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلْقُتَبِيّ بُعِثَ مُوسَى - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ [ ص 296 ] دَاوُدُ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ وَبُعِثْت ، وَأَنَا رَاعِي غَنَمِ أَهْلِي بِأَجْيَادِ وَإِنّمَا جَعَلَ اللّهُ هَذَا فِي الْأَنْبِيَاءِ تَقْدِمَةً لَهُمْ لِيَكُونُوا رُعَاةَ الْخَلْقِ وَلِتَكُونَ أُمَمُهُمْ رَعَايَا لَهُمْ وَقَدْ رَأَى رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَنّهُ يَنْزِعُ عَلَى قَلِيبٍ وَحَوْلَهَا غَنَمٌ سُودٌ وَغَنَمٌ عُفْرٌ قَالَ ثُمّ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - فَنَزَعَ نَزْعًا ضَعِيفًا ، وَاَللّهُ يَغْفِرُ لَهُ ثُمّ جَاءَ عُمَرُ فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا يَعْنِي : الدّلْوَ فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيّا يَفْرِي فَرِيّهُ فَأَوّلَهَا النّاسُ فِي الْخِلَافَةِ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَر رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا ، وَلَوْلَا ذِكْرُ الْغَنَمِ السّودِ وَالْعُفْرِ لَبَعُدَتْ الرّؤْيَا عَنْ مَعْنَى الْخِلَافَةِ وَالرّعَايَةِ إذْ الْغَنَمُ السّودُ وَالْعُفْرُ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ ، وَأَكْثَرُ الْمُحَدّثِينَ لَمْ يَذْكُرُوا الْغَنَمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . ذَكَرَهُ الْبَزّارُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَيْضًا ، وَبِهِ يَصِحّ الْمَعْنَى ، وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
وَفَاةُ آمِنَةَ
وَحَالُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَ جَدّهِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بَعْدَهَا
[ ص 297 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مَعَ أُمّهِ آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ ، وَجَدّهِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ فِي كِلَاءَةِ اللّهِ وَحِفْظِهِ يُنْبِتُهُ اللّهُ نَبَاتًا حَسَنًا ، لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ فَلَمّا بَلَغَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - سِتّ سِنِينَ تُوُفّيَتْ أُمّهُ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ . [ ص 298 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ : أَنّ أُمّ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - آمِنَةَ تُوُفّيَتْ وَرَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - ابْنُ سِتّ سِنِينَ بِالْأَبْوَاءِ ، بَيْنَ مَكّةَ وَالْمَدِينَةِ ، كَانَتْ قَدْ قَدِمَتْ بِهِ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ النّجّارِ ، تُزِيرُهُ إيّاهُمْ فَمَاتَتْ وَهِيَ رَاجِعَةٌ بِهِ إلَى مَكّةَ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : أُمّ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ : سَلْمَى بِنْتُ عَمْرٍو النّجّارِيّةُ فَهَذِهِ الْخُؤُولَةُ الّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ لِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِيهِمْ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مَعَ جَدّهِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ ، وَكَانَ يُوضَعُ لِعَبْدِ الْمُطّلِبِ فِرَاشٌ فِي ظِلّ الْكَعْبَةِ ، فَكَانَ بَنُوهُ يَجْلِسُونَ حَوْلَ فِرَاشِهِ ذَلِكَ حَتّى يَخْرُجَ إلَيْهِ لَا يَجْلِسُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِيهِ إجْلَالًا لَهُ قَالَ فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - يَأْتِي ، وَهُوَ غُلَامٌ جَفْرٌ حَتّى يَجْلِسَ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ أَعْمَامُهُ لِيُؤَخّرُوهُ عَنْهُ فَيَقُولُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ إذَا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُمْ دَعُوا ابْنِي ، فَوَاَللّهِ إنّ لَهُ لَشَأْنًا ، ثُمّ يُجْلِسُهُ مَعَهُ عَلَى الْفِرَاشِ وَيَمْسَحُ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ وَيَسُرّهُ مَا يَرَاهُ يَصْنَعُ
Sمَوْتُ آمِنَةَ وَزِيَارَتُهُ لَهَا
فَصْلٌ
وَذَكَرَ مَوْتَ أُمّهِ آمِنَةَ بِالْأَبْوَاءِ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ مَكّةَ وَالْمَدِينَةِ ، وَهُوَ إلَى الْمَدِينَةِ أَقْرَبُ كَأَنّهُ سُمّيَ بِجَمْعِ بَوّ وَهُوَ جِلْدُ الْحُوَارِ الْمَحْشُوّ بِالتّبْنِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ سُمّيَ بِالْأَبْوَاءِ لِتَبَوّءِ السّيُولِ فِيهِ وَكَذَلِكَ ذُكِرَ عَنْ كَثِيرٍ . ذَكَرَهُ قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ . [ ص 298 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - زَارَ قَبْرَ أُمّهِ بِالْأَبْوَاءِ فِي أَلْفِ مُقَنّعٍ فَبَكَى وَأَبْكَى وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَفِي الصّحِيحِ أَيْضًا أَنّهُ قَالَ اسْتَأْذَنْت رَبّي فِي زِيَارَةِ قَبْرِ أُمّي ، فَأَذِنَ لِي ، وَاسْتَأْذَنْته أَنْ أَسْتَغْفِرَ لَهَا ، فَلَمْ يَأْذَنْ لِي وَفِي مُسْنَدِ الْبَزّارِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنّهُ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حِينَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأُمّهِ ضَرَبَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ لَهُ لَا تَسْتَغْفِرْ لِمَنْ كَانَ مُشْرِكًا ، فَرَجَعَ وَهُوَ حَزِينٌ . وَفِي الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ فِي غَيْر الصّحِيحِ أَنّهُ سُئِلَ عَنْ بُكَائِهِ فَقَالَ ذَكَرْت ضَعْفَهَا وَشِدّةَ عَذَابِ اللّهِ إنْ كَانَ صَحّ هَذَا . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مَا يُصَحّحُهُ وَهُوَ أَنّ رَجُلًا قَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللّهِ أَيْنَ أَبِي ؟ فَقَالَ " فِي النّارِ " ، فَلَمّا وَلّى الرّجُلُ قَالَ عَلَيْهِ السّلَامُ إنّ أَبِي وَأَبَاك فِي النّارِ وَلَيْسَ لَنَا أَنْ [ ص 299 ] أَبَوَيْهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السّلَامُ لَا تُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ بِسَبّ الْأَمْوَاتِ وَاَللّهُ عَزّ وَجَلّ يَقُولُ { إِنّ الّذِينَ يُؤْذُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّهُ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ } [ الْأَحْزَابَ : 75 ] . وَإِنّمَا قَالَ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - لِذَلِكَ الرّجُلِ هَذِهِ الْمَقَالَةَ لِأَنّهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ وَقَدْ قِيلَ إنّهُ قَالَ أَيْنَ أَبُوك أَنْتَ ؟ فَحِينَئِذٍ قَالَ ذَلِكَ وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ بِغَيْرِ هَذَا اللّفْظِ فَلَمْ يَذْكُرْ أَنّهُ قَالَ لَهُ إنّ أَبِي وَأَبَاك فِي النّارِ وَلَكِنْ ذَكَرَ أَنّهُ قَالَ لَهُ إذَا مَرَرْت بِقَبْرِ كَافِرٍ فَبَشّرْهُ بِالنّارِ وَرُوِيَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَعَلّهُ أَنْ يَصِحّ . وَجَدْته بِخَطّ جَدّي أَبِي عِمْرَانَ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللّهُ - بِسَنَدِ فِيهِ مَجْهُولُونَ ذَكَرَ أَنّهُ نَقَلَهُ مِنْ كِتَابٍ اُنْتُسِخَ مِنْ كِتَابِ مُعَوّذِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ مُعَوّذِ الزّاهِدِ يَرْفَعُهُ إلَى [ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ ] أَبِي الزّنَادِ عَنْ [ هِشَامِ بْنِ ] عُرْوَةَ ، عَنْ [ أَبِيهِ عَنْ ] عَائِشَةَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا - أَخْبَرَتْ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - سَأَلَ رَبّهُ أَنْ يُحْيِيَ أَبَوَيْهِ فَأَحْيَاهُمَا لَهُ وَآمَنَا بِهِ ثُمّ أَمَاتَهُمَا وَاَللّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلّ شَيْءٍ وَلَيْسَ تَعْجَزُ رَحْمَتُهُ وَقُدْرَتُهُ عَنْ شَيْءٍ وَنَبِيّهُ عَلَيْهِ السّلَامُ أَهْلٌ أَنْ يَخُصّهُ بِمَا شَاءَ مِنْ فَضْلِهِ وَيُنْعِمَ عَلَيْهِ بِمَا شَاءَ مِنْ كَرَامَتِهِ - صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ - قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي تَذْكِرَتِهِ : جَزَمَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ فِي كِتَابِ السّابِقِ وَاللّاحِقِ وَأَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ شَاهِينَ فِي كِتَابِ النّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لَهُ فِي الْحَدِيثِ بِإِسْنَادَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا - قَالَتْ حَجّ بِنَا رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حَجّةَ الْوَدَاعِ فَمَرّ عَلَى قَبْرِ أُمّهِ وَهُوَ بَاكٍ حَزِينٌ مُغْتَمّ ، فَبَكَيْت لِبُكَائِهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - ثُمّ إنّهُ نَزَلَ فَقَالَ " يَا حُمَيْرَاءُ اسْتَمْسِكِي " . فَاسْتَنَدْت إلَى جَنْبِ الْبَعِيرِ فَمَكَثَ عَنّي طَوِيلًا مَلِيّا ، ثُمّ إنّهُ عَادَ إلَيّ وَهُوَ فَرِحٌ مُتَبَسّمٌ فَقَالَتْ لَهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ اللّهِ نَزَلْت مِنْ عِنْدِي ، وَأَنْتَ بَاكٍ حَزِينٌ مُغْتَمّ . فَبَكَيْت لِبُكَائِك . ثُمّ عُدْت إلَيّ وَأَنْتَ فَرِحٌ مُبْتَسِمٌ فَمِمّ ذَا يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ " ذَهَبْت لِقَبْرِ آمِنَةَ أُمّي ، فَسَأَلْت أَنْ يُحْيِيَهَا ، فَأَحْيَاهَا فَآمَنَتْ بِي " ؛ أَوْ قَالَ فَآمَنَتْ . وَرَدّهَا اللّهُ عَزّ وَجَلّ
وَفَاةُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَمَا رُثِيَ بِهِ مِنْ الشّعْرِ
فَلَمّا بَلَغَ [ ص 300 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - ثَمَانِيَ سِنِينَ هَلَكَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَمَانِي سِنِينَ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبّاسٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ تُوُفّيَ وَرَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - ابْنُ ثَمَانِي سِنِينَ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ : أَنّ عَبْدَ الْمُطّلِبِ لَمّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ ، وَعَرَفَ أَنّهُ مَيّتٌ جَمَعَ بَنَاتِهِ وَكُنّ سِتّ نِسْوَةٍ صَفِيّةَ وَبَرّةَ وَعَاتِكَةَ ، وَأُمّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءَ وَأُمَيْمَةَ ، وَأَرْوَى ، فَقَالَ لَهُنّ ابْكِينَ عَلَيّ حَتّى أَسْمَعَ مَا تَقُلْنَ قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَلَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالشّعْرِ يَعْرِفُ هَذَا الشّعْرَ إلّا أَنّهُ لَمّا رَوَاهُ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ ، كَتَبْنَاهُ فَقَالَتْ صَفِيّةُ ابْنَةُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا :
أَرِقْت لِصَوْتِ نَائِحَةٍ بِلَيْلِ ... عَلَى رَجُلٍ بِقَارِعَةِ الصّعِيدِ
فَفَاضَتْ عِنْدَ ذَلِكُمْ دُمُوعِي ... عَلَى خَدّي كَمُنْحَدِرِ الْفَرِيدِ
عَلَى رَجُلٍ كَرِيمٍ غَيْرِ وَغْلٍ ... لَهُ الْفَضْلُ الْمُبِينُ عَلَى الْعَبِيدِ
عَلَى الْفَيّاضِ شَيْبَةَ ذِي الْمَعَالِي ... أَبِيك الْخَيْرِ وَارِثِ كُلّ جُودِ
صَدُوقٍ فِي الْمَوَاطِنِ غَيْرِ نِكْسٍ ... وَلَا شَخْتِ الْمَقَامِ وَلَا سَنِيدِ
طَوِيلِ الْبَاعِ أَرْوَعَ شَيْظَمِيّ ... مُطَاعٍ فِي عَشِيرَتِهِ حَمِيدِ
رَفِيعِ الْبَيْتِ أَبْلَجَ ذِي فُضُولٍ ... وَغَيْثِ النّاسِ فِي الزّمَنِ الْحَرُودِ
كَرِيمِ الْجَدّ لَيْسَ بِذِي وُصُومٍ ... يَرُوقُ عَلَى الْمُسَوّدِ وَالْمَسُودِ
عَظِيمِ الْحِلْمِ مِنْ نَفَرٍ كِرَامٍ ... خَضَارِمَةٍ مَلَاوِثَةٍ أُسُودِ
فَلَوْ خَلَدَ امْرِئِ لِقَدِيمِ مَجْدٍ ... وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إلَى الْخُلُودِ
لَكَانَ مُخَلّدًا أُخْرَى اللّيَالِي ... لِفَضّ الْمَجْدِ وَالْحَسَبِ التّلِيدِ
[ ص 302 ] وَقَالَتْ بَرّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا :
أَعَيْنَيّ جُودَا بِدَمْعِ دِرَرْ ... عَلَى طَيّبِ الْخِيمِ وَالْمُعْتَصَرْ
عَلَى مَاجِدِ الْجَدّ وَارِي الزّنَادِ ... جَمِيلِ الْمُحَيّا عَظِيمِ الْخَطَرْ
عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ ذِي الْمَكْرُمَاتِ ... وَذِي الْمَجْدِ وَالْعِزّ وَالْمُفْتَخَرْ
وَذِي الْحُلْمِ وَالْفَصْلِ فِي النّائِبَاتِ ... كَثِير الْمَكَارِمِ جَمّ الْفَجَرْ
لَهُ فَضْلُ مَجْدٍ عَلَى قَوْمِهِ ... مُنِيرٍ يَلُوحُ كَضَوْءِ الْقَمَرْ
أَتَتْهُ الْمَنَايَا ، فَلَمْ تُشْوِهِ ... بِصَرْفِ اللّيَالِي ، وَرَيْبِ الْقَدَرْ
S[ ص 300 ] عَبْدِ الْمُطّلِبِ قَوْلُ صَفِيّةَ
فَفَاضَتْ عِنْدَ ذَلِكُمْ دُمُوعِي ... عَلَى خَدّي كَمُنْحَدِرِ الْفَرِيدِ
[ ص 301 ] وَقَوْلُهَا : أَبِيك الْخَيْرِ . أَرَادَتْ الْخَيّرَ فَخَفّفَتْ كَمَا يُقَالُ هَيْنٌ وَهَيّنٌ وَفِي التّنْزِيلِ { خَيْرَاتٌ حِسَانٌ } [ الرّحْمَنُ 70 ] . وَكَانَ اسْمُ أُمّ الدّرْدَاءِ خَيْرَةُ بِنْتُ أَبِي حَدْرَدٍ وَكَذَلِكَ أُمّ الْحَسَنِ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ ، اسْمُهَا : خَيْرَةُ فَهَذَا مِنْ الْمُخَفّفِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَيْرُ هَهُنَا هُوَ ضِدّ الشّرّ جَعَلَتْهُ كُلّهُ خَيْرًا عَلَى الْمُبَالَغَةِ كَمَا تَقُولُ مَا زَيْدٌ إلّا عِلْمٌ أَوْ حُسْنٌ وَمَا أَنْتَ إلّا سَيْرٌ ، وَهُوَ مَجَازٌ حَسَنٌ فَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يُثَنّى وَلَا يُجْمَعُ وَلَا يُؤَنّثُ فَيُقَال : خَيْرَةُ . وَقَوْلُهَا : وَلَا شَخْتِ الْمَقَامِ وَلَا سَنِيدِ الشّخْتُ [ الدّقِيقُ الضّامِرُ لَا هُزَالًا ] ضِدّ الضّخْمِ تَقُولُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَلَكِنّهُ ضَخْمُ الْمَقَامِ ظَاهِرُهُ . وَالسّنِيدُ الضّعِيفُ الّذِي لَا يَسْتَقِلّ بِنَفْسِهِ حَتّى يُسْنَدُ رَأْيُهُ إلَى غَيْرِهِ . وَقَوْلُهَا : خَضَارِمَةٍ مَلَاوِثَةٍ . مَلَاوِثَةٌ جَمْعُ مِلْوَاثٍ مِنْ اللّوْثَةِ وَهِيَ الْقُوّةُ كَمَا قَالَ الْمُكَعْبَرُ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ إنْ ذُو لَوْثَةٍ لَاثَا
[ ص 302 ] قِيلَ إنّ اسْمَ اللّيْثِ مِنْهُ أُخِذَ إلّا أَنّ وَاوَه انْقَلَبَتْ يَاءً لِأَنّهُ فَيْعَلٌ فَخُفّفَ كَمَا تَقَدّمَ فِي هَيْنٍ وَهَيّنٍ وَلَيْنٍ وَلَيّنٍ . وَقَوْلُ بَرّةَ أَتَتْهُ الْمَنَايَا فَلَمْ تُشْوِهِ
أَيْ لَمْ تُصِبْ الشّوَى ، بَلْ أَصَابَتْ الْمَقْتَلَ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَضَرْبِهِ بِالْقِدَاحِ عَلَى عَبْدِ اللّهِ وَكَانَ يَرَى أَنّ السّهْمَ إذَا خَرَجَ عَلَى غَيْرِهِ أَنّهُ قَدْ أُشْوِيَ أَيْ قَدْ أَخْطَأَ مَقْتَلَهُ أَيْ مَقْتَلَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَابْنِهِ وَمَنْ رَوَاهُ أَشْوَى بِفَتْحِ الْوَاوِ فَالسّهْمُ هُوَ الّذِي أَشْوَى وَأَخْطَأَ وَبِكِلَا الضّبْطَيْنِ وَجَدْته ، وَيُقَالُ أَيْضًا : أَشْوَى الزّرْعُ إذَا أَفْرَكَ فَالْأَوّلُ مِنْ الشّوَى ، وَهَذَا مِنْ الشّيّ بِالنّارِ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَتْ عَاتِكَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا :
أَعَيْنَيّ جُودَا ، وَلَا تَبْخَلَا ... بِدَمْعِكُمَا بَعْدَ نَوْمِ النّيَامْ
أَعَيْنَيّ وَاسْحَنْفِرَا وَاسْكُبَا ... وَشُوبَا بُكَاءَكُمَا بِالْتِدَامْ
أَعَيْنَيّ وَاسْتَخْرِطَا وَاسْجُمَا ... عَلَى رَجُلٍ غَيْرِ نِكْسٍ كَهَامْ
عَلَى الْجَحْفَلِ الْغَمْرِ فِي النّائِبَاتِ ... كَرِيمِ الْمَسَاعِي ، وَفِيّ الذّمَامْ
عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ وَارِي الزّنَادِ ... وَذِي مَصْدَقٍ بَعْدَ ثَبْتِ الْمَقَامْ
وَسَيْفٍ لَدَى الْحَرْبِ صَمْصَامَةٍ ... وَمِرْدَى الْمَخَاصِمِ عِنْدَ الْخِصَامْ
وَسَهْلِ الْخَلِيقَةِ طَلْقِ الْيَدَيْنِ ... وَفٍ عُدْمِلِيّ صَمِيمٍ لُهَامْ
تَبَنّكَ فِي بَاذِخٍ بَيْتُهُ ... رَفِيعِ الذّؤَابَةِ صَعْبِ الْمَرَامْ
وَقَالَتْ أُمّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا :
أَلَا يَا عَيْنُ جُودِي وَاسْتَهِلّي ... وَبَكّي ذَا النّدَى وَالْمَكْرُمَاتِ
أَلَا يَا عَيْنُ وَيْحَك أَسْعِفِينِي ... بِدَمْعِ مِنْ دُمُوعٍ هَاطِلَاتِ
وَبَكّي خَيْرَ مَنْ رَكِبَ الْمَطَايَا ... أَبَاك الْخَيْرَ تَيّارَ الْفُرَاتِ
طَوِيلَ الْبَاعِ شَيْبَةَ ذَا الْمَعَالِي ... كَرِيمَ الْخَيْمِ مَحْمُودَ الْهِبَاتِ
وَصُوَلًا لِلْقَرَابَةِ هِبْرِزِيّا ... وَغَيْثًا فِي السّنِينَ الْمُمْحِلَاتِ
وَلَيْثًا حِينَ تَشْتَجِرُ الْعَوَالِي ... تَرُوقُ لَهُ عُيُونُ النّاظِرَاتِ
عَقِيلَ بَنِي كِنَانَةَ وَالْمُرَجّى ... إذَا مَا الدّهْرُ أَقْبَلَ بِالْهَنَاتِ
وَمَفْزَعَهَا إذَا مَا هَاجَ هَيْجٌ ... بِدَاهِيَةِ وَخَصْمِ الْمُعْضِلَاتِ
فَبَكّيهِ وَلَا تَسَمِي بِحُزْنِ ... وَبَكّي ، مَا بَقِيت ، الْبَاكِيَاتِ
وَقَالَتْ أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا :
أَلَا هَلَكَ الرّاعِي الْعَشِيرَةَ ذُو الْفَقْدِ ... وَسَاقِي الْحَجِيجِ وَالْمُحَامِي عَنْ الْمَجْدِ
وَمَنْ يُؤْلِفُ الضّيْفَ الْغَرِيبَ بُيُوتَهُ ... إذَا مَا سَمَاءُ النّاسِ تَبْخَلُ بِالرّعْدِ
كَسَبْتِ وَلِيدًا خَيْرَ مَا يَكْسِبُ الْفَتَى ... فَلَمْ تَنْفَكّ تَزْدَادُ يَا شَيْبَةَ الْحَمْدِ
أَبُو الْحَارِثِ الْفَيّاضُ خَلّى مَكَانَهُ ... فَلَا تَبْعُدَنْ فَكُلّ حَيّ إلَى بُعْدِ
فَإِنّي لَبَاكٍ - مَا بَقِيت - وَمُوجِعٌ ... وَكَانَ لَهُ أَهْلًا لَمّا كَانَ مِنْ وَجْدِي
سَقَاك وَلِيّ النّاسِ فِي الْقَبْرِ مُمْطِرًا ... فَسَوْفَ أَبْكِيهِ وَإِنْ كَانَ فِي اللّحْدِ
فَقَدْ كَانَ زَيْنًا لِلْعَشِيرَةِ كُلّهَا ... وَكَانَ حَمِيدًا حَيْثُ مَا كَانَ مِنْ حَمْدِ
و عَاتِكَةَ : وَمِرْدَى الْمُخَاصِمِ الْمِرْدَى : مِفْعَلٌ مِنْ الرّدَى ، وَهُوَ الْحَجَرُ الّذِي يَقْتُلُ [ ص 303 ] أُصِيبَ بِهِ وَفِي الْمَثَلِ كُلّ ضَبّ عِنْدَهُ مِرْدَاتُهُ [ أَيْ يَقْرُبُ مِنْهُ حَتْفُهُ لِأَنّهُ يُرْمَى بَهْ فَيُقْتَلُ ] . وَقَوْلُهَا : وَفٍ . أَيْ وَفِيّ ، وَخُفّفَ لِلضّرُورَةِ وَقَوْلُهُ عُدْمِلِيّ . الْعُدْمِلِيّ [ وَالْعُدَامِلُ وَالْعُدَامِلِيّ ] الشّدِيدُ . وَاللّهَام : فَعَالٍ مِنْ لَهِمْت الشّيْءَ أَلْهَمُهُ إذَا ابْتَلَعْته ، قَالَ الرّاجِزُ [ رُؤْبَةُ بْن الْعَجّاجِ ] :
كَالْحُوتِ لَا يَرْوِيهِ شَيْءٌ يَلْهَمُهْ ... يُصْبِحُ عَطْشَانًا وَفِي الْبَحْرِ فَمُهْ
[ ص 304 ] سُمّيَ الْجَيْشُ لَهَامًا . وَقَوْلُهَا : عَلَى الْجَحْفَلِ . جَعَلَتْهُ كَالْجَحْفَلِ أَيْ يَقُومُ وَحْدَهُ مَقَامَهُ وَالْجَحْفَلُ لَفْظٌ مَنْحُوتٌ مِنْ أَصْلِينَ مِنْ جَحَفَ وَجَفَلَ وَذَلِك أَنّهُ يُجْحِفُ مَا يَمُرّ عَلَيْهِ أَيْ يُقَشّرُهُ وَيَجْفِلُ أَيْ يَقْلَعُ وَنَظِيرُهُ نَهْشَلُ الذّئْبُ هُوَ عِنْدَهُمْ مَنْحُوتٌ مِنْ أَصْلَيْنِ أَيْضًا ، مِنْ نَهَشْت اللّحْمَ وَنَشَلْته ، وَعَاتِكَةُ : اسْمٌ مَنْقُولٌ مِنْ الصّفَاتِ يُقَالُ امْرَأَةٌ عَاتِكَةٌ ، وَهِيَ الْمُصَفّرَةُ لِبَدَنِهَا بِالزّعْفَرَانِ وَالطّيبِ . وَقَالَ الْقُتَبِيّ عَتَكَتْ الْقَوْسُ إذَا قَدُمَتْ وَبِهِ سُمّيَتْ الْمَرْأَةُ . وَالْقَوْلُ الْأَوّلُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَتْ [ ص 304 ] أَرْوَى بِنْتُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَبْكِي أَبَاهَا :
بَكَتْ عَيْنِي ، وَحُقّ لَهَا الْبُكَاءُ ... عَلَى سَمْحٍ سَجِيّتُهُ الْحَيَاءُ
عَلَى سَهْلِ الْخَلِيقَةِ أَبْطَحِيّ ... كَرِيمِ الْخَيْمِ نِيّتُهُ الْعَلَاءُ
عَلَى الْفَيّاضِ شَيْبَةَ ذِي الْمَعَالِي ... أَبِيك الْخَيْرِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ
طَوِيلِ الْبَاعِ أَمْلَسَ شَيْظَمِيّ ... أَغَرّ كَأَنّ غُرّتَهُ ضِيَاءُ
أَقَبّ الْكَشْحِ أَرْوَعَ ذِي فُضُولٍ ... لَهُ الْمَجْدُ الْمُقَدّمُ وَالسّنَاءُ
أَبِيّ الضّيْمِ أَبْلَجَ هَبْرَزِيّ ... قَدِيمِ الْمَجْدِ لَيْسَ لَهُ خِفَاءُ
وَمَعْقِلِ مَالِكٍ وَرَبِيعِ فِهْرٍ ... وَفَاصِلِهَا إذَا اُلْتُمِسَ الْقَضَاءُ
وَكَانَ هُوَ الْفَتَى كَرَمًا وَجُودًا ... وَبَأْسًا حِينَ تَنْسَكِبُ الدّمَاءُ
إذَا هَابَ الْكُمَاةَ الْمَوْتُ حَتّى ... كَأَنّ قُلُوبَ أَكْثَرِهِمْ هَوَاءُ
مَضَى قُدُمًا بِذِي رُبَدٍ خَشِيب ... عَلَيْهِ حِينَ تُبْصِرهُ الْبَهَاءُ
[ ص 305 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَزَعَمَ لِي مُحَمّدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّهُ أَشَارَ بِرَأْسِهِ وَقَدْ أَصْمَتَ أَنْ هَكَذَا فَابْكِينَنِي . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : الْمُسَيّبُ بْنُ حَزْنِ بْنِ أَبِي وَهْبٍ بْن عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْن عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ .
