المبحث الثامن
اختلاف الْحَدِيْث بسبب الاختصار
اختلف الناس في جواز
اختصار الْحَدِيْث ، والاقتصار عَلَى بعضه ، وكانت لَهُمْ مذاهب في هَذَا :
الأول : المنع مطلقاً
من اختصار الْحَدِيْث ، بناءاً عَلَى المنع من الرِّوَايَة بالمعنى ([1])
؛
لأن حذف بَعْض
الْحَدِيْث ورواية بعضه رُبَّمَا أحدث الخلل فِيْهِ ، والمختصر لا يشعر ([2])
.
الثاني : الجواز
مطلقاً ، وبه قَالَ مجاهد ، ويحيى بن مَعِيْنٍ ، وغيرهما ([3])
.
قَالَ الحَافِظ
العراقي : (( ينبغي تقييد الإطلاق بِمَا إذا لَمْ يَكُنِ المحذوف متعلقاً بالمأتي
بِهِ تعلقاً يخل بالمعنى حذفه ، كالاستثناء والحال ونحو ذَلِكَ ، كَمَا سيأتي في
القول الرابع . فإن كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بلا خلاف ، وبه جزم أَبُو بكر
الصيرفي([4])
وغيره ، وَهُوَ واضح )) ([5])
.
الثالث : إن لَمْ
يَكُنْ رَوَاهُ عَلَى التمام مرة أخرى هُوَ أو غيره لَمْ يَجُزْ ، وإن كَانَ
رَوَاهُ عَلَى التمام مرة أخرى هُوَ أو غيره جاز
([6])
.
الرابع : يجوز اختصار
الحديث والاقتصار عَلَى بعضه إذا كَانَ فاعل ذَلِكَ عالماً عارفاً، وَكَانَ ما
تركه متميزاً عمّا نقله غَيْر متعلق بِهِ ، بِحَيْثُ لا يختل البيان ، ولا تختلف
الدلالة فِيْمَا نقله بترك ما تركه ([7])
.
وهذا المذهب هُوَ
الَّذِي صححه ابن الصَّلاَح وغيره ، وعلل ذَلِكَ بقوله : (( لأن الَّذِي نقله
والذي تركه – والحالة هَذِهِ – بمنـزلة خبرين منفصلين في أمرين لا تعلق لأحدهما
بالآخر )) ([8]).
وَقَدْ ترتب عَلَى
اختصار بَعْض الرُّوَاة للأحاديث ، خلاف بَيْنَ الفقهاء في بَعْض جزئيات الفقه
الإسلامي ، ونستطيع أن نمثل ذَلِكَ بِمَا يأتي :
رَوَى شعبة ، عن سهيل
بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هُرَيْرَةَ عن النبيّ صلي الله عليه وسلم قَالَ : (( لا وضوء إلا من صوت أو ريح )) ([9]) .
هكذا رَوَى شعبة
الْحَدِيْث مختصراً ، نبّه عَلَى ذَلِكَ حفاظ الْحَدِيْث ونقاده ، فأبو حاتم
الرازي يَقُوْل : (( هَذَا وهم ، اختصر شعبة مَتْن هَذَا الْحَدِيْث ، فَقَالَ :
(( لا وضوء إلا من صوت أو ريح ))، ورواه أصحاب سهيل عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي
هُرَيْرَةَ ، عن النَّبِيّ صلي الله عليه وسلم قَالَ: (( إِذَا كَانَ أحدكم في الصَّلاَة فوجد ريحاً من نفسه
فَلاَ يخرجن حَتَّى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً )) )) ([10]).
وَقَالَ البَيْهَقِيّ
: (( هَذَا مختصر )) ([11]).
إلا أن الحَافِظ ابن
التركماني قَالَ : (( لَوْ كَانَ الْحَدِيْث الأول مختصراً من الثاني ، لكان
موجوداً في الثاني مَعَ زيادة ، وعموم الحصر المذكور في الأول لَيْسَ في الثاني ،
بَلْ هما حديثان مختلفان )) ([12])
.
وتابعه عَلَى هَذَا
التعليل الشوكاني ، فَقَالَ : (( شعبة إمام حافظ واسع الرِّوَايَة ، وَقَدْ رَوَى
هَذَا اللفظ بهذه الصيغة المشتملة عَلَى الحصر ، ودينه ، وإمامته ، ومعرفته بلسان
العرب يرد ما ذكره أبو حاتم )) ([13])
.
وأيّد هَذَا الشَّيْخ
أبو إسحاق الحويني في تحقيقه لـ " منتقى " ابن الجارود ([14])
.
وَإِذَا ذهبنا نستجلي
حقيقة الأمر بطريق البحث العلمي المستند إِلَى حقائق الأمور وقواعد أصحاب هَذَا
الفن، نجد أن أبا حاتم الرازي لَمْ يحكم بهذا الحكم من غَيْر بينة، إِذْ أشار في
تضاعيف كلامه إِلَى أن مستنده في الحكم بوهم شعبة واختصاره للحديث : مخالفته
لجمهور أصحاب سهيل ، وهذا هُوَ المنهج العلمي الَّذِي يتبعه أَئِمَّة الْحَدِيْث
في مَعْرِفَة ضبط الرَّاوِي ، وذلك من خلال مقارنة روايته برواية غيره ، وهذا
يقتضي جمع الطرق ، والحكم عن تثبت ، لا بالتكهن والتجويز العقلي الخلي عن البرهان
والدليل .