Sوَقَوْلُ أَرْوَى : وَمَعْقِلُ مَالِكٍ وَرَبِيعُ فِهْرٍ . تُرِيدُ بَنِي مَالِكِ بْنِ النّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ . وَقَوْلُهَا : بِذِي رُبَدٍ . تُرِيدُ سَيْفًا ذَا طَرَائِقَ . وَالرّبَدُ الطّرَائِقُ . وَقَالَ صَخْرٌ الْغَيّ [ الْهُذَلِيّ ] :
وَصَارِمٌ أُخْلِصَتْ خَشِيبَتُهُ ... أَبْيَضُ مَهْوٌ فِي مَتْنِهِ رُبَدُ
وَقَوْلُ عَاتِكَةَ : تَبَنّكَ فِي بَاذِخٍ بَيْتُهُ . أَيْ تَبَنّكَ بَيْتُهُ فِي بَاذِخٍ مِنْ الشّرَفِ وَمَعْنَى تَبَنّكَ تَأَصّلَ مِنْ الْبُنْكِ وَهُوَ الْأَصْلُ . وَالْبُنْكُ أَيْضًا : ضَرْبٌ مِنْ الطّيبِ وَهُوَ أَيْضًا عُودُ السّوسِ [ شَجَرٌ يُغَمّى بِهِ الْبُيُوتُ وَيَدْخُلُ عَصِيرُهُ فِي الْأَدْوِيَةِ وَفِي عُرُوقِهِ حَلَاوَةٌ شَدِيدَةٌ وَفِي فُرُوعِهِ مَرَارَةٌ ] . وَقَوْلُهُ فَأَشَارَ إلَيْهِنّ بِرَأْسِهِ وَقَدْ أَصْمَتَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ هَكَذَا قَيّدَهُ الشّيْخُ عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ وَيُقَالُ صَمَتَ وَأَصْمَتَ وَسَكَتَ وَأَسْكَتَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ [ وَسَمَحَ وَأَسْمَحَ وَعَصَفَتْ الرّيحُ وَأَعْصَفَتْ وَطَلَعْت عَلَى الْقَوْمِ وَأَطْلَعْت . ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي أَدَبِ الْكَاتِبِ ] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ غَانِمٍ أَخُو بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ يَبْكِي عَبْدَ الْمُطّلِبِ بْنَ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَيَذْكُرُ فَضْلَهُ وَفَضْلَ قُصَيّ عَلَى قُرَيْشٍ ، وَفَضْلَ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ عَلَيْهِمْ وَذَلِك أَنّهُ أَخَذَ بِغُرْمِ أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ بِمَكّةَ ، فَوَقَفَ بِهَا فَمَرّ بِهِ أَبُو لَهَبٍ عَبْدُ الْعُزّى بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، فَافْتَكّهُ
أَعَيْنَيّ جُودَا بِالدّمُوعِ عَلَى الصّدْرِ ... وَلَا تَسْأَمَا ، أُسْقِيتُمَا سَبَلَ الْقَطْرِ
وَجُودَا بِدَمْعِ وَاسْفَحَا كُلّ شَارِقٍ ... بُكَاءَ امْرِئِ لَمْ يُشْوِهِ نَائِبُ الدّهْرِ
وَسُحّا ، وَجُمّا ، وَاسْجُمَا مَا بَقِيتُمَا ... عَلَى ذِي حَيَاءٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَذِي سِتْرِ
[ ص 306 ]
عَلَى رَجُلٍ جَلْدٍ الْقُوَى ، ذِي حَفِيظَةٍ ... جَمِيلِ الْمُحَيّا غَيْرِ نِكْسٍ وَلَا هَذْرِ
عَلَى الْمَاجِدِ الْبُهْلُولِ ذِي الْبَاعِ وَاللّهَى ... رَبِيعِ لُؤَيّ فِي الْقُحُوطِ وَفِي الْعُسْرِ
عَلَى خَيْرِ حَافٍ مِنْ مَعَدّ وَنَاعِلٍ ... كَرِيمِ الْمَسَاعِي ، طَيّبِ الْخَيْمِ وَالنّجْرِ
وَخَيْرِهُمُ أَصْلًا وَفَرْعًا وَمَعْدِنًا ... وَأَحْظَاهُمْ بِالْمَكْرُمَاتِ وَبِالذّكْرِ
وَأَوْلَاهُمْ بِالْمَجْدِ وَالْحِلْمِ وَالنّهَى ... وَبِالْفَضْلِ عِنْدَ الْمُجْحِفَاتِ مِنْ الْغُبْرِ
عَلَى شَيْبَةِ الْحَمْدِ الّذِي كَانَ وَجْهُهُ ... يُضِيءُ سَوَادَ اللّيْلِ كَالْقَمَرِ الْبَدْرِ
وَسَاقِي الْحَجِيجِ ثُمّ لِلْخُبْزِ هَاشِمٌ ... وَعَبْدُ مَنَافٍ ذَلِك السّيّدُ الْفِهْرِي
طَوَى زَمْرَ مَا عِنْدَ الْمَقَامِ فَأَصْبَحَتْ ... سِقَايَتُهُ فَخْرًا عَلَى كُلّ ذِي فَخْرِ
لِيَبْكِ عَلَيْهِ كُلّ عَانّ بِكُرْبَةِ ... وَآلِ قُصَيّ مِنْ مُقِلّ وَذِي وَفْرِ
بَنُوهُ سَرَاةٌ كَهْلُهُمْ وَشَبَابُهُمْ ... تُفَلّقُ عَنْهُمْ بَيْضَةُ الطّائِرِ الصّقْرِ
قُصَيّ الّذِي عَادَى كِنَانَةَ كُلّهَا ... وَرَابَطَ بَيْتَ اللّهِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ
فَإِنْ تَكُ غَالَتْهُ الْمَنَايَا وَصَرْفُهَا ... فَقَدْ عَاشَ مَيْمُونَ النّقِيبَةِ وَالْأَمْرِ
وَأَبْقَى رِجَالًا سَادَةً غَيْرَ عُزّلٍ ... مَصَالِيتَ أَمْثَالَ الرّدَيْنِيّةِ السّمْرِ
أَبُو عُتْبَةَ الْمُلْقِي إلَيّ حِبَاءَهُ ... أَغَرّ هِجَانِ اللّوْنِ مِنْ نَفَرٍ غُرّ
وَحَمْزَةُ مِثْلُ الْبَدْرِ يَهْتَزّ لِلنّدَى ... نَقِيّ الثّيَابِ وَالذّمَامِ مِنْ الْغَدْرِ
وَعَبْدُ مَنَافٍ مَاجِدٌ ذُو حَفِيظَةٍ ... وَصُولٌ لَذِي الْقُرْبَى رَحِيمٌ بِذِي الصّهْرِ
كُهُولُهُمْ خَيْرُ الْكُهُولِ وَنَسْلُهُمْ ... كَنَسْلِ الْمُلُوكِ لَا تَبُورُ وَلَا تَحْرِي
[ ص 307 ]
مَتَى مَا تُلَاقِي مِنْهُمْ الدّهْرَ نَاشِئًا ... تَجِدْهُ بِإِجْرِيّا أَوَائِلُهُ يَجْرِي
هُمْ مَلَئُوا الْبَطْحَاءَ مَجْدًا وَعِزّةً ... إذَا اسْتَبَقَ الْخَيْرَاتِ فِي سَالِفِ الْعَصْرِ
وَفِيهِمْ بُنَاةٌ لِلْعُلَا ، وَعِمَارَةٌ ... وَعَبْدُ مَنَافٍ جَدّهُمْ جَابِرُ الْكَسْرِ
بِإِنْكَاحِ عَوْفٍ بِنْتَه ، لِيُجِيرَنَا ... مِنْ أعدائنا إذْ أَسْلَمَتْنَا بَنُو فِهْرِ
فَسِرْنَا تِهَامِيّ الْبِلَادِ وَنَجْدَهَا ... بِأَمْنِهِ حَتّى خَاضَتْ الْعِيرُ فِي الْبَحْرِ
وَهُمْ حَضَرُوا وَالنّاسُ بَادٍ فَرِيقُهُمْ ... وَلَيْسَ بِهَا إلّا شُيُوخُ بَنِي عَمْرِو
بَنَوْهَا دِيَارًا جَمّةً وَطَوَوْا بِهَا ... بِئَارًا تَسِحّ الْمَاءَ مِنْ ثَبَجِ الْبَحْرِ
لَكَيْ يَشْرَبَ الْحُجّاجُ مِنْهَا ، وَغَيْرُهُمْ ... إذَا ابْتَدَرُوهَا صُبْحَ تَابِعَةِ النّحْرِ
ثَلَاثَةَ أَيّامٍ تُظِلّ رِكَابَهُمْ ... مُخَيّسَةً بَيْنَ الْأَخَاشِبِ وَالْحِجْرِ
[ ص 308 ]
وَقِدْمَا غَنِينَا قَبْلَ ذَلِكَ حِقْبَةً ... وَلَا نَسْتَقِي إلّا بِخُمّ أَوْ الْحَفْرِ
وَهُمْ يَغْفِرُونَ الذّنْبَ يُنْقَمُ دُونَهُ ... وَيَعْفُونَ عَنْ قَوْلِ السّفَاهَةِ وَالْهُجْرِ
وَهُمْ جَمَعُوا حِلْفَ الْأَحَابِيشِ كُلّهَا ... وَهُمْ نَكَلُوا عَنّا غُوَاةَ بَنِي بَكْرِ
فَخَارِجَ إمّا أَهْلِكَنّ فَلَا تَزَلْ ... لَهُمْ شَاكِرًا حَتّى تُغَيّبَ فِي الْقَبْرِ
وَلَا تَنْسَ مَا أَسْدَى ابْنُ لُبْنَى ؛ فَإِنّهُ ... قَدْ أسدى يَدًا مَحْقُوقَةً مِنْك بِالشّكْرِ
وَأَنْت ابْن لُبْنَى مِنْ قُصَيّ إذَا انْتَمَوْا ... بِحَيْثُ انْتَهَى قَصْدُ الْفُؤَادِ مِنْ الصّدْرِ
وَأَنْت تَنَاوَلْت الْعُلَا فَجَمَعْتهَا ... إلَى مَحْتِدٍ لِلْمَجْدِ ذِي ثَبَجٍ جَسْرِ
سَبَقْت ، وَفُتّ الْقَوْمُ بَذْلًا وَنَائِلًا ... وَسُدْت وَلِيدًا كُلّ ذِي سُؤْدُدٍ غَمْرِ
وَأُمّك سِرّ مِنْ خُزَاعَةَ جَوْهَرٌ ... إذَا حَصّلَ الْأَنْسَابَ يَوْمًا ذَوُو الْخُبْرِ
إلَى سَبَإِ الْأَبْطَالِ تُنْمَى ... وَتَنْتَمِي فَأَكْرِمْ بِهَا مَنْسُوبَةً فِي ذُرَا الزّهْرِ
[ ص 309 ]
أَبُو شِمْرٍ مِنْهُمْ وَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ ... وَذُو جَدَنٍ مِنْ قَوْمِهَا وَأَبُو الْجَبْرِ
وَأَسْعَدُ قَادَ النّاسَ عِشْرِينَ حَجّةً ... يُؤَيّدُ فِي تِلْكَ الْمَوَاطِنِ بِالنّصْرِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : " أُمّك سِرّ مِنْ خُزَاعَةَ " ، يَعْنِي : أَبَا لَهَبٍ أُمّهُ لُبْنَى بِنْتُ هَاجَرَ الْخُزَاعِيّ . وَقَوْلُهُ " بِإِجْرِيّا أَوَائِلُهُ " عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ .
Sأَبُو جَهْمٍ
[ ص 305 ] وَذَكَرَ شِعْرَ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمٍ الْعَدَوِيّ ، وَهُوَ وَالِدُ أَبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ وَاسْمُ أَبِي جَهْمٍ عُبَيْدٌ ، وَهُوَ الّذِي أَهْدَى الْخَمِيصَةَ لِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَنَظَرَ إلَى عَلَمِهَا . الْحَدِيثُ . وَقَدْ رُوِيَ أَيْضًا هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أُتِيَ بِخَمِيصَتَيْنِ فَأَعْطَى إحْدَاهُمَا أَبَا جَهْمٍ وَأَمْسَكَ الْأُخْرَى ، وَفِيهَا عَلَمٌ فَلَمّا نَظَرَ إلَى عَلَمِهَا فِي الصّلَاةِ أَرْسَلَهَا إلَى أَبِي جَهْمٍ وَأَخَذَ الْأُخْرَى بَدَلًا مِنْهَا ، هَكَذَا رَوَاهُ الزّبَيْرُ . وَأُمّ أَبِي جَهْمٍ يُسَيْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَذَاةَ بْنِ رِيَاحٍ ، وَابْنُ أَذَاةَ هُوَ خَالُ أَبِي قُحَافَةَ وَسَيَأْتِي نَسَبُ أُمّهِ وَقَدْ قِيلَ إنّ الشّعْرَ لَحُذَافَةَ بْنِ غَانِمٍ وَهُوَ أَخُو حُذَيْفَةَ وَالِدُ خَارِجَةَ بْنِ حُذَافَةَ وَلَهُ يَقُولُ فِيهِ أَخَارِجُ إنْ أَهْلِكْ . وَفِي الشّعْرِ غَيْرُ نِكْسٍ وَلَا هَذْرٍ . النّكْسُ مِنْ السّهَامِ الّذِي نُكّسَ فِي الْكِنَانَةِ لِيُمَيّزَهُ الرّامِي ، فَلَا يَأْخُذُهُ لِرَدَاءَتِهِ . وَقِيلَ الّذِي انْكَسَرَ أَعْلَاهُ فَنُكّسَ وَرُدّ أَعْلَاهُ أَسْفَلَهُ وَهُوَ غَيْرُ جَيّدٍ لِلرّمْيِ . [ ص 306 ] تَحْرِي . أَيْ لَا تَهْلِكُ وَلَا تُنْقَصُ وَيُقَالُ لِلْأَفْعَى : حَارِيَةٌ لِرِقّتِهَا وَفِي الْحَدِيثِ مَا زَالَ جِسْمُ أَبِي بَكْرٍ يَحْرِي حُزْنًا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَيْ يَنْقُصُ لَحْمُهُ حَتّى مَاتَ وَالْإِجْرِيّاءُ السّيرَةُ وَهِيَ إفْعِيلَاءُ مِنْ الْجَرْيِ وَلَيْسَ لَهَا نَظِيرٌ فِي الْأَبْنِيَةِ إلّا الْإِهْجِيرَا فِي مَعْنَى الْهِجّيرَى . وَفِيهَا قَوْلُهُ وَلَيْسَ بِهَا إلّا شُيُوخُ بَنِي عَمْرِو . يُرِيدُ بَنِي هَاشِمٍ ؛ لِأَنّ اسْمَهُ عَمْرٌو . وَفِيهَا : غَيْرُ عُزّلٍ وَهُوَ جَمْعُ أَعْزَلَ وَلَا يُجْمَعُ أَفْعَلُ عَلَى فُعّلٍ وَلَكِنْ جَاءَ هَكَذَا ؛ لِأَنّ الْأَعْزَلَ فِي مُقَابَلَةِ الرّامِحِ وَقَدْ يَحْمِلُونَ الصّفَةَ عَلَى ضِدّهَا ، كَمَا قَالُوا : عَدُوّةُ - بِتَاءِ التّأْنِيثِ - حَمْلًا عَلَى صَدِيقَةٍ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَجْرَاهُ مَجْرَى : حُسّرٍ جَمْعُ : حَاسِرٍ [ ص 307 ]
تَهَامٌ وَشَآمٌ
وَقَوْلُهُ فَسِرْنَا تِهَامِيّ الْبِلَادِ مُخَفّفًا مِثْلَ يَمَانِيَا ، وَالْأَصْلُ فِي يَمَانٍ يَمَنِيّ ، فَخَفّفُوا الْيَاءَ وَعَوّضُوا مِنْهَا أَلِفًا ، وَالْأَصْلُ فِي تَهَامِ : تِهَامِيّ بِكَسْرِ التّاءِ مِنْ تَهَامِيّ لِأَنّهُ مَنْسُوبٌ إلَى تِهَامَةَ وَلَكِنّهُمْ حَذَفُوا إحْدَى الْيَاءَيْنِ كَمَا فَعَلُوا فِي يَمَانٍ وَفَتَحُوا التّاءَ مِنْ تَهَامٍ لَمّا حَذَفُوا الْيَاءَ مِنْ آخِرِهِ لِتَكُونَ الْفَتْحَةُ فِيهِ كَالْعِوَضِ مِنْ الْيَاءِ كَمَا كَانَتْ الْأَلِفُ فِي يَمَانٍ وَكَذَلِكَ الْأَلِفُ فِي شَآمٍ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَأَلِفٍ بَعْدَهَا عِوَضًا مِنْ الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ فَإِنْ شَدّدْت الْيَاءَ مِنْ شَآمٍ قُلْت : شَأْمِيّ بِسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَتَذْهَبُ الْأَلِفُ الّتِي كَانَتْ عِوَضًا مِنْ الْبَاءِ لِرُجُوعِ الْيَاءِ الْمَحْذُوفَةِ وَلَا تَقُولُ فِي غَيْرِ النّسَبِ شَآمٌ بِالْفَتْحِ وَالْهَمْزِ وَلَا فِي النّسَبِ إذَا شَدّدْت الْيَاءَ شَأْمِيّ . وَسَأَلْت الْأُسْتَاذَ أَبَا الْقَاسِمِ بْنِ الرّمّاكِ - وَكَانَ إمَامًا فِي صَنْعَةِ الْعَرَبِيّةِ عَنْ الْبَيْتِ الّذِي أَمْلَاهُ أَبُو عَلِيّ فِي النّوَادِرِ وَهُوَ قَوْلُهُ
أَتَظْعَنُ عَنْ حَبِيبِك ثُمّ تَبْكِي ... عَلَيْهِ فَمَنْ دَعَاك إلَى الْفِرَاقِ
كَأَنّك لَمْ تَذُقْ لِلْبَيْنِ طَعْمًا ... فَتَعْلَمَ أَنّهُ مُرّ الْمَذَاقِ
أَقِمْ وَانْعَمْ بِطُولِ الْقُرْبِ مِنْهُ ... وَلَا تُظْعِنْ فَتُكْبَتَ بِاشْتِيَاقِ
فَمَا اعْتَاضَ الْمُفَارِقُ مِنْ حَبِيبٍ ... وَلَوْ يُعْطَى الشّآمَ مَعَ الْعِرَاقِ
فَقَالَ مُحَدّثٌ وَلَمْ يَرَهُ حُجّةً . وَكَذَلِكَ وَجَدْت فِي شِعْرِ حَبِيبٍ الشّآمُ بِالْفَتْحِ كَمَا فِي هَذَا الْبَيْتِ . وَلَيْسَ بِحُجّةِ أَيْضًا . [ ص 308 ] الشّآمُ لُغَةٌ فِي الشّأْمِ قَالَ الْمَجْنُونُ
وَخُبّرْت لَيْلَى بِالشّآمِ مَرِيضَةً ... فَأَقْبَلْت مِنْ مِصْرَ إلَيْهَا أَعُودُهَا
وَقَالَ آخَرُ
أَتَتْنَا قُرَيْشٌ قَضّهَا بِقَضِيضِهَا ... وَأَهْلُ الْحِجَازِ وَالشّآمِ تَقَصّفُ
وَقَوْلُهُ
حَذْفُ الْيَاءِ مِنْ هَاءِ الْكِنَايَةِ
حَذْفُ الْيَاءِ مِنْ هَاءِ الْكِنَايَةِ بِأَمِنِهِ حَتّى خَاضَتْ الْعِيرُ فِي الْبَحْرِ
ضَرُورَةٌ كَمَا أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : سَأَجْعَلُ عَيْنَيْهِ لِنَفْسِهِ مَقْنَعَا
فِي أَبْيَاتٍ كَثِيرَةٍ أَنْشَدَهَا سِيبَوَيْهِ ، وَهَذَا مَعَ حَذْفِ الْيَاءِ وَالْوَاوِ وَبَقَاءِ حَرَكَةِ الْهَاءِ فَإِنْ سُكّنَتْ الْهَاءُ بَعْدَ الْحَذْفِ فَهُوَ أَقَلّ فِي الِاسْتِعْمَالِ مِنْ نَحْوِ هَذَا ، وَأَنْشَدُوا : وَنِضْوَايَ مُشْتَاقَانِ لَهُ أَرِقَانِ
وَهَذَا الّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ فِي الْقِيَاسِ أَقْوَى ؛ لِأَنّهُ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْوَصْلِ عَلَى الْوَقْفِ نَحْوَ قَوْلِ الرّاجِزِ لَمّا رَأَى أَنْ لَا دَعَةَ وَلَا شِبَعْ
[ ص 309 ] { وَتَظُنّونَ بِاللّهِ الظّنُونَ } [ الْأَحْزَابُ 100 ] وَهَذَا الّذِي ذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ مِنْ الضّرُورَةِ فِي هَاءِ الْإِضْمَارِ إنّمَا هُوَ إذَا تَحَرّكَ مَا قَبْلَهَا نَحْوَ بِهِ وَلَهُ وَلَا يَكُونُ فِي هَاءِ الْمُؤَنّثِ الْبَتّةَ لِخَفّةِ الْأَلِفِ فَإِنْ سَكَنَ مَا قَبْلَ الْهَاءِ نَحْوَ فِيهِ وَبَنِيهِ كَانَ الْحَذْفُ أَحْسَنَ مِنْ الْإِثْبَاتِ فَإِنْ قُلْت فَقَدْ قَرَأَ عِيسَى بْنُ مِينَا : نُصْلِهِ وَيُؤَدّهِ وَأَرْجِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فِي اثْنَيْ عَشَرَ مَوْضِعًا بِحَذْفِ الْيَاءِ وَقِيلَ الْهَاءُ مُتَحَرّكٌ فَكَيْفَ حَسُنَ هَذَا ؟ قُلْنَا : إنّ مَا قَبْلَ الْهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ سَاكِنٌ وَهُوَ الْيَاءُ مِنْ نُصْلِيه وَيُؤَدّيه وَيُؤْتِيه ، وَلَكِنّهُ حُذِفَ لِلْجَازِمِ فَمَنْ نَظَرَ إلَى اللّفْظِ وَأَنّ مَا قَبْلَ الْهَاءِ مُتَحَرّكٌ أَثْبَتَ الْيَاءَ كَمَا أَثْبَتَهَا فِي : بِهِ وَلَهُ وَمَنْ نَظَرَ إلَى الْكَلِمَةِ قَبْلَ دُخُولِ الْجَازِمِ رَأَى مَا قَبْلَ الْهَاءِ سَاكِنًا ، فَحَذَفَ الْيَاءَ فَهُمَا وَجْهَانِ حَسَنَانِ بِخِلَافِ مَا تَقَدّمَ .
مِنْ شَرْحِ قَصِيدَةِ حُذَيْفَةَ
وَذُكِرَ فِي هَذَا الشّعْرِ وَأَسْعَدُ قَادَ النّاسَ . وَهُوَ أَسْعَدُ أَبُو حَسّانَ بْنِ أَسْعَدَ ، وَقَدْ تَقَدّمَ فِي التّبَابِعَةِ ، وَكَذَلِكَ أَبُو شِمْرٍ ، وَهُوَ شِمْرٌ الّذِي بَنَى سَمَرْقَنْدَ ، وَأَبُوهُ مَالِكٌ يُقَالُ لَهُ الْأُمْلُوكُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ أَبَا شِمْرٍ الْغَسّانِيّ وَالِدَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ . وَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ الّذِي ذُكِرَ أَحْسَبُهُ عَمْرًا ذَا الْأَذْعَارِ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي التّبَابِعَةِ ، وَهُوَ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ ، وَإِنّمَا جَعَلَهُمْ مَفْخَرًا لِأَبِي لَهَبٍ لِأَنّ أُمّهُ خُزَاعِيّةٌ مِنْ سَبَأٍ ، وَالتّبَابِعَةُ كُلّهُمْ مِنْ حِمْيَرَ بْنِ سَبَإِ وَقَدْ تَقَدّمَ الْخِلَافُ فِي خُزَاعَةَ . وَأَبُو جَبْرٍ الّذِي ذَكَرَهُ فِي هَذَا الشّعْرِ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ ذَكَرَ الْقُتَبِيّ أَنّ سُمَيّةَ أُمّ زِيَادٍ [ ص 310 ] كَانَتْ لِأَبِي جَبْرٍ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْيَمَنِ ، دَفَعَهَا إلَى الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ الْمُتَطَبّبُ فِي طِبّ طَبّهُ .
زَيْدٌ أَفْضَلُ إخْوَتِهِ
وَذَكَرَ وِلَايَةَ الْعَبّاسِ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - السّقَايَةَ وَقَالَ كَانَ مِنْ أَحْدَثِ إخْوَتِهِ سِنّا ، وَكَذَلِكَ قَالَ فِي صِفَةِ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - كَانَ مِنْ أَفْضَلِ قَوْمِهِ مُرُوءَةً وَهَذَا مِمّا مَنَعَهُ النّحْوِيّونَ أَنْ يُقَالَ زَيْدٌ أَفْضَلُ إخْوَتِهِ وَلَيْسَ بِمُمْتَنِعِ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ وَغَيْرِهِ وَحَسَنٌ لِأَنّ الْمَعْنَى : زَيْدٌ يَفْضُلُ إخْوَتَهُ أَوْ يَفْضُلُ قَوْمَهُ وَلِذَلِكَ سَاغَ فِيهِ التّنْكِيرُ وَإِنّمَا الّذِي يَمْتَنِعُ بِإِجْمَاعِ إضَافَةُ أَفْعَلَ إلَى التّثْنِيَةِ مِثْلُ أَنْ تَقُولَ هُوَ أَكْرَمُ أَخَوَيْهِ إلّا أَنْ تَقُولَ الْأَخَوَيْنِ بِغَيْرِ إضَافَةٍ .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [ ص 310 ] وَقَالَ مَطْرُودُ بْنُ كَعْبٍ الْخُزَاعِيّ يَبْكِي عَبْدَ الْمُطّلِبِ وَبَنِيّ عَبْدِ مَنَافٍ
يَا أَيّهَا الرّجُلُ الْمُحَوّلُ رَحْلُهُ ... هَلّا سَأَلْت عَنْ آلِ عَبْدِ مَنَافِ
هَبِلَتْك أُمّك ، لَوْ حَلَلْت بِدَارِهِمْ ... ضَمِنُوك مِنْ جُرْمٍ وَمِنْ إقْرَافِ
الْخَالِطِينَ غَنِيّهُمْ بِفَقِيرِهِمْ ... حَتّى يَعُودَ فَقِيرُهُمْ كَالْكَافِي
الْمُنْعِمِينَ إذَا النّجُومُ تَغَيّرَتْ ... وَالظّاعِنِينَ لِرِحْلَةِ الْإِيلَافِ
وَالْمُنْعِمِينَ إذَا الرّيَاحُ تَنَاوَحَتْ ... حَتّى تَغِيبَ الشّمْسُ فِي الرّجّافِ
إمّا هَلَكْت أَبَا الْفِعَالِ فَمَا جَرَى ... مِنْ فَوْقِ مِثْلِك عِقْدُ ذَاتِ نِطَافِ
إلّا أَبِيك أَخِي الْمَكَارِمِ وَحْدَهُ ... وَالْفَيْضِ مُطّلِبٍ أَبِي الْأَضْيَافِ
[ ص 312 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا هَلَكَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ بْنُ هَاشِمٍ وَلِيَ زَمْزَمَ وَالسّقَايَةَ عَلَيْهِمَا بَعْدَهُ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مِنْ أَحْدَثِ إخْوَتِهِ سِنّا ، فَلَمْ تَزَلْ إلَيْهِ حَتّى قَامَ الْإِسْلَامُ وَهِيَ بِيَدِهِ . فَأَقَرّهَا رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - لَهُ عَلَى مَا مَضَى مِنْ وِلَايَتِهِ فَهِيَ إلَى آلِ الْعَبّاسِ بِوِلَايَةِ الْعَبّاسِ إيّاهَا ، إلَى الْيَوْمِ .
Sمِنْ شَرْحِ شِعْرٍ مَطْرُودٍ
فَصْلٌ وَذُكِرَ فِي شِعْرٍ مَطْرُودٍ مَنَعُوك مِنْ جَوْرٍ وَمِنْ إقْرَافِ أَيْ مَنَعُوك مِنْ أَنْ تَنْكِحَ بَنَاتَك أَوْ أَخَوَاتِك مِنْ لَئِيمٍ فَيَكُونُ الِابْنُ مُقْرِفًا لِلُؤْمِ أَبِيهِ وَكَرَمِ أُمّهِ فَيَلْحَقَك وَصْمٌ مِنْ ذَلِك ، وَنَحْوٌ مِنْهُ قَوْلُ مُهَلْهَلٍ
أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا الْأَرَاقِمَ فِي ... جَنْبٍ وَكَانَ الْحِبَاءُ مِنْ أَدَمِ
أَيْ أُنْكِحَتْ لِغُرْبَتِهَا مِنْ غَيْرِ كُفْءٍ . قَالَ مَبْرَمَانُ أَنْشَدَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ دُرَيْدٍ وَكَانَ الْخِبَاءُ مِنْ أَدَمِ بِخَاءِ مُعْجَمَةِ الْأَعْلَى ، وَهُوَ خَطَأٌ وَتَصْحِيفٌ وَإِنّمَا هُوَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي تَصْحِيفَاتِ ابْنِ دُرَيْدٍ وَفِيهِ قَوْلُ الْمُفْجِعِ [ الْبَصْرِيّ ] رَدّا عَلَى ابْنِ دُرَيْدٍ
أَلَسْت قِدْمًا جَعَلْت تَعْتَرِقُ ... الطّرْفَ بِجَهْلِ مَكَانٍ تَغْتَرِقُ
وَقُلْت : كَانَ الْخِبَاءُ مِنْ أَدَمٍ ... وَهُوَ حِبَاءٌ يُهْدَى ، وَيُصْطَدَقُ
[ ص 311 ] نَزَلَ فِي جَنْبٍ وَهُوَ حَيّ وَضِيعٌ مِنْ مَذْحِجَ . فَخُطِبَتْ ابْنَتُهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ مَنْعَهَا ، فَزَوّجَهَا ، وَكَانَ نَقْدُهَا مِنْ أَدَمٍ فَأَنْشَدَ
أَنْكَحَهَا فَقْدُهَا الْأَرَاقِمَ فِي ... جَنْبٍ وَكَانَ الْحِبَاءُ مِنْ أَدَمِ
لَوْ بِأَبَانِينَ جَاءَ خَاطِبُهَا ... ضُرّجَ مَا أَنْفُ خَاطِبِ بِدَمِ
وَقَوْلُهُ حَتّى تَغِيبَ الشّمْسُ بِالرّجّافِ يَعْنِي : الْبَحْرَ . لِأَنّهُ يَرْجُفُ . وَمِنْ أَسْمَائِهِ أَيْضًا : خُضَارَةُ [ سُمّيَ بِذَلِك لِخُضْرَةِ مَائِهِ ] . وَالدّأْمَاءُ [ سُمّيَ بِذَلِكَ لِتَدَاؤُمِ أَمْوَاجِهِ أَيْ تَرَاكُمِهَا ، وَتَكَسّرِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ ] وَأَبُو خَالِدٍ . وَقَوْلُهُ عِقْدُ ذَاتِ نِطَافِ . النّطَفُ اللّؤْلُؤُ الصّافِي . وَوَصِيفَةٌ مُنَطّفَةٌ [ وَمُتَنَطّفَةٌ ] أَيْ مُقَرّطَةٌ بِتُومَتَيْنِ [ وَالتّومَةُ اللّؤْلُؤَةُ أَوْ حَبّةٌ تُعْمَلُ مِنْ الْفِضّةِ كَالدّرّةِ ] وَالنّطَفُ فِي غَيْرِ هَذَا : التّلَطّخُ بِالْعَيْبِ وَكِلَاهُمَا مِنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَا فِي الظّاهِرِ مُتَضَادّيْنِ فِي الْمَعْنَى ؛ لِأَنّ النّطْفَةَ هِيَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ وَقَدْ يَكُونُ الْكَثِيرَ وَكَأَنّ اللّؤْلُؤَ الصّافِيَ أُخِذَ مِنْ صَفَاءِ النّطْفَةِ . وَالنّطَفُ الّذِي هُوَ الْعَيْبُ أُخِذَ مِنْ نُطْفَةٍ الْإِنْسَانِ وَهِيَ مَاؤُهُ أَيْ كَأَنّهُ لُطّخَ بِهَا . وَقَوْلُهُ وَالْفَيْضِ مُطّلِبٍ أَبِي الْأَضْيَافِ . يُرِيدُ أَنّهُ كَانَ لِأَضْيَافِهِ كَالْأَبِ . وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِكُلّ جَوَادٍ أَبُو الْأَضْيَافِ . كَمَا قَالَ مُرّةُ بْنُ مَحْكَانَ [ السّعْدِيّ التّمِيمِيّ سَيّدُ بَنِي رَبِيعٍ ] :
أُدْعَى أَبَاهُمْ وَلَمْ أَقْرِفْ بِأُمّهِمْ ... وَقَدْ عَمِرْت . وَلَمْ أَعْرِفْ لَهُمْ نَسَبًا
كَفَالَةُ أَبِي طَالِبٍ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ [ ص 313 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بَعْدَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ مَعَ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ وَكَانَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - يُوصِي بِهِ عَمّهُ أَبَا طَالِبٍ وَذَلِكَ لِأَنّ عَبْدَ اللّهِ أَبَا رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَأَبَا طَالِبٍ أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمّ أُمّهُمَا : فَاطِمَةُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومِ [ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرّةَ ] . قَالَ ابْنُ هَاشِمٍ عَائِذُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ أَبُو طَالِبٍ هُوَ الّذِي يَلِي أَمْرَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعْدَ جَدّهِ فَكَانَ إلَيْهِ وَمَعَهُ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي يَحْيَى بْنُ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَيْرِ ، أَنّ أَبَاهُ حَدّثَهُ أَنّ رَجُلًا مِنْ لَهَبٍ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَلَهَبٌ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ - كَانَ عَائِفًا ، فَكَانَ إذَا قَدِمَ مَكّةَ أَتَاهُ رِجَالُ قُرَيْشٍ بِغِلْمَانِهِمْ يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَيَعْتَافُ لَهُمْ فِيهِمْ . قَالَ فَأَتَى بِهِ أَبُو طَالِبٍ وَهُوَ غُلَامٌ مَعَ مَنْ يَأْتِيهِ فَنَظَرَ إلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - ثُمّ شَغَلَهُ عَنْهُ شَيْءٌ فَلَمّا فَرَغَ قَالَ " الْغُلَامُ . عَلَيّ بِهِ " ، فَلَمّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ حِرْصَهُ عَلَيْهِ غَيّبَهُ عَنْهُ فَجَعَلَ يَقُولُ " وَيْلَكُمْ رُدّوا عَلَيّ الْغُلَامَ الّذِي رَأَيْت آنِفًا ، فَوَاَللّهِ لَيَكُونَنّ لَهُ شَأْنٌ " . قَالَ فَانْطَلَقَ أَبُو طَالِبٍ .
Sفِي كَفَالَةِ الْعَمّ
فَصْلٌ
وَذَكَرَ كَوْنَ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِي كَفَالَةِ عَمّهِ يَكْلَؤُهُ وَيَحْفَظُهُ . فَمِنْ حِفْظِ اللّهُ لَهُ فِي ذَلِكَ أَنّهُ كَانَ يَتِيمًا لَيْسَ لَهُ أَبٌ يَرْحَمُهُ وَلَا أُمّ تَرْأَمُهُ لِأَنّهَا مَاتَتْ وَهُوَ صَغِيرٌ وَكَانَ عِيَالُ أَبِي طَالِبٍ ضَفَفًا ، وَعَيْشُهُمْ شَظَفًا ، فَكَانَ يُوضَعُ الطّعَامُ لَهُ وَلِلصّبْيَةِ مِنْ أَوْلَادِ أَبِي طَالِبٍ فَيَتَطَاوَلُونَ إلَيْهِ وَيَتَقَاصَرُ هُوَ وَتَمْتَدّ أَيْدِيهِمْ وَتَنْقَبِضُ يَدُهُ تَكَرّمًا مِنْهُ وَاسْتِحْيَاءً وَنَزَاهَةَ نَفْسٍ وَقَنَاعَةَ قَلْبٍ فَيُصْبِحُونَ غُمْصًا رُمْصًا ، مُصْفَرّةً أَلْوَانُهُمْ وَيُصْبِحُ هُوَ - عَلَيْهِ السّلَامُ - صَقِيلًا دَهِينًا كَأَنّهُ فِي أَنْعَمِ عَيْشٍ وَأَعَزّ كِفَايَةٍ لُطْفًا مِنْ اللّهِ - عَزّ وَجَلّ - بِهِ . كَذَلِكَ ذَكَرَهُ الْقُتَبِيّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ .
اللّهَبِيّ الْعَائِفُ
فَصْلٌ وَذُكِرَ خَبَرُ اللّهَبِيّ الْعَائِفِ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَلَهَبُ حَيّ مِنْ الْأَزْدِ : وَقَالَ غَيْرُهُ وَهُوَ لَهَبُ بْنُ أَحْجَن بْنِ كَعْبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَزْدِ . وَهِيَ الْقَبِيلَةُ الّتِي تُعْرَفُ بِالْعِيَافَةِ وَالزّجْرِ . وَمِنْهُمْ اللّهَبِيّ الّذِي زَجَرَ حِينَ وَقَعَتْ [ ص 312 ] الْحَصَاةُ بِصَلْعَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - فَأَدْمَتْهُ وَذَلِك فِي الْحَجّ فَقَالَ أُشْعِرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ . وَاَللّهِ لَا يَحُجّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ فَكَانَ كَذَلِكَ وَاللّهَبُ شَقّ فِي الْجَبَلِ [ وَالْجَمْعُ أَلْهَابٌ وَلُهُوبٌ ] وَبَنُو ثُمَالَةَ رَهْطُ الْمُبَرّدِ الثّمَالِيّ هُمْ بَنُو أَسْلَمَ بْنِ أَحْجَن بْنِ كَعْب ٍ . وَثُمَالَةُ أُمّهُمْ . وَكَانَتْ الْعِيَافَةُ وَالزّجْرُ فِي لَهَبٍ قَالَ الشّاعِرُ
سَأَلْت أَخَا لَهَبٍ لِيَزْجُرَ زَجْرَةً ... وَقَدْ رُدّ زَجْرُ الْعَالَمِينَ إلَى لَهَبٍ
وَقَوْلُهُ لِيَعْتَافَ لَهُمْ وَهُوَ يَفْتَعِلُ مِنْ الْعَيْفِ . يُقَالُ عِفْت الطّيْرَ . وَاعْتَفْتُهَا عِيَافَةً وَاعْتِيَافًا : وَعِفْت الطّعَامَ أَعَافُهُ عَيْفًا . وَعَافَتْ الطّيْرُ الْمَاءَ عِيَافًا .
قِصّةُ بَحِيرَى
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ إنّ أَبَا طَالِبٍ خَرَجَ فِي رَكْبٍ تَاجِرًا إلَى الشّامِ ، فَلَمّا تَهَيّأَ لِلرّحِيلِ وَأَجْمَع الْمَسِيرَ صَبّ بِهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - فَرَقّ لَهُ وَقَالَ وَاَللّهِ [ ص 314 ] ، وَلَا يُفَارِقُنِي ، وَلَا أُفَارِقُهُ أَبَدًا ، أَوْ كَمَا قَالَ . فَخَرَجَ بِهِ مَعَهُ فَلَمّا نَزَلَ الرّكْبُ بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشّامِ ، وَبِهَا رَاهِبٌ يُقَالُ لَهُ بَحِيرَى فِي صَوْمَعَةٍ لَهُ وَكَانَ إلَيْهِ عِلْمُ أَهْلِ النّصْرَانِيّةِ ، وَلَمْ يَزَلْ فِي تِلْكَ الصّوْمَعَةِ مُنْذُ قَطّ رَاهِبٌ إلَيْهِ يَصِيرُ عِلْمُهُمْ عَنْ كِتَابٍ فِيهَا - فِيمَا يَزْعُمُونَ يَتَوَارَثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ . فَلَمّا نَزَلُوا ذَلِكَ الْعَامَ بِبَحِيرَى ، وَكَانُوا كَثِيرًا مَا يَمُرّونَ بِهِ قَبْلَ ذَلِك ، فَلَا يُكَلّمُهُمْ وَلَا يَعْرِضُ لَهُمْ حَتّى كَانَ ذَلِكَ الْعَامُ . فَلَمّا نَزَلُوا بِهِ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَتِهِ صَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا كَثِيرًا ، وَذَلِكَ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - عَنْ شَيْءٍ رَآهُ وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ يَزْعُمُونَ أَنّهُ رَأَى رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَهُوَ فِي صَوْمَعَتِهِ فِي الرّكْبِ حِينَ أَقْبَلُوا ، وَغَمَامَةٌ تُظِلّهُ مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ . قَالَ ثُمّ أَقْبَلُوا فَنَزَلُوا فِي ظِلّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْهُ فَنَظَرَ إلَى الْغَمَامَةِ حِينَ أَظَلّتْ الشّجَرَةَ ، وَتَهَصّرَتْ أَغْصَانُ الشّجَرَةِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حَتّى اسْتَظَلّ تَحْتَهَا ، فَلَمّا رَأَى ذَلِكَ بَحِيرَى نَزَلَ مِنْ صَوْمَعَتِهِ وَقَدْ أَمَرَ بِذَلِكَ الطّعَامِ فَصُنِعَ ثُمّ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ فَقَالَ إنّي قَدْ صَنَعْت لَكُمْ طَعَامًا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، فَأَنَا أُحِبّ أَنْ تَحْضُرُوا كُلّكُمْ صَغِيرُكُمْ وَكَبِيرُكُمْ عَبْدُكُمْ وَحُرّكُمْ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَاَللّهِ يَا بَحِيرَى إنّ لَك لَشَأْنًا الْيَوْمَ مَا كُنْت تَصْنَعُ هَذَا بِنَا ، وَقَدْ كُنّا نَمُرّ بِك كَثِيرًا ، فَمَا شَأْنُك الْيَوْمَ ؟ قَالَ لَهُ [ ص 315 ] بَحِيرَى : صَدَقْت ، قَدْ كَانَ مَا تَقُولُ وَلَكِنّكُمْ ضَيْفٌ وَقَدْ أَحْبَبْت أَنْ أُكْرِمَكُمْ وَأَصْنَعَ لَكُمْ طَعَامًا ، فَتَأْكُلُوا مِنْهُ كُلّكُمْ . فَاجْتَمَعُوا إلَيْهِ وَتَخَلّفَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مِنْ بَيْنِ الْقَوْمِ لِحَدَاثَةِ سِنّهِ فِي رِحَالِ الْقَوْمِ تَحْتَ الشّجَرَةِ ، فَلَمّا نَظَرَ بَحِيرَى فِي الْقَوْمِ لَمْ يَرَ الصّفَةَ الّتِي يَعْرِفُ وَيَجِدُ عِنْدَهُ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ : لَا يَتَخَلّفَنّ أَحَدٌ مِنْكُمْ عَنْ طَعَامِي ، قَالُوا لَهُ يَا بَحِيرَى ، مَا تَخَلّفَ عَنْك أَحَدٌ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْتِيَك إلّا غُلَامٌ وَهُوَ أَحْدَثُ الْقَوْمِ سِنّا ، فَتَخَلّفَ فِي رِحَالِهِمْ فَقَالَ لَا تَفْعَلُوا ، اُدْعُوهُ فَلْيَحْضُرْ هَذَا الطّعَامَ مَعَكُمْ قَالَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مَعَ الْقَوْمِ وَاَللّاتِي وَالْعُزّى ، إنْ كَانَ لَلُؤْمٌ بِنَا أَنْ يَتَخَلّفَ ابْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ عَنْ طَعَامٍ مِنْ بَيْنِنَا ، ثُمّ قَامَ إلَيْهِ فَاحْتَضَنَهُ وَأَجْلَسَهُ مَعَ الْقَوْمِ . فَلَمّا رَآهُ بَحِيرَى ، جَعَلَ يَلْحَظُهُ لَحْظًا شَدِيدًا ، وَيَنْظُرُ إلَى أَشْيَاءَ مِنْ جَسَدِهِ وَقَدْ كَانَ يَجِدُهَا عِنْدَهُ مِنْ صِفَتِهِ حَتّى إذَا فَرَغَ الْقَوْمُ مِنْ طَعَامِهِمْ وَتَفَرّقُوا ، قَامَ إلَيْهِ بَحِيرَى ، فَقَالَ يَا غُلَامُ أَسْأَلُك بِحَقّ اللّاتِي وَالْعُزّى إلّا مَا أَخْبَرْتنِي عَمّا أَسْأَلُك عَنْهُ وَإِنّمَا قَالَ لَهُ بَحِيرَى ذَلِكَ لِأَنّهُ سَمِعَ قَوْمَهُ يَحْلِفُونَ بِهِمَا ، فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ " لَا تَسْأَلْنِي بِاَللّاتِي وَالْعُزّى شَيْئًا ، فَوَاَللّهِ مَا أَبْغَضْت شَيْئًا قَطّ بُغْضَهُمَا " ، فَقَالَ لَهُ بَحِيرَى : فَبِاَللّهِ إلّا مَا أَخْبَرْتنِي عَمّا أَسْأَلُك عَنْهُ فَقَالَ لَهُ " سَلْنِي عَمّا بَدَا لَك " . فَجَعَلَ يَسْأَلُهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ حَالِهِ مِنْ نَوْمِهِ وَهَيْئَتِهِ وَأُمُورِهِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُخْبِرُهُ فَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا عِنْدَ بَحِيرَى مِنْ صِفَتِهِ ثُمّ نَظَرَ إلَى ظَهْرِهِ فَرَأَى خَاتَمَ النّبُوّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عَلَى مَوْضِعِهِ مِنْ صِفَتِهِ الّتِي عِنْدَهُ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَكَانَ مِثْلَ أَثَرِ الْمِحْجَمِ . [ ص 316 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا فَرَغَ أَقْبَلَ عَلَى عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ مَا هَذَا الْغُلَامُ مِنْك ؟ قَالَ ابْنِي . قَالَ لَهُ بَحِيرَى : مَا هُوَ بِابْنِك ، وَمَا يَنْبَغِي لِهَذَا الْغُلَامِ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَيّا ، قَالَ فَإِنّهُ ابْنُ أَخِي ، قَالَ فَمَا فَعَلَ أَبُوهُ ؟ قَالَ مَاتَ وَأُمّهُ حُبْلَى بِهِ قَالَ صَدَقْت ، فَارْجِعْ بِابْنِ أَخِيك إلَى بَلَدِهِ وَاحْذَرْ عَلَيْهِ يَهُودَ فَوَاَللّهِ لَئِنْ رَأَوْهُ وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا عَرَفْت لِيَبْغُنّهُ شَرّا ، فَإِنّهُ كَائِنٌ لَابْن أَخِيك هَذَا شَأْنٌ عَظِيمٌ فَأَسْرِعْ بِهِ إلَى بِلَادِهِ [ ص 317 ] فَخَرَجَ بِهِ عَمّهُ أَبُو طَالِبٍ سَرِيعًا ، حَتّى أَقْدَمَهُ مَكّةَ حِينَ فَرَغَ مِنْ تِجَارَتِهِ بِالشّامِ فَزَعَمُوا فِيمَا رَوَى النّاسُ أَنّ زُرَيْرًا وَتَمّامًا وَدَرِيسًا - وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ - قَدْ كَانُوا رَأَوْا مِنْ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مِثْلَ مَا رَآهُ بَحِيرَى فِي ذَلِكَ السّفَرِ الّذِي كَانَ فِيهِ مَعَ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ فَأَرَادُوهُ فَرَدّهُمْ عَنْهُ بَحِيرَى ، وَذَكّرَهُمْ اللّهَ وَمَا يَجِدُونَ فِي الْكِتَابِ مِنْ ذِكْرِهِ وَصِفَتِهِ وَأَنّهُمْ إنْ أَجْمَعُوا لِمَا أَرَادُوا بِهِ لَمْ يَخْلُصُوا إلَيْهِ وَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتّى عَرَفُوا مَا قَالَ لَهُمْ وَصَدّقُوهُ بِمَا قَالَ فَتَرَكُوهُ وَانْصَرَفُوا عَنْهُ . فَشَبّ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَاَللّهُ تَعَالَى يَكْلَؤُهُ وَيَحْفَظُهُ وَيَحُوطُهُ مِنْ أَقْذَارِ الْجَاهِلِيّةِ لِمَا يُرِيدُ بِهِ مِنْ كَرَامَتِهِ وَرِسَالَتِهِ حَتّى بَلَغَ أَنْ كَانَ رَجُلًا أَفْضَلَ قَوْمِهِ مُرُوءَةً وَأَحْسَنَهُمْ خُلُقًا ، وَأَكْرَمَهُمْ حَسَبًا ، وَأَحْسَنَهُمْ جِوَارًا ، وَأَعْظَمَهُمْ حِلْمًا ، وَأَصْدَقَهُمْ حَدِيثًا ، وَأَعْظَمَهُمْ أَمَانَةً وَأَبْعَدَهُمْ مِنْ الْفُحْشِ وَالْأَخْلَاقِ الّتِي تُدَنّسُ الرّجَالَ تَنَزّهًا وَتَكَرّمًا ، حَتّى مَا اسْمُهُ فِي قَوْمِهِ إلّا الْأَمِينُ لِمَا جَمَعَ اللّهُ فِيهِ مِنْ الْأُمُورِ الصّالِحَةِ . [ ص 318 ] وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِيمَا ذُكِرَ لِي - يُحَدّثُ عَمّا كَانَ اللّهُ يَحْفَظُهُ بِهِ فِي صِغَرِهِ وَأَمْرِ جَاهِلِيّتِهِ أَنّهُ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتنِي فِي غِلْمَانِ قُرَيْشٍ نَنْقُلُ حِجَارَةً لِبَعْضِ مَا يَلْعَبُ بِهِ الْغِلْمَانُ كُلّنَا قَدْ تَعَرّى ، وَأَخَذَ إزَارَهُ فَجَعَلَهُ عَلَى رَقَبَتِهِ يَحْمِلُ عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ فَإِنّي لَأُقْبِل مَعَهُمْ كَذَلِكَ وَأُدْبِرُ إذْ لَكَمَنِي لَاكِمٌ مَا أَرَاهُ لَكْمَةً وَجِيعَةً ثُمّ قَالَ شُدّ عَلَيْك إزَارَك . قَالَ فَأَخَذْته وَشَدَدْته عَلَيّ ثُمّ جَعَلْت أَحْمِلُ الْحِجَارَةَ عَلَى رَقَبَتِي وَإِزَارِي عَلَيّ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِي
Sقِصّةُ بَحِيرَى
[ ص 313 ] بَحِيرَى وَسَفَرِ أَبِي طَالِبٍ بِالنّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَقَعَ فِي سِيَرِ الزّهْرِيّ أَنّ [ ص 314 ] بَحِيرَى كَانَ حَبْرًا مِنْ يَهُودِ تَيْمَاءَ ، وَفِي الْمَسْعُودِيّ : أَنّهُ كَانَ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ وَاسْمُهُ سَرْجِسُ وَفِي الْمَعَارِفِ لَابْنِ قُتَيْبَةَ قَالَ سُمِعَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِقَلِيلِ هَاتِفٌ يَهْتِفُ أَلَا إنّ خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ ثَلَاثَةٌ بَحِيرَى ، وَرِبَابُ بْنُ الْبَرَاءِ الشّنّيّ وَالثّالِثُ الْمُنْتَظَرُ فَكَانَ الثّالِثُ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ الْقُتَبِيّ وَكَانَ قَبْرُ رِبَابٍ الشّنّيّ وَقَبْرُ وَلَدِهِ مِنْ بَعْدِهِ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَيْهَا طَشّ ، وَالطّشّ : الْمَطَرُ الضّعِيفُ . وَقَالَ فِيهِ فَصَبّ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بِعَمّهِ . الصّبَابَةُ رِقّةُ الشّوْقِ يُقَالُ صَبِبْت - بِكَسْرِ الْبَاءِ - أَصَبّ ، وَيُذْكَرُ عَنْ بَعْضِ السّلَفِ أَنّهُ قَرَأَ { أَصْبُ إِلَيْهِنّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ } [ يُوسُفُ 33 ] . وَفِي غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي بَحْرٍ ضَبَثَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَيْ لَزِمَهُ قَالَ الشّاعِرُ
كَأَنّ فُؤَادِي فِي يَدٍ ضَبَثَتْ بِهِ ... مُحَاذِرَةً أَنْ يَقْضِبَ الْحَبْلَ قَاضِبُهُ
فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إذْ ذَاكَ ابْنَ تِسْعِ سِنِينَ فِيمَا ذَكَرَ بَعْضُ مَنْ أَلّفَ فِي السّيَرِ وَقَالَ الطّبَرِيّ : ابْنَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً . [ ص 315 ] وَذُكِرَ فِيهِ خَاتَمُ النّبُوّةِ وَقَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ : كَانَ كَأَثَرِ الْمِحْجَمِ يَعْنِي : أَثَرَ الْمِحْجَمَةِ الْقَابِضَةِ عَلَى اللّحْمِ حَتّى يَكُونَ نَاتِئًا . وَفِي الْخَبَرِ أَنّهُ كَانَ حَوْلَهُ حِيلَانٌ فِيهَا شَعَرَاتٌ سُودٌ . وَفِي صِفَتِهِ أَيْضًا أَنّهُ كَانَ كَالتّفّاحَةِ وَكَزِرّ الْحَجَلَةِ وَفَسّرَهُ التّرْمِذِيّ تَفْسِيرًا وَهِمَ فِيهِ فَقَالَ زِرّ الْحَجَلَةِ يُقَالُ إنّهُ بُيّضَ لَهُ فَتَوَهّمَ الْحَجَلَةَ مِنْ الْقَبَجِ وَإِنّمَا هِيَ حَجَلَةُ السّرِيرِ ، وَاحِدَةُ الْحِجَالِ وَزِرّهَا الّذِي يَدْخُلُ فِي عُرْوَتِهَا - قَالَ عَلِيّ - رِضْوَانُ اللّهِ عَلَيْهِ - لِأَهْلِ الْعِرَاقِ : يَا أَشْبَاهَ الرّجَالِ وَلَا رِجَالُ وَيَا طَغَامَ الْأَحْلَامِ وَيَا عُقُولَ رَبّاتِ الْحِجَالِ . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ كَانَ كَبَيْضَةِ الْحَمَامَةِ وَفِي حَدِيثِ عَيّاذِ بْنِ عَبْدِ عَمْرٍو ، قَالَ رَأَيْت خَاتَمَ النّبُوّةِ وَكَانَ كَرُكْبَةِ الْعَنْزِ . ذَكَرَهُ النّمِرِيّ مُسْنَدًا فِي كِتَابِ الِاسْتِيعَابِ فَهَذِهِ خَمْسُ رِوَايَاتٍ فِي صِفَةِ الْخَاتَمِ [ ص 316 ] سَرْجِسَ قَالَ رَأَيْت خَاتَمَ النّبُوّةِ كَالْجُمْعِ يَعْنِي : كَالْمِحْجَمَةِ [ وَفِي الْآلَةِ الّتِي يَجْتَمِعُ بِهَا دَمُ الْحِجَامَةِ عِنْدَ الْمَصّ ] لَا كَجُمْعِ الْكَفّ وَمَعْنَاهُ كَمَعْنَى الْأَوّلِ أَيْ كَأَثَرِ الْجُمْعِ . وَقَدْ قِيلَ فِي الْجُمْعِ إنّهُ جُمْعُ الْكَفّ قَالَهُ الْقُتَبِيّ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَرِوَايَةٌ سَابِعَةٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ خَاتَمِ النّبُوّةِ فَقَالَ بِضْعَةٌ نَاشِزَةٌ هَكَذَا : وَوَضَعَ طَرَفَ السّبّابَةِ فِي مِفْصَلِ الْإِبْهَامِ أَوْ دُونَ الْمِفْصَلِ ذَكَرَهَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ ، وَفِي صِفَتِهِ أَيْضًا رِوَايَةٌ ثَامِنَةٌ وَهِيَ رِوَايَةُ مَنْ شَبّهَهُ بِالسّلْعَةِ وَذَلِكَ لِنُتُوّهِ وَقَدْ تَقَدّمَ حَدِيثٌ فِيهِ عَنْ أَبِي ذَرّ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - مَرْفُوعًا بَيَانُ وَضْعِ الْخَاتَمِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مَتَى كَانَ وَرَوَى التّرْمِذِيّ فِي مُصَنّفِهِ قَالَ حَدّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ أَبُو الْعَبّاسِ الْأَعْرَجُ الْبَغْدَادِيّ ، حَدّثَنَا عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ غَزْوَانَ أَبُو نُوحٍ أَخْبَرَنَا يُونُسُ عَنْ أَبِي إسْحَاقَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي مُوسَى ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجَ أَبُو طَالِبٍ إلَى الشّامِ ، وَخَرَجَ مَعَهُ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِي أَشْيَاخٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَلَمّا أَشْرَفُوا عَلَى الرّاهِبِ هَبَطُوا ، فَحَلّوا رِحَالَهُمْ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ الرّاهِبُ وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَمُرّونَ بِهِ فَلَا يَخْرُجُ إلَيْهِمْ وَلَا يَلْتَفِتُ فَجَعَلَ يَتَخَلّلُهُمْ الرّاهِبُ وَهُمْ يَحِلّونَ رِحَالَهُمْ حَتّى جَاءَ فَأَخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَقَالَ هَذَا سَيّدُ الْعَالَمِينَ هَذَا رَسُولُ رَبّ الْعَالَمِينَ يَبْعَثُهُ اللّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . فَقَالَ لَهُ أَشْيَاخٌ مِنْ قُرَيْشٍ : مَا عِلْمُك ؟ . فَقَالَ إنّكُمْ حِينَ أَشْرَفْتُمْ مِنْ الْعَقَبَةِ لَمْ يَبْقَ حَجَرٌ وَلَا شَجَرٌ إلّا خَرّ سَاجِدًا : وَلَا يَسْجُدَانِ إلّا لِنَبِيّ وَإِنّي أَعْرِفُهُ بِخَاتَمِ النّبُوّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ . وَيُقَالُ غُرْضُوفٌ مِثْلُ التّفّاحَةِ . ثُمّ رَجَعَ فَصَنَعَ لَهُمْ طَعَامًا ، فَلَمّا أَتَاهُمْ بِهِ - وَكَانَ هُوَ فِي رَعِيّةِ الْإِبِلِ - قَالَ أَرْسِلُوا إلَيْهِ . فَأَقْبَلَ وَعَلَيْهِ غَمَامَةٌ تُظِلّهُ فَلَمّا دَنَا مِنْ الْقَوْمِ وَجَدَهُمْ قَدْ سَبَقُوهُ إلَى فَيْءِ الشّجَرَةِ ، فَلَمّا جَلَسَ مَالَ فَيْءُ الشّجَرَةِ عَلَيْهِ فَقَالَ اُنْظُرُوا إلَى فَيْءِ الشّجَرَةِ مَالَ عَلَيْهِ قَالَ فَبَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ [ ص 317 ] الرّومِ ، فَإِنّ الرّومَ إنْ رَأَوْهُ عَرَفُوهُ بِالصّفَةِ فَيَقْتُلُونَهُ فَالْتَفَتَ فَإِذَا سَبْعَةٌ قَدْ أَقْبَلُوا مِنْ الرّومِ ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ فَقَالَ مَا جَاءَ بِكُمْ فَقَالُوا : جِئْنَا أَنّ هَذَا النّبِيّ خَارِجٌ فِي هَذَا الشّهْرِ فَلَمْ يَبْقَ طَرِيقٌ إلّا بُعِثَ إلَيْهِ بِأُنَاسِ وَإِنّا قَدْ اخْتَرْنَا خِيرَةَ بَعْثِنَا إلَى طَرِيقِك هَذَا ، فَقَالَ هَلْ خَلْفَكُمْ أَحَدٌ هُوَ خَيْرٌ مِنْكُمْ فَقَالُوا : إنّمَا اخْتَرْنَا خِيرَةً لِطَرِيقِك هَذَا ، قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ أَمْرًا أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَقْضِيَهُ هَلْ يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ النّاسِ رَدّهُ ؟ قَالُوا : لَا ، قَالَ فَبَايَعُوهُ وَأَقَامُوا مَعَهُ . قَالَ أَنْشُدُكُمْ بِاَللّهِ أَيّكُمْ وَلِيّهُ ؟ قَالُوا : أَبُو طَالِبٍ فَلَمْ يَزَلْ يُنَاشِدُهُ حَتّى رَدّهُ أَبُو طَالِبٍ وَبَعَثَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ بَلَالًا - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا - وَزَوّدَهُ الرّاهِبُ مِنْ الْكَعْكِ وَالزّيْتِ قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَمِمّا قَالَهُ أَبُو طَالِبٍ فِي هَذِهِ الْقِصّةِ
أَلَمْ تَرَنِي مِنْ بَعْدِ هَمّ هَمَمْته ... بِفُرْقَةِ حُرّ الْوَالِدَيْنِ كِرَامِ
بِأَحْمَدَ لَمّا أَنْ شَدَدْت مَطِيّتِي ... لِتَرْحَلَ إذْ وَدّعْته بِسَلَامِ
بَكَى حُزْنًا وَالْعِيسُ قَدْ فَصَلَتْ بِنَا ... وَأَمْسَكْت بِالْكَفّيْنِ فَضْلَ زِمَامِ
ذَكَرْت أَبَاهُ ثُمّ رَقْرَقَتْ عَبْرَةٌ ... تَجُودُ مِنْ الْعَيْنَيْنِ ذَاتُ سِجَامِ
فَقُلْت : تَرُوحُ رَاشِدًا فِي عُمُومَةٍ ... مُوَاسِينَ فِي الْبَأْسَاءِ غَيْرِ لِئَامِ
فَرُحْنَا مَعَ الْعِيرِ الّتِي رَاحَ أَهْلُهَا ... شَآمِيّ الْهَوَى ، وَالْأَصْلُ غَيْرُ شَآمِي
فَلَمّا هَبَطْنَا أَرْضَ بُصْرَى تَشَرّفُوا ... لَنَا فَوْقَ دُورٍ يَنْظُرُونَ جِسَامِ
فَجَاءَ بَحِيرَى عِنْدَ ذَلِكَ حَاشِدًا ... لَنَا بِشَرَابِ طَيّبٍ وَطَعَامٍ
فَقَالَ اجْمَعُوا أَصْحَابَكُمْ لِطَعَامِنَا ... فَقُلْنَا : جَمَعْنَا الْقَوْمَ غَيْرَ غُلَامٍ
ذَ كَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْهُ وَذَكَرَ بَاقِيَ الشّعْرِ . حَفِظَهُ فِي الصّغَرِ فَصْلٌ وَذَكَرَ مَا كَانَ اللّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَحْفَظُهُ بِهِ أَنّهُ كَانَ صَغِيرًا يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَتَعَرّى فَلَكَمَهُ لَاكِمٌ . الْحَدِيثُ . وَهَذِهِ الْقِصّةُ إنّمَا وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ الصّحِيحِ فِي حِينِ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ ، وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - يَنْقُلُ الْحِجَارَةَ مَعَ قَوْمِهِ إلَيْهَا ، وَكَانُوا يَجْعَلُونَ أُزُرَهُمْ عَلَى عَوَاتِقِهِمْ لِتَقِيهِمْ الْحِجَارَةَ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - يَحْمِلُهَا عَلَى عَاتِقِهِ وَإِزَارُهُ مَشْدُودٌ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْعَبّاسُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَا ابْنَ أَخِي لَوْ جَعَلْت إزَارَك عَلَى عَاتِقِك ، فَفَعَلَ فَسَقَطَ مَغْشِيّا عَلَيْهِ ثُمّ قَالَ إزَارِي إزَارِي فَشُدّ عَلَيْهِ إزَارُهُ وَقَامَ يَحْمِلُ الْحِجَارَةَ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنّهُ لَمّا سَقَطَ ضَمّهُ الْعَبّاسُ إلَى نَفْسِهِ وَسَأَلَهُ عَنْ شَأْنِهِ فَأَخْبَرَهُ أَنّهُ نُودِيَ مِنْ السّمَاءِ أَنْ اُشْدُدْ عَلَيْك إزَارَك يَا مُحَمّدُ قَالَ وَإِنّهُ لَأَوّلُ مَا نُودِيَ وَحَدِيثُ ابْنِ إسْحَاقَ ، إنْ صَحّ أَنّهُ كَانَ ذَلِكَ فِي صِغَرِهِ إذْ كَانَ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَمَحْمَلُهُ عَلَى أَنّ هَذَا الْأَمْرَ كَانَ مَرّتَيْنِ مَرّةً فِي حَالِ صِغَرِهِ وَمَرّةً فِي أَوّلِ اكْتِهَالِهِ عِنْدَ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ .
حَرْبُ الْفِجَارِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : فَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً [ ص 319 ] أَبُو عُبَيْدَةَ النّحْوِيّ ، عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ - هَاجَتْ حَرْبُ الْفِجَارِ بَيْنَ قُرَيْشٍ ، وَمَنْ مَعَهَا مِنْ كِنَانَةَ وَبَيْنَ قَيْسِ عَيْلَانَ . وَكَانَ الّذِي هَاجَهَا أَنّ عُرْوَةَ الرّحّال َ بْنَ عُتْبَةَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ ، أَجَارَ لَطِيمَةً لِلنّعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَقَالَ لَهُ الْبَرّاضُ بْنُ قَيْسٍ ، أَحَدُ بَنِي ضَمْرَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ بْنِ كِنَانَةَ أَتُجِيرُهَا عَلَى كِنَانَةَ ؟ قَالَ نَعَمْ وَعَلَى الْخَلْقِ فَخَرَجَ فِيهَا عُرْوَةُ بن الرّحّالُ ، وَخَرَجَ الْبَرّاضُ يَطْلُبُ غَفْلَتَهُ حَتّى إذَا كَانَ بِتَيْمِنَ ذِي طَلّالٍ بِالْعَالِيَةِ غَفَلَ عُرْوَةُ فَوَثَبَ عَلَيْهِ الْبَرّاضُ فَقَتَلَهُ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ فَلِذَلِكَ سُمّيَ الْفِجَارَ . وَقَالَ الْبَرّاضُ فِي ذَلِكَ
وَدَاهِيَةٌ تُهِمّ النّاسَ قَبْلِي ... شَدَدْت لَهَا - بَنِي بَكْرٍ - ضُلُوعِي
هَدَمْت بِهَا بُيُوتَ بَنِي كِلَابٍ ... وَأَرْضَعْت الْمَوَالِيَ بِالضّرُوعِ
رَفَعْت لَهُ بِذِي طَلّالَ كَفّي ... فَخَرّ يَمِيدُ كَالْجِذْعِ الصّرِيعِ
[ ص 320 ] وَقَالَ لَبِيدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ
أَبْلِغْ - إنْ عَرَضْت - بَنِي كِلَابٍ ... وَعَامِرَ وَالْخُطُوبَ لَهَا مَوَالِي
وَبَلّغْ إنْ عَرَضْت بَنِي نُمَيْرٍ ... وَأَخْوَالَ الْقَتِيلِ بَنِي هِلَالِ
بِأَنّ الْوَافِدَ الرّحّالَ أَمْسَى ... مُقِيمًا عِنْدَ تَيْمِنَ ذِي طَلَالَا
وَهَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِي أَبْيَاتٍ لَهُ فِيمَا ذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : فَأَتَى آتٍ قُرَيْشًا ، فَقَالَ إنّ الْبَرّاضَ قَدْ قَتَلَ عُرْوَةَ ، وَهُمْ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ بِعِكَاظِ فَارْتَحَلُوا ، وَهَوَازِنُ لَا تَشْعُرُ ثُمّ بَلَغَهُمْ الْخَبَرُ فَأَتْبَعُوهُمْ فَأَدْرَكُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلُوا الْحَرَمَ ، فَاقْتَتَلُوا حَتّى جَاءَ اللّيْلُ وَدَخَلُوا الْحَرَمَ ، فَأَمْسَكَتْ عَنْهُمْ هَوَازِنُ ، ثُمّ الْتَقَوْا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ أَيّامًا ، وَالْقَوْمُ [ ص 321 ] قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ رَئِيسٌ مِنْهُمْ وَعَلَى كُلّ قَبِيلٍ مِنْ قَيْسٍ رَئِيسٌ مِنْهُمْ . وَشَهِدَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بَعْضَ أَيّامِهِمْ أَخْرَجَهُ أَعْمَامُهُ مَعَهُمْ وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - كُنْت أُنَبّلُ عَلَى أَعْمَامِي أَيْ أَرُدّ عَنْهُمْ نَبْلَ عَدُوّهِمْ إذَا رَمَوْهُمْ بِهَا . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : هَاجَتْ حَرْبُ الْفِجَارِ وَرَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً وَإِنّمَا سُمّيَ يَوْمُ الْفِجَارِ بِمَا اسْتَحَلّ هَذَانِ الْحَيّانِ كِنَانَةُ وَقَيْسُ عَيْلَانَ فِيهِ الْمَحَارِمَ بَيْنَهُمْ . وَكَانَ قَائِدُ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ حَرْبُ بْنُ أُمَيّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، وَكَانَ الظّفَرُ فِي أَوّلِ النّهَارِ لِقَيْسِ عَلَى كِنَانَةَ حَتّى إذَا كَانَ فِي وَسَطِ النّهَارِ كَانَ الظّفَرُ لِكِنَانَةَ عَلَى قَيْسٍ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَحَدِيثُ الْفِجَارِ أَطْوَلُ مِمّا ذَكَرْت ، وَإِنّمَا مَنَعَنِي مِنْ اسْتِقْصَائِهِ قَطْعُهُ حَدِيثَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
Sقِصّةُ الْفِجَارِ
وَالْفِجَارُ بِكَسْرِ الْفَاءِ بِمَعْنَى : الْمُفَاجَرَةِ كَالْقِتَالِ وَالْمُقَاتَلَةِ وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ قِتَالًا فِي الشّهْرِ [ ص 319 ] فَسُمّيَ الْفِجَارَ وَكَانَتْ لِلْعَرَبِ فِجَارَاتٌ أَرْبَعٌ ذَكَرَهَا الْمَسْعُودِيّ ، آخِرُهَا : فِجَارُ الْبِرَاضِ الْمَذْكُورُ فِي السّيرَةِ وَكَانَ لَكِنَانَةَ وَلِقَيْسِ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَيّامٍ مَذْكُورَةٌ يَوْمُ شَمْطَةَ وَيَوْمُ الشّرْبِ وَهُوَ أَعْظَمُهَا يَوْمًا ، وَفِيهِ قَيّدَ حَرْبُ بْنُ أُمَيّةَ وَسُفْيَانُ وَأَبُو سُفْيَانَ أَبْنَاءُ أُمَيّةَ أَنْفُسَهُمْ كَيْ لَا يَفِرّوا ، فَسُمّوا : الْعَنَابِسَ وَيَوْمُ الْحُرَيْرَةِ عِنْدَ نَخْلَةَ ، وَيَوْمُ الشّرِبِ انْهَزَمَتْ قَيْسٌ إلّا بَنِي نَضْرٍ مِنْهُمْ فَإِنّهُمْ ثَبَتُوا ، وَإِنّمَا لَمْ يُقَاتِلْ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مَعَ أَعْمَامِهِ وَكَانَ يَنْبُلُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ كَانَ بَلَغَ سِنّ الْقِتَالِ لِأَنّهَا كَانَتْ حَرْبَ فِجَارٍ وَكَانُوا أَيْضًا كُلّهُمْ كُفّارًا ، وَلَمْ يَأْذَنْ اللّهُ تَعَالَى لِمُؤْمِنِ أَنْ يُقَاتِلَ إلّا لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا . وَاللّطِيمَةُ عِيرٌ تَحْمِلُ الْبَزّ وَالْعِطْرَ . وَقَوْلُهُ بِذِي طَلّالٍ بِتَشْدِيدِ اللّامِ وَإِنّمَا خَفّفَهُ لَبِيدٌ فِي الشّعْرِ الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ هَاهُنَا لِلضّرُورَةِ .
مَنْعُ تَنْوِينِ الْعَلَمِ
وَقَوْلُ الْبَرّاضِ رَفَعْت لَهُ بِذِي طَلّالَ كَفّي . فَلَمْ يَصْرِفْهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جَعَلَهُ اسْمَ بُقْعَةٍ فَتَرَكَ إجْرَاءَ الِاسْمِ لِلتّأْنِيثِ وَالتّعْرِيفِ فَإِنْ قُلْت : كَانَ يَجِبُ أَنْ يَقُولَ بِذَاتِ طَلّالَ ، أَيْ ذَاتِ هَذَا الِاسْمِ لِلْمُؤَنّثِ كَمَا قَالُوا : ذُو عَمْرٍو أَيْ صَاحِبُ هَذَا الِاسْمِ وَلَوْ كَانَتْ [ ص 320 ] أُنْثَى ، لَقَالُوا : ذَاتُ هَذَا ، فَالْجَوَابُ أَنّ قَوْلَهُ بِذِي يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَصْفًا لِطَرِيقِ أَوْ جَانِبٍ مُضَافٍ إلَى طَلّالَ اسْمِ الْبُقْعَةِ . وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلّهِ أَنْ يَكُونَ طَلّالُ اسْمًا مُذّكّرًا عَلَمًا ، وَالِاسْمُ الْعَلَمُ يَجُوزُ تَرْكُ صَرْفِهِ فِي الشّعْرِ كَثِيرًا ، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابُ مِنْ الشّوَاهِدِ عَلَيْهِ مَا يَدُلّك عَلَى كَثْرَتِهِ فِي الْكَلَامِ وَنُؤَخّرُ الْقَوْلَ فِي كَشْفِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِيضَاحِهَا إلَى أَنْ تَأْتِيَ تِلْكَ الشّوَاهِدُ - إنْ شَاءَ اللّهُ - وَوَقَعَ فِي شِعْرِ الْبَرّاضِ مُشَدّدًا ، وَفِي شِعْرِ لَبِيَدٍ الّذِي بَعْدَ هَذَا مُخَفّفًا ، وَقُلْنَا : إنّ لَبِيدًا خَفّفَهُ لِلضّرُورَةِ وَلَمْ يَقُلْ إنّهُ شُدّدَ لِلضّرُورَةِ وَإِنّ الْأَصْلَ فِيهِ التّخْفِيفُ لِأَنّهُ فَعّالٌ مِنْ الطّلّ كَأَنّهُ مَوْضِعٌ يَكْثُرُ فِيهِ الطّلّ ، فَطَلَالُ بِالتّخْفِيفِ لَا مَعْنَى لَهُ وَأَيْضًا ؛ فَإِنّا وَجَدْنَاهُ فِي الْكَلَامِ الْمَنْثُورِ مُشَدّدًا ، وَكَذَلِكَ تُقَيّدُ فِي كَلَامِ ابْنِ إسْحَاقَ هَذَا فِي أَصْلِ الشّيْخِ أَبِي بَحْرٍ .
مِنْ تَفْسِيرِ شِعْرِ الْبَرّاضِ
وَقَوْلُهُ فِي الْبَيْتِ الثّانِي : وَأَلْحَقْت الْمَوَالِيَ بِالضّرُوعِ . جَمْعُ : ضَرْعٍ هُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَئِيمٌ رَاضِعٌ أَيْ أَلْحَقَتْ الْمَوَالِيَ بِمَنْزِلَتِهِمْ مِنْ اللّؤْمِ وَرَضَاعِ الضّرُوعِ وَأَظْهَرْت فَسَالَتَهُمْ وَهَتَكْت بُيُوتَ أَشْرَافِ بَنِي كِلَابٍ وَصُرَحَائِهِمْ . وَقَوْلُ لَبِيَدٍ بَيْنَ تَيْمِنَ ذِي طَلَالٍ . بِكَسْرِ الْمِيمِ وَبِفَتْحِهَا ، وَلَمْ يَصْرِفْهُ لِوَزْنِ الْفِعْلِ وَالتّعْرِيفِ لِأَنّهُ تَفْعِلُ أَوْ تَفْعَلُ مِنْ الْيُمْنِ أَوْ الْيَمِينِ .
آخِرُ أَمْرِ الْفِجَارِ
[ ص 321 ] وَكَانَ آخِرُ أَمْرِ الْفِجَارِ أَنّ هَوَازِنَ وَكِنَانَةَ تَوَاعَدُوا لِلْعَامِ الْقَابِلِ بِعِكَاظِ فَجَاءُوا لِلْوَعْدِ وَكَانَ حَرْبُ بْنُ أُمَيّةَ رَئِيسَ قُرَيْشٍ وَكِنَانَةَ وَكَانَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ يَتِيمًا فِي حِجْرِهِ فَضَنّ بِهِ حَرْبٌ وَأَشْفَقَ مِنْ خُرُوجِهِ مَعَهُ فَخَرَجَ عُتْبَةُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَمْ يَشْعُرُوا إلّا وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ بَيْنَ الصّفّيْنِ يُنَادِي : يَا مَعْشَرَ مُضَرَ ، عَلَامَ تُقَاتِلُونَ ؟ فَقَالَتْ لَهُ هَوَازِنُ : مَا تَدْعُو إلَيْهِ ؟ فَقَالَ الصّلْحُ عَلَى أَنْ نَدْفَعَ إلَيْكُمْ دِيَةَ قَتْلَاكُمْ وَنَعْفُوَ عَنْ دِمَائِنَا ، قَالُوا : وَكَيْفَ ؟ قَالَ نَدْفَعُ إلَيْكُمْ رَهْنًا مِنّا ، قَالُوا : وَمَنْ لَنَا بِهَذَا ؟ قَالَ أَنَا . قَالُوا : وَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ ، فَرَضُوا وَرَضِيَتْ كِنَانَةُ وَدَفَعُوا إلَى هَوَازِنَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا : فِيهِمْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ [ بْنِ خُوَيْلِدٍ ] ، فَلَمّا رَأَتْ بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ الرّهْنَ فِي أَيْدِيهمْ عَفَوْا عَنْ الدّمَاءِ وَأَطْلَقُوهُمْ وَانْقَضَتْ حَرْبُ الْفِجَارِ وَكَانَ يُقَالُ لَمْ يَسُدْ مِنْ قُرَيْشٍ مُمْلِقٌ إلّا عُتْبَةُ وَأَبُو طَالِبٍ فَإِنّهُمَا سَادَا بِغَيْرِ مَالٍ .
حَدِيثُ تَزْوِيجِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : [ ص 322 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً تَزَوّجَ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ ، فِيمَا حَدّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَنْ أَبِي عَمْرٍو الْمَدَنِيّ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ امْرَأَةً تَاجِرَةً ذَاتُ شَرَفٍ وَمَالٍ تَسْتَأْجِرُ الرّجَالَ فِي مَالِهَا ، وَتُضَارِبُهُمْ إيّاهُ بِشَيْءِ تَجْعَلُهُ لَهُمْ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَوْمًا تُجّارًا ، فَلَمّا بَلَغَهَا عَنْ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مَا بَلَغَهَا ، مِنْ صِدْقِ حَدِيثِهِ وَعِظَمِ أَمَانَتِهِ وَكَرَمِ أَخْلَاقِهِ بَعَثَتْ إلَيْهِ فَعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فِي مَالٍ لَهَا إلَى الشّامِ تَاجِرًا ، وَتُعْطِيهِ أَفْضَلَ مَا كَانَتْ تُعْطِي غَيْرَهُ مِنْ التّجّارِ مَعَ غُلَامٍ لَهَا يُقَالُ لَهُ مَيْسَرَةُ فَقَبِلَهُ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مِنْهَا ، وَخَرَجَ فِي مَالِهَا ذَلِكَ وَخَرَجَ مَعَهُ غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ حَتّى قَدِمَ الشّامَ . فَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِي ظِلّ شَجَرَةٍ قَرِيبًا مِنْ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ مِنْ الرّهْبَانِ فَاطّلَعَ الرّاهِبُ إلَى مَيْسَرَةَ فَقَالَ لَهُ مَنْ هَذَا الرّجُلُ الّذِي نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشّجَرَةِ ؟ قَالَ لَهُ مَيْسَرَةُ هَذَا رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ ، فَقَالَ لَهُ الرّاهِبُ مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشّجَرَةِ قَطّ إلّا نَبِيّ . [ ص 323 ] بَاعَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - سِلْعَتَهُ الّتِي خَرَجَ بِهَا ، وَاشْتَرَى مَا أَرَادَ أَنّ يَشْتَرِيَ ثُمّ أَقْبَلَ قَافِلًا إلَى مَكّةَ ، وَمَعَهُ مَيْسَرَةُ فَكَانَ مَيْسَرَةُ - فِيمَا يَزْعُمُونَ - إذَا كَانَتْ الْهَاجِرَةُ وَاشْتَدّ الْحَرّ ، يَرَى مَلَكَيْنِ يُظِلّانِهِ مِنْ الشّمْسِ - وَهُوَ يَسِيرُ عَلَى بَعِيرِهِ فَلَمّا قَدِمَ مَكّةَ عَلَى خَدِيجَةَ بِمَالِهَا ، بَاعَتْ مَا جَاءَ بِهِ فَأَضْعَفَ أَوْ قَرِيبًا . وَحَدّثَهَا مَيْسَرَةُ عَنْ قَوْلِ الرّاهِبِ وَعَمّا كَانَ يَرَى مِنْ إظْلَالِ الْمَلَكَيْنِ إيّاهُ وَكَانَتْ خَدِيجَةُ امْرَأَةً حَازِمَةً شَرِيفَةً لَبِيبَةً مَعَ مَا أَرَادَ اللّهُ بِهَا مِنْ كَرَامَتِهِ فَلَمّا أَخْبَرَهَا مَيْسَرَةُ بِمَا أَخْبَرَهَا بِهِ بَعَثَتْ إلَى رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَقَالَتْ لَهُ - فِيمَا يَزْعُمُونَ يَا بْنَ عَمّ إنّي قَدْ رَغِبْت فِيك لِقَرَابَتِك ، وَسِطَتِك فِي قَوْمِك وَأَمَانَتِك ، وَحُسْنِ خُلُقِك ، وَصِدْقِ حَدِيثِك ، ثُمّ عَرَضَتْ عَلَيْهِ نَفْسَهَا ، وَكَانَتْ خَدِيجَةُ يَوْمئِذٍ أَوْسَطَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ نَسَبًا ، وَأَعْظَمَهُنّ شَرَفًا ، وَأَكْثَرَهُنّ مَالًا ، كُلّ قَوْمِهَا كَانَ حَرِيصًا عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا لَوْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ . [ ص 324 ] وَهِيَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى بْنِ قُصَيّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ . وَأُمّهَا : فَاطِمَةُ بِنْتُ زَائِدَةَ بْنِ الْأَصَمّ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ حَجَرِ بْنِ عَبْدِ بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ . وَأُمّ فَاطِمَةَ هَالَةُ بِنْتُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ . وَأُمّ هَالَةَ قِلَابَةُ بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ . فَلَمّا قَالَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَعْمَامِهِ فَخَرَجَ مَعَهُ عَمّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ - رَحِمَهُ اللّهُ - حَتّى دَخَلَ عَلَى خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ فَخَطَبَهَا إلَيْهِ فَتَزَوّجَهَا . [ ص 325 ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَأَصْدَقَهَا رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - عِشْرِينَ بَكْرَةً وَكَانَتْ أَوّلَ امْرَأَةٍ تَزَوّجَهَا رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَلَمْ يَتَزَوّجْ عَلَيْهَا غَيْرَهَا حَتّى مَاتَتْ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا .
Sفَصْلٌ فِي تَزْوِيجِهِ عَلَيْهِ السّلَامُ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا
شَرْحُ قَوْلِ الرّاهِبِ [ ص 322 ] ذُكِرَ فِيهِ قَوْلُ الرّاهِبِ مَا نَزَلَ تَحْتَ هَذِهِ الشّجَرَةِ إلّا نَبِيّ . يُرِيدُ مَا نَزَلَ تَحْتَهَا هَذِهِ [ ص 323 ] نَزَلَ تَحْتَهَا قَطّ إلّا نَبِيّ . لِبُعْدِ الْعَهْدِ بِالْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظِ الْخَبَرِ : قَطّ ، فَقَدْ تَكَلّمَ بِهَا عَلَى جِهَةِ التّوْكِيدِ لِلنّفْيِ وَالشّجَرَةُ لَا تُعَمّرُ فِي الْعَادَةِ هَذَا الْعُمْرَ الطّوِيلَ حَتّى يَدْرِيَ أَنّهُ لَمْ يَنْزِلْ تَحْتَهَا إلّا عِيسَى ، أَوْ غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السّلَامُ - وَيَبْعُدُ فِي الْعَادَةِ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ شَجَرَةٌ تَخْلُو مِنْ أَنْ يَنْزِلَ تَحْتَهَا أَحَدٌ ، حَتّى يَجِيءَ نَبِيّ إلّا أَنْ تَصِحّ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَنْزِلْ تَحْتَهَا أَحَدٌ بَعْدَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ - عَلَيْهِ السّلَامُ - وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ ، فَالشّجَرَةُ عَلَى هَذَا مَخْصُوصَةٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا الرّاهِبُ ذَكَرُوا أَنّ اسْمَهُ نَسْطُورًا وَلَيْسَ هُوَ بَحِيرَى الْمُتَقَدّمُ ذِكْرُهُ . تَحْقِيقُ مَعْنَى الْوَسَطِ وَقَوْلُ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا : لِسِطَتِك فِي عَشِيرَتِك ، وَقَوْلُهُ فِي وَصْفِهَا : هِيَ أَوْسَطُ قُرَيْشٍ نَسَبًا . فَالسّطَةُ مِنْ الْوَسَطِ مَصْدَرٌ كَالْعِدَةِ وَالزّنَةِ وَالْوَسَطُ مِنْ أَوْصَافِ الْمَدْحِ وَالتّفْضِيلِ وَلَكِنْ فِي مَقَامَيْنِ فِي ذِكْرِ النّسَبِ وَفِي ذِكْرِ الشّهَادَةِ . أَمّا النّسَبُ فَلِأَنّ أَوْسَطَ الْقَبِيلَةِ أَعْرَفُهَا ، وَأَوْلَاهَا بِالصّمِيمِ وَأَبْعَدُهَا عَنْ الْأَطْرَافِ وَالْوَسِيطِ وَأَجْدَرُ أَنْ لَا تُضَافَ إلَيْهِ الدّعْوَةُ لِأَنّ الْآبَاءَ وَالْأُمّهَاتِ قَدْ أَحَاطُوا بِهِ مِنْ كُلّ جَانِبٍ فَكَانَ الْوَسَطُ مِنْ أَجَلّ هَذَا مَدْحًا فِي النّسَبِ بِهَذَا السّبَبِ وَأَمّا الشّهَادَةُ فَنَحْوَ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ قَالَ أَوْسَطُهُمْ وَقَوْلِهِ { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمّةً وَسَطًا } { لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النّاسِ } [ الْبَقَرَةُ 143 ] فَكَانَ هَذَا مَدْحًا فِي الشّهَادَةِ لِأَنّهَا غَايَةُ الْعَدَالَةِ فِي الشّاهِدِ أَنْ يَكُونَ وَسَطًا كَالْمِيزَانِ لَا يَمِيلُ مَعَ أَحَدٍ ، بَلْ [ ص 324 ] رَهْبَةٌ مِنْ هَاهُنَا ، وَلَا مِنْ هَاهُنَا ، فَكَانَ وَصْفُهُ بِالْوَسَطِ غَايَةً فِي التّزْكِيَةِ وَالتّعْدِيلِ وَظَنّ كَثِيرٌ مِنْ النّاسِ أَنّ مَعْنَى الْأَوْسَطِ الْأَفْضَلُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَقَالُوا : مَعْنَى الصّلَاةِ الْوُسْطَى : الْفُضْلَى ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ فِي جَمِيعِ الْأَوْصَافِ لَا مَدْحٌ وَلَا ذَمّ ، كَمَا يَقْتَضِي لَفْظُ التّوَسّطِ فَإِذَا كَانَ وَسَطًا فِي السّمَنِ فَهِيَ بَيْنَ الْمُمِخّةِ وَالْعَجْفَاءِ . وَالْوَسَطُ فِي الْجَمَالِ بَيْنَ الْحَسْنَاءِ وَالشّوْهَاءِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ لَا يُعْطِي مَدْحًا ، وَلَا ذَمّا ، غَيْرَ أَنّهُمْ قَدْ قَالُوا فِي الْمَثَلِ أَثْقَلُ مِنْ مُغِنّ وَسَطٍ عَلَى الذّمّ لِأَنّ الْمُغْنِي إنْ كَانَ مَجِيدًا جِدّا أَمْتَعَ وَأَطْرَبَ وَإِنْ كَانَ بَارِدًا جِدّا أَضْحَكَ وَأَلْهَى ، وَذَلِكَ أَيْضًا مِمّا يُمَتّعُ . قَالَ الْجَاحِظُ : وَإِنّمَا الْكَرْبُ الّذِي يَجْثُمُ عَلَى الْقُلُوبِ وَيَأْخُذُ بِالْأَنْفَاسِ الْغِنَاءُ الْفَاتِرُ الْوَسَطُ الّذِي لَا يُمَتّعُ بِحُسْنِ وَلَا يُضْحِكُ بِلَهْوِ وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِي رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - هُوَ أَوْسَطُ النّاسِ . أَيْ أَفْضَلُهُمْ وَلَا يُوصَفُ بِأَنّهُ وَسَطٌ فِي الْعِلْمِ وَلَا فِي الْجُودِ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ إلّا فِي النّسَبِ وَالشّهَادَةِ كَمَا تَقَدّمَ وَالْحَمْدُ لِلّهِ وَاَللّهُ الْمَحْمُودُ . مَنْ الّذِي زَوّجَ خَدِيجَةَ ؟
فَصْلٌ
وَذَكَرَ مَشْيَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - إلَى خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ مَعَ عَمّهِ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - وَذَكَرَ غَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ أَنّ خُوَيْلِدًا كَانَ إذْ ذَاكَ قَدْ أُهْلِكَ وَأَنّ الّذِي أَنْكَحَ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا - هُوَ عَمّهَا عَمْرُو بْنُ أَسَدٍ ، قَالَهُ الْمُبَرّدُ وَطَائِفَةٌ مَعَهُ وَقَالَ أَيْضًا : إنّ أَبَا طَالِبٍ هُوَ الّذِي نَهَضَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَهُوَ الّذِي خَطَبَ خُطْبَةَ النّكَاحِ وَكَانَ مِمّا قَالَهُ فِي تِلْكَ الْخُطْبَةِ " أَمّا بَعْدُ فَإِنّ مُحَمّدًا مِمّنْ لَا يُوَازَنُ بِهِ فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ إلّا رَجَحَ بِهِ شَرَفًا وَنُبْلًا وَفَضْلًا وَعَقْلًا ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَالِ قُلّ ، فَإِنّمَا ظِلّ زَائِلٌ وَعَارِيَةٌ مُسْتَرْجَعَةٌ وَلَهُ فِي [ ص 325 ] خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَغْبَةٌ وَلَهَا فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ " فَقَالَ عَمْرٌو : هُوَ الْفَحْلُ الّذِي لَا يُقْدَعُ أَنْفُهُ فَأَنْكَحَهَا مِنْهُ وَيُقَالُ قَالَهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ ، وَاَلّذِي قَالَهُ الْمُبَرّدُ هُوَ الصّحِيحُ لِمَا رَوَاهُ الطّبَرِيّ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ، وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ كُلّهِمْ - قَالَ إنّ عَمْرَو بْنَ أَسَدٍ هُوَ الّذِي أَنْكَحَ خَدِيجَةَ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَأَنّ خُوَيْلِدًا كَانَ قَدْ هَلَكَ قَبْلَ الْفِجَارِ وَخُوَيْلِدُ بْنُ أَسَدٍ هُوَ الّذِي نَازَعَ تُبّعًا الْآخَرَ حِينَ حَجّ وَأَرَادَ أَنْ يَحْتَمِلَ الرّكْنَ الْأَسْوَدَ مَعَهُ إلَى الْيَمَنِ ، فَقَامَ فِي ذَلِكَ خُوَيْلِدٌ وَقَامَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ ثُمّ إنّ تُبّعًا رُوّعَ فِي مَنَامِهِ تَرْوِيعًا شَدِيدًا حَتّى تَرَكَ ذَلِكَ وَانْصَرَفَ عَنْهُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ
وَذَكَرَ الزّهْرِيّ فِي سِيَرِهِ وَهِيَ أَوّلُ سِيرَةٍ أُلّفَتْ فِي الْإِسْلَامِ كَذَا رُوِيَ عَنْ [ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عُبَيْدٍ ] الدّرَاوَرْدِيّ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ لِشَرِيكِهِ الّذِي كَانَ يَتّجِرُ مَعَهُ فِي مَالِ خَدِيجَةَ هَلُمّ فَلْنَتَحَدّثْ عِنْدَ خَدِيجَةَ وَكَانَتْ تُكْرِمُهُمَا وَتُتْحِفُهُمَا ، فَلَمّا قَامَا مِنْ عِنْدِهَا جَاءَتْ امْرَأَةٌ مُسْتَنْشِئَةٌ - وَهِيَ الْكَاهِنَةُ - كَذَا قَالَ الْخَطّابِيّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَتْ لَهُ جِئْت خَاطِبًا يَا مُحَمّدُ فَقَالَ كَلّا ، فَقَالَتْ وَلِمَ ؟ فَوَاَللّهِ مَا فِي قُرَيْشٍ امْرَأَةٌ وَإِنْ كَانَتْ خَدِيجَةَ إلّا تَرَاك كُفْئًا لَهَا ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - خَاطِبًا لِخَدِيجَةَ مُسْتَحْيِيًا مِنْهَا ، وَكَانَ خُوَيْلِدٌ أَبُوهَا سَكْرَانَ مِنْ الْخَمْرِ فَلَمّا كُلّمَ فِي ذَلِكَ أَنْكَحَهَا ، فَأَلْقَتْ عَلَيْهِ خَدِيجَةُ حُلّةً وَضَمّخَتْهُ بِخَلُوقِ فَلَمّا صَحَا مِنْ سُكْرِهِ قَالَ مَا هَذِهِ الْحُلّةُ وَالطّيبُ ؟ فَقِيلَ إنّك أَنْكَحْت مُحَمّدًا خَدِيجَةَ وَقَدْ ابْتَنَى بِهَا ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ ثُمّ رَضِيَهُ وَأَمْضَاهُ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنّ أَبَاهَا كَانَ حَيّا ، وَأَنّهُ الّذِي أَنْكَحَهَا . كَمَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ . وَقَالَ رَاجِزٌ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ فِي ذَلِكَ
لَا تَزْهَدِي خَدِيجَ فِي مُحَمّدِ ... نَجْمٌ يُضِيءُ كَإِضَاءِ الْفَرْقَدِ
وَقِيلَ إنّ عَمْرَو بْنَ خُوَيْلِدٍ أَخَاهَا هُوَ الّذِي أَنْكَحَهَا مِنْهُ ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي آخِرِ الْكِتَابِ .
أَوْلَادُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [ ص 326 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَدَهُ كُلّهُمْ إلّا إبْرَاهِيمَ الْقَاسِمَ وَبِهِ كَانَ يُكَنّى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالطّاهِرَ وَالطّيّبَ وَزَيْنَبَ وَرُقَيّةَ وَأُمّ كُلْثُومٍ ، وَفَاطِمَةَ عَلَيْهِمْ السّلَامُ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : أَكْبَرُ بَنِيهِ الْقَاسِمُ ثُمّ الطّيّبُ ثُمّ الطّاهِرُ وَأَكْبَرُ بَنَاتِهِ رُقَيّةُ ثُمّ زَيْنَبُ ثُمّ أُمّ كُلْثُومٍ ، ثُمّ فَاطِمَةُ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَأَمّا الْقَاسِمُ وَالطّيّبُ وَالطّاهِرُ فَهَلَكُوا فِي الْجَاهِلِيّةِ . وَأَمّا بَنَاتُهُ فَكُلّهُنّ أَدْرَكْنَ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمْنَ وَهَاجَرْنَ مَعَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . [ ص 327 ]
Sأَوْلَادُهُ مِنْ خَدِيجَةَ
[ ص 326 ] وَذَكَرَ وَلَدَهُ مِنْهَا - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَذَكَرَ الْبَنَاتِ وَذَكَرَ الْقَاسِمَ وَالطّاهِرَ وَالطّيّبَ وَذَكَرَ أَنّ الْبَنِينَ هَلَكُوا فِي الْجَاهِلِيّةِ وَقَالَ الزّبَيْرُ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهَذَا الشّأْنِ - وَلَدَتْ لَهُ الْقَاسِمَ وَعَبْدَ اللّهِ وَهُوَ الطّاهِرُ وَهُوَ الطّيّبُ سُمّيَ بِالطّاهِرِ وَالطّيّبِ لِأَنّهُ وُلِدَ بَعْدَ النّبُوّةِ وَاسْمُهُ الّذِي سُمّيَ بِهِ أَوّلَ هُوَ عَبْدُ اللّهِ وَبَلَغَ الْقَاسِمُ الْمَشْيَ غَيْرَ أَنّ رَضَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ كَمُلَتْ [ ص 327 ] وَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْفِرْيَابِيّ أَنّ خَدِيجَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بَعْدَ مَوْتِ الْقَاسِمِ وَهِيَ تَبْكِي : فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ دَرّتْ لُبَيْنَةُ الْقَاسِمِ فَلَوْ كَانَ عَاشَ حَتّى يَسْتَكْمِلَ رَضَاعَهُ لَهَوّنَ عَلَيّ فَقَالَ إنّ لَهُ مُرْضِعًا فِي الْجَنّةِ تَسْتَكْمِلُ رَضَاعَتَهُ فَقَالَتْ لَوْ أَعْلَمُ ذَلِكَ لَهَوّنَ عَلَيّ فَقَالَ إنْ شِئْت أَسَمِعْتُك صَوْتَهُ فِي الْجَنّةِ . فَقَالَتْ بَلْ أُصَدّقُ اللّهَ وَرَسُولَهُ . قَوْلُهَا ، لُبَيْنَةُ هِيَ تَصْغِيرٌ لَبَنَةٍ وَهِيَ قِطْعَةٌ مِنْ اللّبَنِ كَالْعُسَيْلَةِ تَصْغِيرُ عَسَلَةٍ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ اللّبَنَةَ وَالْعَسَلَةَ وَالشّهْدَةَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى . قَالَ الْمُؤَلّفُ وَهَذَا مِنْ فِقْهِهَا - رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا - كَرِهَتْ أَنْ تُؤْمِنَ بِهَذَا الْأَمْرِ مُعَايَنَةً فَلَا يَكُونُ لَهَا أَجْرُ التّصْدِيقِ وَالْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ وَإِنّمَا أَثْنَى اللّهُ تَعَالَى عَلَى الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلّ أَيْضًا عَلَى أَنّ الْقَاسِمَ لَمْ يَهْلِكْ فِي الْجَاهِلِيّةِ . وَاخْتَلَفُوا فِي الصّغْرَى وَالْكُبْرَى مِنْ الْبَنَاتِ غَيْرَ أَنّ أُمّ كُلْثُومٍ لَمْ تَكُنْ الْكُبْرَى مِنْ الْبَنَاتِ وَلَا فَاطِمَةَ وَالْأَصَحّ فِي فَاطِمَةَ أَنّهَا أَصْغَرُ مِنْ أُمّ كُلْثُومٍ . خَدِيجَةُ وَبَحِيرَى وَنَسَبُهَا : وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ تُسَمّى : الطّاهِرَةَ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَالْإِسْلَامِ وَفِي سِيَرِ التّيْمِيّ . أَنّهَا كَانَتْ تُسَمّى : سَيّدَةَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ ، وَأَنّ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حِينَ أَخْبَرَهَا عَنْ جِبْرِيلَ وَلَمْ تَكُنْ سَمِعَتْ بِاسْمِهِ قَطّ ، رَكِبَتْ إلَى بَحِيرَى الرّاهِبِ ، وَاسْمُهُ سَرْجِسُ فِيمَا ذَكَرَ الْمَسْعُودِيّ ، فَسَأَلَتْهُ عَنْ جِبْرِيلَ فَقَالَ قُدّوسٌ قُدّوسٌ يَا سَيّدَةَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ أَنّى لَك بِهَذَا الِاسْمِ ؟ فَقَالَتْ بَعْلِي وَابْنُ عَمّي مُحَمّدٌ أَخْبَرَنِي أَنّهُ يَأْتِيه ، فَقَالَ قُدّوسٌ قُدّوسٌ مَا عَلِمَ بِهِ إلّا نَبِيّ مُقَرّبٌ فَإِنّهُ السّفِيرُ بَيْنَ اللّهِ وَبَيْنَ أَنْبِيَائِهِ وَإِنّ الشّيْطَانَ لَا يَجْتَرِئُ أَنْ يَتَمَثّلَ بِهِ وَلَا أَنْ يَتَسَمّى بِاسْمِهِ وَكَانَ بِمَكّةَ غُلَامٌ لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَة َ سَيَأْتِي ذِكْرُهُ اسْمُهُ عَدّاسٌ عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنْ الْكِتَابِ فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ تَسْأَلُهُ عَنْ جِبْرِيلَ فَقَالَ قُدّوسٌ قُدّوسٌ أَنّى لِهَذِهِ الْبِلَادِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا جِبْرِيلُ يَا سَيّدَةَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ ، فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا يَقُولُ النّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَقَالَ عَدّاسٌ مِثْلَ مَقَالَةِ الرّاهِبِ فَكَانَ مِمّا زَادَهَا اللّهُ تَعَالَى بِهِ إيمَانًا وَيَقِينًا . وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ نَسَبَ أُمّهَا فَاطِمَةَ بِنْتِ زَائِدَةَ بْنِ الْأَصَمّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ الْأَصَمّ ، وَذَكَرَهُ الزّبَيْرُ وَغَيْرُهُ فَقَالَ جُنْدُبُ بْنُ هِدْمِ بْنِ حَجَرٍ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْجِيمِ مِنْ حَجَرٍ كَذَا قَيّدَهُ الدّارَقُطْنِيّ ، وَأَخُوهُ حُجَيْرُ بْنُ عَبْدِ بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرٍ وَأَمّا حَجْرٌ بِسُكُونِ الْجِيمِ فَفِي حَيّ ذِي رُعَيْنٍ وَإِلَيْهِ يُنْسَبُ الْحَجْرِيّونَ وَأَمّا حِجْرُ بِكَسْرِ الْحَاءِ فَفِي بَنِي الدّيّانِ عَبْدُ الْحِجْرِ بْنُ عَبْدِ الْمَدَانِ وَهُمْ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَذْحِجَ ، وَذَكَرَ يُونُسُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ نَسَبَ أُمّ خَدِيجَةَ كَمَا ذَكَرَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ ، وَزَادَ فَقَالَ [ ص 328 ] كَانَتْ أُمّ فَاطِمَةَ بِنْتُ زَائِدَةَ هَالَةُ بِنْتُ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ بْنِ مُنْقِذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيّ ، وَأُمّهَا قِلَابَةُ وَهِيَ الْعَرْقَةُ بِنْتُ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ وَأُمّهَا : أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ . مَنْ تَزَوّجَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ الرّسُولِ ؟ : وَكَانَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - عِنْدَ أَبِي هَالَةَ وَهُوَ هِنْدُ بْنُ زُرَارَةَ وَقَدْ قِيلَ فِي اسْمِهِ زُرَارَةُ وَهِنْدٌ : ابْنُهُ بْنُ النّبّاشِ مِنْ بَنِي عَدِيّ بْنِ جَرْوَةَ بْنِ أُسَيّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ فَهُوَ أُسَيْدِيّ بِالتّخْفِيفِ مَنْسُوب إلَى أُسَيّدٍ بِالتّشْدِيدِ كَذَا قَالَ سِيبَوَيْهِ فِي النّسَبِ إلَى أُسَيّدٍ . وَعَدِيّ بْنُ جَرْوَةَ يُقَالُ إنّ الزّبَيْرَ صَحّفَهُ وَإِنّمَا هُوَ عِذْيُ بْنُ جَرْوَةَ وَكَانَتْ قَبْلَ أَبِي هَالَةَ عِنْدَ عَتِيقِ بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَخْزُومٍ وَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ مَنَافِ بْنِ عَتِيقٍ كَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَقَالَ الزّبَيْرُ وَلَدَتْ لِعَتِيقِ جَارِيَةً اسْمُهَا : هِنْدٌ وَوَلَدَتْ لِهِنْدِ أَبِي هَالَةَ ابْنًا اسْمُهُ هِنْدٌ أَيْضًا ، مَاتَ بِالطّاعُونِ طَاعُونِ الْبَصْرَةِ ، وَكَانَ قَدْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ نَحْوٌ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا ، فَشُغِلَ النّاسُ بِجَنَائِزِهِمْ عَنْ جِنَازَتِهِ فَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَحْمِلُهَا ، فَصَاحَتْ نَادِبَتُهُ وَاهِنْدُ بْنَ هِنْدَاهُ وَارَبِيبَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَلَمْ تَبْقَ جِنَازَةٌ إلّا تُرِكَتْ وَاحْتُمِلَتْ جِنَازَتُهُ عَلَى أَطْرَافِ الْأَصَابِعِ إعْظَامًا لِرَبِيبِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - ذَكَرَهُ الدّولَابِيّ وَلِخَدِيجَةَ مِنْ أَبِي هَالَةَ ابْنَانِ غَيْرَ هَذَا ، اسْمُ أَحَدِهِمَا : الطّاهِرُ وَاسْمُ الْآخَرِ هَالَةُ . وَاخْتُلِفَ فِي سِنّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حِينَ تَزَوّجَ خَدِيجَةَ فَقِيلَ مَا قَالَهُ ابْنُ إسْحَاقَ ، وَقِيلَ كَانَ ابْنَ ثَلَاثِينَ سَنَةً وَقِيلَ ابْنَ إحْدَى وَعِشْرِينَ سَنَةً .