وبغية الوصول إِلَى
الحكم الصائب تتبعنا طرق هَذَا الْحَدِيْث ، فوجدنا سبعة من أصحاب سهيل رووه عن
سهيل خالفوا في رواياتهم رِوَايَة شعبة ، وهم :
جرير بن عَبْد الحميد
بن فرط الضبي ، عِنْدَ مُسْلِم ([15])
، والبيهقي ([16])
.
حماد بن سلمة ، عِنْدَ
: أَحْمَد ([17])
، والدارمي ([18])
، وأبي داود ([19])
.
خالد بن عَبْد الله
الواسطي ، عِنْدَ ابن خزيمة ([20])
.
زهير بن معاوية ،
عِنْدَ أبي عوانة ([21])
.
عَبْد العزيز بن
مُحَمَّد الدراوردي ، عِنْدَ التِّرْمِذِيّ ([22]) ، وابن خزيمة ([23])،
وابن المنذر ([24]).
مُحَمَّد بن جعفر ،
عِنْدَ البَيْهَقِيّ ([25])
.
يَحْيَى بن المهلب
البجلي ، عِنْدَ الطبراني في " الأوسط " ([26]) .
ورِوَايَة الجمع أحق
أن تتبع ويحكم لها بالسلامة من الخطأ .
ولا يطعن هَذَا في
إمامة شعبة ودينه ، فهذا أمر وهذا أمر آخر ، ومن ذا الَّذِي لا يخطئ .
ولا يشترط أن يَكُوْن
لفظ الْحَدِيْث المختصر موجوداً في الْحَدِيْث المختصر مِنْهُ ، بَلْ يكفي وجود
المعنى، إِذْ لربما اختصر الرَّاوِي الْحَدِيْث، ثُمَّ رَوَى اللفظ المختصر
بالمعنى ، فَلاَ يبقى رابط بَيْنَهُمَا سوى المعنى ، وهذا ما نجده في حديثنا هَذَا
، وبه يندفع اعتراض ابن التركماني ومن قلّده .
المبحث التاسع
ورود حَدِيْث الآحاد
فِيْمَا تعم بِهِ البلوى
يجدر بنا قَبْلَ
الدخول في هَذِهِ المسألة أن نتعرف عَلَى المقصود من قَوْل الفقهاء : (( ما تعم
بِهِ البلوى )) .
فمعناه عندهم : ما كثر
وقوعه ويحتاج إلى العِلْم بِهِ جَمِيْع الناس ، وما كَانَتْ هَذِهِ صورته فإن
الدواعي تدعو إِلَى أن ينقله العدد الجمّ فيكون بمثابة الخبر المتواتر أو
المَشْهُوْر ، ووروده بخبر الآحاد ريبة توجب التوقف في قبول الخبر وهذا ما جنح
إليه الحنفية ([27])
.
واستدلوا بالآثار
الَّتِي رويت عن صحابة رَسُوْل الله صلي الله عليه وسلم ، مِمَّا يدل ظاهرها عَلَى العمل بهذا الشرط ، ومن ذَلِكَ :
1. ماروي عن قبيصة بن
ذؤيب قَالَ : جاءت الجدة إِلَى أبي بكر تسأله ميراثها ، قَالَ فَقَالَ لها : مالك
في كتاب الله شيء ، ومالك في سنة رَسُوْل الله صلي الله عليه وسلم شيء ، فارجعي حَتَّى أسأل الناس ، فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة : حضرت رَسُوْل
الله صلي الله عليه وسلم فأعطاها السدس ، فَقَالَ أبو بكر : هَلْ معك غيرك ؟ فقام مُحَمَّد
بن مسلمة الأنصاري فَقَالَ مِثْل ما قَالَ المغيرة بن شعبة فأنفذه لها أبو بكر ([28])
.
2. عن أبي سعيد الخدري
قَالَ: استأذن أبو موسى عَلَى عمر ، فَقَالَ : السلام عليكم أأدخل ؟ قَالَ عمر:
واحدة ، ثُمَّ سكت ساعة ، ثُمَّ قَالَ: السلام عليكم أأدخل ؟ قَالَ عمر : اثنان ،
ثُمَّ سكت ساعة فَقَالَ : السلام عليكم أأدخل ؟ فَقَالَ عمر : ثلاث
ثُمَّ رجع أبو موسى ،
فَقَالَ عمر للبواب: ماصنع ؟ قَالَ : رجع . قَالَ : عَلِيّ بِهِ ، فلما جاءه قَالَ
: ماهذا الَّذِي صنعت ؟ قَالَ: السنة ، قَالَ: السنة ؟ والله لتأتيني عَلَى هَذَا
ببرهان أو بينة أو لأفعلن بك ، قَالَ : فأتانا ونحن رفقة من الأنصار : فَقَالَ :
يا معشر الأنصار ألستم أعلم الناس بحديث رَسُوْل الله
؟ ألم يقل رَسُوْل الله صلي الله عليه وسلم : (( الاستئذان ثلاث ، فإن أذن لَكَ ، وإلا فارجع )) ، فجعل القوم
يمازحونه ، قَالَ أبو سعيد : ثُمَّ رفعت رأسي إِلَيْهِ فقلت : فما أصابك في هَذَا
من العقوبة فأنا شريكك . قَالَ : فأتى عمر فأخبره بِذَلِكَ ، فَقَالَ عمر : ما كنت
علمت بهذا ([29]) .
ولا معارض من الصَّحَابَة
لفعل الخليفتين ، فكان إجماعاً مِنْهُمْ عَلَى مضمون فعلهما ([30]) .
وأجيب عن استدلالهم
هذا :
بأن دعوى الإجماع
منقوضة بفعل عدد من الصحابة ، إذ قبل كثير منهم أخبار الآحاد وقبلوها ، بل ورد هذا
عن الخليفتين أميري المؤمنين اللذين استدلوا بفعلهما ، ومن ذلك :
1- قبل الخليفة أبو
بكر حديث ابنته أم المؤمنين عائشة في قدر الثوب الذي كفن فيه رسول الله
، فروى البخاري ([31])
، ومسلم ([32])
وغيرهما ([33])
، عن عائشة رضي الله عنها : (( دخلت على أبي بكر –
رضي الله عنه – فقال : في كم كفنتم النبي صلي الله عليه وسلم ؟ قالت في ثلاثة أثواب سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة وقال لها : في أي يوم توفي رسول الله صلي الله عليه وسلم؟ قالت : يوم الاثنين )) . وكلا الأمرين ( الكفن ، ويوم وفاته ) مِمَّا تعم بِهِ
البلوى
2- قَبْلَ الخليفة
الفاروق أمير المؤمنين عمر خبر أم المؤمنين عَائِشَة –رضي الله عَنْهَا–
في وجوب الغسل من التقاء الختانين ، فأخرج
الطحاوي ([34]) من طريق عبيد الله بن عدي بن الخيار([35])
، قَالَ : تذاكر أصحاب النَّبِيّ صلي الله عليه وسلم عند عمر بن الخطاب الغسل من الجنابة .
فقال بعضهم : إذا جاوز
الختان الختان فقد وجب الغسل ، وقال بعضهم : إنما الماء من الماء .
فقال عمر –
رضي الله عنه -: قد اختلفتم عليَّ وأنتم
أهل بدر الأخيار ، فكيف بالناس بعدكم ؟ فقال علي بن أبي طالب –
رضي الله عنه -: يا أمير المؤمنين إن أردت أن تعلم ذلك فأرسل إلى أزواج النبي صلي الله عليه وسلم فسلهن عن ذلك
فأرسل إلى عائشة –رضي الله عنها –
فقالت:(( إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل )) . فقال عمر عند ذلك : لا أسمع
أحداً يقول : الماء من الماء إلا جعلته نكالاً .
وهذا الأمر مما تعم به
البلوى أيضاً . وغيرها من الحوادث والآثار التي تعزز في نفس الناظر قبول خبر
الآحاد فيما تعم به البلوى أو في غيرها .
أما الحادثتان اللتان
استدلوا بهما ، فيمكن الإجابة عنها :
بأن أبا بكر إنما توقف
في خبر المغيرة، لأن ما أخبر عنه أمر مشهور، فأراد التثبت فيه ([36])
.
وأما عمر فلأن أبا
موسى أخبره الحديث عقب إنكاره عليه ، فأراد عمر الاستثبات في خبره لهذه القرينة ([37])
.
فالراجح ما ذهب إليه
جمهور أهل العلم من أن خبر الآحاد يعمل به وإن كان مما تعم به البلوى إذا استوفى شروط القبول للاحتجاج به من حيث
ثبوته عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، ذلك أن الأدلة الشرعية الدالة عَلَى وجوب العمل بخبر الآحاد لم
تفرق بين عموم البلوى وغيرها .
أثره في اختلاف
الفقهاء
النموذج الأول : نقض
الوضوء بمس الذكر
اختلف الفقهاء في من
مسَّ ذكره أو ما في معناه ، هل ينتقض وضوؤه أم لا ؟
وافترقوا على قولين :
الأول : إذا مس
المتوضئ فرجه انتقض وضوؤه ، وعليه الوضوء من جديد ، وبه قال جمهور أهل العلم من
الصحابة فمن بعدهم، منهم: عمر بن الخطاب ، وابنه عبد الله ابن عمر ، والبراء بن
عازب ، وزيد بن خالد الجهني([38])،
وجابر بن عبد الله ، وأبو أيوب الأنصاري ، وزيد بن ثابت ، وعائشة ، وأم حبيبة ،
وبسرة بنت صفوان([39])
، وعطاء بن أبي رباح ، وطاووس ، وعروة بن الزبير ، وسليمان بن يسار ، وأبان بن
عثمان([40])
، والزهري ، ومجاهد ، ومكحول ، وجابر بن زيد ، والشعبي ، وعكرمة ، ومصعب بن سعد ([41])
، ويحيى بن أبي كَثِيْر ([42])،
وهشام بن عروة ، وأبو العالية ([43])،
وجماعة أهل الشام والمغرب ، وأكثر أهل الحديث .
وإليه ذهب الأوزاعي
والليث بن سعد وداود الظاهري وإسحاق بن راهويه والطبري .
وَهُوَ رواية عن سعد بن أبي وقاص ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وسعيد
بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، والحسن ([44]).