[ ص 328 ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَأَمّا إبْرَاهِيمُ فَأُمّهُ مَارِيَةُ الْقِبْطِيّةُ . حَدّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ لَهِيعَةَ قَالَ أُمّ إبْرَاهِيمَ : مَارِيَةُ سُرّيّةُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الّتِي أَهْدَاهَا إلَيْهِ الْمُقَوْقِسُ مِنْ جَفْنٍ مِنْ كُورَةِ أَنْصِنَا .Sمَارِيَةُ وَإِبْرَاهِيمُ
فَصْلٌ
[ ص 329 ] [ ص 330 ] وَذَكَرَ أَنّ خَدِيجَةَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا - وَلَدَتْ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَدَهُ كُلّهُمْ إلّا إبْرَاهِيمَ ، فَإِنّهُ مِنْ مَارِيَةَ الّتِي أَهْدَاهَا إلَيْهِ الْمُقَوْقِسُ ، وَقَدْ تَقَدّمَ اسْمُ الْمُقَوْقِسِ ، وَأَنّهُ جُرَيْجُ بْنُ مِينَا ، وَذَكَرْنَا مَعْنَى الْمُقَوْقِسِ فِي أَوّلِ الْكِتَابِ وَذَكَرْنَا أَنّهُ أَهْدَى مَارِيَةَ مَعَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بُلْتُعَةَ ، وَمَعَ جَبْرٍ مَوْلَى أَبِي رُهْمٍ الْغِفَارِيّ وَاسْمُ أَبِي رُهْمٍ كُلْثُومُ بْن الْحُصَيْنِ . وَذَلِكَ حِينَ أَرْسَلَهَا إلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْدَى مَعَهَا أُخْتَهَا سِيرِينَ ، وَهِيَ الّتِي وَهَبَهَا رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - لِحَسّانَ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - فَأَوْلَدَهَا عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ حَسّانَ ، وَأَهْدَى مَعَهَا الْمُقَوْقِسُ أَيْضًا غُلَامًا خَصِيّا اسْمُهُ مَأْبُورٌ وَبَغْلَةٌ تُسَمّى : دُلْدُلَ وَقَدَحًا مِنْ قَوَارِيرَ كَانَ [ ص 329 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - يَشْرَبُ فِيهِ وَتُوُفّيَتْ مَارِيَةُ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا - سَنَةَ سِتّ عَشْرَةَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - وَكَانَ عُمَرُ هُوَ الّذِي يَحْشُرُ النّاسَ إلَى جِنَازَتِهَا بِنَفْسِهِ وَهِيَ مَارِيَةُ بِنْتُ شَمْعُونَ الْقِبْطِيّةُ مِنْ كُورَةِ حَفْنٍ . وَأَمّا إبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا فِي سَنَةِ عَشْرٍ مِنْ الْهِجْرَةِ فِي الْيَوْمِ الّذِي كَسَفَتْ فِيهِ الشّمْسُ وَكَانَتْ قَابِلَتُهُ سَلْمَى امْرَأَةَ أَبِي رَافِعٍ وَأَرْضَعَتْهُ أُمّ بُرْدَةَ بِنْتُ الْمُنْذِرِ النّجّارِيّةُ امْرَأَةُ الْبَرَءِ بْنِ أَوْسٍ وَسَلْمَى : هِيَ مَوْلَاةُ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَقَابِلَةُ بَنِي فَاطِمَةَ كُلّهِمْ وَهِيَ غَسّلَتْهَا مَعَ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيّةِ ، وَغَسّلَهَا مَعَهُمَا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - كَرّمَ اللّهُ وَجْهَهُ - وَفِي الْمُسْنَدِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - حِينَ وَلَدَتْ لَهُ مَارِيَةُ ابْنَهُ إبْرَاهِيمَ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ مِنْهُ شَيْءٌ حَتّى نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ ، فَقَالَ لَهُ السّلَامُ عَلَيْك يَا أَبَا إبْرَاهِيمَ .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [ ص 331 ] وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ قَدْ ذَكَرَتْ لِوَرَقَةِ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى - وَكَانَ ابْنَ عَمّهَا ، وَكَانَ نَصْرَانِيّا قَدْ تَتَبّعَ الْكُتُبَ وَعَلِمَ مِنْ عِلْمِ النّاسِ - مَا ذَكَرَ لَهَا غُلَامُهَا مَيْسَرَةُ مِنْ قَوْلِ الرّاهِبِ وَمَا كَانَ يَرَى مِنْهُ إذْ كَانَ الْمَلَكَانِ يُظِلّانِهِ فَقَالَ وَرَقَةُ لَئِنْ كَانَ هَذَا حَقّا يَا خَدِيجَةُ ، إنّ مُحَمّدًا لَنَبِيّ هَذِهِ الْأُمّةِ وَقَدْ عَرَفْت أَنّهُ كَائِنٌ لِهَذِهِ الْأُمّةِ نَبِيّ يُنْتَظَرُ هَذَا زَمَانُهُ أَوْ كَمَا قَالَ فَجَعَلَ وَرَقَةُ يَسْتَبْطِئُ الْأَمْرَ وَيَقُولُ حَتّى مَتَى ؟ فَقَالَ وَرَقَةُ فِي ذَلِكَ [ ص 332 ] [ ص 333 ]
لَجِجْت وَكُنْت فِي الذّكْرَى لَجُوجًا ... لِهَمّ طَالَمَا بَعَثَ النّشِيجَا
وَوَصْفٍ مِنْ خَدِيجَةَ بَعْدَ وَصْفٍ ... فَقَدْ طَالَ انْتِظَارِي يَا خَدِيجَا
بِبَطْنِ الْمَكّتَيْنِ عَلَى رَجَائِي ... حَدِيثَك أَنْ أَرَى مِنْهُ خُرُوجَا
بِمَا خَبّرْتنَا مِنْ قَوْلِ قَسّ ... مِنْ الرّهْبَانِ أَكْرَهُ أَنْ يَعُوجَا
بِأَنّ مُحَمّدًا سَيَسُودُ فِينَا ... وَيَخْصِمُ مَنْ يَكُونُ لَهُ حَجِيجًا
وَيُظْهِرُ فِي الْبِلَادِ ضِيَاءَنُورٍ ... يُقِيمُ بِهِ الْبَرّيّةَ أَنْ تَمُوجَا
فَيَلْقَى مَنْ يُحَارِبُهُ خَسَارًا ... وَيَلْقَى مَنْ يُسَالِمُهُ فُلُوجَا
فَيَا لَيْتِي إذَا مَا كَانَ ذَاكُمْ ... شَهِدْت فَكُنْت أَوّلَهُمْ وُلُوجَا
وُلُوجًا فِي الّذِي كَرِهَتْ قُرَيْشٌ ... وَلَوْ عَجّتْ بِمَكّتِهَا عَجِيجًا
أَرُجّيَ بِاَلّذِي كَرِهُوا جَمِيعًا ... إلَى ذِي الْعَرْشِ إنْ سَفَلُوا عُرُوجَا
وَهَلْ أَمْرُ السّفَالَةِ غَيْرُ كُفْرٍ ... بِمَنْ يَخْتَارُ مِنْ سُمْكِ الْبُرُوجَا
فَإِنْ يَبْقَوْا وَأَبْقَ تَكُنْ أُمُورٌ ... يَضِجّ الْكَافِرُونَ لَهَا ضَجِيجَا
وَإِنْ أَهْلِكْ فَكُلّ فَتًى سَيَلْقَى ... مِنْ الْأَقْدَارِ مَتْلَفَةً خَرُوجَا
[ ص 334 ] [ ص 335 ]
Sتَرْجَمَةُ وَرَقَةَ
وَذَكَرَ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى ، وَأُمّ وَرَقَةَ هِنْدُ بِنْتُ أَبِي كَبِيرِ بْنِ عَبْدِ بْنِ قُصَيّ ، وَلَا عَقِبَ لَهُ وَهُوَ أَحَدُ مَنْ آمَنَ بِالنّبِيّ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَبْلَ الْبَعْثِ وَرَوَى التّرْمِذِيّ أَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ " رَأَيْته فِي الْمَنَامِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النّارِ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ " ، وَهُوَ حَدِيثٌ فِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ . لِأَنّهُ يَدُورُ عَلَى عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ ، وَلَكِنْ يُقَوّيهِ مَا يَأْتِي بَعْدَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السّلَامُ رَأَيْت الْقَسّ يَعْنِي ، وَرَقَةَ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ حَرِيرٌ لِأَنّهُ أَوّلُ مَنْ آمَنَ بِي ، وَصَدّقَنِي ، وَسَيَأْتِي بَقِيّةٌ مِنْ خَبَرِهِ فِيمَا بَعْدُ - إنْ شَاءَ اللّهُ - وَقَدْ أَلْفَيْت لِلْحَدِيثِ الّذِي خَرّجَهُ التّرْمِذِيّ فِي وَرَقَةَ إسْنَادًا جَيّدًا غَيْرَ الّذِي ذَكَرَهُ التّرْمِذِيّ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الزّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُعَاذٍ الصّنْعَانِيّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزّبَيْرِ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - عَنْ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ ، كَمَا بَلَغَنَا فَقَالَ " رَأَيْته فِي الْمَنَامِ عَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ فَقَدْ أَظُنّ أَنْ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النّارِ لَمْ أَرَ عَلَيْهِ الْبَيَاضَ وَكَانَ يَذْكُرُ اللّهَ فِي سَفَرِهِ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَيُسَبّحُهُ وَهُوَ الّذِي يَقُولُ [ ص 330 ]
لَقَدْ نَصَحْت لِأَقْوَامِ وَقُلْت لَهُمْ ... أَنَا النّذِيرُ فَلَا يَغْرُرْكُمْ أَحَدٌ
لَا تَعْبُدُنّ إلَهًا غَيْرَ خَالِقِكُمْ ... فَإِنْ دَعَوْكُمْ فَقُولُوا : بَيْنَنَا جَدَدُ
سُبْحَانَ ذِي الْعَرْشِ سُبْحَانًا يَدُومُ لَهُ ... وَقَبْلَنَا سَبّحَ الْجُودِيّ وَالْجَمَدُ
مُسَخّرٌ كُلّ مَا تَحْتَ السّمَاءِ لَهُ ... لَا يَنْبَغِي أَنْ يُنَاوِي مُلْكَهُ أَحَدُ
لَا شَيْءَ مِمّا تَرَى تَبْقَى بَشَاشَتُهُ ... يَبْقَى الْإِلَهُ وَيُودِي الْمَالُ وَالْوَلَدُ
لَمْ تُغْنِ عَنْ هُرْمُزٍ يَوْمًا خَزَائِنُهُ ... وَالْخُلْدُ قَدْ حَاوَلَتْ عَادٌ فَمَا خَلَدُوا
وَلَا سُلَيْمَانُ إذْ تَجْرِي الرّيَاحُ بِهِ ... وَالْإِنْسُ وَالْجِنّ فِيمَا بَيْنَهَا مَرَدُ
أَيْنَ الْمُلُوكُ الّتِي كَانَتْ لِعِزّتِهَا ... مِنْ كُلّ أَوْبٍ إلَيْهَا وَافِدٌ يَفِدُ
حَوْضٌ هُنَالِكَ مَوْرُودٌ بِلَا كَذِبٍ ... لَا بُدّ مِنْ وِرْدِهِ يَوْمًا كَمَا وَرَدُوا
نَسَبَهُ أَبُو الْفَرَجِ إلَى وَرَقَةَ وَفِيهِ أَبْيَاتٌ تُنْسَبُ إلَى أُمَيّةَ بْنِ أَبِي الصّلْتِ ، وَمِنْ قَوْلِهِ فِيمَا خَبّرَتْهُ بِهِ خَدِيجَةُ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا - عَنْ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ -
يَا لِلرّجَالِ لِصَرْفِ الدّهْرِ وَالْقَدَرِ ... وَمَا لِشَيْءِ قَضَاهُ اللّهُ مِنْ غِيَرِ
حَتّى خَدِيجَةُ تَدْعُونِي لِأُخْبِرَهَا ... أَمْرًا أَرَاهُ سَيَأْتِي النّاسَ مِنْ أُخُرِ
فَخَبّرَتْنِي بِأَمْرِ قَدْ سَمِعْت بِهِ ... فِيمَا مَضَى مِنْ قَدِيمِ الدّهْرِ وَالْعُصُرِ
بِأَنّ أَحْمَدَ يَأْتِيهِ فَيُخْبِرُهُ ... جِبْرِيلُ إنّك مَبْعُوثٌ إلَى الْبَشَرِ
فَقُلْت : عَلّ الّذِي تَرْجِينَ يُنْجِزُهُ ... لَك الْإِلَهُ فَرَجّي الْخَيْرَ وَانْتَظِرِي
وَأَرْسَلَتْهُ إلَيْنَا كَيْ نُسَائِلَهُ ... عَنْ أَمْرِهِ مَا يَرَى فِي النّوْمِ وَالسّهَرِ
فَقَالَ حِينَ أَتَانَا مَنْطِقًا عَجَبًا ... يَقِفّ مِنْهُ أَعَالِي الْجِلْدِ وَالشّعَرِ
إنّي رَأَيْت أَمِينَ اللّهِ وَاجَهَنِي ... فِي صُورَةٍ أُكْمِلَتْ فِي أَهْيَبِ الصّوَرِ
ثُمّ اسْتَمَرّ فَكَانَ الْخَوْفُ يَذْعَرُنِي ... مِمّا يُسَلّمُ مِنْ حَوْلِي مِنْ الشّجَرِ
فَقُلْت : ظَنّي وَمَا أَدْرِي أَيَصْدُقُنِي أ ... سَوْفَ تُبْعَثُ تَتْلُو مَنْزِلَ السّوَرِ
وَسَوْفَ أُبْلِيكَ إنْ أَعْلَنْت دَعْوَتَهُمْ ... مِنْ الْجِهَادِ بِلَا مَنّ وَلَا كَدَرِ
مُثَنّى يُقْصَدُ بِهِ الْمُفْرَدُ
فَصْلٌ
[ ص 331 ]
بِبَطْنِ الْمَكّتَيْنِ عَلَى رَجَائِي ... حَدِيثُك أَنْ أَرَى مِنْهُ خُرُوجَا
ثَنّى مَكّةَ ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ لِأَنّ لَهَا بِطَاحًا وَظَوَاهِرَ وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنْ أَهْلِ الْبِطَاحِ ، وَمِنْ أَهْلِ الظّوَاهِرِ فِيمَا قَبْلُ عَلَى أَنّ لِلْعَرَبِ مَذْهَبًا فِي أَشْعَارِهَا فِي تَثْنِيَةِ الْبُقْعَةِ الْوَاحِدَةِ وَجَمْعِهَا نَحْوَ قَوْلِهِ وَمَيّتٌ بِغَزّاتِ . يُرِيدُ بِغَزّةَ وَبِغَادَيْنِ فِي بَغْدَادَ ، وَأَمّا التّثْنِيَةُ فَكَثِيرٌ نَحْوَ قَوْلِهِ
بِالرّقْمَتَيْنِ لَهُ أَجْرٍ وَأَعْرَاسُ ... وَالْحَمّتَيْنِ سَقَاك اللّهُ مِنْ دَارِ
وَقَوْلُ زُهَيْرٍ وَدَارٌ لَهَا بِالرّقْمَتَيْنِ . وَقَوْلُ وَرَقَةَ مِنْ هَذَا : بِبَطْنِ الْمَكّتَيْنِ . لَا مَعْنَى لِإِدْخَالِ الظّوَاهِرِ تَحْتَ هَذَا اللّفْظِ وَقَدْ أَضَافَ إلَيْهَا الْبَطْنَ كَمَا أَضَافَهُ الْمُبْرِقُ حِينَ قَالَ بِبَطْنِ مَكّةَ مَقْهُورٌ وَمَفْتُونٌ
وَإِنّمَا يَقْصِدُ الْعَرَبُ فِي هَذَا الْإِشَارَةَ إلَى جَانِبَيْ كُلّ بَلْدَةٍ أَوْ الْإِشَارَةَ إلَى أَعْلَى الْبَلْدَةِ وَأَسْفَلِهَا ، فَيَجْعَلُونَهَا اثْنَيْنِ عَلَى هَذَا الْمَغْزَى ، وَقَدْ قَالُوا : صِدْنَا بِقَنَوَيْنِ وَهُوَ قَنَا اسْمُ جَبَلٍ [ ص 332 ] وَقَالَ عَنْتَرَةُ : شَرِبْت بِمَاءِ الدّخُرُضَيْنِ
وَهُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ قَالَ عَنْتَرَةُ أَيْضًا : بِعُنَيْزَتَيْنِ وَأَهْلُنَا بِالْعَيْلَمِ
وَعُنَيْزَةُ اسْمُ مَوْضِعٍ وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ : عَشِيّةَ سَالَ الْمِرْبَدَانِ كِلَاهُمَا
وَإِنّمَا هُوَ مِرْبَدُ الْبَصْرَةِ . وَقَوْلُهُمْ تَسْأَلُنِي بِرَامَتَيْنِ سَلْجَمَا
وَإِنّمَا هُوَ رَامَةٌ وَهَذَا كَثِيرٌ . وَأَحْسَنُ مَا تَكُونُ هَذِهِ التّثْنِيَةُ إذَا كَانَتْ فِي ذِكْرِ جَنّةٍ وَبُسْتَانٍ فَتُسَمّيهَا جَنّتَيْنِ فِي فَصِيحِ الْكَلَامِ إشْعَارًا بِأَنّ لَهَا وَجْهَيْنِ وَأَنّك إذَا دَخَلْتهَا ، وَنَظَرْت إلَيْهَا يَمِينًا وَشِمَالًا رَأَيْت مِنْ كِلْتَا النّاحِيَتَيْنِ مَا يَمْلَأُ عَيْنَيْك قُرّةً وَصَدْرَك مَسَرّةً وَفِي التّنْزِيلِ { لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ } إلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { وَبَدّلْنَاهُمْ بِجَنّتَيْهِمْ جَنّتَيْنِ } [ سَبَأٌ : 15ْ ] . وَفِيهِ { جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنّتَيْنِ } [ الْكَهْفُ : 32 ] الْآيَةُ . وَفِي آخِرِهَا : { وَدَخَلَ جَنّتَهُ } فَأَفْرَدَ بَعْدَمَا ثَنّى ، وَهِيَ هِيَ وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنّتَانِ } [ الرّحْمَنُ 46 ] ، وَالْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَتّسِعُ وَاَللّهُ الْمُسْتَعَانُ .
النّورُ وَالضّيَاءُ
فَصْلٌ
وَقَالَ فِي هَذَا الشّعْرِ وَيَظْهَرُ فِي الْبِلَادِ ضِيَاءُ نُورٍ . هَذَا الْبَيْتُ يُوَضّحُ لَك مَعْنَى النّورِ وَمَعْنَى الضّيَاءِ وَأَنّ الضّيَاءَ هُوَ الْمُنْتَشِرُ عَنْ النّورِ وَأَنّ النّورَ هُوَ الْأَصْلُ لِلضّوْءِ وَمِنْهُ مَبْدَؤُهُ وَعَنْهُ يَصْدُرُ وَفِي التّنْزِيلِ { فَلَمّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ } [ الْبَقَرَةُ 17 ] . وَفِيهِ { جَعَلَ الشّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا } [ يُونُسُ 5 ] لِأَنّ نُورَ الْقَمَرِ لَا [ ص 333 ] الصّلَاةُ نُورٌ وَالصّبْرُ ضِيَاءٌ وَذَلِكَ أَنّ الصّلَاةَ هِيَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ وَهِيَ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ وَهِيَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ فَالصّبْرُ عَنْ الْمُنْكَرَاتِ وَالصّبْرُ عَلَى الطّاعَاتِ هُوَ الضّيَاءُ الصّادِرُ عَنْ هَذَا النّورِ الّذِي هُوَ الْقُرْآنُ وَالذّكْرُ وَفِي أَسْمَاءِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ { اللّهُ نُورُ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } [ النّورُ 35 ] وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الضّيَاءُ مِنْ أَسْمَائِهِ - سُبْحَانَهُ - وَقَدْ أَمْلَيْت فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ مِنْ مَعْنَى نُورِ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَا فِيهِ شِفَاءٌ وَالْحَمْدُ لِلّهِ .
نُونُ الْوِقَايَةِ فِي إنّ وَأَخَوَاتِهَا
فَصْلٌ
وَفِي شِعْرِ وَرَقَةَ فَيَا لَيْتَنِي إذَا مَا كَانَ ذَاكُمْ . بِحَذْفِ نُونِ الْوِقَايَةِ وَحَذْفُهَا مَعَ لَيْتَ رَدِيءٌ وَهُوَ فِي لَعَلّ أَحْسَنُ مِنْهُ لِقُرْبِ مَخْرَجِ اللّامِ مِنْ النّونِ حَتّى لَقَدْ قَالُوا : لَعَلّ وَلَعَنّ وَلِأَنّ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَلَا سِيّمَا وَقَدْ حَكَى يَعْقُوبُ أَنّ مِنْ الْعَرَبِ مَنْ يَخْفِضُ بِلَعَلّ وَهَذَا يُؤَكّدُ حَذْفَ النّونِ مِنْ لَعَلّنِي ، وَأَحْسَنُ مَا يَكُونُ حَذْفُ هَذِهِ النّونِ فِي إنّ وَأَنّ وَلَكِنّ وَكَأَنّ لِاجْتِمَاعِ النّونَاتِ وَحَسّنَهُ فِي لَعَلّ أَيْضًا كَثْرَةُ حُرُوفِ الْكَلِمَةِ وَفِي التّنْزِيلِ { لَعَلّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ } [ يُوسُفُ 46 ] . بِغَيْرِ نُونٍ وَمَجِيءُ هَذِهِ الْيَاءِ فِي لَيْتِي بِغَيْرِ نُونٍ مَعَ أَنّ لَيْتَ نَاصِبَةٌ يَدُلّك عَلَى أَنّ الِاسْمَ الْمُضْمَرَ فِي ضَرَبَنِي هُوَ الْيَاءُ دُونَ النّونِ كَمَا هُوَ فِي : ضَرَبَك ، وَضَرَبَهُ حَرْفٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْكَافُ وَلَوْ كَانَ الِاسْمُ هُوَ النّونَ مَعَ الْيَاءِ - كَمَا قَالُوا فِي الْمَخْفُوضِ مِنّي وَعَنّي بِنُونَيْنِ نُونِ مِنْ وَنُونٍ أُخْرَى مَعَ الْيَاءِ فَإِذًا الْيَاءُ وَحْدَهَا هِيَ الِاسْمُ فِي حَالِ الْخَفْضِ وَفِي حَالِ النّصْبِ . [ ص 334 ]
حَوْلَ تَقَدّمِ صِلَةِ الْمَصْدَرِ عَلَيْهِ
فَصْلٌ
وَفِيهِ حَدِيثُك أَنْ أَرَى مِنْهُ خُرُوجَا . قَوْلُهُ مِنْهُ الْهَاءُ رَاجِعَةٌ عَلَى الْحَدِيثِ وَحَرْفُ الْجَرّ مُتَعَلّقٌ بِالْخُرُوجِ وَإِنْ كَرِهَ النّحْوِيّونَ ذَلِكَ لِأَنّ مَا كَانَ مِنْ صِلَةِ الْمَصْدَرِ عِنْدَهُمْ فَلَا يَتَقَدّمُ عَلَيْهِ لِأَنّ الْمَصْدَرَ مُقَدّرٌ بِأَنْ وَالْفِعْلِ فَمَا يَعْمَلُ فِيهِ هُوَ مِنْ صِلَةِ أَنْ فَلَا يَتَقَدّمُ فَمَنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ فِي هَذَا الْأَصْلِ وَلَمْ يُخَصّصْ مَصْدَرًا مِنْ مَصْدَرٍ فَقَدْ أَخْطَأَ الْمُفَصّلَ وَتَاهَ فِي تُضُلّلٍ فَفِي التّنْزِيلِ { أَكَانَ لِلنّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ } [ يُونُسُ 2 ] . وَمَعْنَاهُ أَكَانَ عَجَبًا لِلنّاسِ أَنْ أَوْحَيْنَا ، وَلَا بُدّ لِلّامِ هَاهُنَا أَنْ تَتَعَلّقَ بِعَجَبِ لِأَنّهَا لَيْسَتْ فِي مَوْضِعِ صِفَةٍ وَلَا مَوْضِعِ حَالٍ لِعَدِمِ الْعَامِلِ فِيهَا ، وَفِيهِ أَيْضًا : { لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا } [ الْكَهْفُ : 108 ] { وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا } [ الْكَهْفُ : 53 ] . وَفِيهِ أَيْضًا : { لَوَلّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا } [ الْكَهْفُ : 18 ] . وَتَقُولُ لِي فِيك رَغْبَةٌ وَمَا لِي عَنْك مُعَوّلٌ فَيَحْسُنُ كُلّ هَذَا بِلَا خِلَافٍ وَقَدْ أَجَازَ ابْنُ السّرَاجِ أَبُو بَكْرٍ و [ مُحَمّدُ بْنُ يَزِيدَ ] الْمُبَرّدُ أَيْضًا فِي ضَرْبًا زَيْدًا ، إذَا أَرَدْت الْأَمْرَ أَنْ تُقَدّمَ الْمَفْعُولَ الْمَنْصُوبَ بِالْمَصْدَرِ وَقَالَ لِأَنّ ضَرْبًا هَاهُنَا فِي مَعْنَى : اضْرِبْ فَقَدْ خُصّصَ لَك ضَرْبًا مِنْ الْمَصَادِرِ بِجَوَازِ تَقْدِيمِ مَعْمُولِهَا عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَ الْمَصْدَرُ غَيْرَ أَمْرٍ وَكَانَ نَكِرَةً لَمْ يَتَقَدّمْ الْمَفْعُولُ خَاصّةً عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْمَجْرُورِ وَالظّرْفِ فَالْوَاجِبُ إذًا رَبْطُ هَذَا الْبَابِ وَتَفْصِيلُهُ .
مَتَى يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِ الْمَصْدَرِ ؟
فَنَقُولُ كُلّ مَصْدَرٍ نَكِرَةٌ غَيْرِ مُضَافٍ إلَى مَا بَعْدَهُ يَجُوزُ تَقْدِيمُ مَعْمُولِهِ عَلَيْهِ إلّا الْمَفْعُولَ لِأَنّ الْمَصْدَرَ النّكِرَةَ لَا يَتَقَدّرُ بِأَنْ وَالْفِعْلِ لِأَنّك إنْ قَدّرْته بِأَنْ وَالْفِعْلِ بَقِيَ الْفِعْلُ بِلَا فَاعِلٍ وَمَا كَانَ مُضَافًا إلَى مَا بَعْدَهُ فَالْمُضَافُ إلَيْهِ فَاعِلٌ فِي الْمَعْنَى أَوْ مَفْعُولٌ فَلِذَلِكَ يَصِيرُ الْمَصْدَرُ مُقَدّرًا بِأَنْ وَالْفِعْلِ فَقِفْ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ فَمِنْهُ حُسْنُ قَوْلٍ وَرِقّةٌ أَنْ أَرَى مِنْهُ خُرُوجًا ، أَيْ أَرَى خُرُوجًا مِنْهُ وَكَذَلِكَ لَوْ ذَكَرَ الدّخُولَ فَقَالَ أَرَى فِيهِ دُخُولًا ، يُرِيدُ دُخُولًا فِيهِ لَكَانَ حَسَنًا ، وَتَقُولُ اللّهُمّ اجْعَلْ مِنْ أَمْرِنَا فَرَجَا وَمَخْرَجًا ، فَمِنْ أَمْرِنَا : مُتَعَلّقٌ بِمَا بَعْدَهُ وَهُوَ مَصْدَرٌ وَلَا خَفَاءَ فِي حُسْنِ هَذَا التّقْدِيمِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ . وَمِنْ قَوْلِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فِي مَعْنَى مَا تَقَدّمَ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ :
أَتُبْكِرُ أَمْ أَنْتَ الْعَشِيّةَ رَائِحُ ... وَفِي الصّدْرِ مِنْ إضْمَارِك الْحُزْنَ قَادِحُ
لِفُرْقَةِ قَوْمٍ لَا أُحِبّ فِرَاقَهُمْ ... كَأَنّك عَنْهُمْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ نَازِحُ
وَأَخْبَارِ صِدْقٍ خَبّرَتْ عَنْ مُحَمّدٍ ... يُخَبّرُهَا عَنْهُ إذَا غَابَ نَاصِحُ
فَتَاك الّذِي وَجّهْت يَا خَيْرَ حُرّةٍ ... بِغَوْرِ وَالنّجْدَيْنِ حَيْثُ الصّحَاصِحُ
إلَى سُوقِ بُصْرَى فِي الرّكَابِ الّتِي غَدَتْ ... وَهُنّ مِنْ الْأَحْمَالِ قُعْصٌ دَوَالِحُ
فَخَبّرْنَا عَنْ كُلّ خَيْرٍ بِعِلْمِهِ ... وَلِلْحَقّ أَبْوَابٌ لَهُنّ مَفَاتِحُ
بِأَنّ ابْنَ عَبْدِ اللّهِ أَحْمَدَ مُرْسَلٌ ... إلَى كُلّ مَنْ ضَمّتْ عَلَيْهِ الْأَبَاطِحُ
وَظَنّي بِهِ أَنْ سَوْفَ يُبْعَثُ صَادِقًا ... كَمَا أُرْسِلَ الْعَبْدَانِ هُودٌ وَصَالِحُ
وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمُ حَتّى يُرَى لَهُ ... بَهَاءٌ وَمَنْثُورٌ مِنْ الذّكْرِ وَاضِحُ
وَيَتْبَعُهُ حَيّا لُؤَيّ جَمَاعَةً ... شُيّابُهُمْ وَالْأَشْيَبُونَ الْجَحَاجِحُ
فَإِنْ أَبْقَ حَتّى يُدْرِكَ النّاسُ دَهْرَهُ ... فَإِنّي بِهِ مُسْتَبْشِرُ الْوُدّ فَارِحُ
وَإِلّا فَإِنّي يَا خَدِيجَةُ - فَاعْلَمِي ... عَنْ أرضك فِي الْأَرْضِ الْعَرِيضَةِ سَائِحُ
[ ص 335 ]
حَدِيثُ بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ وَحُكْمُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَ قُرَيْشٍ فِي وَضْعِ الْحَجَرِ
[ ص 336 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا بَلَغَ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ لِبُنْيَانِ الْكَعْبَةِ ، وَكَانُوا يَهُمّونَ بِذَلِكَ لِيَسْقُفُوهَا وَيَهَابُونَ هَدْمَهَا ، وَإِنّمَا كَانَتْ رَدْمًا فَوْقَ الْقَامَةِ فَأَرَادُوا رَفْعَهَا وَتَسْقِيفَهَا ، وَذَلِكَ أَنّ نَفَرًا سَرَقُوا كَنْزًا لِلْكَعْبَةِ وَإِنّمَا كَانَ يَكُونُ فِي [ ص 337 ] الْكَعْبَةِ ، وَكَانَ الّذِي وُجِدَ عِنْدَهُ الْكَنْزُ دُوَيْكًا مَوْلًى لِبَنِي مُلَيْحِ بْنِ عَمْرٍو مِنْ خُزَاعَةَ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : فَقَطَعَتْ قُرَيْشٌ يَدَهُ . وَتَزْعُمُ قُرَيْشٌ أَنّ الّذِينَ سَرَقُوهُ وَضَعُوهُ عِنْدَ دُوَيْكٍ وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ رَمَى بِسَفِينَةِ إلَى جَدّةٍ لِرَجُلِ مِنْ تُجّارِ الرّومِ ، فَتَحَطّمَتْ فَأَخَذُوا خَشَبَهَا فَأَعَدّوهُ لِتَسْقِيفِهَا ، وَكَانَ بِمَكّةَ رَجُلٌ قِبْطِيّ نَجّارٌ فَتَهَيّأَ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ بَعْضَ مَا يُصْلِحُهَا وَكَانَتْ حَيّةٌ تَخْرُجُ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ الّتِي كَانَ يُطْرَحُ فِيهَا مَا يُهْدَى لَهَا كُلّ يَوْمٍ فَتَتَشَرّقُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ ، وَكَانَتْ مِمّا يَهَابُونَ وَذَلِكَ أَنّهُ كَانَ لَا يَدْنُو مِنْهَا أَحَدٌ إلّا احْزَأَلّتْ وَكَشّتْ وَفَتَحَتْ فَاهَا ، وَكَانُوا يَهَابُونَهَا ، فَبَيْنَا هِيَ ذَاتَ يَوْمٍ تَتَشَرّقُ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ ، كَمَا كَانَتْ تَصْنَعُ بَعَثَ اللّهُ إلَيْهَا طَائِرًا فَاخْتَطَفَهَا ، فَذَهَبَ بِهَا ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ : إنّا لَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ اللّهُ قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَا ، عِنْدَنَا عَامِلٌ رَفِيقٌ وَعِنْدَنَا خَشَبٌ وَقَدْ كَفَانَا اللّهُ الْحَيّةَ . فَلَمّا أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ فِي هَدْمِهَا وَبِنَائِهَا ، قَامَ أَبُو وَهْبِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَائِذِ بْنِ عَبْدِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ . قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : عَائِذُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مَخْزُومٍ . فَتَنَاوَلَ مِنْ الْكَعْبَةِ حَجَرًا ، فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ حَتّى رَجَعَ إلَى مَوْضِعِهِ . فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ، لَا تُدْخِلُوا فِي بِنَائِهَا مِنْ كَسْبِكُمْ إلّا طَيّبًا ، لَا يَدْخُلُ فِيهَا مَهْرُ بَغِيّ وَلَا بَيْعُ رِبًا ، وَلَا مَظْلِمَةُ أَحَدٍ مِنْ النّاسِ وَالنّاسُ يَنْحِلُونَ هَذَا الْكَلَامَ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَدْ حَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي نَجِيحٍ الْمَكّيّ أَنّهُ حَدّثَ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفِ بْنِ وَهْبِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ جُمَحِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ . أَنّهُ رَأَى ابْنًا لِجَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عَمْرٍو يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقِيلَ هَذَا ابْنٌ لِجَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ صَفْوَانَ عِنْدَ ذَلِكَ جَدّ هَذَا ، يَعْنِي : أَبَا وَهْبٍ الّذِي أَخَذَ حَجَرًا مِنْ الْكَعْبَةِ حِينَ أَجْمَعَتْ قُرَيْشٌ لِهَدْمِهَا ، فَوَثَبَ مِنْ يَدِهِ حَتّى رَجَعَ إلَى مَوْضِعِهِ فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ : لَا تُدْخِلُوا فِي بِنَائِهَا مِنْ كَسْبِكُمْ إلّا طَيّبًا . لَا تُدْخِلُوا فِيهَا مَهْرَ بَغِيّ وَلَا بَيْعَ رِبًا ، وَلَا مَظْلِمَةَ أَحَدٍ مِنْ النّاسِ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَأَبُو وَهْبٍ خَالُ أَبِي رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَكَانَ شَرِيفًا ، وَلَهُ يَقُولُ شَاعِرٌ مِنْ الْعَرَبِ [ ص 338 ]
وَلَوْ يَأْبَى وَهْبٌ أَنَخْت مَطِيّتِي ... غَدَتْ مِنْ نَدَاهُ رَحْلُهَا غَيْرُ خَائِبِ
بِأَبْيَضَ مِنْ فَرْعَيْ لُؤَيّ بْنِ غَالِبٍ ... إذَا حُصّلَتْ أَنْسَابُهَا فِي الذّوَائِبِ
أَبِيّ لِأَخْذِ الضّيْمِ يَرْتَاحُ لِلنّدَى ... تَوَسّطَ جَدّاهُ فُرُوعَ الْأَطَايِبِ
عَظِيمُ رَمَادِ الْقَدْرِ يَمْلَا جِفَانَهُ ... مِنْ الْخُبْزِ يَعْلُوهُنّ مِثْلَ السّبَائِبِ
ثُمّ إنّ قُرَيْشًا تَجَزّأَتْ الْكَعْبَةَ ، فَكَانَ شِقّ الْبَابِ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَزَهْرَة َ وَكَانَ مَا بَيْنَ الرّكْنِ الْأَسْوَدِ وَالرّكْنِ الْيَمَانِيّ لِبَنِي مَخْزُومٍ ، وَقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ انْضَمّوا إلَيْهِمْ وَكَانَ ظَهْرُ الْكَعْبَةِ لِبَنِي جُمَحٍ وَسَهْمُ ابْنَيْ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ . وَكَانَ شِقّ الْحَجَرِ لِبَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ ، وَلِبَنِي أَسَدِ بْنِ الْعُزّى بْن قُصَي ّ ، وَلِبَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ وَهُوَ الْحَطِيمُ . ثُمّ إنّ النّاسَ هَابُوا هَدْمَهَا وَفَرِقُوا مِنْهُ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ : أَنَا أَبْدَؤُكُمْ فِي هَدْمِهَا ، فَأَخَذَ الْمِعْوَلَ ثُمّ قَامَ عَلَيْهَا ، وَهُوَ يَقُولُ اللّهُمّ لَمْ تُرَعْ - قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُقَالُ لَمْ نَزِغْ - اللّهُمّ إنّا لَا نُرِيدُ إلّا الْخَيْرَ ثُمّ هَدَمَ مِنْ نَاحِيَةِ الرّكْنَيْنِ فَتَرَبّصَ النّاسُ تِلْكَ اللّيْلَةَ وَقَالُوا : نَنْظُرُ فَإِنْ أُصِيبَ لَمْ نَهْدِمْ مِنْهَا شَيْئًا وَرَدَدْنَاهَا كَمَا كَانَتْ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ فَقَدْ رَضِيَ اللّهُ صُنْعَنَا ، فَهَدَمْنَا . فَأَصْبَحَ الْوَلِيدُ مِنْ لَيْلَتِهِ غَادِيًا عَلَى عَمَلِهِ فَهَدَمَ وَهَدَمَ النّاسُ مَعَهُ حَتّى إذَا انْتَهَى الْهَدْمُ بِهِمْ إلَى الْأَسَاسِ أَسَاسِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلَامُ أَفْضَوْا إلَى حِجَارَةٍ خُضْرٍ كَالْأَسْنِمَةِ آخِذٌ بَعْضُهَا بَعْضًا . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدّثَنِي بَعْضُ مَنْ يَرْوِي الْحَدِيثَ أَنّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ ، مِمّنْ كَانَ يَهْدِمُهَا ، أَدْخَلَ عَتَلَةً بَيْنَ حَجَرَيْنِ مِنْهَا لِيَقْلَعَ بِهَا أَحَدَهُمَا ، فَلَمّا تَحَرّكَ الْحَجَرُ تَنَقّضَتْ مَكّةُ بِأَسْرِهَا ، فَانْتَهَوْا عَنْ ذَلِكَ الْأَسَاسِ . [ ص 339 ] [ ص 340 ] [ ص 341 ] [ ص 342 ] [ ص 343 ] [ ص 344 ] [ ص 336 ]
Sبُنْيَانِ الْكَعْبَةِ
فَفِي خَبَرِهَا أَنّهَا كَانَتْ رَضْمًا فَوْقَ الْقَامَةِ . الرّضْمُ أَنْ تُنَضّدَ الْحِجَارَةُ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ مِنْ غَيْرِ مِلَاطٍ كَمَا قَالَ
رَزِئْتهمْ فِي سَاعَةٍ جَرّعْتهمْ ... كُؤُوسَ الْمَنَايَا تَحْتَ صَخْرٍ مُرَضّمِ
وَقَوْلُهُ فَوْقَ الْقَامَةِ كَلَامٌ غَيْرُ مُبَيّنٍ لِمِقْدَارِ ارْتِفَاعِهَا إذْ ذَاكَ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنّهَا كَانَتْ تِسْعَ أَذْرُعٍ مِنْ عَهْدِ إسْمَاعِيلَ وَلَمْ يَكُنْ لَهَا سَقْفٌ فَلَمّا بَنَتْهَا قُرَيْشٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ زَادُوا فِيهَا تِسْعَ أَذْرُعٍ ، فَكَانَتْ ثَمَانِي عَشْرَةَ ذِرَاعًا ، وَرَفَعُوا بَابَهَا عَنْ الْأَرْضِ فَكَانَ لَا يُصْعَدُ إلَيْهَا إلّا فِي دَرَجٍ أَوْ سُلّمٍ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَوّلَ مَنْ عَمِلَ لَهَا غَلَقًا ، وَهُوَ تَبَعٌ . ثُمّ لَمّا بَنَاهَا ابْنُ الزّبَيْرِ زَادَ فِيهَا تِسْعَ أَذْرُعٍ ، فَكَانَتْ سَبْعًا وَعِشْرِينَ ذِرَاعًا ، وَعَلَى ذَلِكَ هِيَ الْآنَ وَكَانَ بِنَاؤُهَا فِي الدّهْرِ خَمْسَ مَرّاتٍ . الْأُولَى : حِينَ بَنَاهَا شِيثُ بْنُ آدَمَ وَالثّانِيَةُ حِينَ بَنَاهَا إبْرَاهِيمُ عَلَى الْقَوَاعِدِ الْأُولَى ، وَالثّالِثَةُ حِينَ بَنَتْهَا قُرَيْشٌ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِخَمْسَةِ أَعْوَامٍ وَالرّابِعَةُ حِينَ احْتَرَقَتْ فِي عَهْدِ ابْنِ لزّبَيْرِ بِشَرَارَةِ طَارَتْ مِنْ أَبِي قُبَيْسٍ ، فَوَقَعَتْ فِي أَسْتَارِهَا ، فَاحْتَرَقَتْ وَقِيلَ إنّ امْرَأَةً [ ص 337 ] [ ص 338 ] أَرَادَتْ أَنْ تُجَمّرَهَا ، فَطَارَتْ شَرَارَةٌ مِنْ الْمِجْمَرِ فِي أَسْتَارِهَا ، فَاحْتَرَقَتْ فَشَاوَرَ ابْنُ الزّبَيْرِ فِي هَدْمِهَا مَنْ حَضَرَهُ فَهَابُوا هَدْمَهَا ، وَقَالُوا : نَرَى أَنْ تُصْلَحَ مَا وَهَى ، وَلَا تُهْدَمَ . فَقَالَ لَوْ أَنّ بَيْتَ أَحَدِكُمْ احْتَرَقَ لَمْ يَرْضَ لَهُ إلّا بِأَكْمَلِ صَلَاحٍ . وَلَا يَكْمُلُ إصْلَاحُهَا إلّا بِهَدْمِهَا . فَهَدَمَهَا حَتّى أَفْضَى إلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَزِيدُوا فِي الْحَفْرِ . فَحَرّكُوا حَجَرًا فَرَأَوْا تَحْتَهُ نَارًا وَهَوْلًا . أَفْزَعَهُمْ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقِرّوا الْقَوَاعِدَ وَأَنْ يَبْنُوا مِنْ حَيْثُ انْتَهَى الْحَفْرُ . [ ص 339 ] الْخَبَرِ أَنّهُ سَتَرَهَا حِينَ وَصَلَ إلَى الْقَوَاعِدِ فَطَافَ النّاسُ بِتِلْكَ الْأَسْتَارِ فَلَمْ تَخْلُ قَطّ مِنْ طَائِفٍ حَتّى لَقَدْ ذُكِرَ أَنّ يَوْمَ قَتْلِ ابْنِ الزّبَيْرِ اشْتَدّتْ الْحَرْبُ وَاشْتَغَلَ النّاسُ فَلَمْ يُرَ طَائِفٌ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ إلّا جَمَلٌ يَطُوفُ بِهَا ، فَلَمّا اسْتَتَمّ بُنْيَانُهَا ، أُلْصِقَ بَابُهَا بِالْأَرْضِ وَعَمِلَ لَهَا خَلْفًا أَيْ بَابًا آخَرَ مِنْ وَرَائِهَا ، وَأَدْخَلَ الْحِجْرَ فِيهَا ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ حَدّثَتْهُ بِهِ خَالَتُهُ عَائِشَةُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَنّهُ قَالَ أَلَمْ تَرَيْ قَوْمَك حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَنْ قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ حِين عَجَزَتْ بِهِمْ النّفَقَةُ ثُمّ قَالَ عَلَيْهِ السّلَامُ لَوْلَا حِدْثَانُ عَهْدِ قَوْمِك بِالْجَاهِلِيّةِ لَهَدَمْتهَا ، وَجَعَلْت لَهَا خَلْفًا وَأَلْصَقْت بَابَهَا الْأَرْضَ وَأَدْخَلْت فِيهَا الْحِجْرَ أَوْ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ السّلَامُ - قَالَ ابْنُ الزّبَيْرِ فَلَيْسَ بِنَا الْيَوْمَ عَجْزٌ عَنْ النّفَقَةِ فَبَنَاهَا عَلَى مُقْتَضَى حَدِيثِ عَائِشَةَ فَلَمّا قَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ، قَالَ لَسْنَا مِنْ تَخْلِيطِ أَبِي خُبَيْبٍ بِشَيْءِ فَهَدَمَهَا وَبَنَاهَا عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَلَمّا فَرَغَ مِنْ بُنْيَانِهَا جَاءَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَعْرُوفُ بِالْقُبَاعِ وَهُوَ أَخُو عُمَرَ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ الشّاعِرِ وَمَعَهُ رَجُلٌ آخَرُ فَحَدّثَاهُ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدّمِ فَنَدِمَ وَجَعَلَ يَنْكُتُ فِي الْأَرْضِ بِمِخْصَرَةِ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ وَدِدْت أَنّي تَرَكْت أَبَا خُبَيْبٍ وَمَا تَحَمّلَ مِنْ ذَلِكَ فَهَذِهِ الْمَرّةُ الْخَامِسَةُ فَلَمّا قَامَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ ، وَأَرَادَ أَنْ يَبْنِيَهَا عَلَى مَا بَنَاهَا ابْنُ الزّبَيْرِ وَشَاوَرَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : أَنْشُدُك اللّهَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْ تَجْعَلَ هَذَا الْبَيْتَ مَلْعَبَةً لِلْمُلُوكِ بَعْدَك ، لَا يَشَاءُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يُغَيّرَهُ إلّا غَيّرَهُ فَتَذْهَبُ هَيْبَتُهُ مِنْ قُلُوبِ النّاسِ فَصَرَفَهُ عَنْ رَأْيِهِ فِيهِ وَقَدْ قِيلَ إنّهُ بُنِيَ فِي أَيّامِ جُرْهُمَ مَرّةً أَوْ مَرّتَيْنِ لِأَنّ السّيْلَ كَانَ قَدْ صَدّعَ حَائِطَهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بُنْيَانًا عَلَى نَحْوِ مَا قَدّمْنَا ، إنّمَا كَانَ إصْلَاحًا لِمَا وَهَى مِنْهُ وَجِدَارًا بُنِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السّيْلِ بَنَاهُ عَامِرٌ الْجَارُودُ وَقَدْ تَقَدّمَ هَذَا الْخَبَرُ ، وَكَانَتْ الْكَعْبَةُ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَهَا شِيثُ عَلَيْهِ السّلَامُ خَيْمَةً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطُوفُ بِهَا آدَمُ وَيَأْنَسُ إلَيْهَا ؛ لِأَنّهَا أُنْزِلَتْ إلَيْهِ مِنْ الْجَنّةِ وَكَانَ قَدْ حَجّ إلَى مَوْضِعِهَا مِنْ الْهِنْدِ ، وَقَدْ قِيلَ إنّ آدَمَ هُوَ أَوّلُ مَنْ بَنَاهَا ، ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ الْبَكّائِيّ . وَفِي الْخَبَرِ أَنّ مَوْضِعَهَا كَانَ غُثَاءَةً عَلَى الْمَاءِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ اللّهُ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَلَمّا بَدَأَ اللّهُ بِخَلْقِ الْأَشْيَاءِ خَلَقَ التّرْبَةَ قَبْلَ السّمَاءِ فَلَمّا خَلَقَ السّمَاءَ وَقَضَاهُنّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ دَحَا الْأَرْضَ أَيْ بَسَطَهَا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ { وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا } [ النّازِعَاتُ 3 ] [ ص 340 ] دَحَاهَا مِنْ تَحْتِ مَكّةَ ؛ وَلِذَلِكَ سُمّيَتْ أُمّ الْقُرَى ، وَفِي التّفْسِيرِ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ حِينَ قَالَ لِلسّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ { اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ } [ فُصّلَتْ 11 ] لَمْ تُجِبْهُ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ مِنْ الْأَرْضِ إلّا أَرْضُ الْحَرَمِ ، فَلِذَلِكَ حَرّمَهَا . وَفِي الْحَدِيثِ أَنّ اللّهَ حَرّمَ مَكّةَ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَصَارَتْ حُرْمَتُهَا كَحُرْمَةِ الْمُؤْمِنِ لِأَنّ الْمُؤْمِنَ إنّمَا حُرّمَ دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ بِطَاعَتِهِ لِرَبّهِ وَأَرْضُ الْحَرَمِ لَمّا قَالَتْ أَتَيْنَا طَائِعِينَ حُرّمَ صَيْدُهَا وَشَجَرُهَا وَخَلَاهَا إلّا الْإِذْخِرَ فَلَا حُرْمَةَ إلّا لَذِي طَاعَةٍ جَعَلَنَا اللّهُ مِمّنْ أَطَاعَهُ .
سَبَبٌ آخَرُ لِبُنْيَانِ الْبَيْتِ
وَرُوِيَ فِي سَبَبِ بُنْيَانِ الْبَيْتِ خَبَرٌ آخَرُ وَلَيْسَ بِمُعَارِضِ لِمَا تَقَدّمَ وَذَلِكَ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ لَمّا قَالَ لِمَلَائِكَتِهِ { إِنّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } [ الْبَقَرَةُ 29 ] . خَافُوا أَنْ يَكُونَ اللّهُ عَاتِبًا عَلَيْهِمْ لِاعْتِرَاضِهِمْ فِي عِلْمِهِ فَطَافُوا بِالْعَرْشِ سَبْعًا ، يَسْتَرْضُونَ رَبّهُمْ وَيَتَضَرّعُونَ إلَيْهِ فَأَمَرَهُمْ سُبْحَانَهُ أَنْ يَبْنُوا الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ فِي السّمَاءِ السّابِعَةِ وَأَنْ يَجْعَلُوا طَوَافَهُمْ بِهِ فَكَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَيْهِمْ مِنْ الطّوَافِ بِالْعَرْشِ ثُمّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَبْنُوا فِي كُلّ سَمَاءٍ بَيْتًا ، وَفِي كُلّ أَرْضٍ بَيْتًا ، قَالَ مُجَاهِدٌ : هِيَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ بَيْتًا ، كُلّ بَيْتٍ مِنْهَا مَنَا صَاحِبَهُ أَيْ فِي مُقَابَلَتِهِ لَوْ سَقَطَتْ لَسَقَطَتْ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ .
حَوْلَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ مَرّةً أُخْرَى
رُوِيَ أَيْضًا أَنّ الْمَلَائِكَةَ حِينَ أَسّسَتْ الْكَعْبَةَ انْشَقّتْ الْأَرْضُ إلَى مُنْتَهَاهَا ، وَقُذِفَتْ فِيهَا حِجَارَةٌ أَمْثَالَ الْإِبِلِ فَتِلْكَ الْقَوَاعِدُ مِنْ الْبَيْتِ الّتِي رَفَعَ إبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ فَلَمّا جَاءَ الطّوفَانُ رُفِعَتْ وَأُودِعَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ أَبَا قُبَيْسٍ . وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ أَنّ الْمَاءَ لَمْ يَعْلُهَا حِينَ الطّوفَانِ وَلَكِنّهُ قَامَ حَوْلَهَا ، وَبَقِيَتْ فِي هَوَاءٍ إلَى السّمَاءِ وَأَنّ نُوحًا قَالَ لِأَهْلِ السّفِينَةِ وَهِيَ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ إنّكُمْ فِي حَرَمِ اللّهِ وَحَوْلَ بَيْتِهِ فَأَحْرَمُوا لِلّهِ وَلَا يَمَسّ أَحَدٌ امْرَأَةً وَجَعَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السّمَاءِ حَاجِزًا ، فَتَعَدّى حَامٌ ، [ ص 341 ] فَدَعَا عَلَيْهِ نُوحٌ أَنْ يَسْوَدّ لَوْنُ بَنِيهِ فَاسْوَدّ كُوشُ بْنُ حَامٍ وَنَسْلُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَدْ قِيلَ فِي سَبَبِ دَعْوَةِ نُوحٍ عَلَى حَامٍ غَيْرُ هَذَا ، وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ، قَالَ أَوّلُ مَنْ عَاذَ بِالْكَعْبَةِ حُوتٌ صَغِيرٌ خَافَ مِنْ حُوتٍ كَبِيرٍ فَعَاذَ مِنْهُ بِالْبَيْتِ وَذَلِكَ أَيّامَ الطّوفَانِ . ذَكَرَهُ يَحْيَى بْنُ سَلَامٍ فَلَمّا نَضَبَ مَاءُ الطّوفَانِ كَانَ مَكَانَ الْبَيْتِ رَبْوَةٌ مِنْ مَدَرَةٍ وَحَجّ إلَيْهِ هُودٌ وَصَالِحٌ وَمَنْ آمَنَ مَعَهُمَا ، وَهُوَ كَذَلِكَ . وَيُذْكَرُ أَنّ يَعْرُبَ قَالَ لِهُودِ عَلَيْهِ السّلَامُ أَلَا نَبْنِيهِ ؟ قَالَ إنّمَا يَبْنِيهِ نَبِيّ كَرِيمٌ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي يَتّخِذُهُ الرّحْمَنُ خَلِيلًا ، فَلَمّا بَعَثَ اللّهُ إبْرَاهِيمَ وَشَبّ إسْمَاعِيلُ بِمَكّةَ أَمَرَ إبْرَاهِيمَ بِبِنَاءِ الْكَعْبَةِ ، فَدَلّتْهُ عَلَيْهِ السّكِينَةُ وَظَلّلَتْ لَهُ عَلَى مَوْضِعِ الْبَيْتِ فَكَانَتْ عَلَيْهِ كَالْجُحْفَةِ وَذَلِكَ أَنّ السّكِينَةَ مِنْ شَأْنِ الصّلَاةِ فَجُعِلَتْ عَلَمًا عَلَى قِبْلَتِهَا حِكْمَةً مِنْ اللّهِ سُبْحَانَهُ وَبَنَاهُ عَلَيْهِ السّلَامُ مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ كَانَتْ الْمَلَائِكَةُ تَأْتِيهِ بِالْحِجَارَةِ مِنْهَا ، وَهِيَ طَوْرُ تَيْنَا ، وَطَوْرُ زَيْتَا اللّذَيْنِ بِالشّامِ وَالْجُودِيّ وَهُوَ بِالْجَزِيرَةِ وَلُبْنَانُ وَحِرَاءُ وَهُمَا بِالْحَرَمِ كُلّ هَذَا جَمَعْنَاهُ مِنْ آثَارٍ مَرْوِيّةٍ . وَانْتَبِهْ لِحِكْمَةِ اللّهِ كَيْفَ جَعَلَ بِنَاءَهَا مِنْ خَمْسَةِ أَجْبُلٍ فَشَاكَلَ ذَلِكَ مَعْنَاهَا ؛ إذْ هِيَ قِبْلَةٌ لِلصّلَاةِ الْخَمْسِ وَعَمُودُ الْإِسْلَامِ وَقَدْ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ وَكَيْفَ دَلّتْ عَلَيْهِ السّكِينَةُ إذْ هُوَ قِبْلَةٌ لِلصّلَاةِ وَالسّكِينَةُ مِنْ شَأْنِ الصّلَاةِ . قَالَ عَلَيْهِ السّلَامُ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السّكِينَةُ فَلَمّا بَلَغَ إبْرَاهِيمُ الرّكْنَ جَاءَهُ جِبْرِيلُ بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ مِنْ جَوْفِ أَبِي قُبَيْسٍ وَرَوَى التّرْمِذِيّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَالَ أُنْزِلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنْ الْجَنّةِ أَشَدّ بَيَاضًا مِنْ اللّبَنِ فَسَوّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ وَرَوَى التّرْمِذِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا أَنّ الرّكْنَ الْأَسْوَدَ وَالرّكْنَ الْيَمَانِيّ يَاقُوتُتَانِ مِنْ الْجَنّةِ وَلَوْلَا مَا طُمِسَ مِنْ نُورِهِمَا لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ لَأَبْرَآ مَنْ اسْتَلَمَهُمَا [ ص 342 ] عَلِيّ رَحِمَهُ اللّهُ أَنّ الْعَهْدَ الّذِي أَخَذَهُ اللّهُ عَلَى ذُرّيّةِ آدَمَ حِينَ مَسَحَ ظَهْرَهُ أَلّا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا كَتَبَهُ فِي صَكّ وَأَلْقَمَهُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ ؛ وَلِذَلِكَ يَقُولُ الْمُسْتَلِمُ لَهُ إيمَانًا بِك ، وَوَفَاءً بِعَهْدِك ، وَذَكَرَ هَذَا الْخَبَرَ الزّبَيْرُ وَزَادَ عَلَيْهِ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ أَجْرَى نَهْرًا أَطْيَبَ مِنْ اللّبَنِ وَأَلْيَنَ مِنْ الزّبَدِ فَاسْتَمَدّ مِنْهُ الْقَلَمَ الّذِي كَتَبَ الْعَهْدَ قَالَ وَكَانَ أَبُو قُبَيْسٍ يُسَمّى : الْأَمِينَ لِأَنّ الرّكْنَ كَانَ مُودَعًا فِيهِ وَأَنّهُ نَادَى إبْرَاهِيمَ حِينَ بَلَغَ بِالْبُنْيَانِ إلَى مَوْضِعِ الرّكْنِ فَأَخْبَرَهُ عَنْ الرّكْنِ فِيهِ وَدَلّهُ عَلَى مَوْضِعِهِ مِنْهُ وَانْتَبَهَ مِنْ هَاهُنَا إلَى الْحِكْمَةِ فِي أَنْ سَوّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ حِجَارَةِ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا ، وَذَلِكَ أَنّ الْعَهْدَ الّذِي فِيهِ هِيَ الْفِطْرَةُ الّتِي فُطِرَ النّاسُ عَلَيْهَا مِنْ تَوْحِيدِ اللّهِ فَكُلّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى تِلْكَ الْفِطْرَةِ وَعَلَى ذَلِكَ الْمِيثَاقِ فَلَوْلَا أَنّ أَبَوَيْهِ يُهَوّدَانِهِ وَيُنَصّرَانِهِ وَيُمَجّسَانِهِ حَتّى يَسْوَدّ قَلْبُهُ بِالشّرْكِ لَمَا حَالَ عَنْ الْعَهْدِ فَقَدْ صَارَ قَلْبُ ابْنِ آدَمَ مَحِلّا لِذَلِكَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ وَصَارَ الْحَجَرُ مَحِلّا لِمَا كُتِبَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ فَتَنَاسَبَا ، فَاسْوَدّ مِنْ الْخَطَايَا قَلْبُ ابْنِ آدَمَ بَعْدَمَا كَانَ وُلِدَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ الْعَهْدِ وَاسْوَدّ الْحَجَرُ بَعْدَ ابْيِضَاضِهِ وَكَانَتْ الْخَطَايَا سَبَبًا فِي ذَلِكَ حِكْمَةً مِنْ اللّهِ سُبْحَانَهُ فَهَذَا مَا ذُكِرَ فِي بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ مُلَخّصًا ، مِنْهُ مَا ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيّ وَمِنْهُ مَا ذَكَرَهُ الطّبَرِيّ ، وَمِنْهُ مَا وَقَعَ فِي كِتَابِ التّمْهِيدِ لِأَبِي عُمَرَ وَنُبَذٌ أَخَذْتهَا مِنْ كِتَابِ فَضَائِلِ مَكّةَ لِرَزِينِ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَمِنْ كِتَابِ أَبِي الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيّ فِي أَخْبَارِ مَكّةَ ، وَمِنْ أَحَادِيثَ فِي الْمُسْنَدَاتِ الْمَرْوِيّةِ وَسَنُورِدُ فِي بَاقِي الْحَدِيثِ بَعْضَ مَا بَلَغَنَا فِي ذَلِكَ مُسْتَعِينِينَ بِاَللّهِ . وَأَمّا الرّكْنُ الْيَمَانِيّ فَسُمّيَ بِالْيَمَانِيّ - فِيمَا ذَكَرَ الْقُتَبِيّ - لِأَنّ رَجُلًا مِنْ الْيَمَنِ بَنَاهُ اسْمُهُ أُبَيّ بْنُ سَالِمٍ وَأَنْشَدَ
لَنَا الرّكْنُ مِنْ بَيْتِ الْحَرَامِ وِرَاثَةً ... بَقِيّةَ مَا أَبْقَى أُبَيّ بْنُ سَالِمِ
حَوْلَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
وَأَمّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَأَوّلُ مَنْ بَنَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ، وَذَلِكَ أَنّ النّاسَ ضَيّقُوا عَلَى الْكَعْبَةِ ، وَأَلْصَقُوا دُورَهُمْ بِهَا ، فَقَالَ عُمَرُ إنّ الْكَعْبَةَ بَيْتُ اللّهِ وَلَا بُدّ لِلْبَيْتِ مِنْ فِنَاءٍ وَإِنّكُمْ دَخَلْتُمْ عَلَيْهَا ، وَلَمْ تَدْخُلْ عَلَيْكُمْ فَاشْتَرَى تِلْكَ الدّورَ مِنْ أَهْلِهَا وَهَدَمَهَا ، وَبَنَى الْمَسْجِدَ الْمُحِيطَ بِهَا ، ثُمّ كَانَ عُثْمَانُ فَاشْتَرَى دُورًا أُخْرَى ، وَأَغْلَى فِي ثَمَنِهَا ، وَزَادَ فِي سَعَةِ الْمَسْجِدِ [ ص 343 ] كَانَ ابْنُ الزّبَيْرِ زَادَ فِي إتْقَانِهِ لَا فِي سَعَتِهِ وَجَعَلَ فِيهِ عُمُدًا مِنْ الرّخَامِ وَزَادَ فِي أَبْوَابِهِ وَحَسّنَهَا ، فَلَمّا كَانَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ زَادَ فِي ارْتِفَاعِ حَائِطِ الْمَسْجِدِ وَحَمَلَ إلَيْهِ السّوَارِيَ فِي الْبَحْرِ إلَى جَدّةَ ، وَاحْتُمِلَتْ مِنْ جَدّةَ عَلَى الْعَجَلِ إلَى مَكّةَ ، وَأَمَرَ الْحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ فَكَسَاهَا الدّيبَاجَ وَقَدْ كُنّا قَدّمْنَا أَنّ ابْنَ الزّبَيْرِ كَسَاهَا الدّيبَاجَ قَبْلَ الْحَجّاجِ ذَكَرَهُ الزّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ ، وَذَكَرْنَا أَيْضًا أَنّ خَالِدَ بْنَ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ مِمّنْ كَسَاهَا الدّيبَاجَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ثُمّ كَانَ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ فَزَادَ فِي حُلِيّهَا ، وَصَرَفَ فِي مِيزَابِهَا وَسَقْفِهَا مَا كَانَ فِي مَائِدَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السّلَامُ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضّةٍ وَكَانَتْ قَدْ اُحْتُمِلَتْ إلَيْهِ مِنْ طُلَيْطُلَةَ مِنْ جَزِيرَةِ الْأَنْدَلُسِ وَكَانَتْ لَهَا أَطْوَاقٌ مِنْ يَاقُوتٍ وَزَبَرْجَدٍ وَكَانَتْ قَدْ اُحْتُمِلَتْ عَلَى بَغْلٍ قَوِيّ فَتَفَسّخَ تَحْتَهَا ، فَضَرَبَ مِنْهَا الْوَلِيدُ حِلْيَةً لِلْكَعْبَةِ فَلَمّا كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الْمَنْصُورُ وَابْنُهُ مُحَمّدٌ الْمَهْدِيّ زَادَ أَيْضًا فِي إتْقَانِ الْمَسْجِدِ وَتَحْسِينِ هَيْئَتِهِ وَلَمْ يُحْدَثْ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَمَلٌ إلَى الْآنَ . وَفِي اشْتِرَاءِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ الدّورَ الّتِي زَادَا فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنّ رِبَاعَ أَهْلِ مَكّةَ مِلْكٌ لِأَهْلِهَا ، يَتَصَرّفُونَ فِيهَا بِالْبَيْعِ وَالشّرَاءِ إذَا شَاءُوا ، وَفِي ذَلِكَ اخْتِلَافٌ .