وهو مذهب الشافعية
والظاهرية وجمهور المالكية ورواية عن الإمام أحمد ، على تفصيل بينهم ، نبينه فيما
يأتي :
الشافعية: إذا مس رجل
ذكر نفسه أو ذكر غيره ، صغيراً أو كبيراً ، حياً أو ميتاً ، قريباً أو أجنبياً ،
وإن كان الذكر مقطوعاً من حي، بشرط أن يكون ببطن الكف أو بطن الأصابع أنقض وضوء
اللامس ، والحكم نفسه بالنسبة للمرأة ، وينتقض أيضاً بمس حلقة الدبر في جديد مذهب
الشَّافِعِيّ .
ولا ينقض الوضوء مس
أنثييه أو إليتيه ، أو أعجازه ، أو عانته ، أو فرج بهيمة ، ويشترط في النقض عدم
الحائل ، ولا يشترط العمد ، بَلْ يستوي فِيْهِ العامد والساهي([45]).
الظاهرية : مَنْ مَسَّ
ذَكَرَهُ بأي جزء من بدنه –عدا الفخذ والساق أو الرجل– عامداً انتقض وضوءه، وكذا
المرأة إن تعمدت مس فرجها، ويتعدى هَذَا الحكم إِلَى مس فرج الغير صغيراً أو
كبيراً ، حياً أو ميتاً ، مَحْرَمٍ أو غَيْر مَحْرَمٍ ، بأي جزء من بدن اللامس ،
ويشترط في جَمِيْع ذَلِكَ عدم الحائل ، ولا يشترط وجود اللذة ([46])
.
المالكية : قَالَ ابن
عَبْد البر : (( اضطرب قَوْل مالك في إيجاب الوضوء مِنْهُ ، واختلف مذهبه فِيْهِ
))([47]).
والذي وقفت عَلَيْهِ
من أقوال المالكية في نقض الوضوء من مس الذكر ما يأتي :
1. قيّدها بعضهم وهم:
إسماعيل بن إسحاق ، وابن بكير ، وابن المنتاب([48])، وأبو الفرج([49])،
والأبهري([50])،
وسائر مالكية بغداد ، بوجود اللذة ، فإن مسه ملتذاً وجب عَلَيْهِ الوضوء ، وإن صلى
وَلَمْ يتوضأ من مسه ، فعليه الإعادة سواء كَانَ في الوقت أو بعده . وإن لَمْ
يلتذَّ بمسه فَلاَ شيء عَلَيْهِ ([51])
.
2. ذهب أصبغ بن الفرج([52])
وعيسى بن دينار مِنْهُمْ إِلَى إيجاب الوضوء مطلقاً ، وإن صلى بَعْدَ مسه من غَيْر
وضوء فعليه الإعادة في الوقت أو بعده ([53]) .
3. ورأى سحنون([54])
والعتبي أن لا وضوء عَلَيْهِ مطلقاً ، ولا إعادة عَلَى من صلى بَعْدَ لمسه من
غَيْر وضوء ، سواء في الوقت أم بعده ([55]) .
4. وذهب ابن القاسم
وأشهب،وابن وهب في رِوَايَة إِلَى أن عَلَيْهِ الوضوء من مس الذكر، فإن صلى بَعْدَ
أن مسه من غَيْر وضوء، فعليه الإعادة ما دام في الوقت، فإن خرج الوقت فَلاَ إعادة
عَلَيْهِ ([56])
.
قَالَ العلاّمة خليل
في مختصره الَّذِي أصبح عمدة المالكية – لا سيما المتأخرون – وَهُوَ يتكلم عن
نواقض الوضوء : (( ومطلق مس ذكره المتصل )) ([57]) .
قَالَ أبو عمر بن
عَبْد البر : (( واستقر قوله ( وفي الاستذكار : والذي تقرر عَلَيْهِ المذهب عِنْدَ
أهل المغرب من أصحابه ) أن لا إعادة عَلَى من صلى بَعْدَ أن مسه قاصداً وَلَمْ
يتوضأ إلا في الوقت ، فإن خرج الوقت فَلاَ إعادة عَلَيْهِ )) ([58])
.
رِوَايَة الإمام أحمد
([59]):
إذا مس الرجل ذكره انتقض وضوؤه ، ولا فرق بَيْنَ العامد والساهي ، وفي رِوَايَة
عَنْهُ اشتراط التعمد ، ولا فرق بَيْنَ باطن الكف وظاهرها ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ نقض
بمسه بذراعه ، وَعَنْهُ في رِوَايَة: عَلَيْهِ الوضوء ، ولا فرق في كُلّ هَذَا
بَيْنَ ذكره وذكر غيره صغيراً أو كبيراً حياً أو ميتاً ، وفي الذكر المقطوع
رِوَايَتَانِ . وأما حلقة الدبر ففيها رِوَايَتَانِ ، وفي شمول كُلّ هَذَا للمرأة
رِوَايَتَانِ عَنْهُ : النقض وعدمه ، والأشهر عَنْهُ أن يَكُوْن اللمس من غَيْر
حائل ([60])
.
الثاني : لَيْسَ عَلَى
من مس ذكره وضوء ، ووضوؤه صَحِيْح ، وبه قَالَ من الصَّحَابَة فمن بعدهم :
عَلِيّ وابن مسعود
وعمار بن ياسر وحذيفة([61])
وأبو الدرداء وعمران بن الحصين ([62])
والنخعي وشريك والحسن بن حي ([63])
، وعبيد الله بن الحسن ، وَهُوَ رِوَايَة عن سعد بن أبي وقاص وأبي هُرَيْرَةَ
وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن البصري ([64]) .