كَنْزِ الْكَعْبَةِ وَالنّجّارِ الْقِبْطِيّ
فَصْلٌ
وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ دُوَيْكًا الّذِي سَرَقَ كَنْزَ الْكَعْبَةِ ، وَتَقَدّمَ أَنّ سَارِقًا سَرَقَ مِنْ مَالِهَا فِي زَمَنِ جُرْهُمَ ، وَأَنّهُ دَخَلَ الْبِئْرَ الّتِي فِيهَا كَنْزُهَا فَسَقَطَ عَلَيْهِ حَجَرٌ فَحَبَسَهُ فِيهَا ، حَتّى أُخْرِجَ مِنْهَا ، وَانْتُزِعَ الْمَالُ مِنْهُ ثُمّ بَعَثَ اللّهُ حَيّةً لَهَا رَأْسٌ كَرَأْسِ الْجَدْيِ بَيْضَاءُ الْبَطْنِ سَوْدَاءُ الْمَتْنِ فَكَانَتْ فِي بِئْرِ الْكَعْبَةِ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ فِيمَا ذَكَرَ رَزِينٌ وَهِيَ الّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ إسْحَاقَ ، وَكَانَ لَا يَدْنُو أَحَدٌ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ إلّا احْزَأَلّتْ أَيْ رَفَعَتْ ذَنَبَهَا ، وَكَشّتْ أَيْ صَوّتَتْ . وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّ سَفِينَةً رَمَاهَا الْبَحْرُ إلَى جَدّةَ ، فَتَحَطّمَتْ وَذَكَرَ غَيْرُهُ عَنْ ابْنِ مُنَبّهٍ أَنّ سَفِينَةً خَجّتْهَا الرّيحُ إلَى الشّعَيْبَةِ وَهُوَ مَرْفَأُ السّفُنِ مِنْ سَاحِلِ بَحْرِ الْحِجَازِ ، وَهُوَ كَانَ مَرْفَأَ مَكّةَ وَمَرْسَى سُفُنِهَا قَبْلَ جَدّةَ . وَالشّعَيْبَةُ بِضَمّ الشّينِ ذَكَرَهُ الْبَكْرِيّ ، وَفَسّرَ الْخَطّابِيّ خَجّتْهَا : أَيْ دَفَعَتْهَا بِقُوّةِ مِنْ الرّيحِ الْخَجُوجِ أَيْ الدّفُوعِ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ بِمَكّةَ نَجّارٌ قِبْطِيّ ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنّهُ كَانَ عِلْجًا فِي السّفِينَةِ الّتِي خَجّتْهَا الرّيحُ إلَى الشّعَيْبَةِ وَأَنّ اسْمَ ذَلِكَ النّجّارِ يَاقُومُ وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَيْضًا فِي اسْمِ النّجّارِ الّذِي عَمِلَ مِنْبَرَ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ ، وَلَعَلّهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا ، فَاَللّهُ أَعْلَمُ . [ ص 344 ]
الْحَيّةُ وَالدّابّةُ
فَصْلٌ
وَذَكَرَ خَبَرَ الْعُقَابِ أَوْ الطّائِرِ الّذِي اخْتَطَفَ الْحَيّةَ مِنْ بِئْرِ الْكَعْبَةِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ طَرَحَهَا الطّائِرُ بِالْحَجُونِ فَالْتَقَمَتْهَا الْأَرْضُ . وَقَالَ مُحَمّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُقْرِي هَذَا الْقَوْلَ ثُمّ قَالَ وَهِيَ الدّابّةُ الّتِي تُكَلّمُ النّاسَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاسْمُهَا : أَقْصَى فِيمَا ذُكِرَ وَمُحَمّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُقْرِي هُوَ النّقّاشُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ بِصِحّةِ مَا قَالَ غَيْرَ أَنّهُ قَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنّ مُوسَى عَلَيْهِ السّلَامُ سَأَلَ رَبّهُ أَنْ يُرِيَهُ الدّابّةَ الّتِي تُكَلّمُ النّاسَ فَأَخْرَجَهَا لَهُ مِنْ الْأَرْضِ فَرَأَى مَنْظَرًا هَالَهُ وَأَفْزَعَهُ فَقَالَ أَيْ رَبّ رُدّهَا فَرَدّهَا . وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ حَدِيثَ الْحَجَرِ الّذِي أُخِذَ مِنْ الْكَعْبَةِ ، فَوَثَبَ مِنْ يَدِ آخِذِهِ حَتّى عَادَ إلَى مَوْضِعِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ ضَرَبُوا بِالْمِعْوَلِ فِي حَجَرٍ مِنْ أَحْجَارِهَا ، فَلَمَعَتْ بَرْقَةٌ كَادَتْ تَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ وَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَجَرًا ، فَطَارَ مِنْ يَدِهِ وَعَادَ إلَى مَوْضِعِهِ . وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ قَوْلَهُمْ اللّهُمّ لَمْ تُرَعْ وَهِيَ كَلِمَةٌ تُقَالُ عِنْدَ تَسْكِينِ الرّوْعِ وَالتّأْنِيسِ وَإِظْهَارِ اللّينِ وَالْبِرّ فِي الْقَوْلِ وَلَا رَوْعَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ فَيُنْفَى ، وَلَكِنّ الْكَلِمَةَ تَقْتَضِي إظْهَارَ قَصْدِ الْبِرّ فَلِذَلِكَ تَكَلّمُوا بِهَا ، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ التّكَلّمُ بِهَا فِي الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا ذِكْرُ الرّوْعِ الّذِي هُوَ مُحَالٌ فِي حَقّ الْبَارِي تَعَالَى ، وَلَكِنْ لَمّا كَانَ الْمَقْصُودُ مَا ذَكَرْنَا ، جَازَ النّطْقُ بِهَا ، وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ إنْ شَاءَ اللّهُ زِيَادَةُ بَيَانٍ عِنْدَ قَوْلِهِ فَاغْفِرْ فِدَاءً لَك مَا اقْتَفَيْنَا . وَيُرْوَى أَيْضًا : اللّهُمّ لَمْ نَزِغْ وَهُوَ جَلِيّ لَا يُشْكِلُ .
مِنْ تَفْسِيرِ حَدِيثِ أَبِي لَهَبٍ
وَذَكَرَ قَوْلَهُمْ لَا تُدْخِلُوا فِي هَذَا الْبَيْتِ مَهْرُ بَغِيّ وَهِيَ الزّانِيَةُ وَهِيَ فَعُولٌ مِنْ الْبِغَاءِ فَانْدَغَمَتْ الْوَاوُ فِي الْيَاءِ وَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ لِأَنّ فَعِيلًا بِمَعْنَى : فَاعِلٍ يَكُونُ بِالْهَاءِ فِي الْمُؤَنّثِ كَرَحِيمَةِ وَكَرِيمَةٍ وَإِنّمَا يَكُونُ بِغَيْرِ هَاءٍ إذَا كَانَ فِي مَعْنَى : مَفْعُولٍ نَحْوَ امْرَأَةٌ جَرِيحٌ وَقَتِيلٌ . وَقَوْلُهُ وَلَا بَيْعَ رِبًا يَدُلّ عَلَى أَنّ الرّبَا كَانَ مُحَرّمًا عَلَيْهِمْ فِي الْجَاهِلِيّةِ كَمَا كَانَ الظّلْمُ وَالْبِغَاءُ وَهُوَ الزّنَا مُحَرّمًا عَلَيْهِمْ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ بِبَقِيّةِ مِنْ بَقَايَا شَرْعِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلَامُ كَمَا [ ص 345 ] كَانَ بَقِيَ فِيهِمْ الْحَجّ وَالْعُمْرَةُ وَشَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ الطّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَفِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { وَأَحَلّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرّمَ الرّبَا } [ الْبَقَرَةُ 275 ] دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ التّحْرِيمِ .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ [ ص 345 ] وَحُدّثْت أَنّ قُرَيْشًا وَجَدُوا فِي الرّكْنِ كِتَابًا بالسريانية ، فَلَمْ يَدْرُوا مَا هُوَ حَتّى قَرَأَهُ لَهُمْ رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ فَإِذَا هُوَ أَنَا اللّهُ ذُو بَكّةَ ، خَلَقْتهَا يَوْمَ خَلَقْت السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَصَوّرْت الشّمْسَ وَالْقَمَرَ وَحَفّفْتهَا بِسَبْعَةِ أَمْلَاكٍ حُنَفَاءَ لَا تَزُولُ حَتّى يَزُولَ أَخْشَبَاهَا ، مُبَارَكٌ لِأَهْلِهَا فِي الْمَاءِ وَاللّبَنِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : أَخْشَبَاهَا : جَبَلَاهَا . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحُدّثْت أَنّهُمْ وَجَدُوا فِي الْمَقَامِ كِتَابًا فِيهِ مَكّةُ بَيْتُ اللّهِ الْحَرَامِ يَأْتِيهَا رَزَقَهَا مِنْ ثَلَاثَةِ سُبُلٍ لَا يُحِلّهَا أَوّلُ مِنْ أَهْلِهَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَزَعَمَ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ أَنّهُمْ وَجَدُوا حَجَرًا فِي الْكَعْبَةِ قَبْلَ مَبْعَثِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً - إنْ كَانَ مَا ذُكِرَ حَقّا - مَكْتُوبًا فِيهِ " مَنْ يَزْرَعْ خَيْرًا ، يَحْصُدْ غِبْطَةً وَمَنْ يَزْرَعْ شَرّا ، يَحْصُدْ نَدَامَةً . تَعْمَلُونَ السّيّئَاتِ وَتُجْزَوْنَ الْحَسَنَاتِ أَجَلْ كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنْ الشّوْكِ الْعِنَبُ " .Sالْحَجَرُ الّذِي كَانَ مَكْتُوبًا
فَصْلٌ
وَذَكَرَ الْحَجَرَ الّذِي وُجِدَ مَكْتُوبًا فِي الْكَعْبَةِ ، وَفِيهِ أَنَا اللّهُ ذُو بَكّةَ لِحَدِيثِ . رَوَى مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ فِي الْجَامِعِ عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ بَلَغَنِي أَنّ قُرَيْشًا حِينَ بَنَوْا الْكَعْبَةَ ، وَجَدُوا فِيهَا حَجَرًا ، وَفِيهِ ثَلَاثَةُ صُفُوحٍ فِي الصّفْحِ الْأَوّلِ أَنَا اللّهُ ذُو بَكّةَ صُغْتهَا يَوْمَ صُغْت الشّمْسَ وَالْقَمَرَ إلَى آخِرِ كَلَامِ ابْنِ إسْحَاقَ ، وَفِي الصّفْحِ الثّانِي : أَنَا اللّهُ ذُو بَكّةَ ، خَلَقْت الرّحِمَ وَاشْتَقَقْت لَهَا اسْمًا مِنْ اسْمِي ، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْته ، وَمَنْ قَطَعَهَا بَتَتّهُ وَفِي الصّفْحِ الثّالِثِ أَنَا اللّهُ ذُو بَكّةَ ، خَلَقْت الْخَيْرَ وَالشّرّ فَطُوبَى لِمَنْ كَانَ الْخَيْرُ عَلَى يَدَيْهِ وَوَيْلٌ لِمَنْ كَانَ الشّرّ عَلَى يَدَيْه وَفِي حَدِيثِ ابْنِ إسْحَاقَ : لَا يَحِلّهَا أَوّلُ مِنْ أَهْلِهَا ، يُرِيدُ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - مَا كَانَ مِنْ اسْتِحْلَالِ قُرَيْشٍ الْقِتَالَ فِيهَا أَيّامَ ابْنِ الزّبَيْرِ وَحُصَيْنِ بْنِ نُمَيْرٍ ثُمّ الْحَجّاجُ بَعْدَهُ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ أَبِي رَبِيعَةَ :
أَلَا مَنْ لِقَلْبِ مُعَنّى غَزِلْ ... بِحُبّ الْمُحِلّةِ أُخْتُ الْمُحِلّ
يَعْنِي بِالْمُحَلّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ الزّبَيْرِ لِقِتَالِهِ فِي الْحَرَمِ .
[ ص 346 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ إنّ الْقَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ جَمَعَتْ الْحِجَارَةَ لِبِنَائِهَا ، كُلّ قَبِيلَةٍ تَجْمَعُ عَلَى حِدَةٍ ثُمّ بَنَوْهَا ، حَتّى بَلَغَ الْبُنْيَانُ مَوْضِعَ الرّكْنِ فَاخْتَصَمُوا فِيهِ كُلّ قَبِيلَةٍ تُرِيدُ أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى مَوْضِعِهِ دُونَ الْأُخْرَى ، حَتّى تُحَاوَرُوا وَتَحَالَفُوا ؛ وَأَعَدّوا لِلْقِتَالِ فَقَرّبَتْ بَنُو عَبْدِ الدّارِ جَفْنَةً مَمْلُوءَةً دَمًا ، ثُمّ تَعَاقَدُوا هُمْ وَبَنُو عَدِيّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيّ عَلَى الْمَوْتِ وَأَدْخَلُوا أَيْدِيَهُمْ فِي ذَلِكَ الدّمِ فِي تِلْكَ الْجَفْنَةِ فَسُمّوا : لَعَقَةَ الدّمِ فَمَكَثَتْ قُرَيْشٌ عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَ لَيَالٍ أَوْ خَمْسًا ، ثُمّ إنّهُمْ اجْتَمَعُوا فِي الْمَسْجِدِ وَتَشَاوَرُوا وَتَنَاصَفُوا . فَزَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الرّوَايَةِ أَنّ أَبَا أُمَيّةَ بْنَ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ ، وَكَانَ عَامَئِذٍ أَسَنّ قُرَيْشٍ كُلّهَا ، قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ اجْعَلُوا بَيْنَكُمْ - فِيمَا تَخْتَلِفُونَ فِيهِ - أَوّلَ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَاب هَذَا الْمَسْجِدِ يَقْضِي بَيْنَكُمْ فِيهِ فَفَعَلُوا : فَكَانَ أَوّلُ دَاخِلٍ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فَلَمّا رَأَوْهُ قَالُوا : هَذَا الْأَمِينُ رَضِينَا ، هَذَا مُحَمّدٌ فَلَمّا انْتَهَى إلَيْهِمْ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ ، قَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَلُمّ إلَيّ ثَوْبًا " ، فَأُتِيَ بِهِ فَأَخَذَ الرّكْنَ فَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ ثُمّ قَالَ " لِتَأْخُذْ كُلّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةِ مِنْ الثّوْبِ ثُمّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا " ، فَفَعَلُوا ، حَتّى إذَا بَلَغُوا مَوْضِعَهُ وَضَعَهُ هُوَ بِيَدِهِ ثُمّ بَنَى عَلَيْهِSحَوْلَ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ وَقَوَاعِدِ الْبَيْتِ
فَصْلٌ
[ ص 346 ] وَذَكَرَ اخْتِلَافَهُمْ فِي وَضْعِ الرّكْنِ وَأَنّ رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - هُوَ الّذِي وَضَعَهُ بِيَدِهِ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنّ إبْلِيسَ كَانَ مَعَهُمْ فِي صُورَةِ شَيْخٍ نَجْدِيّ وَأَنّهُ صَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ : أَرَضِيتُمْ أَنْ يَضَعَ هَذَا الرّكْنَ وَهُوَ شَرَفُكُمْ غُلَامٌ يَتِيمٌ دُونَ ذَوِي أَسْنَانِكُمْ فَكَانَ يُثِيرُ شَرّا فِيمَا بَيْنَهُمْ ثُمّ سَكَنُوا ذَلِكَ . وَأَمّا وَضْعُ الرّكْنِ حِينَ بُنِيَتْ الْكَعْبَةُ فِي أَيّامِ ابْنِ الزّبَيْرِ فَوَضَعَهُ فِي الْمَوْضِعِ الّذِي هُوَ فِيهِ الْآنَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَيْرِ ، وَأَبُوهُ يُصَلّي بِالنّاسِ فِي الْمَسْجِدِ اغْتَنَمَ شُغْلَ النّاسِ عَنْهُ بِالصّلَاةِ لَمّا أَحَسّ مِنْهُمْ التّنَافُسَ فِي ذَلِكَ وَخَافَ الْخِلَافَ فَأَقَرّهُ أَبُوهُ . ذَكَرَ ذَلِكَ الزّبَيْرُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ . وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَيْضًا أَنّهُمْ أَفْضَوْا إلَى قَوَاعِدِ الْبَيْتِ وَإِذَا هِيَ خُضْرٌ كَالْأَسْنِمَةِ وَلَيْسَتْ هَذِهِ رِوَايَةَ السّيرَةِ إنّمَا الصّحِيحُ فِي الْكِتَابِ كَالْأَسِنّةِ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ النّقَلَةِ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ وَاَللّهُ أَعْلَمُ فَإِنّهُ لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ بِهَذَا اللّفْظِ لَا عِنْدَ الْوَاقِدِيّ وَلَا غَيْرِهِ وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي بُنْيَانِ الْكَعْبَةِ هَذَا الْخَبَرَ ، فَقَالَ فِيهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ : فَنَظَرْت إلَيْهَا ، فَإِذَا هِيَ كَأَسْنِمَةِ الْإِبِلِ وَتَشْبِيهُهَا بِالْأَسِنّةِ لَا يُشَبّهُ إلّا فِي الزّرْقَةِ وَتَشْبِيهُهَا بِأَسْنِمَةِ الْإِبِلِ أَوْلَى ، لِعِظَمِهَا ، وَلِمَا تَقَدّمَ فِي حَدِيثِ بُنْيَانِ الْمَلَائِكَةِ لَهَا قَبْلَ هَذَا .
[ ص 347 ] وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمّي رَسُولَ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ الْأَمِينَ . فَلَمّا فَرَغُوا مِنْ الْبُنْيَانِ وَبَنَوْهَا عَلَى مَا أَرَادُوا ، قَالَ الزّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، فِيمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْحَيّةِ الّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ تَهَابُ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ لَهَا .
عَجِبْت لَمّا تَصَوّبَتْ الْعُقَابُ ... إلَى الثّعْبَانِ وَهِيَ لَهَا اضْطِرَابُ
وَقَدْ كَانَتْ يَكُونُ لَهَا كَشِيشٌ ... وَأَحْيَانَا يَكُونُ لَهَا وِثَابُ
إذَا قُمْنَا إلَى التّأْسِيسِ . شَدّتْ ... تُهَيّبُنَا الْبِنَاءَ . وَقَدْ تُهَابُ
فَلَمّا أَنْ خَشِينَا الرّجْزَ . جَاءَتْ ... عُقَابٌ تَتْلَئِبّ لَهَا انْصِبَابُ
فَضَمّتْهَا إلَيْهَا ، ثُمّ خَلّتْ ... لَنَا الْبُنْيَانَ لَيْسَ لَهُ حِجَابُ
فَقُمْنَا حَاشِدِينَ إلَى بِنَاءٍ ... لَنَا مِنْهُ الْقَوَاعِدُ وَالتّرَابُ
غَدَاةَ نُرَفّعُ التّأْسِيسَ مِنْهُ ... وَلَيْسَ عَلَى مُسَوّينَا ثِيَابُ
أَعَزّ بِهِ الْمَلِيكُ بَنِي لُؤَيّ ... فَلَيْسَ لِأَصْلِهِ مِنْهُمْ ذَهَابُ
وَقَدْ حَشَدَتْ هُنَاكَ بَنُو عَدِيّ ... وَمُرّةُ قَدْ تَقَدّمَهَا كِلَابُ
فَبَوّأَنَا الْمَلِيكُ بِذَاكَ عِزّا ... وَعِنْدَ اللّهِ يُلْتَمَسُ الثّوَابُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَيُرْوَى : وَلَيْسَ عَلَى مُسَاوِينَا ثِيَابُ
[ ص 348 ] وَكَانَتْ الْكَعْبَةُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - ثَمَانِي عَشَرَةَ ذِرَاعًا ، وَكَانَتْ تُكْسَى الْقَبَاطِيّ ثُمّ كُسِيَتْ الْبُرُودَ . وَأَوّلُ مَنْ كَسَاهَا الدّيبَاجَ الْحَجّاجُ بْنُ يُوسُفَ .
Sشِعْرُ الزّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ
فَصْلٌ
[ ص 347 ] وَذَكَرَ شِعْرَ الزّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ : عَجِبْت لِمَا تَصَوّبَتْ الْعُقَابُ . إلَى قَوْلِهِ تَتْلَئِبّ لَهَا انْصِبَابُ . قَوْلُهُ تَتْلَئِبّ ، يُقَالُ اتْلَأَبّ عَلَى طَرِيقِهِ إذَا لَمْ يُعَرّجْ يَمْنَةً وَلَا يَسْرَةً وَكَأَنّهُ مَنْحُوتٌ مِنْ أَصْلَيْنِ كَمَا تَقَدّمَ فِي مِثْلِ هَذَا مِنْ تَلَا : إذَا تَبِعَ ، وَأَلَبَ إذَا أَقَامَ وَأَبّ أَيْضًا قَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى . يُقَالُ أَبّ إبَابَةً - مِنْ كِتَابِ الْعَيْنِ - إذَا اسْتَقَامَ وَتَهَيّأَ فَكَأَنّهُ مُقِيمٌ مُسْتَمِرّ عَلَى مَا يَتْلُوهُ وَيَتْبَعُهُ مِمّا هُوَ بِسَبِيلِهِ وَالِاسْمُ مِنْ اتْلَأَبّ التّلَأْبِيبَةُ عَلَى وَزْنِ الطّمَأْنِينَةِ وَالْقُشَعْرِيرَةِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ . وَقَوْلُهُ وَلَيْسَ عَلَى مُسَوّينَا ثِيَابُ . أَيْ مُسَوّي الْبُنْيَانِ . وَهُوَ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ الصّحِيحِ [ ص 348 ] نُقْلَانِهِمْ الْحِجَارَةَ إلَى الْكَعْبَةِ أَنّهُمْ كَانُوا يَنْقُلُونَهَا عُرَاةً وَيَرَوْنَ ذَلِكَ دِينًا ، وَأَنّهُ مِنْ بَابِ التّشْمِيرِ وَالْجِدّ فِي الطّاعَةِ . وَقَوْلُ ابْنِ هِشَامٍ : وَيُرْوَى : مُسَاوِينَا ، يُرِيدُ السّوْآتِ فَهُوَ جَمْعُ مَسَاءَةٍ مَفْعَلَةٌ مِنْ السّوْءَةِ وَالْأَصْلُ مَسَاوِئُ فَسُهّلَتْ الْهَمْزَةُ .
حَدِيثُ الْحُمْسِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ - لَا أَدْرِي أَقَبْلَ عَامِ الْفِيلِ أَمْ بَعْدَهُ - ابْتَدَعَتْ رَأْيَ الْحُمْسِ رَأْيًا رَأَوْهُ وَأَدَارُوهُ فَقَالُوا : نَحْنُ بَنُو إبْرَاهِيمَ وَأَهْلُ الْحُرْمَةِ وَوُلَاةُ الْبَيْتِ ، وَقُطّانُ مَكّةَ وَسَاكِنُهَا ، فَلَيْسَ لِأَحَدِ مِنْ الْعَرَبِ مِثْلُ حَقّنَا ، وَلَا مِثْلُ مَنْزِلَتِنَا ، وَلَا تَعْرِفُ لَهُ الْعَرَبُ مِثْلَ مَا تَعْرِفُ لَنَا ، فَلَا تُعَظّمُوا شَيْئًا مِنْ الْحِلّ كَمَا تُعَظّمُونَ الْحَرَمَ ، فَإِنّكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ اسْتَخَفّتْ الْعَرَبُ بِحُرْمَتِكُمْ وَقَالُوا : قَدْ عَظّمُوا مِنْ الْحِلّ مِثْلَ مَا عَظّمُوا مِنْ الْحَرَمِ . فَتَرَكُوا الْوُقُوفَ عَلَى عَرَفَةَ وَالْإِفَاضَةُ مِنْهَا ، وَهُمْ يَعْرِفُونَ وَيُقِرّونَ أَنّهَا مِنْ الْمَشَاعِرِ وَالْحَجّ وَدِينِ إبْرَاهِيمَ - صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - وَيَرَوْنَ لِسَائِرِ الْعَرَبِ أَنْ يُفِيضُوا مِنْهَا ، إلّا أَنّهُمْ قَالُوا : نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَخْرُجَ مِنْ الْحُرْمَةِ وَلَا نُعَظّمَ غَيْرَهَا ، كَمَا نُعَظّمُهَا نَحْنُ الْحُمْسُ وَالْحُمْسُ أَهْلُ الْحَرَمِ ، ثُمّ جَعَلُوا لِمَنْ وُلِدُوا مِنْ الْعَرَبِ مِنْ سَاكِنِ الْحِلّ وَالْحَرَمِ مِثْلَ الّذِي لَهُمْ بِوِلَادَتِهِمْ إيّاهُمْ يَحِلّ لَهُمْ مَا يَحِلّ لَهُمْ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ . وَكَانَتْ كِنَانَةُ وَخُزَاعَةُ قَدْ دَخَلُوا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ . [ ص 349 ] قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَحَدّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ النّحْوِيّ : أَنّ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ مُعَاوِيَةَ بْنَ بَكْرِ بْنِ هَوَازِن َ دَخَلُوا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ وَأَنْشَدَنِي لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ
أَعَبّاسُ لَوْ كَانَتْ شِيَارًا جِيَادُنَا ... بِتَثْلِيثِ مَا نَاصَبْت بَعْدِي الْأَحَامِسَا
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : تَثْلِيثٌ : مَوْضِعٌ مِنْ بِلَادِهِمْ . وَالشّيَارُ الْحِسَانُ . يَعْنِي بِالْأَحَامِسِ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ . وَبِعَبّاسِ عَبّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ السّلَمِيّ وَكَانَ أَغَارَ عَلَى بَنِي زُبَيْدٍ بِتَثْلِيثِ . وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لِعَمْرِو .
Sالْحُمْسُ
فَصْلٌ
وَذَكَرَ الْحُمْسَ وَمَا ابْتَدَعَتْهُ قُرَيْشٌ فِي ذَلِكَ وَالتّحَمّسُ التّشَدّدُ وَكَانُوا قَدْ ذَهَبُوا فِي ذَلِكَ مَذْهَبَ التّزَهّدِ وَالتّأَلّهِ فَكَانَتْ نِسَاؤُهُمْ لَا يَنْسِجْنَ الشّعْرَ وَلَا الْوَبَرَ وَكَانُوا لَا يَسْلَئُونَ السّمْنَ وَسَلَأَ السّمْنَ أَنْ يُطْبَخَ الزّبْدُ حَتّى يَصِيرَ سَمْنًا ، قَالَ أَبْرَهَةُ
إنّ لَنَا صِرْمَةً مَخِيسَة ... نَشْرَبُ أَلْبَانَهَا وَنَسْلَؤُهَا