قَالَ في الروض النضير
: (( وَهُوَ المحفوظ عن أَئِمَّة أهل البيت )) ([65]) .
وإليه ذهب: الحنفية ([66])،
والزيدية([67])،
والإمامية([68])،
وهُوَ رِوَايَة عن الإمام أحمد([69])
، وبه جزم ابن المنذر ([70])
، واختاره العُتقي وسحنون من المالكية ([71]) .
الأدلة :
استدل من قَالَ بنقض
الوضوء : مِن مس الذكر بجملة أدلة ، من بينها حَدِيْث بسرة بنت صفوان أن النَّبِيّ
قَالَ : (( مَن مس ذكره فليتوضأ )) ([72]) .
وَقَدْ رد الحنفية
الاستدلال بهذا الْحَدِيْث من وَجْهَيْنِ :
الأول : الطعن في
الْحَدِيْث من ناحية الثبوت ([73])
.
الثاني : الاعتراض
عَلَيْهِ من حَيْثُ إن بسرة تفردت بنقله ، والفرض أن ينقله عدد كبير ؛ لتوافر
الدواعي عَلَى نقله ([74])
، قَالَ السرخسي([75])
: (( ما بال رَسُوْل اللهصلي الله عليه وسلم لَمْ يقل هَذَا بَيْنَ يدي كبار الصَّحَابَة ،حَتَّى لَمْ ينقله
أحد مِنْهُمْ ، وإنما قَالَهُ بَيْنَ يدي بسرة ؟وَقَدْ كَانَ رَسُوْل الله صلي الله عليه وسلم أشد حياءً من العذراء في خدرها )) ([76]).
ويتفرع عن إيرادهم
هَذَا الاعتراض بِمَا يأتي :
ورد في بَعْض الروايات
أن مروان بعث شرطياً إلى بسرة ، فنقل الْحَدِيْث عَنْهَا وسمعه مِنْهُ عروة ، وهذا
الشرطي مجهول . فتبين أن سَمَاع عروة عن طريق مجهول ، فَلاَ تقوم الحجة بإخباره .
أن هَذَا الْحَدِيْث يعارض حَدِيْث طلق([77])
بن عَلِيّ الحنفي في تَرْك الوضوء من مسه ، وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيّ في حَدِيْث
طلق : (( هَذَا الْحَدِيْث أحسن شيء روي في هَذَا الباب )) ([78]) .
إن هَذَا الْحَدِيْث
حَدِيْث آحاد ، وَقَدْ ورد فِيْمَا تعم بِهِ البلوى ، وهذه ريبة توجب التوقف في
قبوله .
أنَّهُ تضمن حكماً يختص بالرجال ، وَقَدْ روته
امرأة .
ونجيب عن هَذِهِ
الاعتراضات بِمَا يأتي :
أما الأول : فإنه قَدْ
ورد في بَعْض طرق الْحَدِيْث التصريح بأن عروة سمعه مباشرة من غَيْر واسطة من بسرة
.
فأخرج أحمد ([79])،
وابن الجارود ([80])،
وابن حبان ([81])،
والدارقطني ([82])،
والحاكم ([83])،
والبيهقي في السنن ([84])
، وفي مَعْرِفَة السنن والآثار ([85])
، هَذَا الْحَدِيْث وفيه التصريح بسماع عروة من بسرة .
ولنسق رِوَايَة ابن
الجارود ليتضح هَذَا ، فروى بإسناده عن هشام بن عروة ، عن أبيه، عن مروان بن
الحكم، عن بسرة، أن النَّبِيّ صلي الله عليه وسلم قَالَ : (( من مس ذكره فليتوضأ )) . قَالَ عروة : سألت بسرة
فصدقته .
ومن خلال التتبع للطرق
الَّتِي روي بِهَا الْحَدِيْث ، نقف عَلَى ثلاث طرق للحديث من طريق عروة ، هِيَ :
عروة ، عن مروان ، عن
بسرة .
تذاكر عروة ومروان نواقض الوضوء ، فأرسل مروان
شرطياً إِلَى بسرة ، فذكرت الْحَدِيْث .
فتكون حقيقة الرِّوَايَة : عروة ، عن الشرطي ، عن بسرة .
عروة ، عن بسرة مباشرة .
وَقَدْ أجاد الحَافِظ
ابن حبان في تفسير هَذَا التنوع قائلاً :
(( وأما خبر بسرة
الَّذِي ذكرناه ، فإن عروة بن الزبير سمعه من مروان بن الحكم عن بسرة ، فَلَمْ
يقنعه ذَلِكَ حَتَّى بعث مروان شرطياً لَهُ إلى بسرة فسألها ، ثُمَّ أتاهم فأخبرهم
بمثل ما قالت بسرة ، فسمعه عروة ثانياً عن الشرطي عن بسرة ، ثُمَّ لَمْ يقنعه
ذَلِكَ حَتَّى ذهب إِلَى بسرة فسمع منها . فالخبر عن عروة عن بسرة متصل لَيْسَ
بمنقطع ، وصار مروان والشرطي كانهما عاريتان يسقطان من الإسناد )) ([86]) .
وَقَالَ الحَافِظ ابن
حجر: (( جزم ابن خزيمة وغير واحد من الأئمة: بأن عروة سمعه من بسرة )) ([87])
.
وأسهب أبو عَبْد الله
الحَاكِم في التدليل عَلَى هَذَا ، بعرض نفيس ([88]) .
عَلَى أن الْحَدِيْث
مروي عَنْهَا من غَيْر طريق عروة ([89])
.
وأما اعتراضهم الثاني :
فحديث طلق بن عَلِيّ
الحنفي ، حَدِيْث صَحِيْح ، صححه جمع من الحفاظ النقاد ، مِنْهُمْ: عَمْرو بن
عَلِيّ الفلاس([90])،
وعلي بن المديني، والطحاوي، وابن حبان ، والطبراني ، وابن حزم ([91])
.
وَقَالَ الفلاس : ((
هُوَ عندنا أثبت من حَدِيْث بسرة )) ([92]) .
وَقَالَ ابن المديني :
(( هُوَ عندنا أحسن من حَدِيْث بسرة )) ([93]) .
وبيان طرق هَذَا
الْحَدِيْث فِيْمَا يأتي :
فَقَدْ رَوَاهُ عن طلق
ابنه قيس ، وقيس هَذَا تكلم فِيْهِ بغير حجة ، ووثقه أحمد وابن مَعِيْنٍ والعجلي
وذكره ابن حبان في ثقاته ([94])
.
وَقَدْ روي بأربع طرق
:
رَوَاهُ ابن أبي شيبة
([95])،
وأبو داود ([96])،
والترمذي([97])،
والنسائي ([98])،والدارقطني([99])،
وابن الجارود([100])،
والطحاوي([101])،
والبيهقي([102])،
من طريق ملازم بن عَمْرو، عن عَبْد الله بن بدر ، عن قيس بن طلق بن عَلِيّ ، عن
أبيه ، مرفوعاً .
وعبد الله بن بدر :
هُوَ ابن عميرة الحنفي السحيمي اليمامي ، جد ملازم بن عمر لأبيه ، وَقِيْلَ :
لأمه ([103]) .
وثقه ابن مَعِيْنٍ
وأبو زرعة والعجلي ([104])
، وذكره ابن حبان في الثقات ([105])
، وَقَالَ ابن حجر : (( كَانَ أحد الأشراف : ثقة )) ([106])
.
وملازم بن عَمْرو :
هُوَ ابن عَبْد الله بن بدر الحنفي السحيمي اليمامي ، وثقه أحمد وابن مَعِيْنٍ
وأبو زرعة والنسائي ([107])
، وذكره ابن حبان في ثقاته ([108])
، وَقَالَ أبو حاتم : لابأس بِهِ صدوق ([109]) ، وَقَالَ
الحَافِظ ابن حجر : (( صدوق )) ([110])
.
وانطلاقاً من هَذَا
الطريق القوي صححه من صححه من الأئمة، وإليه يشير كلام الإمام التِّرْمِذِيّ ، إذ
يَقُوْل بَعْدَ أن رَوَاهُ من هَذَا الطريق: (( وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيْث
أيوب ابن عتبة([111])
، ومحمد بن جابر ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه . وَقَدْ تكلم بَعْض أهل الْحَدِيْث في
مُحَمَّد بن جابر وأيوب بن عتبة، وحديث ملازم بن عَمْرو، عن عَبْد الله بن بدر أصح
وأحسن )) ([112])
.
رَوَاهُ الطيالسي ([113])
، وأحمد ([114])
، والطحاوي ([115])
، والبيهقي ([116])
، من طرق عن أيوب بن عتبة ، عن قيس بن طلق ، عَنْهُ .
وأيوب : قَالَ أحمد :
ضعيف ، وفي رِوَايَة: ثقة ، إلا أنَّهُ لا يقيم حَدِيْث يَحْيَى بن أبي كَثِيْر ،
وَقَالَ ابن مَعِيْنٍ : لَيْسَ بالقوي ، ومرة : لَيْسَ بشيء ، ومرة: ضعيف ، ومرة:
لَيْسَ حديثه بشيء ، ومرة : لا بأس بِهِ ، وَقَالَ الفلاس : ضعيف وَكَانَ سيء
الحفظ ، وَهُوَ من أهل الصدق . وَقَالَ ابن المديني والجوزجاني([117])
وابن عمار([118])
ومسلم : ضعيف . وَقَالَ العجلي : يكتب حديثه وَلَيْسَ بالقوي . وَقَالَ
البُخَارِيّ : هُوَ عندهم لين ([119])
.
ومن تأمل أقوال
هَؤُلاَءِ الأئمة يجد أنهم تكلموا فِيْهِ من جهة الحفظ لا من جهة العدالة ،
وَعَلَيْهِ فحديثه قابل للارتقاء فِيْمَا إذا اعتضد بالمتابعات والشواهد ، وَهُوَ
متابع في روايته عن قيس ، كَمَا يعلم من تفصيل هَذِهِ الطرق .
رَوَاهُ عَبْد الرزاق
([120])
، وأحمد ([121])
، وابن ماجه ([122])
، والدارقطني ([123])
، والحازمي([124])،
وابن الجارود ([125])
، والطبراني في الكبير ([126])
،من طرق عن مُحَمَّد بن جابر ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه ، بِهِ .
ومحمد بن جابر : هُوَ
ابن سيار السحيمي الحنفي الضرير ، ضعيف ، ضعفه غَيْر واحد من الأئمة ([127])
.
رَوَاهُ ابن عدي ([128])
من طريق عَبْد الحميد بن جعفر([129]) ، عن أيوب بن مُحَمَّد العجلي ، عن قيس بن طلق
، عن أبيه ، بِهِ .
وعبد الحميد بن جعفر ،
وأيوب بن مُحَمَّد ، كلاهما متكلم فِيْهِ ([130]) .
وإذا ضممنا هَذِهِ
الطرق إِلَى بعضها ، ارتقى الْحَدِيْث إِلَى حيّز الاحتجاج ، عَلَى أن الطريق
الأولى عِنْدَ انفرادها حجة قائمة .
وأما ما نقل عن
الحافظين أبي حاتم وأبي زرعة الرازيين من تضعيفهم لهذا الْحَدِيْث، فالمتأمل لصيغة
السؤال ، يجد أنهما لَمْ يعمما الحكم ، فَقَدْ قَالَ ابن أبي حاتم: (( سألت أبي
وأبا زرعة عن حَدِيْث رَوَاهُ مُحَمَّد بن جابر ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه ، أنَّهُ
سأل رَسُوْل اللهصلي الله عليه وسلم هَلْ في مس الذكر وضوء ، قَالَ : لا . فَلَمْ يثبتاه ، وقالا :
قيس بن طلق لَيْسَ مِمَّنْ تقوم بِهِ الحجة ووهماه )) ([131])
.
فالسؤال مقيد بطريق
مُحَمَّد بن جابر ، وَهُوَ ضعيف اتفاقاً ، ولا جدال في كونه ضعيفاً فِيْمَا إذا
تفرد ، فكيف بثلاث طرق أخرى إحداها حجة لَوْ انفردت !!
وأما غمزهما لقيس بن
طلق ، فَلَمْ يوافقهما عَلَيْهِ أحد من النقاد ، وَقَدْ تقدم الكلام عَنْهُ .
عَلَى أن الحَافِظ عَبْد الحق الإشبيلي([132]) أورد هَذَا
الْحَدِيْث في أحكامه الوسطى ([133])
ساكتاً عَنْهُ وَهُوَ يقتضي صحته عنده ([134]) . فتعقبه
الحَافِظ ابن القطان قائلاً : (( والحديث مختلف فِيْهِ ، فينبغي أن يقال فِيْهِ :
حسن )) ([135])
.
فهذا أقل أحوال
الْحَدِيْث ، وإلا فَهُوَ صَحِيْح .
أما وجه التوفيق
بَيْنَ حديثي بسرة وطلق فسيأتي فِيْمَا بعد .
وأما الثالثة : فادعاء
أنَّهُ خبر آحاد ادعاء منقوض فالحديث مروي من حَدِيْث ثمانية من الصَّحَابَة ، هم
:
1. عَبْد الله بن
عَمْرو:أخرجه أحمد([136])،وابن
الجارود([137])،والطحاوي([138])،والدارقطني([139])
والبيهقي ([140])
، والحازمي ([141])
، من طريق عَمْرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده .
نقل التِّرْمِذِيّ عن
البُخَارِيّ أنَّهُ قَالَ : (( حَدِيْث عَبْد الله بن عَمْرو في مس الذكر ، هُوَ
عندي صَحِيْح )) ([142])
.
2. زيد بن خالد الجهني
: رَوَاهُ ابن أبي شيبة ([143])
، وأحمد ([144])
، والطحاوي ([145])
، والبزار ([146])
، والطبراني ([147])
، وابن عدي ([148])
.
3. عَبْد الله بن عمر
بن الخطاب : عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ ([149]) ، وفي إسناده :
عَبْد الله بن عمر العمري ، ضعيف ([150]).
وأخرجه أيضاً :
الطحاوي ([151])
والبزار ([152])
والطبراني ([153])
.
وفي إسناد الطحاوي
والبزار : صدقة بن عَبْد الله ، ضعيف ([154]) ، وهاشم بن زيد
أيضاً ([155])
. أما الطبراني ففي إسناده : العلاء بن سليمان الرقي ، ضعيف جداً ([156])
.
ورواه الحَاكِم ([157])
وفي إسناده : عَبْد العزيز بن أبان ، متروك متهم ([158]) .
ورواه ابن عدي ([159])
وفيه أيضاً : العلاء بن سليمان الرقي .
ورواه أيضاً ([160])
وفيه : أيوب بن عتبة ، وَقَدْ تقدم بَيَان حاله ، وعبد الله بن أبي جعفر([161]).
ومن مجموع هَذِهِ الطرق
يتقوى الْحَدِيْث .
4. أبو هُرَيْرَةَ:
بلفظ: (( إذا أفضى أحدكم بيده إِلَى فرجه ، حَتَّى لا يَكُوْن بينه حجاب ولا ستر
فليتوضأ وضوءه للصلاة ))
أخرجه الشَّافِعِيّ ([162])،
والبزار ([163])،
والطحاوي ([164])،
وابن حبان ([165])،
والطبراني([166])
، والحاكم ([167])،
وابن السكن ([168])،
وأحمد ([169])،
والدارقطني ([170])،
والبيهقي([171])،
والبغوي([172])،
والحازمي ([173])
.
وَهُوَ حَدِيْث قوي ،
تابع يزيدَ بنَ عَبْد الملك النوفليَّ ([174]) عَلَى روايته
نافعُ بنُ أبي نعيم ، قَالَ ابن حبان : (( احتجاجنا في هَذَا الخبر بنافع بن أبي
نعيم دُوْنَ يزيد بن عَبْد الملك النوفلي )) ([175]) .
قَالَ ابن عَبْد البر
: (( كَانَ هَذَا الْحَدِيْث لا يعرف إلا ليزيد بن عَبْد الملك النوفلي هَذَا ،
وَهُوَ مجتمع عَلَى ضعفه ، حَتَّى رَوَاهُ عَبْد الرَّحْمَان بن القاسم – صاحب
مالك – عن نافع بن أبي نعيم القارئ ([176]) ، وَهُوَ إسناد
صالح – إن شاء الله – ، وَقَدْ أثنى ابن مَعِيْنٍ عَلَى عَبْد الرَّحْمَان بن
القاسم في حديثه ووثقه ، وَكَانَ النسائي يثني عَلَيْهِ أيضاً في نقله عن مالك
لحديثه ، ولا أعلمهم يختلفون في ثقته ، وَلَمْ يروِ هَذَا الْحَدِيْث عَنْهُ ، عن
نافع بن أبي نعيم ويزيد بن عَبْد الملك إلا أصبغ بن الفرج )) ([177])
.
5. أم المؤمنين
عَائِشَة مرفوعاً : (( ولفظ حديثها : ويل للذين يمسون فروجهم ثُمَّ يصلون ولا
يتوضئون )) . رَوَاهُ الطحاوي ([178])
والبزار ([179])
والدارقطني ([180])
واللفظ لَهُ .
6. أم المؤمنين أم
حبيبة مرفوعاً : ولفظه : (( من مس ذكره فليتوضأ )) .
رَوَاهُ ابن أبي شيبة
([181])
، وابن ماجه ([182])
، والترمذي ([183])
، والطحاوي ([184])
، وأبو يعلى ([185])
والطبراني ([186])
، والبيهقي ([187])،
وابن عَبْد البر ([188])
من طرق عن مكحول ، عن عنبسة بن أبي سُفْيَان([189]) ، عن أم حبيبة ،
بِهِ .
ونقل التِّرْمِذِيّ ([190])
عن البُخَارِيّ أنَّهُ قَالَ : (( مكحول لَمْ يسمع من عنبسة )) .
ونقل أيضاً أن أبا
زرعة استحسن الْحَدِيْث وعده محفوظاً .
لَكِن ابن أبي حاتم
نقل في كتاب " المراسيل " ([191]) ما يأتي :
(( سئل أبو زرعة عن
حَدِيْث أم حبيبة في مس الفرج ، فَقَالَ : مكحول لَمْ يسمع من عنبسة بن أبي
سُفْيَان شيئاً )) ([192])
.
وَكَانَ الإمام أحمد
يثبت هَذَا الْحَدِيْث ويصححه ([193])،
وكذا ابن مَعِيْنٍ فِيْمَا نقله ابن عَبْد البر ([194]) .
7. جابر بن عَبْد الله
الأنصاري مرفوعاً ، ولفظه : (( إذا مس أحدكم ذَكَرَهُ فعليه الوضوء )) .
روي من طريقين موصولاً
ومرسلاً ، فأما الرِّوَايَة الموصولة فأخرجها : الشَّافِعِيّ في الأم ([195])
، وفي المسند ([196])
، وابن ماجه ([197])
، والطحاوي ([198])
، والبيهقي ([199])
، والمزي ([200])
وفي طرقهم : (( عقبة بن عَبْد الرَّحْمَان )) مجهول ([201])
.
وأما الرِّوَايَة
المرسلة فأخرجها : الشافعي في الأم ([202]) وفي المسند ([203])
والطحاوي ([204])
والبيهقي ([205])
عن ابن ثوبان .
قَالَ الشَّافِعِيّ
بَعْدَ أن رَوَاهُ : (( سَمِعْتُ غَيْر واحد من الحفاظ يرويه ولا يذكر فِيْهِ
جابراً )) ([206]).
وَقَالَ
البُخَارِيّ:(( عقبة بن عَبْد الرَّحْمَان بن معمر([207])،
عن ابن ثوبان، رَوَى عَنْهُ ابن أبي ذئب مرسلاً عن النَّبِيّ صلي الله عليه وسلم في مس الذَّكَر. وَقَالَ بعضهم: عن جابر رضي الله عنه ولا يصح))([208]).
وسأل ابن أبي حاتم
أباه عن الرِّوَايَة الموصولة فأجابه قائلاً : (( هَذَا خطأ الناس يروونه عن ابن
ثوبان عن النَّبِيّ صلي الله عليه وسلم مرسلاً لا يذكرون جابراً )) ([209]) .
وبنحو هَذَا أعله
الطحاوي في شرح المعاني ([210]).
8. أبو أيوب الأنصاري
مرفوعاً : ولفظ حديثه : (( مَن مس فرجه فليتوضأ )) .
رَوَاهُ ابن ماجه ([211])
، والطبراني ([212])،
وأعله الدَّارَقُطْنِيّ بأن المحفوظ رِوَايَة مكحول عن أم حبيبة ، أما روايته عن
أبي أيوب فغير محفوظة ([213])
.
وأَيّاً ما يَكُن
الأمر فإن هَذَا الحكم قَدْ روي عن ثمانية من الصَّحَابَة ، بَعْض طرقهم صحيحة ،
وبعضها قابل للاعتضاد ، فمجموعها يَكُوْن في أقل أحواله مشهور، والمشهور يعمل بِهِ
عندهم فِيْمَا تعم بِهِ البلوى .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق